الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 

الشاعر عباس خضر في ديوانه " تدوين لزمن ضائع "
الحرب والاعتقال والمنفى و الانفصام المنقذ

 

   كلما قرأت الشاعر العراقي عباس خضر خطر لي ان هذا الكائن قدم إلينا من الاتجاه الغلط ، أيّ الاتجاه الذي لا أحد يتوقع منه ظهور أحد أو شروق شمس أو بزوغ نجمة أو قدوم نشيد أو غيمة  أو زخة مطر .

وكثيراً ما تساءلت : ماذا يفعل هذا البريء بيننا إذا كان مصمما على الاعتصام داخل طفولته رغم كثرة الأيدي الممدودة لإخراجه منها ؟ وكيف نجا عباس من اغتيال وتشوه الذات  في هذه الحقبة الصعبة التي ليس مسموحاً لأحد أن ينشد للبراءة لحسابه الخاص ، وليس مسموحاً لأحد أن يظل نقياً ونظيفاً وطاهراً وأعزل حتى في مكان بعيد ومنعزلٍ؟. 

السر لأن الجمال يعري ويكشف نظماً ومؤسسات وأفراداً من مصلحتها أن يدخل الجميع في نسيج البشاعة ويضيع " الابتر بين البتران " كما تقول الحكمة الشعبية البسيطة والمفعمة بالخبرة والمعنى والوضوح .

عباس خضر ولد في عام تأسيس الجبهة الوطنية في 73 . واعتقل في عام 93 بعد سنتين من نهاية حرب الخليج الثانية وأطلق سراحه 95 . وطرد من الجامعة في السنة ذاتها ، وخرج من العراق سنة 96  في زمن الحصار وطاف يبحث عن بقعة أرض في قارات العالم حتى عثر مؤقتا عام 2000 على منزل وامرأة ونافذة ومدفأة في ألمانيا .

لكن ورطة عباس خضر لا حل لها لأن البراءة مأزق. لماذا لا يخرج عباس خضر من طفولته إلى هذا الزمن الحافل بالعجب العجاب ويدخل في النسيج العام ويكف عن العصيان والتطرف داخل طفولته  ويتوقف عن أن يكون مختلفاً وأعزل ومنشداً خارج الجوقة ؟

قصائد عباس خضر هي قصائد جاءت في غير موعدها ، لأننا الآن على موعد مع أشياء كثيرة  غير الشعر، مع القمل، والتصحر، حيث ننظر وننتظر السماء ولا  بجع في الأفق.

 وقصائد عباس الذي نجا( اذا كان قد نجا حقا فمن ينجو من نفق الفحم ؟!) هي نشيد براءة، وكما قال الدكتور حسن ناظم في مقدمته لديوان عباس خضر " تدوين لزمن ضائع "  "هي براءات جمة ومنها براءة العمر وبراءة الحس وبراءة الآهات وبراءة اللغة".

وكل واحدة من هذه البراءات فخ . لكن هل يمكن تدوين زمن ضائع؟ وأيّ زمن هذا الذي يريد الشاعر تدوينه خاصة وأن سيرته هي سيرة قتيل مؤجل و مشروع موت تم نسيانه بحكم مصادفة هنا أو إهمال هناك أو غفلة ؟ هل يمكن تدوين زمن الحرب الذي عاش الشاعر مشاهده وهو طفل في الخليج الأولى ، ثم عاشه وهو شاب في الخليج الثانية ؟ ثم عاشه على الشاشة في الثالثة؟ وهل يمكن تدوين عذابات السجن وحكم الموت المؤجل ؟ لماذا لا ينسى الشاعر هذا التاريخ ؟

كل هذه الأسئلة مشروعة وتنطبق على أيّ شاعر في العالم إلا على عباس خضر نفسه والسبب أن هذا الشاعر كان يعيش في وعيه مشاهد الحرب الأولى وهو يحلم بعالم نظيف وبريء ونقي  حسن الإضاءة.  أيّ أنه كان خارج الحرب الفعلية . وكان في الحروب الأخرى و كما في المنفى  يعيش لعبة الهرب والاختباء المدهشة والطفولية التي لا يجيد غيرها وهي العزلة داخل عالم طفولي بعيد عن كل ما يدنس ويخدش كرامته .

لكن حتى داخل هذه العزلة وفي نسيج البراءة المحكم كان يجب أن يدفع ثمناً ما ، كاد أن يكون باهظاً ، لكن أنقذه هذه المرة عقل الشاعر حين أعلن هو الآخر  وفي لحظة نفاذ الطاقة  العصيان والذهول و الانفصام  وهو آخر سلوك دفاعي للضمير في مواجهة موقف فوق الاحتمال يشبه موقف الإنسان الأول حين يواجه الأسد في مكان ما مفاجئ فيصاب بالإغماء لكي يهرب من الموقف كله .

هرب عباس خضر إلى الذهول والانفصام رافضاً أيّة تسوية مع أيّ شيء لا يريده  والانفصام بتعبير جاك ديريدا هو سلوك ضد التدجين والألفة والقبول والقناعة الزائفة والتصالح مع أوضاع غير إنسانية .

الانفصام منقذ  حين يكون الاندماج في القطيع اغتراباً ومنفى أو جريمة أحياناً . جريمة المشاركة في حفل عام للزور والنميمة . هذا الشاعر كان يجب أن يكون قاطع طريق أو لصاُ أو وحشاً أو جلاداً بعد كل تلك المرارات التي عاشها باكراً ولم يكن مستعداً لها  لكن  ومرة أخرى  كانت الطفولة منقذة  وكانت البراءة منقذة  وحين صار الموقف فوق الاحتمال جاء الذهول ليعلن قفل الباب .

هل هناك طفولة يمكن أن تستعاد قسراً ؟ هناك من قال عن الشاعر الفرنسي رامبو أنه الشاعر الذي استعاد طفولته قسراً وأن الشعر هو الطفولة المستعادة بالكلمات بتعبير بودلير . هذا حين تكون الطفولة طفولة حقاً وليست كارثة أو حرباً أو موتاً أو سجناً . لكن عباس خضر يرى في طفولته غير ما نراه نحن الشهود على السيرة .

يجلس الشاعر على الرصيف وهو يصرخ أو يشتم أو يبكي أو يضرب العالم بالأحجار والكلمات لعله يستيقظ :

" كان الجلادون يعدون لصمتي

وجبة عشاء أخرى "

وعباس خضر بخيل بالشتيمة على هؤلاء  على الجلاد العلني  والجلاد المختبئ خلف قناع و لأنه يعرف  كما قال أنسي الحاج  أن الشتيمة سلاح جبار  وهي سلاح الأعزل  وهي لغة إنسانية ذات قيمة كبيرة كما يقول جان بول سارتر ولا يجوز منحها لمن لا يستحق  فهي سلاح بيد الفقراء  وهي باقة ورد حرام أن توضع على رقبة خنزير.

أن قصائد ديوان " تدوين لزمن ضائع " هي سيرة رجل أعزل ووحيد كلما داهمته الأقدار والأوضاع والظروف بما هو غير متوقع أو منتظر  دخل في صدفة الطفولة حتى نهاية العاصفة .أنه الثعلب القطبي في العواصف الثلجية . زوربا وهو يكتب قصيدته رقصاً على الأرض . وحين تفشل الطفولة في توفير الحماية والأمان والدفء و يلوذ بالانفصام ، وحين لا يعود هذا قادراً على حراسة القلب من الأوجاع ، يلجأ إلى الحب . هذا الشاعر الآن مقيم في المرأة . المرأة الكبيرة وطن . وهي آخر ملاذات الشاعر . لكن إلى أين يمضي إذا أنهار الحصن الأخير ؟!

ماذا ستفعل يا مسكين بلا وطن ولا امراة ولا قصيدة؟!

مقاطع من قصائد الشاعر :

1. من قصيدة خمر لحزن الحمائم :

هائل هو انتظاري

كما ربية تهفو لنجمة صبح في عشية الرصاص

كما وقوف الوجه حائراً بين بساتين القتل والهزائم

مرغماً على وجعي .

مكرهاً على الرقص وحيداً تحت القرابين

أنا يا عربات الانتظار ،

موزع على بريد المسافة حجراً

تعبره الحمائم من هنا

وأنا أصفق للموت

2. من قصيدة  سيرة مبتسرة :

تطايري ، أيّتها الأجساد المثقوبة بالورد ،

تطايري ، أيّتها القبعات المثقوبة بالرصاص

تطاير ، أيّها القلب المباح للمراكب الغريبة

تطايري ، يا أبجدية دوار البحر

تطاير ، أيّها الشاعر ولا تعد.

3. قصيدة  سياسيون :

ينشرون العالم أمامي

مقسماً على رقعة الشطرنج

جنوداً ، جنوداً :

كلب أحمق

كلب مسعور

كلب دنيء

كلب وفي

لا تستغربوا إذن

أن نبح علينا العالم

4. قصيدة إلى :

أ أقدار هي

أن أبقى ساقاً خضراء

عصية على النار

وكلكم رماد

5. قصيدة : خاتمة أخرى

في كل صباح

لي ولادة أخرى

للموت

 

* تدوين لزمن ضائع / المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت 2002

  

 
                      العودة للصفحة الرئيسية