|
لم تكن الدكتاتورية في أي يوم من الأيام مجرد طاغية أو كرسي، بل
كانت على مر الأزمنة تعكس أقصى حالة احتقان سياسي واجتماعي
واقتصادي ونفسي وهي كذلك تعبير عن وضعية مأزومة وجدت في شخص واحد
نافذة للمرور أو شرفة للظهور. فالدكتاتور بهذا المعنى ليس فردا،
بل هو عبارة عن تاريخ مغلق ومسدود وثقافة مأزومة.
لم يكن ميشيل عفلق في أي يوم من الأيام مفكرا بالمعنى العميق
والواسع للمفكر كمنتج للأفكار والرموز والمعاني. فقاموسه لا
يتجاوز كلمات معروفة مدرسية إنشائية سطحية استهلكها الفكر الغربي
الديني في عصور النهضة مثل الأمة، شمس، وخير وعطاء، وفجر يشرق،
وقيامة، ونهوض، وحركة، وتاريخ الخ.
وهذا القاموس لم يقنع ثورا أو عنزة أو بدويا في صحراء أو حتى نصف
متعلم، ولو استمرت الأمور على هذه الأفكار الساذجة والتافهة لما
وصلت الأحوال إلى هذا الوضع المأساوي.إن
كل كتب عفلق غير كافية لتحويل "بزون" إلى سياسي!
لكن خطورة الفكر العفلقي ليس في ما كتبه هذا الرجل الذي هو خليط
من الصوفي والقومي والمحتال وشبه المفكر، بل خطورته في ما سلوك"
القديس!" الزائف الذي كان ينصبه للناس، خطورته في ما لم يقله
علنا، أو ما لم يصرح به، أو ما سكت عنه، وتركه مفتوحا لمن هم
بعده في المسؤولية الحزبية في تفسيره والعمل به.
عفالقة الفعل، ومنهم طبعا الطاغية العراقي( لم أذكره بالاسم في
أربع روايات) حفنة من تجمع صفات وقيم دونية تقوم على فكرة أن
الوطن، الثورة، التغيير، لا يتأسس إلا بالسطو والنهب والاستحواذ
والحيازة والملكية وفكر المصادرة.
وليس بالضرورة أن يكون هؤلاء من حزب السلطة بل هؤلاء يتواجدون
في كل مكان وليس مهما الطريقة التي يصفون بها انفسهم . لا يصبح
الانسان معارضا لأنه يصف نفسه على هذه الصورة بل الافعال هي
التي تحدد.
يمكن التعرف على اصدقاء الطاغية في الداخل والخارج لأنهم يحملون
نفس علامة المصنع: اصحاب ملكية
الحقيقة والتاريخ والوطنية والشرف وخبراء الردح والخصاء العقلي
رغم كل محاولات التستر على العورة في الفترة الأخيرة والايحاء
للناس بانهم غيروا سلوكهم وصاروا يهتمون
(بالمأزق العراقي الجديد) لكن
بعد فوات الأوان وسبق السيف العذل لأن شرف الانسان كالزجاج
الرقيق يكسر مرة واحدة أو كقدح الماء لا يرد من الأرض أن انسكب
وهؤلاء تعرف عليهم جمهور الثقافة في العراق مبكرا عن طريق
الانترنت من حسن الحظ وصدموا بهذه العقول التي كانوا يتصورونها
حكرا على نماذج سلطوية ولا تنفع ساعة ندم أو اصلاح فلقد سئم
الشعب العراقي من خسة مرضى عقدة الشعور بالدونية التي تبحث عن
توازن داخلي من خلال شيطنة الآخر ورسم صورة بشعة له لتجميل صورهم
المشوهة ولا أدري لماذا يختار هؤلاء السياسة أو الثقافة مهنة لهم
مع أن في الحياة مهنا لا حصر لها؟!
كانت النخب العراقية المحاصرة في الداخل تنتظر خبرات النخب في
الخارج في السياسة والثقافة والمعرفة فدهشوا من نماذج وقحة أمية
بليدة تكتب بلغة كلبية افتراسية شرسة على طريقة المجلات الخليعة.
وكمثال على ذلك انا في حالة اتصال يومي بأصدقاء وزملاء في عشرات
الصحف العراقية في الداخل وخاصة في الصفحات الثقافية وقد لفت
نظري أنهم أكثر تقبلا وتفهما للرأي الآخر وأكثر صبرا على
الاختلاف وأفضل استعدادا لادارة حوار سياسي ثقافي متوازن مما كنا
نتصور وأن هناك نقاشات بناءة مع كل الأطياف يجري يوميا على صفحات
الجرائد في مناخ من التفاهم رغم تدهور الأوضاع وهذا أمر كان
موجودا حتى في زمن الفاشية في الجلسات الخاصة.
بمعنى أن النخب الثقافية الخيرة لم تندمج كلها في النظام السياسي
العام وحافظت على نقاء طيب في أحلك الظروف لذلك لا يجوز دمج
الجميع كتابا وشعراءً ومثقفين في خانة واحدة. هؤلاء ليسوا صنفا
واحدا بل هم عبارة عن أطياف مختلفة تماما.
إن الذين اجبروا على الحرب أو اجبروا على الكلام أو الكتابة تحت
التهديد بالموت والغرف والرطبة والاعدام ليسوا هم الذين أجبروهم
على ذلك. لا يجوز، حسب المفكر ميشل فوكو وكل الفكر القانوني
البشري،( محاسبة الناس على أقوال أو
كلمات أجبروا عليها، أو على صمت فرض عليهم). بل هؤلاء
ضحايا ومن حقهم مقاضاة جلاديهم.
من عدم الانصاف وضع الجميع في سلة واحدة. للأمانة كانت المؤسسة
الثقافية العراقية حتى في الزمن البربري تضم نخبا من الكتاب
والشعراء والفنانين الشرفاء والطيبين الذين كانوا في المؤسسة
وخارجها، وكانوا يموتون كل لحظة حين يرون مقالاتهم تحور وتشوه
عند النشر من قبل هذا المسؤول أو ذاك ومن هو الذي يعترض؟ لذلك
شكل هؤلاء اليوم البنية التحتية مع زملاء واخوة لهم في الخارج من
أجل خلق تقاليد ثقافية وطنية جديدة على أنقاض جثث وويلات وخراب
قرون.
ومن مفارقات العقل العراقي والحالة العراقية المليئة بكل أنواع
الغرائب أن نخب الخارج هي الأقل استعداد لقبول الاختلاف، وهذا
راجع في نظري الى ان نار الفاشية كانت المطهر من كثير من
التشوهات وأنهم فعلا مصممون على أن لا يحدث ذلك ثانية، ونصيحتي
إلى افندية الخارج أن لا يصدروا سلعتهم السامة إلى الوطن كي لا
يتحولوا إلى مسخرة جديدة.
العراق، في نظر هؤلاء، ليس وطنا بل عقارا، والمواطن فيه ليس
مواطنا، بل راعيا، ونحن لسنا شركاء معهم في الأرض بل أجراء،
والوطن في تصورهم:
ـ ملكية عقارية.
ـ ملكية حزبية.
ـ ملكية شخصية.
ـ ملكية عائلية.
ـ ملكية تاريخية.
ـ ملكية عقائدية.
بهذا المعنى فإن ميشيل عفلق ليس شخصا فحسب، وكذلك الطاغية، بل هو
أو هما، وجهة نظر، وأسلوب عمل، وطريقة تفكير، ورؤية في السياسة
والسلطة والقانون والحياة والقمع. إنهم حفنة من قيم منحطة وهذه
موجودة هنا وهناك. المعارضة ليست صبغا أو زيا أو قناعا بحيث أن
من يرتديه صار وطنيا ومعارضا ومعاديا للطاغية، بل المعارضة صفة
تكتسب بالفعل والسلوك والفكر والمنتج وليست وراثة أو بطاقة طائرة
أو نزهة.
الفكر العفلقي، بهذا المعنى، ليس هو المرتبط فكريا أو حزبيا،
بميشيل عفلق نفسه، بل هو فكر يضع الوطن كـ:
ـ كعقار.
ـ ملكية شخصية.
ـ عائلية.
ـ حزبية.
ـ عقائدية.
ـ تاريخية.
على هذا الاساس فإن موت أو هرب الدكتاتور لا يعني قطعا موت أو
نفي الرؤية العفلقية، رؤية الحيازة، والعقار، والملكية الخاصة،
للوطن والناس والثورة والحكم، بل يعني غياب أحد نماذجها لا أكثر
ولا أقل.
موت الدكتاتور العقلي والتاريخي والمعرفي هو في أحداث قطيعة
بنيوية فكرية معه وهذا ما لن يحصل قريبا.
فهذه الرؤية( رؤية الحيازة والعقار والملكية الوطنية) موجودة
اليوم في تقاليد الأحزاب، وفي التقليد اليومي السياسي الذي يصادر
ويعاقب ويلغي ويؤرخ ويحذف ويدمج من يشاء بناء على قانون الرؤية
الخاصة، القائمة على الحيازة:
ـ حيازة الوطن.
ـ حيازة الحقيقة.
ـ حيازة الشرف.
ـ حيازة الأرض.
ـ حيازة الثروة.
فإذا كانت بعض أحزاب اليسار تدعي ملكية التاريخ والحقيقة، فإن
الأحزاب الدينية تدعي ملكية الدنيا والآخرة.
نحن ، إذن، بين مصادرتين:
ـ إما أن نكون مصادرين من التاريخ.
ـ أو نكون مصادرين من الغيب.
أي أننا، في الحالتين، لسنا مواطنين، بل رعايا، ولسنا شركاء في
أرض أو وطن، بل أجراء أو مخطوفين إلى حقيقة تاريخية مشكوك فيها
وغير مؤكدة، أو إلى غيب غامض وسرابي.
نحن أقرب إلى الشيء منا إلى البشر.
وفي فكر المصادرة والاختطاف يجلس ، متربعا، فكر الحيازة أو
الملكية أو العقار، أي الفكر العفلقي.
ليس مجديا البحث عن الطاغية في أي وكر، بل ابحثوا عنه في فكر
وهوس ملكية الوطن والتاريخ والحقيقة والناس والغيب والثروة
والسياسة، وفي غياب القانون، وموت حس العدالة، وفي الارتجال،
والسطحية، وهو مرض لا يقل خطورة عن هوس الحرائق والتشنيع والجنس
والخمر والكذب والتشهير وأكل البراز !
يعرف عالم النفس الفرنسي الشهير بيير داكو أسلوب التشهير على
انه" محاولة من مرضى عقدة الشعور بالدونية المستترة والمخفية
والمهلكة لاخفاء عار داخلي بترحيله على الآخرين وهو يتضمن ـ أي
التشهير ـ رسائل مضمرة وسرية من هؤلاء المرضى على أنهم ملائكة
والاخر شيطان وهذا ضحك واحتيال على النفس لأن العقدة مع ذلك تنشط
بعد لحظات!".
بدون مجتمع محصن صحي نظيف ومحمي بالقانون والرصانة والجدية
ومؤسسات وقائية وبرلمان وصحافة حرة مسؤولة ، بدون ذلك فإن حجرة
صغيرة ستكسر الزجاج .
ليس لأن الحجرة قوية
بل لأن الزجاج هش. |