من كتب رواية( عالم صدام حسين)؟
حمزة الحسن
هذه وجهة نظرفي رواية( عالم صدام حسين) التي صدرت من دار الجمل عام 2003 وكاتبها مؤلف مجهول هومهدي حيدر. وتاريخ المؤلف المجهول هو تاريخ عريق في القدم بل قد يكون المؤلفالمجهول هو الأكثر غزارة في تاريخ الاداب والفنون اذا اخذنا في نظر الاعتبارالملاحم والأساطير والأغاني والأناشيد التي وجدت على الواح طينية أو على ورقالبردي.
ان النقدالحديث يتعامل مع النصوص الادبية داخل سياقها الادبي بصرف النظر عن المؤلف الذييموت، حسب رولان بارت، بعد نهاية النص او الأثر والفوارق بينهما واضحة حيث، من هذهالرؤية، النص مفتوح والاثر اكتمال، والنص سؤال والاثر جواب الخ الفوارق. لكننا هناامام نص روائي لا تتعلق حياته بمؤلفه الأول الذي ترك لنا هذا النص وانزوى بعد انقدم لنا شبكة تضليل منطقية، اذا كان هناك منطق في هذه الرواية، ومن هذه الأضاليلان اسمه مهدي حيدر أولا، وثانيا كتب هذه الرواية من كتمندو( نيبال)1992 ـ الىليما( بيرو)2002. وحسنا فعل حين وضع تاريخ البداية 1992 وهي بداية اراد منها خداعالدكتاتور نفسه، لأن المؤلف قبل الشروع بكتابة هذه الرواية كان يموت كل يوم وهويواجه مصيرا ماساويا خلال اعداده المادة التاريخية والوثائقية وهي فترة لاشك جعلت المؤلف لا يكتب او يجمع بليحتضر، وربما لا يستطيع الدكتاتور مهما شطح به الخيال، وهو خيال خصب على اية حال،أن يتخيل ان الروائي لم يكن في النيبال ولم يزر بيرو، ولكن هذه واحدة من الاعيبالروائي أو في الحقيقة واحدة من الاعيب الدكتاتور نفسه الذي يفرض على رعاياه هذاالنوع من التستر خلف اسماء الاشخاص والبلدان التي لا يفكر العراقي بالعيش فيها.
سأحاول هناسلوك الطرق الملتوية ذاتها التي سلكها المؤلف، فلو كانت الطرق واضحة ، على قول ابنعربي، فما حاجتنا الى الحكمة؟ وسأحاول تقديم بعض الحقائق على طريقته ايضا وعن طريقالخيال، فليس في هذه الرواية، ولا في هذا النقد، غير الخيال الذي هو في حالة تصعيدكل لحظة، ولا توجد حقيقة مؤكدة لا هنا ولا في النص الروائي، وكل شيء يروى من خلالالمتخيل، وعلى قول سارتر عن سيرته الذاتية ( الكلمات): سأروي حياتي لكن عن طريقالخيال.
ان من يقرأرواية( عالم صدام حسين) لا شك سيكتشف انه امام طاقة روائية مبدعة لأن الاحترافيةواضحة والصنعة والمهارة والبناء الروائي والرهافة والشعرية الروائية في الحكي تدلبوضوح على صانع ماهر يعرف الكثير عن فن الرواية اضافة الى المعرفة الغزيرةوالدقيقة بالمادة التاريخية وخاصة تاريخ العراق الحديث وعلى نحو خاص حقبة الفاشيةبكل ما فيها من احداث علنية وسرية وشخوص صنعت مرحلة غائرة في التاريخ والوجدانوالذاكرة. بل ان الروائي يعرف ما لانعرفه نحن عن شخصيات تلك الحقبة. وحقا كما يقول المؤلف العلني مهدي حيدر فيالتقديم:( هذه الرواية ليست نصا تاريخيا، بل هي عمل من نسج الخيال يستغل الواقعلبناء عالم خيالي مواز للعالم الواقعي، يتطابق معه احيانا ويختلف في احياناخرى...). نعم انه عمل من (نسج الخيال!) تم في النيبال وانتهى في البيرو، والمادةالروائية هنا ،حسب المؤلف، عمل متخيل. لكن اليس هذا هو بالضبط مجال الرواية الحديثة؟!
نحن امامركام من وقائع حقيقية جرت على ارض الواقع وجرت ايضا على اجسادنا وأرواحنا وأمامشخصيات نعرفها بالصوت والصورة والسلوك والعقيدة وبالاسماء الحقيقية بل شهدنانهايات دموية لبعضها لكن كل ذلك شيء والنص الروائي المكتوب في كتمندو شيء آخر!
وحكاية النصالروائي الموازي للمادة التاريخية او العالم الواقعي هي حكاية تتكرر في الفنالروائي.
نتذكر مثلارواية آلموت للروائي( اليوغسلافي)فلاديمير بارتول التي تتعرض لقلعه آلموت في ايرانمقر الحركة الاسماعلية في سنة 1093 وما تلاها المنشورة سنة 1938 والتي اهملت طويلا حتى صارت بداية القرن الحالي حدثاروائيا، حيث يصنع الروائي ايضا نصا روائيا مرهفا وشديد الكثافة والبهاء في موزاةالحديث التاريخي. كما ان رواية ( شيفرة دافنتشي) لدان براون تعرضت لتاريخ المسيحيةمن خلال المتخيل.
الأمثلة فيهذا المجال أكثر من أن تعد أو تحصى ."آلموت" تتحدث عن الوزير نظامالملك، والشاعر عمر الخيام، وقلعة آلموت، وشخصية الحسن بن الصباح الداهية المعروف وأكبر دهاة التاريخ الاسلاميوفرقته المتطرفة يومذاك الاسماعيلية في فترة محددة، ورواية " شيفرةدافنتشي" تتحدث عن فرقة مسيحية متطرفة ـ جمعية سيون السرية ـ تأسست في الفترةذاتها لنشوء جماعة الحسن الصباح ،أي سنة 1099. كما ان رواية( سمرقند) لأمين معلوف تتعرض لقلعة آلموت ونفس شخصياتها:الحسن بن صباح، والوزير نظام الملك، والشاعر عمر الخيام!
لكن رواية(عالم صدام حسين) ليست نصا تاريخيا كما قد يتصور البعض بما في ذلك المؤلف لأن هذاالعالم قائم اليوم وغدا والى اجل غير معروف: انه الماضي والحاضر والقادم منالأيام. هذا وحده يبرر، من وجهة نظرنا، الخوض في سيرة المؤلف المجهول متجاوزينبذلك قواعد علم النص التي لا ينبغي أن تؤخذ حرفيا خاصة ونحن امام نص روائي مهم قذفبه مؤلف مجهول وكتب في اسيا وامريكا الجنوبية عن تاريخ عراقي زاخر بالعنف والقسوةوالوحشية.
لا يبدو انالمؤلف مجهول الهوية رغم عقد القراءة الملتبس الذي اعلن عنه في البداية( اسمالمؤلف المستعار) ولا في النهاية ( مكان الكتابة) ويبدو من خلال هذه الأقنعة انالمؤلف الحقيقي شديد الحساسية من الانكشاف خاصة وهو يعرف بعمق تاريخ الدكتاتوروشراسته الاستثنائية. ان ماريا فارغاس يوسا مثلا في روايته( حفلة التيس) لم يلجاالى هذه الاقنعة وهو يتحدث عن دكتاتور الدومنكان الدمية والذليل، لكن مؤلفنا سلكالطريق نفسه وهو يمزج الواقعي بالمتخيل رغم ان حفلة التيس أوغلت في سبر أعماقالدكتاتور على نحو مدهش في حين اكتفى مؤلفنا المجهول عند حدود المادة التاريخيةوظل الدكتاتور يتحرك في النص بناء على وقائع واحداث سياسية خارجية يجري في بعضالاحيان كسر سياقها لصالح هواجسه النفسية والعقلية وحتى الجنسية لكن هذه الهواجسلا تحرك الشخصية الروائية بقدر ما يحركها الهم السياسي وهو هم، حقا، كان طاغيا علىسلوك الدكتاتور وعوالمه الداخلية حتى انه رسمه على اجساد ضحاياه بمن فيهم المؤلفوالقارئ!
قال البعض انفاضل العزاوي هو كاتب هذه الرواية. وهذا احتمال بعيد تماما لأن العزاوي لو كان قدكتبها فعلا لأعلن ذلك بلا تردد وليس هناك ما يمنعه من ذلك. كما ان المؤلف المجهولعلى دراية تفصيلية بوقائع حربية جرت خلال الحرب العراقية الايرانية وهي تفاصيل بعيدةجدا عن تجربة العزاوي الخارج من العراق نهاية السبعينات، كما ان طريقة العزاوي فيالقص، وهذا الأهم، تتقاطع تماما مع طريقة المؤلف هنا حيث يميل العزاوي الى التغريبوالتجريب والفنتازيا، بل حتى استعارة عالم الروائي غابريل ماركيز كما في "آخر الملائكة، والأسلاف".الفرق واسع بين استعارة رؤية روائية وبين الخلق الروائي: الأولى صنعة وحرفة،والخلق ابداع. العزاوي صانع ماهر لكن مؤلفنا المجهول مبدع!
من حق المؤلفان يعيش تجربته في الكتابة بسرية ويستمتع بذلك وينشر مؤلفاته تحت أي اسم، لكننيارى، اذا كنت ارى فعلا في هذه المتاهة، ان من حق القارئ، وانا قارئ ايضا، انيتعامل مع النص الروائي على هواه: ان يتجاهل أو يقنع باسم المؤلف الموجود علىالغلاف، أو ان يعرف أو يشخص الاسم الحقيقي للنص من خلال شبكة قراءته لتاريخالرواية العراقية نصوصا وكتابا وتقنيات. لذلك اقول ان المؤلف الحقيقي لهذه الروايةهو الروائي العراقي محمد شاكر السبع مؤلف رواية( المقطورة) من الاعمال الروائيةالعراقية المهمة التي صدرت في القرن العشرين. ومن اعماله الروائية : النهر والرمادـ رواية ـ 1973/ المقبرة ـ رواية ـ 1979/ الحقول البيضاء ـ رواية ـ 1992/ المهربونـ رواية ـ1985/ المقطورة ـ رواية ـ1995 ..الخ....
ترك لناالمؤلف محمد السبع اسمه الحقيقي متضمنا في حروف الاسم المستعار كما ترك لنا مهمةكشف شفرة هذا الاسم ورموزه ومعانيه. أي ان الاسم الاصلي هو الاسم الوحيد العلنيوالواضح اكثر حتى من الاسم المستعار:ان حروف الاسم الاول( محمد) موجودة في حروفاسم( مهدي) باستثناء حرف "الحاء" وهو موجود في اسم( حيدر). ان حرف .م.(مهدي) زائد حرف .ح.( حيدر) زائد .م. زائد .د. تساوي: محمد. اما "السبع"فهو موجود في اسم ( حيدر) كأوضح ما يكون: ان اسم ( حيدر) في اللغة العربية معناه الأسد، اي السبع .
*لنا عودة أخرى!