الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 
 

               

اخطاء البراءة وعثرة نبي منعزل

صورة نادرة نشرت مؤخرا لكنوت هامسون يؤدي التحية النازية لجنود المان يغادرون الميناء!



تبقى الدوافع التي جعلت الروائي النرويجي كنوت هامسون ـ 1859 ـ1952 ـ يقف الى جانب النازيين وهم يحتلون بلاده النرويج ويقابل هتلر ويصفه بعد موته بـ ( موت آخر العمالقة)، تبقى هذه الدوافع محيرة وملغزة رغم مرور كل تلك السنوات الطويلة.

وكنوت هامسون ليس روائيا عاديا بل هو أحد كبار كتاب الرواية في العالم واثر في جيل كامل من الروائيين وحتى الشعراء ومنهم ارنست  همنغواي وجيمس جويس وهنري ميلر وغيرهم، بل ان الشاعر السريالي اندريه بريتون كان قد استشهد بمقطع من روايته ( الجوع) المترجمة الى العربية بالاسم نفسه في بيانه السريالي الأول.

واذا كان موقف الشاعر الأمريكي  ازرا باوند الذي ساند الفاشية قد انتهى  سجينا في مصح عقلي، فإن مصير كنوت هامسون بعد انهيار النازية كاد أن يكون مشابها لو لا حملة تضمان عالمية شارك فيها كبار كتاب العالم، وكاد أن ينتهي على حائط الاعدام بعد محاكمة طويلة دافع هامسون فيها عن موقفه بل لم ينكر موقفه أبدا، حتى انه اختلف مع محاميه الذي حاول الدفاع عنه بحجة كبر السن واحتمالات الخرف الامر الذي حدا بالروائي الى انكار هذه التهمة وقيامه بتأليف كتاب يؤكد سلامته العقلية!

الذهنية النرويجية المنفتحة والخالية من عقدة حجر الكتاب والناس في خانات وغلق الأبواب عليهم مدى الحياة وهي خاصية مشرقية بامتياز، ترى في هذا الموقف الغريب للروائي على انه قد يكون واحدا من أخطاء البراءة لأن الزعيم النازي كان قد طرح نفسه على العالم كمنقذ للبشرية وهو أمر ينسجم مع نزعة خلاصية مسيحية لدى هامسون الذي درس اللاهوت والحضارات والأديان بما في ذلك الاسلام وتعمق في هذه الدراسة، وهناك من يرى ان الروائي الذي كان يعيش في عزلة شبه تامة عن العالم وهو من أصول ريفية محافظة قد خدع بدعاوى النازية، خاصة وان كنوت هامسون قد جرب كل أنواع المهن القاسية ومنها العمل كاسكافي في ورشة أحذية وروايته( الجوع) هي سيرة ذاتية روائية لمرحلة من حياته تمتلئ بالألم والشجن والجوع والحلم بفراش دافئ وطعام نظيف وضوء طري ـ حسب وصف أرنست همنغواي في واحدة من أجمل قصصه القصيرة، وهناك من يرى ان الروائي ربما خضع لظروف قاهرة. هذا الجدل يعكس حس العدالة التي تصل في بعض الحالات الى مستوى الجمال: تفكيك المواقف، شرحها، معرفة الأسباب، دون الادانة الفورية خاصية العقل المتخلف.

يتحدث النرويجيون اليوم عن هذا الروائي الكبير ـ فاز بجائزة نوبل سنة 1920 ـ بكثير من الاعتزاز والتقدير دون نسيان ان هذا الروائي قدم الكثير للأدب النرويجي والعالمي ومن غير الممكن ولا من الانصاف اختصاره أو اختزاله في موقف واحد على غرابته وهو درس علينا ان نتعلم منه الكثير نحن الذين أدمنا اعتقال الكتاب والناس في موقف عابر لم يرتق الى مستوى الخيانة، بل يرتقي احيانا الى مستوى الجمال الذي لا نحبه.

كانت مفاجأة مدهشة تصل الى حد الوثوب الطفولي حين قدمت لي السيدة أنكري مورك ديوان شعره العظيم(الأناشيد البرية) ومنذ القصائد الأولى شعرت ان كنوت هامسون ليس روائيا كبيرا ومبدعا، إنما شاعر كبير، ولهذا غفر له مواطنوه حتى الخيانة لأن الجمال يغفر ويطهر كالموت دون نسيان تلك العثرة التي هي عثرة نبي منعزل وبرئ أو عثرة جواد في عالم المتاهة والخوف.

 
                      العوده للصفحة الرئيسية