الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 
 

عبد اللطيف الحرز

حمزة الحسن

النص المتوحش والبراءة الموحشة

بعض النصوص تشبه الانهار والبحار  وبما ان الانهار والبحار ليست من طبيعة واحده وان تشابهت حيث بعضها يحثك على النزول اليه بعدة غوص وسباحة كامله  فيما البعض الاخر يغريك ان تنزل اليه عارياً اعزل وتتركه يقلبك كيفما يشاء حد الغرق  فان هناك نصوصا تشبه هذا وذاك اذ بعض الاحيان حرفة البحارة تتحدد لا بمدى العوم وانما بالعمق الذي غرقت فيه!

اقول ذلك حيث يجد القارئ ورطة التشابه : مرة بتشابه نص الحياة ومرة بتشابه نص الكتابة ، ما بين الحقبة التي ينتمي اليها حمزة الحسن والحقبة التي اتت بعده  فان كل زقاق وكل حدود وكل شجار وكل منغصة مر بها حمزه الحسن ، مر بها  اخرون جاؤوا بعد تلك الاحداث بسنوات، وهو دليل على وحدة الاشكالية والمشكلة فمن المفجع ان يكون لكل منا رصيده الهائل من الاحزان .

فيما يكتب القاص محسن الخفاجي عن السجن لاعتقال في معتقل ((بوكا)) في زمن الاحتلال الامريكي للعراق وتفاقم الارهاب العربي والدولي ضد هذا الشعب ، فان حمزة الحسن قد كتب قبل ذلك وبسنوات عن السجن الوطن والمنفى الذي لا احد خرج عنه حتى الان ، لذا كان المثقف العراقي سلسلة من الفواجع والنص العراقي سلسلة من الاحزان .بينما تجد حيدر حيدر يحدد في قصة ((غبار الطلع)) ضمن مجموعة غسق الالهة ان {الفرح كرية حمراء في دم اللبناني} فان النص العراقي ( وحمزه الحسن نموذجنا هنا) يبين ان الحزن كرية حمراء في الدم العراقي ، فنحن ابناء العراق ومنذ نواح عشتار على تموز وبكاء جلجامش على انيكدو نواصل النص باسطر من دم ودموع ، وعلى نحو خاص نحن فقراء الجنوب احفاد تلك الاساطير،  لذا يتحدث حمزه الحسن عن ((حزن المعدان)) فهذا الاديب يقظ الذاكرة ولايريد ان ينسى { مشكلتك انك لاتريد ان تنسى} حسب مقولة رواية سنوات الحريق ص68.(( لماذا؟!))  لكونه من اولئك المعدان ايضاً ، حيث يكون النسيان ازاء شاهد مجزرة حزب الدولة وحزب المعارضة ومذبحة الحرب الطائفية  هو في هذه الحالة عبارة عن : سلب هوية

وعند قراءة منجز حمزة الحسن وجدتني استعيد موقف شخصية  كاظم الحاج مجيد في ص 117 من رواية الاعزل فذلك الشخص اعان الاعزل وتعاطف معه لكونه مثله لديه قصة عاطفية ومشكلة ما مع القمر ، خصوصا وانا اتلقى الكتابة والنقد بانه احساس قبل ان يكون أي شيء آخر وحتماً انه ليس سوى الحب جامع مانع في ابجدية الحواس. اذن فهذه قراءة في الخيبة ارجو لها ان لا تكون خيبة في القراءة لنص اول معلم بارز فيه هو الشجاعة في مقاتلة ثقافة التزوير .

1الاعزل وازمة اللامنتمي العقلي  :

ماذا تبقى للاعزل سوى سلوكية المثقف القديم واصل بن عطاء ، اي العزلة والاعتزال خصوصا لشخص اعزل لم تبق له قبيلة الجلاد سوى الذاكرة والنص كنوع اخير للسلاح  وهو وجع المثقف العربي والشرقي عموماً فبعد اغتيال الوطن والسطو على المنفى بقي المثقف مبهوتاً بألم اليتم ..فيتمه فقدان منفاه ووطنه  لذا تجد كثرة استعمال مفردة الاعزل في النص المعاصر:{ لقد مات صديقي الحميم (..) اغتيالاً في ذلك الخريف الكابي ، كنت اعزل من السلاح} كما في ص29 من ((طائر الموت)) لحيدر حيدر وبعض حالات شخصيات رواية ((عابر سرير)) لاحلام مستغانمي .

خندق الاعزل نجده نقطة جوهرية لدى حمزة الحسن وليس امراً عابرا كما لدى حيدر واحلام، مما يفسر لمَ لم يكتف حمزه الحسن بالتعريف الرمزي للاعزل وانما راح يقدم تحديدات مباشرة  كما في رواية ((عزلة اورستا)).

 العزلة هنا ليست اختفاءً وانما ورطة الاختلاف .. ليس الاختلاف السياسي او الديني او الاجتماعي مثلا  وانما التفارق العقلي ومنهجية التفكير. في ص19من عزلة اورستا  :{عزله لا يتحملها الا الوحش او اله كما قال نيتشه}.

صحيح ان هذا يعني وضع العربي والشرقي صاحب الطبع الاجتماعي في محله النقيض له بالنسبة لمجتمع اوربي بعيد غاطس بالوحدة واستقلال الافراد بعضهم عن بعض ، بيد ان هذه العزلة لم تبدأ من منفى طارئ مستجد ، وانما هي امتداد لزورق الغربة داخل نهر الوطن بل هو اختلاف ضد اي محاولة دمجه وجعله متشابها مع الاخرين .نقرأ في ص183 من عزلة اورستا :{ قال قاسم وهو يسحب نفساً عميقاً من سجارته وينفثه نحو البحر :

_ لكنه  ـ اي الاعزل ـ مطارد ابدي.

_ هذا مجده . ماذا تتوقع من نسر محبوس في مرايا الزجاج هو المحلق فوق الغابات والسهول والبراري؟ هذا البحاث عن الابهى والاجمل والانقى عندما لايجد من يطارده يصاب بالعطب والخيبة لانه يخاف ان يقع في التشابه القطيعي وخيسة المستنقع . غربته غربة زمان ومكان ويعاني من غيابين: حاضر ليس من صنعه  ومستقبل لا يريد ان يأتي .ومادام يعيش مرغماً في منفى الازمنة والامكنة فلم يبق له الا الحلم والانفصام والترقب والذهول والقلق والعزلة والشك والاسئلة والمطاردة . فهذا الغزال النافر تزداد سرعته كلما كثر عدد الذين يطاردونه . لكنه الاسرع حتى لو مشى بطيئاً ، وهم يركضون .... وهو ليس مختلفاً عن سواه بل عن نفسه ....

قال قاسم :_ هذا الكائن خائن بلا شك.

فرحتُ لهذه الصورة  قلت : _ هذا صحيح . الخيانة حلم الاعزل . هو خائن الارقام واللغة الميتة الصارمة والسيرك والتافه واليومي وحفلات الوشاية.  لكن ما ان ينتهي المهرجان ويقفل السيرك ابوابه، يتكئ وحيداً كنسر جريح او شجرة او عمود نور مهجور تحت الثلج ويواصل النشيج}.

هذا يعني ان المثقف الحق هو دوماً بائع بضاعة كاسدة على الرصيف، اما الضاحك الممتليء الجيب والبطن والفرج ، المخدر بدفء البيوت الفارهة فهو جلاد السلطة في المنفى او الوطن :{ حاول ان يغير الموضوع . حين غادرته ، شعرت بنفسي اغادره للمرة الاخيرة ، لم ار عبد الامير جابر منذ اواخر عام 88 . ولكنني الى اليوم مازلت امسك بيدي نقود بائع العربة الجوال الذي ظل يرفض في كل مكان ذهب اليه ، هو المثقف العفيف ، ان يكون ممسحة منافض او فرشة اكتاف حتى لو كلفه ذلك الموت نزفاً على رصيف بعيد بلا دمعة او ذكرى او صرخه }.

وما نقرأه هنا عن ((الصرخة)) في عزلة اورستا الصادرة عام 2001 سنجده رواية كاملة تحمل عنوان ((صرخة البطريق)) في عام 2006 ، بينما هذا الموت على الرصيف سيتحقق في ((عذرية الوقاحة)) الذي كتبه حمزه الحسن مؤبناً نفسه في موت صديقه عبداللطيف الراشد ، والذي هو كتاب يفتتحه حمزه الحسن بالصراخ ايضاً من خلال التمثل بقولة ريكله:

{اذا صرخت من يصغي الى صرختي؟

ان كل ملاك صعب المراس

يجب علي ان الجم نفسي

وانا ابتلع عويلي المعتم داخلي

ان ابتلع ذلك الصراخ المتوسل!}

دليلنا على وحدة حمزه الحسن_عبداللطيف الراشد ، مقاطع كثيرة والتي منها مطلع الكتاب نفسه حيث ومنذ البداية تقرأ :{ تلك هي واحدة من مراثي ريلكه ـ مراثي دوينو ـ.. بل هي مراثي الوحيد الأعزل في هذا العالم. ما هو ذنبك أن تتحمل تفاهة هذا الوحيد الذي انخلع نعله... أرجوك ان تتحملني فقد خرجت عن طوري}.  من كتاب :عذرية الوقاحة.

هذا الخروج عن الطور الذي يتحدث عنه الراشد  هو ما نجده في نص حمزه الحسن حيث يخرج الكاتب عن طوره لشدة الغضب والاختلاف والاختناق ، فلا يظل من ملامح شخصيات عزلة اورستا الا صفات شاحبة بينما تطول سرديات التمرد ومحاسبة الواقع. صفحات مطولة تخل اخلالا بلغياً ببنية الرواية كرواية بخلاف رواية ((الاعزل)) ورواية ((صرخة البطريق)) اللتان تم بنائهما بناءا فنياً راقياً ومدروساً بحذر وكثافة.

ولعله لهذا تعود رواية عزلة اورستا الى رواية الاعزل عدة مرات رغم الاختلاف العميق بينهما ، بخلاف رواية صرخة البطريق التي تلتقي تماماً برواية الاعزل لكنها لاتذكرها الا رمزا ومن بعيد.

فتجد كنموذج لاستحضار رواية الاعزل في عزلة اورستا مثل ص114 حيث يتم استذكار ابطال رواية الاعزل :{ قلت انه مدخل رائع لمدينة جديدة : مدن الشرق القديمة التي دخلتها تمتلئ جدرانها بشعارات الموت والقتل وهتافات الابادة . لم يجرؤ احد، عايدة او نرجس او قاسم او سالم قرداش او يوسف البابلي او غيرهم، ان يكتب على الحيطان الا هتاف الموت الاصم في مرحاض مهجور : تسقط الحكومة.لكن يسرى كتبت بدمها على تاريخ النهار }. بل نجد هنا حتى ذكر الفراشات البوذية المذكورة في رواية الاعزل ورواية سنوات الحريق :{ .. هنا ايضا تعرفت ياصاحبي الاخير، تعرفت على غيوم الربيع لاول مرة وشاهدت هجرة الطيور وعناق العشاق وطيران الفراشات . لعلك تذكر جيداً كيف كنت اردد لك في السجن الباكستاني حكاية الاسطورة البوذية عن الفراشات التي تحط على صدور القتلى المهزومين او على صدور المنتصرين النائمين ..ص24 من عزلة اورستا}.

وهذا يعني ان حمزه الحسن وان كان يقاوم القمع السياسي والاجتماعي والديني والثقافي ، مقاومة النص والذاكره ، لكنه متورط بان الذاكرة بهذا تحقق قمعاً ضد تطور الذات والنص ، وهذا المأخذ الذي تجده في غالبية النصوص العراقية والعربية ، لن يفطن له حمزه الحسن الا في آخر روايته ((صرخة البطريق )) والتي اعتقد انها تمثل تطورا كبيراً في تجربته ونوعاً آخر من الخبره .

وما دمنا هنا بصدد تفكيك مقولة((الاعزل)) في هذا البند من القراءة ، وقد ذكرنا الروائي السوري حيدر حيدر فلندقق بهذا النص الموجود في قصة طائر الموت ، حيث يقول حيدر:{ برقت في ذاكرتي حالة حي بن يقظان والغابة والغزاله والجزيرة المعزولة عن العالم.حلم البراءة المغتال ابداً }.

فحيث لا يوجد نص خالص فكل نص هو مجموعة نصوص سالفة تفاعلت في النص الجديد وتوحدت تماما مثل الانسان الجديد الذي هو مجموعة من مواد سالفة ووراثات ذهنية ونفسية ماضية ، فانه لا يوجد ثمة مؤلف واحد ابدا فكل مؤلف هو مجموعة كتاب ومؤلفين، فلا غرابة ان نكون بنص حيدر حيدر ، قد وجدنا مفتاحاً اساسيا لكتابات حمزه الحسن . فتلك العزلة وتلكم الغابة سنجدها عنصر جوهري في جميع كتابات حمزة الحسن على الاطلاق .لكن اذا كان حي بن يقظان سوف يقتل الغزالة ويلتهم العلم من خلال تشريح قلبها ، فان غزالة حمزه الحسن هي التي سوف تقتله وتلتهم قلبه الى الابد فتورثه عزلة واختلافا وغضباً ابدياً ، وهذا ما نتركه للفقرة الرابعة من هذه الورقة.

غابة حي بن يقظان اذ تخلق فردا متوحشاً فانها تخلقه كائنا بريئا عار من الملابس ومن الاقنعه ، اي ان الغابة تقدم لنا ((انكيدو)) الكائن الذي لا يهاب الافتراس والمصادمة لكنه يعيش في داخل براءة موحشة ومعزولة . وهذا بالطبع يعني حالة عوز للمأوى الآمن في غابة الحياة ، لذا فما ان تكون غير موجودة او تكون الام اقل من ان يحتضن حضنها براءة طفلها التي كبرت اكثر من بدنه وجسده ، حتى يكون النص والكتابة حالة احتضان امومية ومحاولة عودة رحمية فيكون فعل القلم مقاومة في صد الوحشة او التخفيف منها .

من هنا يكون التوحش قرين الوحشه  والتمرد قرين الطفوله .وكي يكون كلاما معززاً بادلة اضافية وليس انشاءً لغوياً فلندقق بهذه النماذج اكثر :_ { طفل يركض في براري الصيف المحترقه في ظهيرة الرماد وفي صيف عراقي يشعل الحجر والتراب والشوك والماء والظل والطير والبراري . صيف عراقي مجنون . صيف مخصص لانضاج التمر والثيران والرغبة والموت والجسد والصبايا واللوعة والشهوة والغريزة والحجر. يبدو هذا الطفل كما لو انه وجد مزروعاً مع نباتات الشوك والعاقول والصبار . طفل يخرج في الفجر مع قطعانه الى براري الصيف .طفل لا يكبر رغم مرور الوقت .كما لو انه مقيم في الطفولة كما تقيم المحارة داخل الصدفة او كما يلتف ثعلب على فروه في المطر والريح والدخان . انه نوع من العصيان البدائي داخل مغارة طفولية مشعة/ ص109 من عزلة اورستا}.

_ { طفل في الغابة . ماذا يفعل طفل في الغابة؟ وبين رجال اجلاف جاهزين للقتال والموت في اية لحظه؟/ص10 من رواية :الاعزل}.

وبما ان السؤال هو مفتاح التمرد : فيمكن لنا نقلب السؤال (( ماذا يفعل طفل في الغابة ))الى : ماذا تفعل الفكرة داخل النص ؟! لذا لن يكون عسيراً التعثر بذلك الحنين الطفولي لتلكم الغابة /الام او الغابة/الوطن المتخيل ولو بمساحة قبر :_ { بالقرب منها بدا الدانوب الازرق اقل توهجاً من تلك الضفاف البعيدة .حتى النوارس كانت هادئة في طيرانها وكان مشهد تلاميذ المدارس بهيجاً ومليئاً بالحياة وفكرت : متى يأتي يوم تتحول فيه ربيضة [اسم الغابة] الى ماركيت اخرى ، اجمل ؟ وهل ساستطيع يوماً حتى ما بعد الموت ان احصل ولو على قبر في تلك الغابة؟/ص13 من الاعزل}.

وتستطيع ان تستبدل كلمة ((قبر)) بـ ((رحم)) فلا يختلف الامر ، فالتمرد الاعزل هنا ، هو تمرد الطفل بالتشبث بامه حفاظا عليها من دنس التسول (= الشتات في المنفى ..الحصار الاقتصادي)  او الاغتصاب (= حاكمية الحزب الواحد او الاحتلال او عصابات الارهاب ) :{ كتب لي صديق رسالة ، وانا في النرويج، يقول لي فيها ان ضبع ربيضة الجميل ثجيل مات في البرية وحيداً واعزل ، الا من كبرياء شرس منعه حتى من الرغبة في اطلاع احد على خبر احتضاره .كان يخجل حتى من الموت ويحس به كإهانه . مات وحيداً وهو في عزلة النسر ، او وحدة نمر جريح .مات كما تموت الطيور في البراري . ولم يعد في ذاكرة احد الا انت ايها الاعزل /ص51 من الاعزل }

هذا الهاجس في نوعية الموت ليس امرا عابرا او متخيلا فموت كاظم النجار في رواية سنوات الحريق يكرر طريقة ميتة ثجيل هذه لكن ليس في العراق لكون المنفى هو الصورة الاخرى عن الوطن هذا التعري الدائم والقذف بكل شيء بوجه العالم فلا قناع ولا ملابس هو من امتن الدلائل على طفولية الروح والاحلام الذي يمثل هاجس محور البراءة دلالة وعنف نصي لغةً :_ { ليست رائحة عطر طفولي ، كما يحدث الامر حين يحمل المرء طفلا  او يصادقه في الطريق  او في غرفة واحدة .للطفولة رائحة مختلفة تماماً  وعطر لا ينبع من الجسد البض  بل الحيز الذي يشغله ومن الوداعة الامنة المفقودة في عالم المسنين . فالحكمة لا تنبع من اللغة ، بل من البراءة غير المدركة لنفسها/ص97 من سنوات الحريق}. _ { ان العري في هذه اللحظة الغريبة  والذهبية  هو نوع مسكن  اي يقوم مقام الدين في خلق شعور السكينة الفريد الذي يشبه الصلاة او الفن /ص186 من سنوات الحريق }.

ولعل اكثر النصوص قدرة على اختزال مانريد الاستدلال به عليه هو هذا النص النابذ بصرخة المقهور والطفل المختلف :_ { .. لكن هذه العزلة الليلكية ، عزلة الرب او الوحش ,،عزلة الشفق او المحار، عزلة الطفل الذي حوله وحوش الازمنة الحديثة الى ذئب يعوي في صحاري الثلج ، عزلة الفراشة على ظهر تمساح في بحيرات الرعب ، عزلة نجم بعيد انفصل عنه الضوء ، هذه العزلة هي نوع من الصلاة والرهبنة والنشوة والخلوة المقدسة بعيداً عن ضباع شرسة جاءت لتتعقبنا بحاسة مدربة ، حتى في هذه الاراضي المهجورة ../ص127 من عزلة اورستا}. حتى عطر الانوثة تحسه داخليا :_{ كلا ليس عطرها .بل عطر رغبتي العميقة الطفولية والشديدة النقاء /ص76 من سنوات الحريق }.

كل هذا النزوع الطفولي هو حنين بعيد لحياة حي بن يقظان في غابته البعيدة  لكي ينزع لوثة الحرب والمجتمع :_{ بعد مرور شهر ، قيل لي اني استطيع الذهاب الى البصرة للاستحمام على حافة شط العرب . القادم من جبهة الحرب الى المدينة  مهما كانت قريبة من خطوط القتال يشعر بانه كائن متوحش .كل ماهو في الشارع والسوق والمقهى مثير وغير مألوف .لكن الحمام اكثر الاماكن جمالا عندي .في الحمام استطيع ان اتعرى لا من ثيابي بل من هذه الحرب/ص100 من الاعزل }.

لكن هل فعلا يستطيع الاعزل ان ينزع الحرب ؟! كيف الم تخبرنا رواية عزلة اورستا ان الاعزل نسر مختلف لا يستطيع احد تقليم اظافره  مادام غريبا حتى عن نفسه ؟ اذن كيف امام هذا الاغتراب العقلي تنتهي الحرب يوماً اولا تكون سنوات الحريق ابدية في غابة الاعزل؟!خصوصا وان دوام الحرب يجعل الاعزل اكثر براءة :{ الحرب وربما هذه ميزتها الوحيدة ، تجعل الانسان يكتشف معنى السلام الحقيقي حتى لو كان في قد حليب في الصباح او جريدة في المقهى ../ص38 من الاعزل}. و ايضاً تجد حمزة الحسن يعرّف رواية عزلة اورستا بهذه الكلمات :{ صدرت هذه الرواية سنة 2001 عن دار الكنوز الأدبية وهي سيرة أخرى لحياة الأعزل. رجل أعزل لكنه مسلح بالجمال الطفولي ومصمم على البراءة رغم كثرة الأيدي الممدودة لإخراجه منها.}بينما نجد في رسالته لفوزي كريم  يقول :{ ولا اظنك لا تعرف جيدا اننا نحن الكتاب، خاصة سلالات التمرد النبيل والجميل والطفولي، ينظر الينا كحفنة مجانين في مؤسسة الاحزاب.}

لنختم هنا ايضا بذكر نص من قصة طائر الموت لحيدر حيدر كتدليل على وحدة البؤس في عالم الشرق المظلم :{ واذ ادركتُ خطفاً انني معزول ومستوحش في هذا العراء البحري وعرائي الداخلي ، داهمتني رغبة قديمة في الجري والطيران او التحول الى موجة او حصاة }.وما نجده لدى حيدر هو ذاته ما تختم به سنوات الحريق : { كنتُ ارقص على ايقاع عراقي داخلي مزمجر ، عنيف ،على هتاف، على نداء ملح ينبثق من الجلد والدم والصخور الرمادية والعاصفة ....:هو قلب لا خشبه }.

هنا تبلغ حلمية التعري والطيران وخيال التخلص من مستنقع الواقع  مداها في هذه الروح المصرة على طهارة الغابة ..طهارة الطفل ..طهارة الروح والقلم . لذا وكما لم يستطع حي بن يقظان سوى العودة الى جزيرته فان الاعزل هنا لا يستطيع مهما حاول الخروج من العزلة واللحاق بعالم الكثرة ، الا ان يرجع القهقرى خصوصا وان الاعزل سوف يجد وطنه قد تحول الى اسطبل حقيقي كما سنرى في الفقرات الاتيه.

 2 الجلاد_الضحية والضحية_الجلاد :

بهذا المقدار الهائل من الوحدة والاختلاف ، ليس غريباً ان يتحول حتى الزمن الى جسد يستثير فقدان دفء الاحتضان ليتم عقلي وروحي فاجع كهذا .فنقرأ في عذرية الوقاحة :{الزمن هو الليل الذي يصرخ كامرأة في حالة مخاض}.  وبما ان الاستنتاج المنطقي يقرر بانه لابد من أن  يكون بازاء هذا القمع الرهيب والخيالي الذي ولد روحاً تتشبث بمغارة الرحم الاولى للخيال ، ان يكون هنالك اداة قمع وبطش وتصفية . وبما ان حمزه الحسن من اصول حرب سياسية قبل انخراطه في  الحرب العسكرية  فانه ما كان له الا ان يتعرض لمقولة الجلاد والضحية ومحاولة اعادة قراءتهما مرات سواء داخل العمل الروائي او بمقالات نثرية . هذه المقالات وان كان ظاهرها يغري انها كتابات مستقلة عن النص الروائي الا اننا سنجد بانها امتداد لها تماما كما ان النص الروائي توظيف لتلك المقالات.

 اول شيء سعى لمقاربته هو كشف مقولة السلطة باعتبارها المقولة المشتركة ما بين الضحية والجلاد . هنا نجد المرجعية الاساسية التي يستند اليها حمزه الحسن هي مدارس ما بعد البنيوية واهما انجازات مشيل فوكو الاسم الذي لا يتردد حمزه في الافصاح عنه :{ هناك مخلوقات منحطة بالارادة والاختيار . من هي السلطة؟ هي هولاء .

كنا نرى السلطة في الحجوم الكبيرة لكن السلطة موجودة في الحجوم المجهرية ايضاً وبغزارة ، في الجنس والنص والثكنة والسجن والمقدس والصداقة والمدرسة والعائلة ..الخ والان من صحة ميشيل فوكو / ص107 من عزلة اورستا}.

بهذا امكن تحديد سلطة القمع بانها ليست المنظمات الحزبية او المؤسسات المنتسبة للدولة  وانما (وحسب الاستناد الفوكوي )هي تمثل سلوكاً وعقلية:{ عقلية الانسان المقموع هي عقلية مشوهة . خطأ الاعتقاد ان السلطة هي جيش وشرطة .هي ذهنية ايضاً / ص69 من سنوات الحريق}.

منطقياً سيأتي الغضب عارماً كطوفان  وقاسياً كفضيحة  فلا تبقى زاوية لا يحارب ضدها الاعزل وتحاربه هي بدورها  مادامت مهمته هي التعرية بينما المؤسسة هي تصنع الاقنعه :{ .. هنا يسرقون ويتاجرون بالحشيش ويعاشرون المنحرفين . وهناك يُزّورون اجمل مافي الانسان من احاسيس ومشاعر وقيم : يُزّورون  الضمير تحت شعارات الحزب والمستقبل والتبن . اللوطي يصير بطلا والمتخلف يتحول في لغة التبرير العاهرة الى كائن محبط بسبب انهيار الاشتراكية وصاحب النزعة الغلامية الدفينة  والتي ايقظها العري السويدي والوضوح  يتحول في هذا المنطق المقلوب الى انسان انهكه الانتظار . تصور كل شيء قابل للبيع والمساومة والتبرير حتى اشد الافعال دناءة .مقابل ذلك تصبح اكثر الافعال انسانية ونبلا وبطولة مركبات نقص او محاولات للهروب من عقدة ../ من سنوات الحريق}.   

  وبما ان الطفولة ترى الاشياء على حقيقتها بعين البراءة  لذا لا تنفع  معه الاقنعه :{ في ليلة شتائية باردة قادني صديق قديم (..) قدم لي نفسه على انه كاتب  الى آخر عرفني بشخص آخر يشبه وجهه ضفدعة قال انه كاتب  .عرف نفسه بطريقة استعراضية:

_ ابو ... كاتب وصحفي .

رأيتُ على وجه الضفدعة علامات انحراف جنسي مكبوت .العلامات المؤكدة التي يولدها الكبت الطويل والشرب والسفر والنزعة الغلامية المدفونة في زمن الالتزام الشكلي /ص88 من سنوات الحريق}.هذه الغربة مطردة في جبهة القتال او في المعتقلات او في استراحة المنفى :{ قال ... محذراً الضفدع :_ اذا رن الهاتف لاترد عليه  قد تكون زوجتي او زوجتك.

قال لي... من دون ان اسأله :_ نحن نفعل ذلك كلما نمنا هنا في هذا الماخور الليلي الذي اسمه العلني بوتيك.

سألته :

_ وفي الصباح ماذا تقولان لزوجتيكما؟

_ كنا في اجتماع حزبي هام !

شعرتُ بأن هذا ليس مكاني  وعلي ان ارحل بسرعة قبل ان اتقيأ كل شيء /ص91 من سنوات الحريق }.

هو اجراء آخر للتعري ليس الا  والقرف من اقنعة متعددة يتبادل عليها الجلاد والضحية .ليس القبو الذي كان فيه صدام حسين هو قبو يختبأ فيه الدكتاتور وحده وانما الضحية ايضاً . يقول حمزة الحسن في كتابه اوهام القبض على الدكتاتور :{ على المستوى العاطفي كنت أشعر بحرية داخلية كبيرة متدفقة أكبر من أي وقت آخر كما لو ان هذا الاعتقال حرر عاطفة حبيسة وأطلق سراح مشاعر مكبوتة كانت هي الأخرى مختفية في قبو نفسي}.

3 الوطن  قمر ضائع ووحش حاضر:

بما ان القمع لا يتحقق الا بثنائية المكان والذات ، فكان من الطبيعي لبنية السرد لدى حمزة الحسن ان تتمحور حول اشكالية الوطن والمنفى . كان الوطن مرصودا في السرد بثلاث مقاربات:

1_ باعتبار الوطن الملجأ الرحمي للبراءة سواء باعتباره الام او غابة ربيضة (قرب مسقط راس حمزه الحسن) او باعتباره المرجل المثير للخيال والكتابة.

2_ باعتبار الوطن المسرح الاول لسقوط الاقنعه.

3_ باعتبار الوطن محط الغربة الاولى  وبمحط الغربة هو التضاد مع النقطة الاولى اي البراءة وهذا ينتج كما نبهنا عليه في كتابنا ((المستحيل في الادب العراقي )) بانه ينتج ان محط البراءة ليس براءة وما هو محط توحش ليس كذلك وبالعكس .

لكن وبما ان ميشيل فوكو نقل المشكلات المكانية والزمانية والممارسات التاريخوية الى بنى اشكالية ، كان من الطبيعي ان يلجأ حمزه الحسن الى تبني ان الوطن والمنفى لاينتميان الى مقولة المكان او الزمان وانما هما منظومة عقلية ايضاً ، الامر الذي سهل لحمزة الحسن ان يوحد فيما بينهما احياناً كثيرة ويفرق بينهما احيانا.

وفي تتبعنا للتطورات الذهنية لفكرة الوطن  نجده فكرة كجميع افكار حمزة الحسن  تنطلق من حضن الغابة /الام ، من عالم الاحراش /البراءة ، وهذا سبب اضافي يفسر لمَ تتداخل الروايات مع المقالات لدى حمزه الحسن ، فمقولة الوطن الاسطبل التي هي اشارة في ص174 من رواية عزلة اورستا تتحول الى مقال  بل هي مذكورة في رواية الاعزل ص 111، ومقولة انسي الحاج المذكورة ص65 من ذات الرواية تتحول الى فصل من كتاب الحروب السعيدة ، وبالطبع هذا يؤكد ما ذكرناه سابقاً من شحوبية الملامح للشخصيات على حساب الانتقاد في هذه الرواية بخلاف رواية الاعزل وصرخة البطريق اللتان تقدمان نقودهما للواقع وللسياسة لكن ببنية سردية روائية متينه .

نستطيع ان نلمس بسهولة هذه الثنائيات مادام الاعزل نقيض لكل ماهو ضد الوضوح .ففي رواية عزلة اورستا ص18 نجد نقطة الانطلاق :{ تقول هل عندكم قمر جميل؟

قلتُ لها نعم ولكنا اضعناه }.

وفي رواية سنوات الحريق سوف يجري تغيير على ذات نسق العبارة فيكون الجواب : {البحر اضعناه}.

ورمزية القمر واضحة الارتباط بالزعيم عبدالكريم قاسم مؤسس الاستقلال العراقي  وهو حدث نجده مذكورا في كل روايات حمزة الحسن .ضياع ذلك القمر هو اعلان عن ضياع الوطن  لذا كانت عزلة اورستا ص22 تقول :{ المكان الحقيقي غائب }.

هذا الغياب ليس للوطن وانما للمنفى وبالتالي يكون حقيقة هو اغتراب روح الاعزل من كل شيء سوى البراءة :{ كنت اقول لنفسي دائماً ان المنفى الحقيقي هو منفى القلب وعطب الروح وموت المسرات الانسانية وغربة الذاكرة وانحطاط العقل وقتل الاشجار وخراب الجسد/ ص229 من عزلة اورستا}.  

كأن ذلك الحدث ليس نقلة سياسية وانما بداية لتدهور عام في الاجتماع والثقافة والدين فضلا عن السياسة ، وسقوط القمر واغتياله او ضياعه في انهر موقدة بشموع الفقد ، هو اعلان عن عملية اغتيال الانسان وتصفية الضمير وبداية تحول الوطن الى اسطبل .. اسطبل لا يمكن للاعزل ان يعود اليه رغم شبق الحنين ووجع الفراق الطويل .يقول حمزه الحسن في كتابه الحروب السعيدة وتحت عنوان الوطن الصديق والوطن  الاسطبل:{ كما تشتاق خنفساء لزيارة ثقبها، وكما يشتاق جلاد متقاعد إلى قبوه القديم، وكما يشتاق مجرم إلى مكان جريمته، ونملة إلى جحرها، وطائر إلى عشه، وجثة إلى نبضها، وشفة يابسة إلى قبلة، ونهر إلى مجراه، وشحاذ إلى رصيف، وسكير إلى حانة، وكلكامش إلى الخلود، وكما يشتاق الطاغية إلى قصره القديم، وسنونوة مهاجرة إلى كنيسة جبلية منعزلة، أشتاق لزيارة وطني. فزيارة الوطن حق مثل الهواء،والحب، والصداقة،والموت،والاحتضار،والجنون، والطعام ،والعشق،والانتحار،والكتابة،والنوم،والسكن،والعقيدة. لكن الوطن الذي يستحق الزيارة هو الوطن الصديق، الوطن القانون، الوطن العادل، الوطن الحر، المسالم(..)سابقا كنت أتوقع أن أذهب إلى الوطن ومعي عدد من الطيور النادرة هنا، ومجموعة من الفراشات التي أعشقها، وعدد من الأصدقاء والصديقات الأقرب إلى حمام الأضرحة أو وداعة رخام مسجد صوفي قديم.كنت أتوقع أن أعود مع أعداد كبيرة من رواياتي، ومع أعداد من صور المنفى في الثلج والليل والخليج والمحطة والعاصفة والحقيبة واللوعة والأمل ونسيت حكمة علي بن أبي طالب :(الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن) والغنى هو الحرية كذلك.وحين كنت اعد الحقيبة للعودة إلى الوطن  كنت كما يعود مهرب مخدرات أو زعيم عصابة أو ملاكم شرير لأعض هذه المرة لا أذن منافسي، بل سأعض أذن التاريخ على هذه الحماقة الكبرى.}.اذن فمن قمر ضائع الى  وحش حاضر لايطاردك داخل اراضيه وانما حتى عند التخوم السفلية للمنفى او الموت  وذلك ان الاسطبل والبهيمية هنا هو سلوك وثقافة انحراف وسقوط عقلي :{ كنا نظن ان الخروج من الوطن سيكون خروجنا من النظرة والعقلية والذهنية وطريقة التفكير .تلك غلطة شنيعة .لم يسفر خروجنا الا عن اغتيال آخر حلم كنا نعتقد اننا نجونا به في الهروب .قبل حرية الخارج  حرية الداخل /ص73 من سنوات الحريق}. والامر مستمر حتى بعد القبض على الدكتاتور :{ على المستوى الفكري فإن هذا الاعتقال لم يبدل القناعة الخاصة المتكررة والقديمة بان هذا الدكتاتور ليس شخصا فحسب، بل عقلية وظاهرة تاريخية سلوكية وهو تشكيلة من القيم الحزبية والعشائرية والسياسية التي تمارس القتل المتعدد الأشكال والنفي والإقصاء المادي والمعنوي تحت شعارات وقناعات وعقائد( ثورية إيمانية) هي عبارة عن مطلقات في كل شيء.}.كما كتب في كتابه الدكتاتور الحافي  هذا يعني استحالة الخروج من غابة ربيضة كتابياً  واستحالة الخروج من دائرة الصراع مع الوطن الوحش  سياسياً ، وهذا يعني انقلاب المنهج ضد نفسه ، فحيث يتعذر لهذا الوحش ان يصفي خصومه جسدياً فانه سوف يقوم بعملية تصفية فكرية  وعليه فلكي نجتث حزب البهائم هذا علينا بوضع برنامج تصفية فكري وثقافي من خلال مؤسسات ورؤى تعليمية تستنبت جيلا جديدا لا يعرف التشوه الذي انتجه هذا الحزب او حسب تعبير حمزه في كتاب الحروب السعيده :{ يتوهم من يعتقد ان الحزب الحاكم السابق في العراق هو  عبارة عن حزب سياسي، بل هو منظومة واسعة من القيم الأخلاقية وأنساق من المفاهيم الثقافية المشوهة عن الحياة، وهو تشكيلة وحشية من أنماط السلوك التي تقوم على الحيلة والشطارة والبلطجة والخداع وعقلية الغريم والثأر.وفكرة الاجتثاث بالصيغة المطروحة هي صيغة عسكرية بوليسية ساذجة لا تقوم على معرفة دقيقة بحجم الخراب النفسي والأخلاقي والاجتماعي الذي قام به  هذا الحزب في تلك الفترة المشؤومة. لقد تغلغلت في  النفوس بالقوة والتكرار والتربية والتنظيم مبادئ سلوكية  منحطة وتداخلت على نحو فوضوي وسري مع قيم شخصية وعائلية وثقافية ومع تقاليد تاريخية عريقة حتى صار من الصعب الفصل بين كل هذه المكونات والعناصر. ولذلك فإن فكرة(الاجتثاث) من فوق عبر البتر الحربي أو القرارات الفوقية هي فكرة تأسست على تجارب النظام البائد الذي عمل بكل الوسائل الوحشية بنفس الطريقة على فرض قواعد حياة أخرى عن طريق القوة.إن الاجتثاث الحقيقي لحزب السلطة يأتي من خلال برنامج معرفي وثقافي وفكري بديل يحتوي على نسق جديد من المفاهيم يقوم على النقيض من نسق أحادي تصفوي قبلي. وهذه مهمة لا يقوم بها الساسة وحدهم بل النخب العلمية والفكرية والثقافية لأن حجم الخراب في النفوس هو أخطر بكثير من حجم الخراب في المؤسسات والأشياء}.

4اشكالية الجسد كسلاح للتمرد :

{ المنفى الاول هناك في الوطن ، منفى الكلمات والعقائد واللغة (..) المنفى الثاني هو هذا المكان [بلد الاغتراب] اما الثالث فهو اكثرها ضراوة وشراسة وهو الجسد }. هذا النص في ص34 من رواية عزلة اورستا  يدخلنا في رابع اهم مرتكزات السرد لدى حمزة الحسن (بل قل في عموم الرواية العربية ان لم تكن العالمية الى حد ما) .الجسد مطروح على انه احد انواع المنفى الثلاثة  فلمَ لا نغري انفسنا اركولوجيا هنا بان نقلب الامر بان المنفى احد الانواع الثلاثة للجسد ؟!

 الحسن لا يلمع اسم سيرة ابيه مثل صموئيل شمعون في ((عراقي في باريس))  ولا يقوم بالانتقام منها مثلما فعل محمد شكري في ((الخبز الحافي)) . حمزة الحسن في الاعزل يذكر تمرد الام لكنه لا يتطرق الى الاب الا بطريقة جد عادية  حيث كان الاب خائفا في الغابة  بينما الام كانت جسورة حتى بوجه كلاب السلطة وجهاً لوجه  ولعل هذا التقشف السردي عائد في احد اسبابه الى موقف حمزة الحسن من الدين فهو يتبنى مقولة كون الشتيمة قاموس الاعزل والمحاصر كما يتحدث عن احد المثقفين العراقيين في كتابه الحروب السعيدة : { بعد كل  الانتهاك، لم يعد لديه ما يعرف بحرمة لأحد أو شيء أو مقدس، لأن البراءة المجروحة تحاول تعميم الوجع والصراخ والعقاب وايضا الشتائم والتي هي، بتعبير سارتر، سلاح الأعزل، والوحيد}.

هذا السبب هو الذي يبني عليه اعتراض حمزة الحسن على مذكرات عبدالقادر الجنابي  والذي كتبه تحت عنوان (( كل شيء احمر في غرفة نوم عبدالقادر الجنابي)) الا ان الحسن أبقى هذا القاموس بعيدا عن  العائلة  بخلاف ما عودتنا عليه الرواية العربية  كما في _ مثلا_ ص 67 من طفل الرمال للطاهر بن جلون او ص 43 من طائر الموت لحيدر حيدر بالاضافة الى ماهو مشهور وشائع .

كل قارئ لرواية الاعزل ما ان يصل الى ص36 حتى يجد نفسه انه ينتقل الى ذكر الحرب بلا مقدمات تمهيدية الامر الذي يخلخل النص  فياتي اقتراح وضع فصل ممهد. هكذا يبدو الامر اول مرة  لكن بقليل من السير  حتى ندرك اننا امام طفل في غابة الحرب ، بعدما كان امام مشهد لطفل داخل غابة الحب  والذي كان هو ذاته طفل داخل غابة ربيضة وهذا ما يدل عليه السرد ص45  وفي ص 107 سوف تموت الحبيبة تماما كما ماتت غابة ربيضة  وفي نهاية الرواية سوف يختم السرد بذكر موقد الغابة والحبيبة والوطن . ونحن بدورنا سنجد في سنوات الحريق وعزلة اورستا  ذلك التيه والعذاب في العلاقة بالانثى  خصوصا وان الاعزل هو نص منقسم بين الحاضر والماضي  لكن حاضر صغير لماض كبير ، حاضر شاحب (نظر مثلا ص21) وماض واضح ، بل بعض الاحيان الماضي هو الذي يشرح الحاضر ويوضحه كما في ص 51-53 و ص 66  وغيرها كثير . بينما سنوات الحريق هي عملية مقايسة  حيث يحضر الحاضر بشكل اكبر لكن لا لأجل نفسه وانما لتصفية حساب مع الماضي . هذا الماضي الموجع سوف يلقي بكل ثقله على رواية عزلة اورستا والتي سوف تمضي شوطاً بعيدا في تتابع ذلك النزف القديم الذي يفرض على صاحبه ان يكون موجوعا ومنشقاً بشكل مستمر. ذلك المنشق الذي لن يصادقه الا من لديه قصة حب (الاعزل ص146) او لديه علاقة بالقمر (53 من ذات الرواية).  القمر الذي هو زمن البراءة وعلاقة الانثى بالمطر ,لذا كانت الانثى تعتبر الخلاص والعودة الى تلك الغابة  الامومية  في زمن الحرب وغياب القمر وخراب الانسان :{اتذكر جيداً ان الوقت كان خريفاً وكنت قادماً من جنوب عراقي نحيل وصامت (..) انها الحرب والخريف (..) في تلك الايام انبثقت يسرى كوردة في الظلام (..) لم تكن يسرى مجرد امراة بالنسبة لي في تلك الايام العصيبة  بل كانت ملاذاً ومأوى ونوراً بزغ /36 من الاعزل}.

النص واضح باستبدال المراة بالقمر ونورها عن نوره ، فالقمر الان هو المراة بعدما كان الوطن وغيابها سيكون هو المنفى  لذا تجد فلاح المشعل لا يستطيع تفسير المكان في رواية الاعزل  الا تفسيراً مثقلا بمكانة الانثى، فيقول المشعل تحت عنوان الكتابة العارية رواية الاعزل وبنية الاقصاء :{ هذه الرواية كتبت على شكل سيرة ذاتية روائية لشخصية الأعزل. وشخصية الاعزل هي الوحدة الأساسية في الرواية اضافة الى شخصيات أخرى تشكل اضاءات لفضاء الاعزل، أو تكون هذه الشخصيات تعبيرا عن دلالية المكان أو تعمق أثره. الفضاء الروائي يتوزع على "ربيضة" وهي غابة وشبه جزيرة في قلب دجلة، وهي ايضا تشكل عالم المعدان النقي، النظيف، الذي سيشكل الخروج منه فيما بعد صدمة للأعزل، وهو خروج وجودي بمعنى انه يذكرنا بالخروج من الفردوس الى الجحيم، ومن زمن العذرية الى زمن القصدية، ومن عالم عفوي، مسلح بالبراءة والعذوبة، الى عالم قصدي، مخطط، مخيف، بل مجنون رغم الاصباغ. ربيضة هي مكان الحلم الاول، ومكان نمو براءة الاعزل}.

 وعليه فأي دليل اوضح متانة من هذا على كون المنفى هو احد تنويعات اشكالية الجسد وليس الجسد احد انواع المنفى  خصوصا وان المراة سوف يتم اغتيالها بقذفها في النهر الذي بقي يحمل ذكرى القمر ؟!

الام كانت متمردة بوضوح . الحبيبة متمردة بوضوح ومنشقة عن قمع المجتمع والدين والسياسة (مشاهد ايام الفندق ) وهي امور تجمعها مقولة السلطة بتعريفها الفوكوي ، اي ان نقد السلطة لدى حمزة الحسن يبتني على تمرد الانثى ايضاً وهذا ما نجده واضحاً في سرد الروايات على اختلافها  . في سنوات الحريق ص42  سيتم قتل المراة بتهمة الخيانة تماما كما حصل في الاعزل ص49  والمراة التي تتعرض للنخاسة شرقياً في الاعزل  ذاتها التي سوف يتم عرضها في سوق النخاسة غربياً. أي ان العبودية لا هوية لها ولا مكان. وهنا تظهر ثنائية الحب والحرب . فاذا كان حيدر حيدر ص17 من قصة غبار الطلع  يحدد :{ _ هل تساءل احد منكم لماذا يتزوج الناس كثيراً في الحرب؟

_ليتداركوا الموت بالشهوة}.

ان سلطة القمع في العراق اغرقت الحب في النهر والشعب في الحرب  فكان ابطال الحرب هم ابطال في هروبهم من الحرب في سعي  من  أجل الحب نقيض عالم الحرب ، لذا بينما كان حيدر حيدر يلخص ص66 من غسق الالهه اشكالية الجسد بالقول { عندما يستبدل الانسان الله بالمرأة يتخطى الموت ويدخل في سلام الجسد}  فان عزلة اورستا تحدد :{ اريد ان اغامر بهذا الجسد المسروق والمنفي ، الجسد الرهينة ، الى ابعد مدى (..) ان امارس الحب او اللعب حد الاغماء .اصرخ، اهرب ، اتخيل ، اشطح (..) احرق الرصانة والوقار والملامح الصارمة المستعارة من القانون وافتح نوافذ الجسد/ص32}.

والنص يفصح سبب آخر لسلوكية التعري التي تحدثنا عنها ، فسقوط الاقنعة امر ضروري مع الانثى  خصوصا اذا كانت معذبة ومضطهدة يراد لها ان تؤدي دور المخلص والمنقذ .لندع رواية عزلة اورستا تفصح لنا اكثر عن سلوكية الانسان الخائض تجربة الحرب او القمع وكيف يتعامل مع تجربة الحب :{ قاسم شريف كان معي في سجون  عديدة (..) كان قاسم عندما يصاب بنوبة حنين الى المنزل يقول (ساذهب الى عايدة) او عند الافلاس وهو دائم ( ساذهب الى عايدة ) حتى في ايام الغارات الجوية على طهران ، وقد كثرة في السنة الاخيرة للحرب  يقول :مشتاق الى عايدة /ص51}.

هنا المراة تمثل الخلاص والملاذ الاخير  وهي نتيجة طبيعية  بعد كل ذلك الاصرار على صورة الطفل  حيث  نجد الاصرار على التشبث بحضن الام والذي له مرايا كثيرة :الغابة .. العشيقه ..الوطن .. طيور واشجار المنفى ..واخيرا : الكتابة.

حمزة الحسن يقترب كثيرا من فكرة ((امبيرتو ايكو)) من كون الرواية هي غابة  وهذه الغابة لدى حمزة الحسن (كما تدل عليها بداية وخاتمة رواية الاعزل وصرخة البطريق ) هي المأوى الرحمي الامومي الاول للعائلة والحب والوطن والحلم بالقبر الاخير  اي انها الحياة والموت والحلم بعالم نظيف يجسده حلم الغابة وموت الاشجار من بعد هو موت حلم عذري.   

5 الموت اختناقاً بالحروف :

 يحدد حمزه الحسن في مقال تحت عنوان السلطة والشعوذة واللغة: {رغم أن كل شيء قد تحطم: السلطة، والثروة، والطمأنينة، والخوف، الأسلحة، والسجون، إلا ان اللغة، لغة الكتابة، كما تمارس هنا، ظلت على حالها، حصينة، منيعة، قوية، متماسكة أكثر من النظام نفسه: لغة مطمئنة واثقة كعيون الأبقار في الحضائر بتعبير نجيب محفوظ.

  كأن أحدا، داخل هذه اللغة، لم يمت، أو جسرا لم ينسف، أو قناعة لم تتبدل، أو وجهة نظر لم تتغير، أو نهارا جديدا لم يولد، أو مستقبلا مظلما مجهولا يصنع خلف كواليس جديدة لم يتم في أنفاق أخرى. هذه الحصانة والمناعة لهذه اللغة لا تنبع من قوتها وحيويتها، بل من بؤس وموت هذه اللغة}. الامر مريب خصوصا اذا علمنا ان حمزه الحسن من الذين تصدوا بوضوح لثقافة التزوير  والتي هي سرقات وتشويهات تسوق على انها ادب وكتابة  فهل هنالك كتابة ضد الكتابة ؟!

 خاصة وان الموت توأم عراقي:  في مواجهتك اعراف القبيلة من اجل حبيبة، او في مواجهة السجون والمعتقلات من اجل انسانيتك او في خنادق الحروب ومطاردات التشتت في المنافي دفاعا حتى الرمق الاخير من الكرامة. كل هذه هرب منها المثقف العراقي والعربي والشرقي  فهل الكتابة امينة الى هذا الحد ام انها ايضاً ارض مُلّغمة؟ فلنقارب هذا الموت الذي يصيب حتى اللغة :{ وحين بدأ قناص بالرمي على الاصوات والحركة والضجة  سمعت احدهم يصرخ:_ هذا القناص الطيز سمع الضجة .اوقف محرك السيارة  يادبر!

_ هل انتم في اسطبل؟

هذه هي لغة جنود خطوط الامامية . الحرب لاتحطم المنشآت والخنادق والاجساد  بل قواعد اللغة  ومعها معايير الكلام  لان الموت العاري  التافه  لا يهشم الجسد  بل القناعات الهشة  الملفقة وطمأنينة الابقار /ص96 من الاعزل}.

الكتابة بالنسبة للناجين من الحرب تعد بمثابة حمام مطهر من اوساخ الجسد واشباح الذاكرة  وتعويض لمستحقات لن تتحقق .بيد ان الكتابة لغة وذاكرة فكيف سنغسل الاوساخ بالاوساخ نفسها؟! هنا لا يتبقى سوى الافصاح عن كل شيء وذكر كل شيء عارياً كمحاولة اخيرة تكون بمثابة تطهير داخلي يحققه الحبر للروح . لذا سوف يعمل المؤلف على تبني موقف المخرج الامركي ((ستيفن سبيارغ))  في فلمه عن الكابتن ((ميللر)) لنقرأ عرض المؤلف ص 35 في رواية سنوات الحريق عن مقابلة صحفية مع هذا المخرج :{في فيلمك الجديد تقدم للمشاهد ابشع مشاهد الحرب حتى كأنك تقذف بالمشاهد وسط المذبحه (..) لماذا؟

_ آمل ان يربي المشاهدون في انفسهم الاحترام العميق لهولاء الرجال.

_ هل هذا يعني انك تقدم فيلمك باعتباره نصباً تذكارياً للمحاربين القدماء؟

_ نعم ، كنصب رمزي}.

وماذا كان يريده الروائي العراقي من ذلك الجيل سوى وضع النصب التذكاري  من خلال النص  عن الحرب كذكرى دائمة لآلامهم واصدقائهم ؟!بيد ان امثال حمزة الحسن لم يكتفوا بتوثيق الامر كذكرى كما فعل البعض كم كتاب الرواية وانما هو نص عراقي جديد يحاسب ويفكك وينطق بما ظل مسكوتا عنه بالنسبة للنص العراقي السابق  حيث الجريمة يقتسمها الجلاد والضحية سوية  لذلك عرف فلاح المشعل رواية الاعزل بانها :{ وقد تكون أول رواية عراقية تناقش الحرب من موقع مختلف}. يقول حمزة الحسن عن مفهوم الكتابة لديه في 170 من رواية عزلة اورستا:{ هذه هي وظيفة الفن البدائية .الانسان الاول كان يرسم الاسد او النمر او الغزال على جدران الكهف كي يصطاده في الواقع ،لكنك الان لا ترسم اسداً او غزالاً ، بل ترسم وحوشاً كاسرة ومسوخاً وأكلة لحوم بشر وجيفاً بشرية مقنعة.

 قلت وقد ادهشتني الفكرة: انا لا ارسم او اكتب كي اصطاد ، بل لكي اعري وافضح  لكي اشهد على نفسي في زمن شهود الزور }.

لنختم الامر هنا مستعينين بما سطرناه في بحث((المستحيل في الادب العراقي)) بان وسيلة الكتابة تقاسمها الجلاد ايضاً فها هو صدام حسين يكتب سيرته روائياً ويعمدها في سجنه كمذكرات .بينما سلوكية التعري قد لا تكون تعري الطفولة والبراءة والسلام  وانما الاسطورة والوهم والوحشية والجريمة . فحمزة الحسن الذي كتب كل تلك النصوص عن  كطفولة  هو ذاته من سيكتب في كتابه اوهام القبض على الدكتاتور :{كان هذا الكائن نصف الإله ونصف البشر يتعرى أمام الجمهور في النهر لكي يعرض الجسد /الخرافة ويستعرض القوة العارية المطلقة حين تكون محمية بمؤسسة ومحمية بأوهام أيضا أمام ضحايا مبهورين من هذا العري الوحشي المتناقض: فهو أولا عري الكائن البشري، وهو ثانيا عري الغطرسة والأسطورة والقوة المطلقة، عري الخارق وغير المألوف والاستثنائي وفوق العادي.} خصوصا وان الجلاد قادم هو الاخر من غابة. بيد ان  الجلاد يريد تذكير المجتمع والضحية يريد تأنيثه .. الجلاد باحث عن القسوة والضحية باحث عن الرقة .. لكن بما انهما بنية وليس شخصا لذلك هناك مجال كبير في قلب الادوار وقلب اللعبة . حيث كل منهما يحاول الغاء الاخر واغتصابه كعدو  او حسب تعبير حمزه الحسن في مقال له تحت عنوان العنصرية شذوذ جنسي:{  والعنصري يخون جنسه، أنثى كان أم ذكرا، لأن العنصرية تشترط عاطفة بغيضة هي التعميم: أي كراهية الآخر، المختلف، بما في ذلك كراهية جنسية، وكل ما يتعلق به، وهذا هو احد الأسباب التي تدفع العنصري، في حالات الحروب، إلى اللجوء إلى سلوك الاغتصاب، اغتصاب "العدو!".} وبهذا تم سرقة الوطن والمنفى وسرقة الكتابة والجسد .

اذن فمن اراد رسم الجلاد واصطياده في كهف الكتابة ابتلى بتسرب الجلاد الى كهف روحه  خصوصا وان الذاكرة وان كانت تؤدي دور الهوية والصمود  الا انها في مثل هذه الحلات ( ومن هذه الزاوية ) تمثل  دوراً رهيباً في القمع الذاتي .وامام هذا التشابك بين الوطن والمنفى والجلاد والضحية  والحرب والحب  لم يبق للناجين من ادخنة الحرب سوى الموت في ادخنة الحروف ، في بحث دائري في متاهة غابة ربيضة الحلم والكتابة والبراءة . وهنا سوف يردد الاعزل :فضيحة حياتي انني معكم وضدكم .... "شكرا على التعتيم لانني لا أشع الا في الظلام" !

سدني_استراليا  اذار،2006.

 
                      العوده للصفحة الرئيسية