الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 
 

            أخطاء البراءة

كانت قاعة إتحاد الأدباء في ساحة الأندلس غاصة بالحضور في ذلك اليوم من عام 74 إذا كنت أذكر جيدا، وعنوان المحاضرة عن الشعر العراقي، والمتحدث هو المرحوم شفيق الكمالي ومقدم الندوة هو الشاعر والكاتب يوسف الصائغ، وكان الشاعر محمد بحر العلوم يذكّر الكمالي من مقعده في الخط الأمامي بدوره في الشعر رغم ضيق التنفس الذي أخذ يشتد عليه كلما مر المحاضر على تاريخ الشعر في محطات منتقاة دون ذكر اسمه!

وهنا سمع دوي كما لو أن برقا ضرب الباب الرئيسي للاتحاد أو ان شاحنة قد دخلت مبنى الاتحاد وهي في الطريق إلى القاعة، أو كما لو ان احدا يدق انذارا عن حريق في المكان. كان من المتعذر استمرار الندوة دون وقف هذا الدوي الذي يشتد كلما تأخروا في فتح الباب، وذهب شخص للاستطلاع وعاد بالخبر المشؤوم: الحصيري في بهاء الصحو المشرق الدائم هو الذي يطرق الأبواب في هذا الليل، في مدينة تطرد المشردين إلى الهامش والفائض والزائد عن حاجة الفرح كي تستريح إلى ريفها الأصفر، كما كان الاغريق يطوفون برجل وامراة في ارجاء المدينة وهم يُضربون بالأغصان والحجارة ثم يتم طردهما خارج المدينة، أو كما في التقليد الموسوي حين يطلب الكاهن ماعزين أحدهما للذبح الطقسي وآخر  لكي يطرد إلى البرية حاملا خطايا الآخرين التي لا تنتهي، أو كما في حضارة وادي الرافدين حين كان القربان أضحية بالوكالة عن ذنوب الآخرين وتقليد كبش الفداء عريق في التاريخ.

مقاطع من روايتنا "عزلة أورستا" الصادرة عام 2001:

(اذهب إلى البرية أيها الكبش حاملا خطايا اللوطيين واليوتوبيين والجدليين واللولبيين والانتهازيين وابناء الكراجات والوشاة والزناة وجراد الصحراء والحالمين بلحس فروج نساء المصحات العقلية في أوربا من الاهمال والقبح والحشيش ومالكي صحف زمن الرداءة العراقي الجديد احفاد ملكون وعوني والسمعاني والفياض والصفواني" رؤساء تحرير صحف مرتزقة في الزمن الملكي".

في يوم ما عندما يعود مناضلو وشعراء وحزبيو الطاولة والنرد والقبض والزار والصحف الصفراء وعارضو أشجار ومنائر وأضرحة ومساجد وكنائس وقناطر وشهداء وجبال وسهول وطيور وخيول الوطن للبيع، عندما يعود هؤلاء إلى الوطن سوف لن تجد أم فرات ولا عبد الله الفاضل ولا قاسم شريف وحسين عبد المهدي ولا الأسير والمطرود أو عاشور اللقلق وغيرهم مكانا فارغا للنوم والموت والحلم على مائدة ذئاب تخجل منها حتى الذئاب.

سنجد أنفسا يوما غرباء مرة أخرى في وطن مستعار ومسروق. الجبناء على الأبواب كضباع الفطايس. هؤلاء في الانتظار. يومها بدل أن تفتح أبواب الأمل، ستفتح أبواب السجون وتحت أسماء ورايات جديدة. لن تتغير سوى العناوين والموت واحد. هذه النخب الفاسدة غير قادرة على ادارة مشروع التغيير الحقيقي.

هنا تكمن جذور النظام الفاشي المقبل. المستقبل في خطواتنا الآن... هؤلاء سيكتبون التاريخ مرة اخرى، بل وسيصنعونه. لقد أخذ التاريخ شكل البورديل. قد لا نجد وطنا أو حائطا نتكئ عليه....)!.

 والحصيري يدق بعنف الباب، وأزمة الربو تشتد على بحر العلوم:(وكاترين ترقص رقصتها الشهيرة على صوت الريح، وعلى دفوف ليل آخر قادم من الحشرجة واللوعة والوحدة والخمر والثلج، وكانت ترتعش كلهب في مجرى ضوء نجمة أو ريح مختبئة في لحاء الشجر، كبرق نائم على صخرة نهار ثلجي، كرعشة حيوان غابي فاجأه المطر، ضوء النهار، دم الشهوة، سقوط شجرة أو رفة طائر بين السنابل أو حلم قنطرة منعزلة  بموكب من المارين.

انا درويش منسي على حافة هذا الليل الجليدي، كاترين، وانت شهوة الحجر، وصراخ سنونوة باغتتها الشهوة وهي في الطريق إلى كنائس العزلة. قيامتي رماد وقيامتك شبق. اللعنة على الصاعقة لم تعد تزورنا منذ صار الموت على الخشبات نشيدنا الوطني بسبب ربع براندي في حديقة قصر مسحور، وفي نشوة قرد خرج من الصحراء والكهف والمغارة وضوء النهار وأطفأ كل شيء.

انا موقد جمر لا يشتعل، لا ينطفئ. درويش أخذوا مسبحته وقرأنه وأعطوه بطاقة تموين. أخذوا منه وطنه وأعطوه منفى. ثم سرقوه منه. أنا تبن كاترين وأنت جدول ماء. هل تقبلين المقايضة: أعطيك تبنا، جنازة، منفى، موقدا ميتا، حبلا، وتعطيني سجادة، مسبحة، سيف الموت الطقسي، رغبة، وقصيدة قديمة عن صلاة الكاولي ـ عزلة أورستا).

والحصيري يدق بعنف، ونحن نشقى وعبد اللطيف اللعبي( في ساحة السجن ملقى) وكاترين حين تغضب تضربني بنهدها، فتبرق في الذاكرة راجمات الصواريخ على سفوح كولينا، وجسر الطاهري، والفرقة الذهبية الإيرانية تتقدم تحت المطر نحو خرمشهر في نسيان 82، ومرقص مكسيم في بيرغن هو برية من البياض الأشقر والأجساد الراقصة على طبول افريقية قادمة من الغابات السحيقة، واليوت يصرخ في الأرض اليباب:

هذه هي الطريقة التي ينتهي بها العالم.

ليس بالضوضاء بل بالنشيج.

كان يجب فتح الباب للحصيري والا سيظل يطرق حتى تستيقظ هذه الأرض النائمة يوما. حين دخل، كان من الصعب تصديق أنه يرى أحدا.كان غيابا يمشي على قدمين وسترته تسنده كي لا ينهار. وشعر الجميع ان مفاجآت كثيرة قادمة خاصة والحصيري ممنوع من دخول الاتحاد بأمر من العتمة والليل والصحو. واصل الكمالي محاضرته وجلا منتظرا على مهل. رفض الحصيري أول الأمر الجلوس في المقاعد الخلفية ولا في الوسط. وأصر أن يجلس في الصف الأمامي. هذا أول الغيث. ثم طلب من الكمالي أن يعيد مرتين ما قاله لأنه لم يسمع!

 كانوا أمام خيارين: إما الحصيري في القاعة، بكل ما يعنيه ذلك من صخب كدخول ثعلب في قن للدجاج، أو طرده. حمله اثنان حتى ارتفعت أقدامه قليلا عن الأرض. وبكل قوة باقية التفت إلى الخلف وبصق في اتجاه الكمالي بعنف وكان الأخير يومها وزير الثقافة والاعلام وعضوا في قيادتي الحزب الحاكم.ابتسم وقال: هذه على اللحية ومقبولة من الحصيري!

(هذا هو قاسم شريف القادم من سجون وحروب وخيبات كثيرة. قاسم الحمامة كما كنت أقول دائما. الخجول الحي حد الحياء الانثوي، الهش كسنبلة، الرقيق كنسمة، الهادئ كأمل طفولي عذب، هو الان قاسم شريف آخر في شراسة نمر وفي هدوء اعصار وفي صخب البحر. مرة كنا خارجين من مرقص مكسيم في بيرغن بعد منتصف الليل عائدين إلى المنزل حين خط على جدار محطة  القطارات المركزية القديمة بالحجارة:تسقط الحرب الأهلية القادمة! ـ عزلة أورستا).

لست عرافا  وليست هذه نبوءة بل كنا نراهم هنا وهناك ونهرب من رائحتهم لأنها تشبه عطور الموتى. وأنا اقول لكم اليوم بعد اكثر من ثلاث سنوات على صرخة قاسم شريف بعد منتصف الليل: تسقط الحرب الأهلية القادمة!

 
                      العوده للصفحة الرئيسية