الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 
 

في أحوال أهل القلم وثورة الأنا العليا

من أوصاف بعض أهل القلم قدرتهم على التأقلم حسب أحوال الطقس وطرق الرياح وموهبتهم الخارقة في معرفة مكان الغنيمة على مبعدة سنوات من منطقة الشواء، دون الخوف من حساب أو لوم أو تقريع .

 ونحن نتحدث عن أهل القلم الذين يعيشون على مساحة من الحرية تعطي هامشا كبيرا في حرية الرأي والقول والاختلاف وليس عن أهل القلم الذين عاشوا في حالة الأسر والسجن بل أدنى لأن هؤلاء، أو كثيرا منهم وهم الغالبية، كان حالهم حال الجنود الذين دفعوا إلى الحروب على الضد من إرادتهم، وحال الذين هربوا إلى المنافي، وهؤلاء أصناف، أو الذين دفعوا إلى التعذيب غير راضين، فكما يوجد ضحايا بين الجنود، وكل شرائح المجتمع الأخرى في أتون محرقة عامة، كذلك يوجد ضحايا بين الجلادين، فبين هؤلاء ضحايا أيضا إذا حاولنا تفكيك صورهم ومشاعرهم بعقلانية ربع ساعة الأخير، فلا يجوز محاسبة الناس على كلام أو فعل فرض عليهم بالقوة أو صمت أجبروا عليه، وهذه هي حال قوانين العالم وأديانه وأخلاقه.

 نحن نعيش هذه الأيام، كما عاش الشعب الألماني بعد النازية عقدة الشعور بالذنب، في زمن ثورة الانا العليا، خزين القيم والمثل والمبادئ، فالكل يتحدث هذه الأيام عن اليوتوبيات والفراديس والعالم المثالي، لكن من هو سبع الليل الذي يعلق الجرس في رقبة القط؟ ولا أدري من كان يطلق الرصاص على الضحايا، ولا من يشتري حبال الشنق، ومن يهتف في الساحات أمام ذخيرة الموت وهي تأكل أرواح وأجساد المعدومين في النهار، ولا أدري من كان يصمم الأقبية، ويصنع السموم، ويداهم المنازل، ويحمل الجثث إلى آلات الطحن  أو أحواض التذويب، أو من يطارد الضحايا حتى في منافيهم ..والخ وهلم جرى؟

في كل مرحلة أو حقبة أو جيل من تاريخ هذا الوطن المسلخ، الوطن السجن، المنفى، يخرج لنا من الثقوب والفجوات، ثقوب فراغ المقاييس، وفجوات الوعي، وغياب المرجعيات، حتى في حدها الأدنى، فصيل من حملة أهل القلم لينقلبوا بعد حماس وقفز على هذا الحبل أو ذاك وهياج وصيحات ابتهال لهذا المشروع أو غيره، لهذه الخطوة أو تلك، وأخرها الاحتلال، لينقلبوا، فجأة، على المشروع وعلى مقالاتهم وعلى أصواتهم كأن تلك كانت تصدر من أشباح، ويلحسوا مواقفهم كأن شيئا لم يكن، أو ان أحدا لم يقرأ، أو ان إذنا لم تسمع، أو ان أحدا لم يقتل، وكأن دولة لم تنهب، ولا أحد شاف ولا أحد درى، فهذه اللغة توفر أفضل مخارج الدخول والخروج والهروب والتنصل من كل شيء، كل شيء، بما في ذلك طرق بديلة للهروب على طريقة الأرانب!

نحن لا نقصد في كلامنا هنا الذين خدعهم نداء التحرير والتخلص من تلك الفاشية الكريهة، فهؤلاء يجمعهم معنا الكثير، ومن الطبيعي أن يغير المخدوع رأيه شرط حسن النية والنزاهة، ولكن حديثنا  يتناول الذين قبضوا ثمن هذا الموت تحت واجهات علنية أو سرية، وارتدوا أقنعة الوطنية، بل كانوا اشد على أبناء جلدتهم من جيوش الاحتلال، سحقا وحرقا وتشويها من اجل القبض والمتعة الهمجية التي تنطفئ لتعود الذات المرضية تلوك عذابها المتناسل والذي لا ينتهي كسنجاب يدور في قفص!

ويبدو أن دمنا صار رخيصا ليس في عرف المحتل وثقافته ولغته فحسب ـ والذي استبدل صفته في الـ 24 ساعة الماضية في آخر تقليعة لقاموس الزور من محتل إلى ضيف مدعو( ممن؟!) ـ بل صار رخيصا جدا في مقالات هؤلاء أصحاب العلم والفهم والنبوءة والتجريب على شعب كأننا نعيش ليس على أرض بل في مختبر فئران، حتى إذا حل الخراب ووقعت الواقعة وبات معروفا للجميع حجم الهاوية اليوم وغدا،وكثرة اليتامى ونزف الأرامل وسرقة كل شيء، بما في ذلك فرح وطمأنينة ونوم الأطفال، وانهيار مشروع الحرب (والتحرير) المنهار أصلا، استدار هؤلاء بحاسة شم لا تتوفر إلا عند كلاب الصيد، وتصدروا الواجهة ـ مرة أخرى ـ بنفس الحماس الأول، حماس التحرير، والمراهنة على جنرالات مجرمين، وجلسوا في مقاعد الرفض الأمامية لا لمشاهدة مسرحية ساهموا في كتابتها وإخراجها واستدعاء الجمهور لها عنوة وغصبا فحسب، بل لتصدر واجهة السياسة والكتابة (والنضال!)، لأن فقه الواجهات وثقافة الصف الأول وذهنية رصد اتجاهات الرأي العام، ومنطق الغنيمة، هو جزء جوهري من عقلية مثقف السيرك والعازف الأجير حتى على حساب موت شعب يوميا وتطايره في الريح.

لم لا؟ فنحن شعب لا ذاكرة له، في تقاليد أهل القلم هؤلاء، ولا نحاسب ولا نراجع، وليست عندنا مؤسسات أو مرجعيات وقائية، ويتساوى عندنا من يدعم الاحتلال، ويشارك في قتل شعبه، بحجة دكتاتور بغيض، ومن يجتهد فيخطئ في رأي، لأن ثقافة الوجاهة، ومراعاة المحيط، وثقافة التناسخ والتشابه، لا تسمح بنقد المخذول حتى لو كان من المدمنين على تبديل الجلد حسب الأوضاع والموقع والمركز والمنفعة ولون السلطة والعشب والأرض.

كل شيء تديره لغة: يجب وينبغي وعلى العراقيين والأحزاب أن تفعل كذا وكذا، كأن هذه الكذا صارت بديلا عن الصراع الاجتماعي والسياسي وبديلا عن نسق القيم العريق سلبا أم إيجابا، وأن الصراع التاريخي العاصف اليوم والجبار يجري داخل قاموس لغوي وليس داخل بنية اجتماعية شديدة التعقيد، وهذا التسطيح للصراعات التاريخية هو نتاج ذهن  المثقف المبشر، صاحب الكلمة ومالك الحق والحقيقة والعقيدة التي لا يأتيها الباطل ولا يقترب منها خطأ أو زمن لأنها تعيش في زمن نصي دائري مغلق: فعلاقة هؤلاء بالنصوص، على عقمها، أكثر من علاقتهم بالبيئة، وصلتهم بالقاموس أكثر من صلتهم بشعبهم، علما أن فعل الأمر لا يقال في العالم المتحضر إلا لطفل في حالة خطر أو لكلب!

حين كتبت مقالة( موت بائع الأوهام) وهي رثاء لزمن المثقف المبشر والداعية والرفيق الحزبي، وهؤلاء جميعا يعيشون في قرابة الحسب والنسب والذهنية وملكية الوطن والشرف والتاريخ، والفواصل بينهم معدومة،كما هو حال أهل الليل، وللثقافة ليلها، كما للسياسة ليلها، وصلتني رسائل كثيرة تطلب المزيد عن هذه الشهادة، وأن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن هذه الكلمة لم تسقط في أرض يباب بل أرض الخصوبة والسؤال والعطش المعرفي بعد انهيار مشروع الغوغاء.

صحيح أن أهلنا غير قادرين على لوي الكلام، وطرح الأسئلة الفكرية بلغة أهل القلم، لكنهم قادرون على طرح ما هو أعمق وأدق وأنظف حين توضع القدور على المواقد، وحين تفتح ثلاجة البيت على الخواء، وحين تذهب ربة البيت إلى بائع الخضار، أو محطة الغاز، أو موقف الحافلة، فلا تجد شيئا غير الوجوه اليابسة الخائفة المرتعشة من كل شيء، حتى من تأخر الحافلة، لأن كل شيء هناك حين يتأخر فإنه يتأخر على فاجعة بما في ذلك الدستور والعرق ونقل السلطة وفتح الخمارات!

ومن العيب في ذهنية التناسخ والتشابه والقطيع أن نختلف مع أحد ـ ولو كان جربوعا ! ـ أو نتعرض لثقافة خاوية  محنطة، مع ان كتاب العالم اختلفوا مع شعوبهم وحضارتهم وفلسفاتهم وقيمهم وتاريخهم، لأن هذا في تقاليد الصم والبكم والكتلة والجماعة وثقافة الحائط والإعلان والشعار، عيب وحرام ومرض وعقدة نفسية، ولذلك فإن الصخب الثقافي اليومي والحيوية الدائمة التي يثيرها غونتر غراس حامل نوبل في الرواية، في الثقافة الألمانية، والمعارك التي يخوضها كتاب اسكندنافيا ضد مؤسساتهم ودولهم وحتى ضد أرقى ليبرالية في العالم وصفها الروائي الروسي المنشق سابقا في عرف قبائل اليسار: بأنها حداثة خطيرة أوغلت كثيرا في تطرفها وحريتها، ووصفها صديقي وجاري الروائي بيورن يانسون، وهو يتحدث عن مجتمعه وسلطته الديمقراطية المفرطة في ليبراليتها بأن فيها بعض الإرهاب والتمايز:ـ ( غير الواضح لكم أنتم أبناء العالم الآخر!)، أقول أن هؤلاء جميعا في ثقافة القطيع يجب أو يرسلوا إلى المصحات العقلية بتهمة التمايز والاختلاف والفردية واستقلالية الرأي واحترام الحق في التفكير والخروج عن قواعد الكتابة الموحدة والمتفق عليها!

لا أدري  كيف تناسل المثقف المبشر، وهنا الخطورة، وهو على وشك الانقراض، والدخول إلى متحف التاريخ، فأنتج لنا عبر سنوات من التلقين والتخويف والزجر والقمع والعقاب الجسدي والنفسي من خلال التلذذ بتعذيب الآخر وعرضه على الملأ بصورة وحش، أنتج لنا مسخا جديدا هو مثقف السيرك، الذي يحول كل شيء بما في ذلك البراءة إلى جريمة، والخيانة إلى بطولة، والوردة إلى حشرة أو بالعكس حسب الحاجة والخصومة، في ميثولوجيا  مختلطة بين الجد والهزل؟!

ومرة أخرى لأننا بلا ذاكرة ولا مصدات وقائية ولا معنى دقيق للشرف غير المعنى الجنسي المبتذل، وهذا( المثقف) لم يكن يستطيع أن يقفز على كل هذه الحواجز والدماء والتجارب المهلكة على ضحاياه ـ الذين بعضهم مات وبعضهم ينتظر وبعضهم  مشوه أو سجين اليوم في مستعمرات عقاب تحدث عنها الروائي كافكا  ـ في مناخ سياسي وثقافي وفكري نظيف ومعافى ومحترم.

وفي كل مرة يخرج هذا الصنف وهو يرتدي ثياب الكاهن والناصح والمبشر والناقد والثوري والحالم والمتصوف والمناضل ثم نكتشف قبل أن تجف الدماء من أجساد ضحاياه، بل لا يزال بعضها ينزف، بأننا أمام كرنفال من الأزياء والعقائد والأفكار يجمع بين بذلة الكاهن وبين بذلة الرفيق، بين ثوب التاجر وبين ثوب السياسي، مع غياب الفواصل المنطقية، والعقلية، والفكرية، بين الجحر وبين الوظيفة، بين النقد وبين العض، بين الفكر وبين الأسنان، بين حب الجماهير وبين الدعوة لسحقها علنا في وضح النهار، فهذه الجماهير لا تستحق العيش بدون ديمقراطية الهراوات والقنابل حتى تلك التي تحت السيطرة من قبل ضيوف مدعوين من قبل أهل الحكمة والوجاهة والنزاهة والعلم والمصرف والرعب والدجل والسيرك، وأما نقد السلطة والتاريخ والمجتمع الذي تأسست عليه الحداثة في العالم فهو رجس من عمل الشيطان ولا ينتمي إلى الفكر الحديث بل إلى المستشفى!

أما الذين قبضوا أجرة العازف( ونحن ننتظر من يكشف لنا عن كل الأسماء ونعرف بعضها!) فمنهم من لا يزال يسبح بحمد المئة ألف دولار التي باع واشترى بها هدايا لأطفال العراق وهي لعب تنفجر عند اللمس لتحول الطفل في ثانية من مخلوق إلى مسحوق أحمر، ومنهم من خرس خوفا من عار أو فضيحة، ومنهم من بدل موقفه ـ كأن موقفه لم ينتج عن جريمة! ـ وصار استشرافيا، مستقبليا، ثوريا، ولا حاجة لذكر الأمثلة لكي نحافظ على نصاعة الورق وجمال الإحساس بالكتابة، فكل شيء محسوب ومعروف، رغم أننا نصاب أحيانا من الذهول ونشاف الريق والتعب والتداخل، بما يشبه حالة الفصام وشعور الراحة الأبله والنسيان ليس بسبب خلل عضوي بل لتشابه الصور وتداخل المواقف بين كاتب ومهرج، بين مسرح وبين انفجار، بين واجهة سياسية ومتجر، وهذا التداخل يقول عنه عالم الاجتماع الشهير دورنكهايم: ليس ناتجا عن غياب المعايير، بل عن تداخلها. وفي هذه الحالة يصبح كل شيء مشروعا، فلا يوجد من يلزم الجميع بالخضوع لقانون ولا لعرف ولا حتى لشروط النزاهة الفردية.

في الدول الديمقراطية وفي بعض الأحيان في غيرها يطرد زعماء الأحزاب بل رؤساء الدول أو الحكومات أو أطباء نتيجة جريمة أو حتى  بسبب سهو أنتج  مأساة، أو حراس حدائق لهروب حصان أو جرذ، وتعاقب مؤسسة  أو ولاة على سقوط عمارة أو انهيار جسر أو قنطرة، إلا في دولة الرقيق الأسمر والرخص فكل شيء مباح، ومنسي، وطبيعي، كأن على الكاتب والسياسي والمقاول والحزبي أن يجرب كل الأزياء وكل البرامج وكل الحروب( نفس عقلية الطاغية!) حتى لو أنتج ذلك كارثة موت ملايين أو اقل من ذلك، فليس مهما عندنا الأرقام. ألم يقل أحدهم قبل الحرب: ان قتل مئة ألف هو ثمن مقبول مقابل زوال الطاغية؟!

هذه اللغة هي لغة سلطة، لأن السلطة هي بنية لغوية، وهي وجهة نظر وحشية  في الحياة، ولا فرق عندها بين قتل قطيع ماعز في مرعى أو إزالة بلدة من على سطح الأرض.

كلنا ماعز في ثقافة المرعى!

 
                      العوده للصفحة الرئيسية