الاعزل
1
كان أول من عبر النهر في ذلك الصباح هو يوسف . لقد عبرنا النهر
إلى الغابة. غابة كثيفة. غابة دغل وصفصاف وحلفاء وأحراش. كنت أرى الغابة عبر
النهر. كنت أراها كسر من أسرار كثيرة تدور ولا أفهمها.لكن هذا الصباح لامست قدماي
أرض الغابة .يا للفرح.
وقفت مبهورا وخائفا. كنت أخاف أن أضيع. لكن وجود يوسف معي يكفي
لكي لا أضيع. كان حارسا لهذه الغابة. كان وحده يدير هذه القطعان السود وهي تلمع
تحت الشمس مبللة وهي تعبر النهر نحو الغابة في ذلك اليوم المشمس من أول ايام
الصيف. تلك هي عادتنا في بداية كل ربيع: الذهاب إلى البراري المعشبة كي ترعى
القطعان إلى ان يبدأ المطر وتظهر غيوم الشتاء فنعود إلى البلدة.
كان يوسف قد وضعني أمامه على ظهر جاموسة يحبها كثيرا اسمها
وردة هادئة لا تشبه بقية القطعان لا في قرونها العالية الجميلة المهيبة ولا في
مشيتها البطيئة. كانت بالنسبة ليوسف أكثر من حيوان. أول خطوة على أرض الغابة
جعلتني اشعر بشيء غريب لا يشبه أي شيء آخر أعرفه من قبل. الخوف نفسه توارى قليلا خاصة والدنيا نهار، وحل محله شعور
بالزهو والدهشة كما لو أنني أمشي لأول مرة على أرض.
هذه هي الغابة التي طالما حلمت بها وسمعت حكايات عجيبة
عنها. هذه هي الأشجار العملاقة التي
يقولون انها تتكلم في الليل وتفعل أفعالا لايفهمها كل البشر. هذا لايحدث إلا في
الليل. في أعماق الليل. نظرت إلى الضفة الأخرى من النهر حيث البلدة تقع هناك وقطيع
آخر يتهيأ للعبور. كنت أسمع صيحات ونداءات تأتي عبر النهر صيحات أليفة لأن بعض
القطعان تعاني من متاعب العبور خاصة الصغيرة منها. وكانوا قد إحتاطوا لكل شيء بما
في ذلك غرق العجول الصغيرة.
رأيت عبر الشمس ورذاذ الماء والدي يعبر على ظهر جاموسة. رأيت
كذلك خنجر ثجيل يبرق ناقعا بالماء والشمس. ثجيل هذا أكثر ما يخيفني فيه عينه
الحمراء وفمه المائل المعوج نحو
اليسار والذي يغطيه دائما باليشماغ. ثجيل يعبر لوحده مع قطيعه. هكذا هو دائما وحده
في كل مكان نذهب إليه أو نعود منه. قليل الكلام ولا يشبه أحدا. لا يشبه إلا نفسه.
بعد ذلك توالى عبور القطعان حتى إكتمل العبور وصرنا جميعا على
أرض الغابة التي يقولون ان أحدا من قبل لم يدخلها أو دخلها ولم يخرج. الغابة إسمها
ربيضة. هذا الإسم أعرفه من زمان. رأيت مدهوشا ان الرجال إنتظموا في صف واحد وصلوا
بخشوع خلف يوسف أكبر القوم سنا وخبرة. لم يطلبوا مني أن أصلي فصمت. بعد الصلاة
سمعتهم يرددون كلمات وأدعية لا أفهم منها شيئاً لكنها كانت عن المطر والعشب
والأمان. كانوا قد إعتذروا لها، للغابة، لأنهم داسوها بأقدامهم لكنهم ذكروا لها ان
ذلك من أجل الخير. حين هبت ريح خفيفة عبر النهر وإهتزت رؤوس الأشجار برقت عيون
الرجال ببريق حاد وعلى وجوههم علت بسمة فرح وإمتنان: باركتهم الغابة.
اقترح يوسف أن نقدم ذبيحة وهو تقليد شائع منذ قديم الزمان
بالنسبة لسكان ضفاف نهر دجلة الذي إختلطت فيه عبر العصور الدماء والطين والجثث
والشعر والحب والحكايات. نهر مقدس يسقي هذه المناطق بالماء والويلات والأفراح
والفواجع. وافق الجميع. وقع الإختيار على عجل صغير فذبحوه وهم يهللون ويكبرون
ويرتلون كلمات ووجوههم مكسوة بطين النهر ومسحة من الخوف الممزوج بإيمان مبهم
لكائنات غير مرئية لدرجة انني تصورت ان اشياءً كثيرة ستقع هذه الليلة أو بعدها.
تلك كانت أول ذبيحة على أرض ربيضة العذراء كما يقولون بفرح وهم
ينفضون الطين الذي جف من ثيابهم المرفوعة حتى الركب المتسخة والكثيرة الخدوش. لم
تكن هناك ركبة واحدة بلا خدش ولا يد أيضا ومن العيب أن تكون.
بعد الصلاة والذبيحة أقاموا موقدا كبيرا ووضعوا اللحم فيه بعد أن جلبوا أول الأغصان من الغابة.
تلك كانت اول أغصان تحترق هذا الصباح. هذا اول لحم يشوى وأول كائن يذبح وأول مخلوق
يصلي. يقولون ان الأشجار هنا تصلي. ربما مخلوقات أخرى سنتعرف عليها من بعد.
لم تعبر معنا ولا إمرأة
عدا فاطمة زوجة ثجيل. بقية النساء، ومعهن أمي، وقفن عند حافة النهر ملوحات
بأيديهن وعدن إلى المنازل في اطراف البلدة. فاطمة لم تكن كبيرة ولا صغيرة. كانت
إمراة. هي الوحيدة التي تقترب من ثجيل وتتحدث معه إضافة ليوسف. فاطمة شجاعة ولا
تخاف كبقية النساء من ثجيل. أنا أخاف منه. ربما بسبب عينه وفمه المعوج وخنجره الذي
لا ينزعه حتى في النوم، تقول فاطمة. ينام وخنجره في حزامه.
شعرت ان هذا الصباح جميل ويختلف عن كل الصباحات السابقة. شعرت
أيضا بالزهو لأنني الطفل الوحيد الذي عبر النهر ورأى الغابة.كم هي كبيرة هذه
الغابة ومدهشة.
بدأ الرجال يأكلون وفاطمة توزع عليهم الطعام. لكنهم وقبل تناول
الطعام مدوا أنظارهم نحو هامات الأشجار وربما نحو السماء الزرقاء البعيدة صامتين ،
متمتمين أدعية بصوت خافت متهدج. حين بدأ يوسف الأكل واصل الجميع تناول الطعام إلا
فاطمة التي ركعت في مكان بعيد تصلي وهي تنشج.قال يوسف بخشوع: إنها تنشد بركة الأرض
ودعوتها مستجابة لأنها إمرأة. انها، اضاف يوسف، تصلي للأرض.
بهذه الصورة مرت لحظات هذا الصباح جديدة، وحارة، وباهرة على
هذه الغابة العذراء. بعد الطعام نهضوا جميعا للعمل. كان أول شيء بدأوا به هو إقامة
مساكن لهم بين الأشجار. توزعوا بحثا عن الأخشاب وعيدان الحلفاء والدغل الكثيف الذي
سيكون سقوفا يمزجونها بالطين كما تعودت أن أراهم في أماكن أخرى. كل واحد منهم
إختار بقعة تناسبه وتناسب قطيعه لكنهم ظلوا متجاورين إلا ثجيل فقد إنفرد لوحده
كالعادة في مكان منعزل في أطراف الغابة وكان ذلك غير مستغرب من أحد. في كل مكان
نذهب إليه يفعل ذلك.
نظر يوسف نحو السماء عبر يديه المعروقتين: كانت صحوا مشرقا
والهواء ناعم وعذب وفي الأفق شمس مشرقة. راح يقطع الأخشاب بفأسه بقوة تترك رنينا
حادا في أطراف الغابة ولم يكن ذلك هو الرنين الوحيد الذي أخذ يتردد. إرتفع صوت
القطعان من أماكن متفرقة. هذه الأصوات الضاجة كانت تجعل المعدان يشعرون بفرح خفي
لأنهم تعودوا عليها في الأماكن الكثيرة التي ارتحلوا إليها في حياتهم الشاقة كما
سمعتهم يقولون ورايت بعضها بنفسي.
كانت دقات فأس ثجيل تأتي بعيدة، ناحلة، من طرفها الأقصى. هناك
سيقيم بيته المنعزل الذي سيكون لغزا. خفت أول الأمر من المشي وحدي في الغابة. بدت
الأشياء كلها غريبة ومثيرة ولا أستطيع تفسيرها لكنني تجرأت وخطوت خطوات قصيرة هنا
أو هناك ووجدت نفسي بعيدا عن الأصوات. وجدت نفسي لوحدي. يا إلهي. هذه هي الغابة.
هذه هي الحكايات والألغاز. هنا الأسرار. وأنا وحدي تحت كثافة الأشجار العملاقة
التي تحجب السماء وتعزلني عن العالم وعن يوسف خاصة.
فكرت بالعودة. لكني فقدت الدرب. الدروب غير واضحة هنا. بل
لاتوجد، وخطواتي هي أول الخطوات في هذا المكان. آثار أقدامي بدت كأثر قديم لإنسان
أو حيوان.إذن تهت في الغابة. رحت أردد مع نفسي وقلبي يضرب بعنف وخوف. تهت في
الغابة .
***
بعد أعوام طويلة وقفت أمام غابة نرويجية في خريف متوهج ومشع
بخضرة شاحبة لأعيش نفس الأحاسيس القديمة بدقة محيرة. غابة في بلدة أورستا orsta.
***
إهتديت إلى ضربات فأس. كان ثجيل عاري الجسد كأنه عجل ناقع
بالماء والعرق والتراب. حين رآني
اشاح وجهه وإستغرق في قطع الأخشاب. ثجيل لا يكلم أحدا لكنه حشرج بصوته الشبيه بصوت
ذبيحة هذا الصباح بأن أسلك هذا الدرب. أشار بأصبعه. تلك اول إشارة اصبع تشير إلى
الدرب وتلك كانت آخر مرة يشير رجل حقيقي بإصبعه نحو الدرب الصحيح حتى بعد أن كبرت
وتقاطعت الدروب.
جاء وقت الغداء وتحلق الرجال حول الموقد الذي لم ينطفيء بعد.
شرعت فاطمة تخدم الرجال إلا زوجها المنزوي مع فمه وحوله وخنجره في دغل بعيد أو تحت
ظل شجرة. كانت تعمل صامتة والرجال يتكلمون في كل شيء. كانوا متعبين.أبي كان معهم.
كنت ألوذ بيوسف وتحت معطفه ورغم مرور عشرات السنين فإنني
أستطيع إستعادة رائحة ذلك المعطف الذي كان اخر معطف بشري شعرت تحته بالأمان والدفء
قبل أن أهاجر إلى التيه والمدن الاسيوية الشاحبة ومدن والثلج والضباب. قبل أن أضيع
انا الآخر وفي غابة أخرى لكنها لن تكون كغابة ربيضة.
***
في صيف نرويجي نادر كنت في رحلة طويلة عبر الجبال والخلجان حتى وصلت حافة
المحيط الأطلنطي في مكان يقال له
ستات وبلدة إسمها مولوي ، ورأيت للمرة الاولى هدير المحيط وسمعته بعيني
وجلدي وتأثرت أكثر لوجود مقبرة قديمة شواهدها الحجرية تواجه المحيط الراعد وخلف
المقبرة كنيسة تثقب ذلك النهار الصيفي النادر بقبتها الرشيقة كروح طالعة من الحجر.
إستغرقني جدا تواجد هذه الكائنات الثلاثة في مكان واحد: المحيط والمقبرة والكنيسة.
شعرت لأول مرة لا برغبة في الكلام ولا بعجز عنه بل وبلا جدواه أمام هذه الأبديات
المتجاورة في سلام الأرض والبحر والموت. ولم أنبس بحرف واحد. هل كانت ذكرى الغابة تسرح في خاطري تلك
اللحظة؟
***
شرب الرجال الشاي ودخنوا السكائر بعد أن لفوها بأيديهم وتمددوا
على العشب . بعض تلك السكائر إسمها غازي ولوكس . تلك كانت أول مرة يتمدد رجال على
أرض الغابة. يوسف وحده تمتم بشيء قبل أن يتمدد: كان يستأذن الأرض. يوسف هو قريبي.
أكبر من جد.
اما الجاموس فقد إنطلق في المراعي العذراء المعشبة. شعر الرجال
براحة داخلية وهم يرون قطعانهم تسرح وتمرح في هذه الأدغال العامرة الريانة. بين
وقت وآخر يرتفع رغاء من هنا أو صرير إصطكاك قرون من هناك. تلك علامة إستقرار
يعرفها الرعاة ويحبونها.تلك فورة حياة زاخرة بالطبيعة والعنفوان والوضوح.
كنت اسمع ان أحاديث الرجال المنطرحين على العشب تدور هامسة عن
الليل. بدت لي كلمة ليل تشبه كلمة ضباع أو ذئاب وهي كثيرة في الغابة كما سمعت من
قبل. لأول مرة تأخذ الكلمات معنى آخر غير الذي عرفته في حياتي السابقة قبل الدخول
إلى ربيضة. صار الليل ليلا آخر، وصار الضبع ضبعا حقيقيا قد تواجهه في أية لحظة
وخلف أية شجرة. الموت نفسه لم يعد إحتمالا بل صار واقعة. واقعة مليئة بالخيال
والتحفز ومشاعر الخطر التي تجعل طفلا ينمو بسرعة في لحظات ويكبر على الأصوات
السرية النابعة من الأرض ومن الظلام ومن المجهول.
سمعت يوسف يقول وهو منطرح كما لو انه يحدث نفسه: (عليكم
بالنيران في الليل). لمع في خيالي ضبع في الظلام. سطع فجأة سطوع البرق عبر الأشجار. كنت اسمع ان الضباع تخاف من
النار أو الضوء. لكن من يؤكد ذلك
الآن؟ ضبع أو ذئب . لكن ضوء النهار لا يزال منتشرا رغم ان لون الغيوم آخذ
في التبدل نحو اللون الأحمر الداكن. لون الغروب الصيفي على ضفاف النهر. إنه غسق
آخر يختلف عن اي غسق آخر. غسق الأنهار العميقة الجذور. الأنهار التي تجري في دماء
الناس هنا قبل أن تجري في التاريخ أو على الأرض. إنه غروب نهري فريد ينذر بولادة
الحياة كما لو ان النجوم تشرق هذا المساء لأول مرة على البشر.
***
في بودابست كان نهر الدانوب أشبه بلقية مدهشة. تمشيت طويلا على
إمتداد النهر الشهير ورايت الغسق ينبجس من خلف بنايات بودابست العريقة ولكنني لم
أر غسقا مماثلا لذلك الغسق الساحر. غسق الطفولة المقصية . كنت ذاهلا ومتلاشيا وسط
الأنوار والمياه المنسابة بهدوء عبر الدانوب. حين وصلت إلى جزيرة ماركيت وسط
الدانوب شهقت دهشة: كانت ربيضة قد حضرت أمامي برائحتها، وعصافيرها، ونجومها ،
وأعشابها.
***
غادر الرجال للعمل قبل هبوط الظلام. أنا تبعت يوسف. كنت أعرف
ان والدي يخاف من الضبع لكنه لا يقول ذلك ويتظاهر بانه لايخاف. لم أكن مهتما. كان
يوسف قد أكمل تقريبا بناء كوخ أو صريفة نوم. كان قد فرش الأرض بالعشب ثم بسط فوقها
حصيرة وفوقها فراش نوم مهتريء لكنه نظيف مع وسادة طرزت عليها أزهار وردية. سد الثقوب في جدران القش كي
لا يمر الهواء وعلق الفانوس في زاوية ووضع صندوقه الخاص في الركن وكنس الأرض. شمل
المكان بنظر فاحصة وسمعته يهمس لي أو لنفسه: كل شيء تمام. لنذهب الآن ونجهز
المرابط.
العادة انهم يربطون الجواميس في الليل بأوتاد يدقونها في الأرض كي لا تذهب بعيدا أو تتناطح. هكذا
يفعلون في اي مكان.كان يوسف قد أكمل دق سبعة أوتاد في أرض صلبة وتأكد منها عدة
مرات. كان يبتسم لي بين وقت وآخر. لم تكن بعيدة عن صريفته رغم كثافة الأشجار
والليل الآخذ في الإقتراب. ليل كثيف لم أشهده من قبل.حين رفع رأسه نحو السماء رأيت
حبات عرق ناعمة تسيل فوق جبهته وتنحدر نحو شفتيه ولحيته وتسقط أرضا. ركز بصره في
الأفق نحو شيء بعيد، بعيد جدا، لم أتبينه وصمت طويلا: لا أدري هل كان يتمتم أم
يفكر أم يصلي؟
***
تذكرت تلك النظرة قرب المحيط الأطلنطي يوما وشعرت كم هو غريب ان اتذكر ذلك بلا إرادة. بلا
إرادة حقا؟ رحت أنظر بعيدا بنظرة
ساهمة لولا ان صوتا جرني: ماذا جرى؟ تبدو ميتا؟
***
جاء الليل وتخاطفت أجنحة طيور في الهواء.هذا هو أول ليل في الغابة. هجعت الجواميس بعد الحلب ثم
جمع الحليب في دباب خاصة وأرسل إلى الضفة الأخرى من النهر بوساطة مشحوف حيث تكون النساء
في الإنتظار. رايت بعيني كما لو انني أرى عجبا المشحوف وهو يتهادى على سطح نهر
دجلة في سكون عميق وظلمة شفافة يتوهج
فوقها قمر يشرق بسطوع مثير كأنه أول قمر يشرق على الأرض وعلى الغابة. ربما
شعرت في تلك اللحظة وأنا طفل كيف تكونت الحياة وكيف إنبثق الضوء من الغمرة والماء
وكيف ولد القمر. شعور بوحدة الكائنات لم أحسه بعد ذلك إلا في لحظات نادرة وخاطفة كخاطر يتوهج وينطفيء.
لم أكن قد رأيت صريفة أبي الذي جاء بعد حلول الظلام. كان قد تقبل إلتصاقي بيوسف كأمر طبيعي ومريح
فليس غيره بقادر على إطفاء هواجس طفل في غابة. كوخ أو صريفة يوسف تتسع لبضعة رجال وقد تكون الأكبر من بقية
الصرائف لأنه فكر ان الرجال سيسهرون عنده كل ليلة الأمر الذي كان يحدث في كل مكان.
هاهم يتدفقون تباعا من أطراف الغابة بعد إنتهاء نوبة الحلب وربط جواميسهم وتناول
العشاء. في وسط الصريفة موقد وفوقه إبريق شاي يغلي وحوله تحلق الرجال .كانوا جميعا
معروفين لي. كنت أعرف إضافة إلى ذلك حكاياتهم الخاصة والعائلية وجراح بعضهم
بالخناجر أو الرصاص من معارك قديمة. وجوههم مشدودة وصلبة وخشنة رغم ان فيهم من لا
يزال شابا. الشخص الوحيد الذي لم يأت هو ثجيل. لم يسأل أحد عن ذلك لأنه أمر مألوف.
تحدثوا كثيرا هذه الليلة عن كل ما صادفوه وما لم يصادفوه ولم
يخفوا قلقهم من المخاطر المحتملة من دون تسمية مراعاة لي، لكنه قلق رجال اعتادوا
هذا النوع من المخاطر. اعتادوه لدرجة انه صار جزءا منهم. لكن الخشية على الحيوانات
من غارة الضبع أو الجائف قد تكون ضارة مالم يحتاطوا منها.عدا ذلك تحدثوا عن أحوال جواميسهم ومن في طريقها للولادة ومن تحتاج إلى فحل
ويسمونها (الضابع) أي التي دخلت مرحلة البلوغ وصارت جاهزة للحمل. الضابع تملأ
الأرض رغاءً قبل ان ينالها الفحل. بعدها تصمت إلى ما بعد الولادة بأشهر حيث تضج
فيها دماء الرغبة ونداء الغريزة ثانية الأمرالذي نفعله نحن البشر بسرية وخجل.
كان الدفء مسيطرا وحميميا تحت معطف يوسف وجوار أبي، وعبر ثقب
صغير في جدار القش تركه يوسف للحراسة رأيت صفحة من السماء. تلك كانت أول مرة أرى
فيها هذا الفيض الغامر من النور السماوي المنبعث من نجوم تغطي السماء تماما.كانت
سماءً من نجوم. في البلدة لم أكن قد رأيت ذلك بمثل هذه الكثافة والوضوح والبريق.
لم يكن اي واحد منهم يحمل ساعة إلا ان أبي خرج لحظة وعاد وهو
يقول: منتصف الليل. نجمة الثريا لا تزال عالية. ساعاتهم النجوم ودليلهم القمر
ويسكنون الغابة قرب النهر ولا يخافون إلا الضباع والذئاب.
***
هؤلاء هم رجال غابة ربيضة التي إندثرت الآن بعد أن تحولت إلى
منازل رمادية مبهمة للسادة الكبار الجدد الذين غزوا كل الأمكنة، محاطة بأبراج
مراقبة وسيارات مسلحة كدوريات وانوار كشافة قتلت القمر والنجوم وسطوع النهر في
الليل وحتى همس الأشجار. صارت ربيضة تشبه ثكنة مثل كل الأشياء، مثل طفولتي.
***
ضحكوا لحكاية كان يرويها يوسف لا أتذكرها حين عوى حيوان من قلب
الغابة. ذئب.قال يوسف وهو يتأمل بندقيته المعلقة على جدار الصريفة بلهجة عميقة
وحذرة. اما القطعان الهاجعة فقد تلقت العواء بالهياج والتحفز للقتال. ذئب واحد ليس
مهماً . الخوف من هجوم قطيع دفعة
واحدة. كانوا قد تهيأوا للرحيل
إلى صرائفهم وهم يعدلون وضع البنادق وخناجرهم تلمع أمام وهج الجمر. غادروا جميعا
حتى والدي. اما أنا فقد دفنت رأسي تحت معطف يوسف ونمت. على تلك الرائحة الآدمية
التي لم تستطع كل الروائح أن تنسيني إياها
رغم كثرتها.
أيقظتني ضجة العصافير في الفجر. زقزقة مشاكسة ،ضاجة، صخابة،
شقت سكون الغابة. ذلك هو أول فجر يطلع علي وسط هذه الجوقة الصاخبة من عصافير
الغابة. لم يكن يوسف موجودا لكن صوته يصلني من قريب وهو يحلب ويغني أو ينوح ذلك
النواح الحزين الذي إشتهر به المعدان دون سواهم والذي شربناه مع الحليب فصار دما
آخر، ومثلا يضرب:حزن معدان.حزن معيدي.لايأكل ولايشرب. الذكرى تظل عالقة في روحه
وهو يتحرك في محيط واضح بسيط وغير كثيف كما يحدث لأهالي المدن الذين ينسون بسرعة.
النهار هنا لا يشبه أي نهار رأيته من قبل. كل شيء يغتسل
بالماء: الأشجار والأعشاب والطيور والتراب والهواء والأيام والأحلام.كل شيء بدا
كما لو انه ولد توا حتى الزقزقة المشاكسة بدت حديثة الولادة. حتى الفجر نفسه. الشيء
الوحيد الذي أعرفه من قبل هو صوت يوسف وصوت الجواميس المألوف والغريزي في الفجر
قبل الحلب.
بدت الضفة الأخرى بعيدة ونائية وغارقة في زرقة الفجر.لا شيء في
الضباب يلوح أو يظهر من البلدة الواقعة أسفل النهر خلف الأشجار والسدة الترابية
القديمة تخوفا من فيضان النهر وغضبه. يقول الناس ان دجلة يغضب بين فترة وأخرى من
كثرة الظلم ويخرب كل شيء في طريقه ولكني لا أصدق ذلك. لوكان ذلك صحيحا لما بقت
مدينة على ضفافه. اخذت الأشياء تبدو أكثر وضوحا كلما تقدم الفجر. خفقت في الهواء
أجنحة طيور مذعورة، وفر طائر من شجرة قريبة، هرعت سحلية إلى جحرها، قفز أرنب بري
أبيض وتوارى بين الأدغال. بدا كل شيء
مثيرا وحيا وضاجا. ظهرت جواميس يوسف بين الأشجار. من عادته أن ينادي
جواميسه : فهذه مطرة وتلك وردة إلخ. يعرفهن جيدا ويعرف صفات كل واحدة ويعاملهن بإحترام
طبيعي. بعد نهاية فترة الحلب تفك الحبال فينطلق القطيع في الغابة ثم إلى النهر في
الضحى حتى المساء حيث تأتي فترة الحلب الثانية.
تشرق شمس على الغابة كما لو كانت تشرق لأول مرة. إنعكس نورها
على الأشجار والنهر والضفاف فبدا كل شيء
يطلع من رحمه أو ثقبه أو
غصنه لأول مرة ليطل على حياة مليئة بالعنفوان والخضرة والنور والسكون الحيوي. جاء
يوسف بقامته الطويلة، المنحنية، لكن القوة واضحة على حركاته فلا زال جسده مرنا
وحيا رغم علامات الزمن.كنت لا أستطيع أن أتخيل الغابة بلا يوسف. كل غابة لابد ان
يكون فيها يوسف آخر كي تكون غابة فعلا.
طفل في الغابة. ماذا يفعل طفل في الغابة؟ وبين رجال جاهزين
للقتال والموت في اية لحظة؟ سمعتهم
يقولون همسا ليلة أمس ان كل شيء جائز هنا وعلى الرجل أن يكون يقظا دائما أو
يترك الغابة. لكن ماذا أفعل أنا لو
هاجمني ضبع مثلا؟ سمعت يوسف يقول: تعال نفطر.
سالني يوسف عن أبي فقلت له لا أعرف مكانه فضحك ولم يعلق لكن
أبي ظهر من بين الأشجار بوجه منهك
ونحيل ومن المحتمل انه لم ينم طوال الليل فليس من المعقول ان ينام على عواء
ذئب في غابة تتواجد فيها كل أنواع الضواري. كان يوسف قد أضرم النار في موقد مجاور
للصريفة. ليس هناك ألذ من الحليب عندي سوى النار في الصباح خاصة ونسائم باردة كانت تهب
من جهة النهر. نسائم منعشة توقظ الحواس والجسد من خدر النوم. نقر طائر قريب من
الصريفة كما لو انه فوجيء بوجودنا نقرا صاخبا وفر. كانت النار تعكس ملامح أبي
وتظهره أكبر مما هو عليه. كان يجلس على مؤخرته كقرد في حين كان يوسف راكعا يصلي. الشمس تبزع بالتدريج عبر
النهر محمرة، متوهجة، مشعة كقرص كبير ينبع من خلف الأشجار.
بعد الإفطار المكون من بيض مسلوق وخبز وحليب وشاي أسود ثخين
قال يوسف ان لديه اليوم أشياء كثيرة يجب القيام بها. ان عليه، قال، ان يقوم بطلي
الصريفة بالطين لأنه شعر بالبرد الليلة الفائتة. وافق أبي بلا كلام. تركتهم
يحفرون قريبا من الصريفة لإستخراج
التراب وإنطلقت على غير هدى في دروب الغابة التي بدأت تتشكل من أقدام الرجال
والجواميس. لا خطر في النهار كما سمعتهم يقولون على ان لا يذهب المرء بعيدا، أن لا
يوغل في الغابة ويضيع كما ضاع كثيرون. كثيرون ضاعوا. الغابة مثل النهر تبلع الناس
حينما تجوع أو تغضب. هكذا كان يوسف يقول لي ويضيف: إذهب وإلعب أكثر من اي طفل. أنت
لن تظل طفلا أبدا. أمامك وحل كثير. وقال مرة: لم أر طفولة ولم ألعب. كبرنا بسرعة.
دهشت لمشهد الطيور الكثيرة التي لم أشاهدها من قبل. هي أيضا
دهشت. هذا التعارف قد يحدث لأول مرة. من يدري لعلها رأت أحدا من قبل ولكن لا يبدو
عليها ذلك لأنها تفر مذعورة وأجنحتها تضرب الأغصان بإرتباك. هل يبدو شكلي مخيفا
إلى هذا الحد؟ إذن لماذا تفر؟ صادفت أبي يهرول خلف عجل ضل بين الأشجار.أشجار صفصاف
مهيمنة وباسقة ومعمرة. يهرول أبي بطريقة مضحكة في حين لايكون العجل كذلك. إبتسم
حين رآني وسألني مهرولا هل أعجبك المكان؟ أومأت برأسي باسما.
أحب والدي ولا أخشاه فهو لم يضربني أبدا في حياتي كلها ولا
أتذكر يوما أنه صرخ في وجهي. عدت إلى صريفة يوسف ووجدتها مدهونة بالطين من أركانها
جميعا. صارت أكثر دفأ وأمانا وتشبه غرفة من غرف بيتنا القديم.
إلى جوار الصريفة كانا يوسف وابي قد تركا حفرة عميقة بطول قامة
رجل لإستخراج التراب وعمل خميرة الطين الذي داسوه بأرجلهم حفاة طوال النهار ثم
دهنوا جدران الصريفة. هذه الأرجل المعروقة رأيتها تخوض في وحول وأشواك وحفر وزجاج
وأنهار وبحيرات قصب وحلفاء. اما الدماء التي تسيل منها فلا يهتم بها أحد. لا اتذكر
ان احدهم فكر في الذهاب إلى مستوصف البلدة على أثر هذه الجراح. الوحيد الذي أضطر
إلى ذلك وبعد ضغط وإلحاح هو ثجيل
على أثر طعنة (فالة) قاتلة ظلت نابتة في ساقه لأيام، ومع ذلك حاول إخراجها بالنار
أو السحب فلم ينجح وأخيرا إنهار فحملوه وهو يزمجر ويلعن. لا أعرف حقا من أين جاء
هؤلاء الرجال، من اي المدن، من اي صحراء، ما هو أصلهم؟ أرضهم الأولى؟
من النادر أن يتحدث أحد عن ذلك. ظهروا في عيني كمخلوقات جاءت
من العدم وستذهب إلى العدم دون أن يتذكرها أحد حية أو ميتة. وقت الضحى تنزل
الجواميس كالمعتاد إلى النهر وحتى المساء. مخلوقات لا تستطيع الحياة خارج الماء.
الذين لايعرفون طبائعها يشعرون برعب منظرها المخيف وقرونها الحادة. لا يعرفون ان
سعر الجاموسة يحدده قرنها أيضا. هناك قرون قبيحة وأخرى جميلة وهذه المقاييس لا
يعرفها أو يهتم بها غيرهم. هناك قرون جميلة رشيقة تقف كقرون أيل. هذه محبوبة خاصة
إذا كانت من أم مشهورة بالحليب أو من سلالة فحل عريق النسب. هناك أيضا قرون معقوفة
بطريقة مخيفة ليست جميلة ولكنها مثل كل الجواميس ـ طبعا الإستثناء يوجد في عالم البشر أيضا ـ حنونة ومسالمة
وأليفة وتفهم إسمها وبضع كلمات من جراء التكرار المرتبط بالطعام.
كل واحدة تعرف، مثلا، صوت صاحبها في الغناء والكلام. إعتادت
سماعه يوميا خلال تقديم العلف أو الحلب أوالنزول والخروج اليومي من النهر. ليس
هناك أجمل من مشهد قطعان الجواميس
وهي تنحدر نحو النهر أو تخرج منه في المساء بضجتها المألوفة، الاثيرة ،
المحببة.
هناك ضجة مصاحبة للعملية ولكن هناك لذة يعرفها المعيدي المرتبط
بحيواناته إرتباطا حميميا أقوى من إرتباط الفلاح بالأرض، لذة أو متعة مشهد القطيع
المنطلق فرحا نحو النهر أو القادم منه إلى المعالف حيث يتم تقديم طعام خاص مع
العشب هو مزيج من التبن وحب القطن الضروري لإنتاج الحليب لدسامته إضافة إلى الجت ـ
البرسيم ـ الذي لايتوفر في كل مكان
إلا في موسم الصيف. العودة إلى المدينة من البراري أو ربيضة يتم بعد هطول
أول زخات المطر على البراري أو على غابة ربيضة الغافية قرب النهر الذي لا تشهد
عليه الغابة بل هو، دجلة، الشاهد الأبدي على هذه الدلتا المليئة بالخضرة والمراعي
والسهول الخصبة والحكايات ومشاهد الزواج والموت والولادة والعشق والجنون. دجلة
شاهد على دم كثير سال منذ قرون ولا يزال يسيل حتى اليوم وربما بعده. هذه أرض
القرابين والآلهة والذبائح.
***
في جزيرة ماركيت سألت ماريانا التي تعرفت عليها في المسبح
التركي في بودابست عما إذا كانت
دماء كثيرة قد سالت على هذه الضفة وهذا المكان فهزت رأسها ضاحكة بلامبالاة. كانت
أشجار ماركيت عملاقة ومعمرة لكن هذه الجزيرة بدت منظمة تنظيما دقيقا وتحتوي على
مسبح وملعب وربما مدرسة وحدائق جميلة بدت مشرقة تحت شمس شتائية دافئة. بالقرب منها بدا الدانوب الأزرق أقل توهجا من
تلك الضفاف البعيدة. حتى النوارس كانت هادئة في طيرانها. كان مشهد تلاميذ المدارس
بهيجا ومليئا بالحياة. وفكرت: هل يأتي يوم تتحول فيه ربيضة إلى ماركيت أخرى وأجمل؟
هل سأستطيع يوما حتى ما بعد الموت أن أحصل ولو على قبر في تلك الأرض المباركة؟
***
كانت الأكواخ أو الصرائف صغيرة كلها قياسا لصريفة يوسف. لكنها
دهنت جميعا بالطين ، وتم حفر مواقد جديدة وجهز بعضهم عدته لصيد الطيور والسمك. كان
هناك من بدأ ينظف مزماره ـ أو المطبك ـ ومنهم من حلق لحيته وعلق ثيابه على
الأغصان، وأخذت المواقد تستقبل أطعمة جديدة وقدور أكبر لأن الإقامة هنا ستمتد حتى
نهاية الصيف وموعد المدرسة.
تقع المدرسة قريبا من النهر الذي يرى من طابقها الثاني وهي
قريبة أيضا من سوق طويل ومسقوف به محلات كثيرة وقهاوي ودكاكين خياطة وحلاقة وأقمشة
ومرطبات وفواكه وخضروات ودكان لصناعة المساحي. سوق القصابين .مركز الشرطة. مبنى
القائمقامية الكبير والمحاط بالأشجار والحراس.
لم تكن الشوارع تحمل اسماءً يومذاك بل يسمى الشارع او المنطقة
باسماء عاهات أو مهن الناس الذين يسكنون فيه أو قربه. هذا شارع العميان، وذاك فرع الحائك وتلك دربونة الأرملة وهذا
شارع الاسطة خزعل، هذا شارع الأعور، وتلك حارة الصيراوي صاحب الخان الشهير. جوار
مبنى القائمقامية نادي المشروبات. قبالة النادي يوجد الجامع.
مركز الشرطة يقع في قلب البلدة وقربه مستوصف وفي نهايته مشرحة
كثيرا ما استقبلت قتلى غسلا للعار أو الثأر او على الأرض من قرى مجاورة . بعيدا عن
المستوصف بقليل مقبرة أطفال تسمى
قويدر. دفن فيها ثلاثة اخوة لي. البلدة كلها محاطة بالبساتين بحيث تبدو من
بعيد غابة كبيرة. في أعماق الليل كنا ننام على أصوات الثعالب وحكايات المواقد
والآمال الطافحة بالبراءة. اما الغابة نفسها التي عبرنا إليها صباح أمس فهي لغز
محير.
ها هي الظهيرة تحل والشمس في قبة السماء ترسل أشعتها التي
تخترق الأشجار وتنفذ إلى الصرائف. لكنها أيضا الساعة التي تأتي النساء لجلب طعام
الغداء وإستلام حليب الصباح والعودة مساءً للغرض نفسه وجلب طعام العشاء وفطور
الصباح التالي وبعض لأشياء الخاصة.
حين إنحدر المشحوف نحو ضفة النهر المقابلة كان يوسف قد شرع في
التكبير للصلاة. صوته يخترق الأشجار والسواقي ونباتات الحلفاء الكثيفة ويتسلق
الصفصاف المعمر المطل على النهر والحقول البعيدة الممتدة على مدى النظر.
يوسف شيخ قومه بلا مشيخة وسيدهم بلا تسلط . تواضع لا ينبع
من إزدراء بل من روح هائمة بين
الصحارى والسهول العشبية والركض بحثا عن ينابيع الماء أو السواقي أو المراعي صيفا
وشتاء ، نهارا وليلا. نموذج بشري لتلقائية الطبيعة هو الذي قضى هذه الأعوام
المديدة فيها كروح هائمة بين الظلام والنور وبين الشفق والغسق والشمس والقمر والمخاطر. حياة
منذورة للمواجهة كل لحظة. التكرار فيها هو تكرار الخطر أو الإحتمال. عنف وحشي يولد
رغبة حارة تكاد أن تكون شهوة عارمة للحياة. لاسأم. السأم يولد من الضجر والفراغ
والعطل والذبول. الضجر الوحيد هنا في ربيضة هو الخوف من تجدد الخطر وبروزه فجأة من
خلف شجرة أو من الظلام. إنه ضجر شراسة الحياة لا سكونها. هذا هو الفرق الواسع بين
ربيضة وماركريت. بين دجلة والدانوب. بين فاطمة وماريانا.
هذا الشيخ الضخم الجثة، قامة الصفصافة، المعروق، الملتحي، إبن
الستين عاما، لا أحد يعرف إلا القليل عن حياته الخاصة وأحزانه. عكس سلوك المعدان
الذين لا يوجد في حياتهم المشتركة والمكشوفة والعلنية حتى في جوانبها الجسدية ما
نسميه بالحياة الخاصة إلا في حالات إستثنائية نادرة.كل شيء مكشوف، وعلني. يوسف لغز
الغابة. رغم كل هذا الوضوح تكمن في القيعان أسرار عميقة، ومثيرة، وجروح.
ينادونه أبو يعقوب ولم يكن يعقوب موجودا وربما لن يكون، وكان قد عثر في غسق
مسائي قديم على صبية مجهولة الاصل ظهرت من البرية اسمها صٌفيّة وعاشت معهم في
البيت مع أمه وزوجته عليّة.
تلك واحدة من أحزان يوسف السرية لأنه في أعماقه يشعر بقرب
الإطلالة على مغيب العمر ولا يريد لإسمه أن يندثر ويتلاشى من هذه الحياة
بأمل أن يعيش مرة أخرى في دماء أخرى. ان السلالة قيمة نفسية وعاطفية وروحية
كبيرة.
***
بعد ان إندثرت ربيضة وتحولت إلى أرض قفر إلا من الأشواك والنباتات البرية
القصيرة، وقبل أن يسكنها السادة الجدد، وبعض زهور متناثرة تنفح عطرها في الريح
والليل والزمن حيث لا أحد إلا حطام
الأشجار العملاقة وهي ترفع أغصانها اليابسة إلى السماء كأصابع غاضبة، صارت مرتعا
للعزاب بعد حلول الظلام. العادة أن يسافر شخص ما إلى بغداد التي تبعد 60 كم عن
البلدة، وبعد إصطياد بنت ليل يتم الإتفاق على أن تأتي معهم.
حدث هذا معي مرتين خلال فترة حرب الخليج الأولى وإشتداد أيام
القرف واليأس وسيطرة مشاعر العدم والعبث الذي صار المتجول الوحيد في حياتنا، أن
سافرنا صديقي وأنا بسيارته إلى بغداد لجلب واحدة. تعرفنا على فتاة سمراء ريانة.
الطريق العام إلى البلدة يتواصل اما
نحن فنندفع قبل الجسر في طريق فرعي
يؤدي إلى بقايا غابة ربيضة المندثرة الآن. طريق مبلط بطول 9 كم شعرت به كسكين في
خاصرة في الليل المعتم والكئيب قبل ان يستولي السادة الجدد على المكان ويصير مصيفا
ساحرا ومنتجعا للهو. أوصلنا صديقي إلى أقصى ركن في ربيضة وقال انه سيأتي بعد الثالثة ليلا
ليأخذنا إلى مكان آخر بعد هدوء حركة الناس في البلدة. أضاف مازحا: لاتقلق.
لن أتركك وحدك. ومضى. كنت مشتاقا حتى الموت لكي أشرب وغادرني حماسي للفتاة بعد أن
صارت حقيقة واضحة ومحصورة معي في هذا المكان المنعزل والمهجور، والذي تجهل هذه
الفتاة بالتأكيد ماذا يعنيه عندي. شربت عرقا حارا من فم الزجاجة في جو يشع لهبا ورطوبة وبخارا. ليل صيفي من
ليالي آب المحرقة.
مع العرق صار الجو لهبا. مع أول الدبيب، أول الزحف تحت الجلد ،
أول التنمل، أول لطمة على العقل، ظهرت الغابة في هذا القفر الذي يشرق فوقه قمر
شاحب. قمر عراقي لا صلة له بزمن ربيضة. قمر الخرائب والنواطير والحروب وغلق
الأبواب. ليس قمر الثعالب، والسهر
في الشوارع في الأعياد حتى الفجر، بل قمر القتلى، والمشنوقين، والفارين، والمداهمات.
كنت أنظر إلى الغابة المندثرة تنهض في هذا الليل كغابة مسحورة في قاع الماء.كانت
الفتاة تحاول القيام بكل شيء لإسترضائي. خلعت كل شيء ورقصت على حافة النهر حافية
لكن روحا قديمة قد تلبستني وصارت أكبر مني، روح عشرات الناس الذين إختفوا الآن بلا
ذكر،بلا قبر،بلا ذكرى.عاشوا وماتوا. كأنهم ماولدوا. وجدتني أجوس في الأماكن
القديمة التي أستطيع تمييزها ولو كنت أعمى رغم الأعشاب والدغل الناعم وبقايا
الجذوع المقطوعة والحفر المملوءة
بالأشواك. وكما يطل الإنسان على داره بعد سفر، أو كما يقف الإنسان في لحظة تجلي عند قبره، وقفت حالا
وبدون بحث طويل أمام بقايا صريفة يوسف. بقايا موقد الفجر. الحفرة التي إستخرجا
منها التراب، هو وأبي. كل الحفر
كانت مليئة بالعشب والشوك وضوء قمري ينفذ في أعماقها ويعريها من الموت والإندثار والنسيان والزمن.
كنت ذاهلا ونائيا. كنت مقتولا لولا أني سمعت صوت أنة خوفا أو حاجة أو قلقا وحين إلتفت رأيتها
تبول جالسة في حفرة موقد الفجر.حين جاءت وقفت قبالتي. قالت بجدية وثقة: أنت تبكي؟
دهشت حقا لأنه لم يكن هناك أي دمع. حينئذ شعرت نحوها برغبة إنبثقت من جملتها
الأخيرة التي لوحدها إستطاعت إقناعي أن هناك أعماقا صافية فيها لم تلوث بعد . كان القمر
مشعا على بقايا الصريفة وعلى الحفرة وفي قلبي المنسحق.
***
قلت لماريانا: لاتوجد حفر كثيرة في ماركيت؟ أجابت دهشة: لا
أعرف عن اي شيء تسأل؟ لم أجب. لم أجب أبدا.
***
كانت الشمس، عبرالأغصان، تنعكس على سطح الصريفة، فتنتشر في
الجو رائحة تراب رطب وعشب مبلل وروائح عطرة لأزهار برية وزنابق، فيضج المكان بكل
ماهو حي ومندفع في تيار الحياة بعنف فطري مثير. عاد المشحوف حاملا الطعام وبعض
الثياب والحبال والحاجيات الأخرى المختلفة. لكن أكثرها إثارة للإهتمام هو الراديو. نعم راديو كبير الحجم يعمل
على بطارية كبيرة خارجه. أول راديو
في هذا المكان. مرايا أيضا. مرايا كبيرة ، وبخور.تطلع يوسف إلى السماء ورأيت بوضوح
عينيه المرهقتين ووجهه المتغضن وقامته المشدودة .سمعته يقول: نأكل؟ وافق أبي حالا
وكنت جائعا جوعا واخزا.
الغداء هذه المرة سمك مشوي بالتنور مع مرق ورز وخبز.كان الخبز
لا يزال حارا لأنه لف بقماش سميك. جلسنا قريبا من الموقد نأكل بصمت لا يقطعه
أحيانا غير رغاء الجواميس أو صيحات طائر مشاكس فوجيء لرؤيتنا، أو اصوات الرجال عبر
الغابة. لم يعد الصمت كما كان يوم أمس. الغابة نفسها تبدلت فيها إمور كثيرة. في كل
يوم جديد، أوشيء يشق أو يحفر،الدروب أخذت تظهر بوضوح.
بيننا وبين الضفة الأخرى عالم آخر مختلف ، ومتناقض. أكاد أقول
هنا عالم آخر لاصلة له بعالم ماوراء النهر. زرت صريفة أبي فوجدتها جحرا مغطى
بالأحراش والأغصان والأعشاب. لابد انه فكر بطريقة يتجنب فيها خطر مصادفة قاتلة مع
ذئب فابتكر هذا المخبأ. لكن الرائحة الآدمية التي يشمها الذئب ، كما يقولون، من
مسافة بعيدة ستكون مشكلة أخرى ولا أظن ان ابي لديه فكرة عنها من حسن حظه وربما
يكون هذا مصدر شعوره بالأمان الزائف.
بعد الظهر والطعام والدوار والتعب هجع الرجال في قيلولة يسمونها "كسرة". يسود
السكون إلا من صيحة مباغتة لطائر مستفز أو مدهوش تخدش وجه السكون العميق. عدا ذلك
نسيم بارد يأتي من جهة النهر. أحيانا يكون الهواء محملا بروائح أعشاب أو خشب أو
وربما رائحة زيت أو رائحة عفنة لطحالب نهرية في الصيف.
المساء يزحف ونجمة ذهبية تلوح في الأفق الشرقي المحمر ضاحكة في
القبة السماوية المتوهجة. إنها نجمة المساء التي يحبها الرعاة في البراري. تلك
النجمة البعيدة الضاحكة والساحرة لم أر مثلها ابدا في اي مكان آخر شرقا وغربا لأن
ذلك الصفاء العميق ، السكون الضاج، تلك الحياة الضاجة، البراءة البدائية للطبيعة
والناس ، لم تعد قائمة الان وربما إلى أمد طويل.
غروب لكنه فوق الغابة شروق آخر. شروق كائنات سرية هنا في الأرض
أو في السماء. صرير جنادب وضفادع. نجوم كثيرة، متراصة، متلامعة، تومض في البعيد.
تخرج الجواميس من النهر لامعة تحت ضوء القمر. يرتفع الرغاء ويقترب وقت الحلب.
ترتفع نداءات الرجال بين بعضهم أو بينهم وبين جواميسهم. تضج الغابة بصياح العصافير
المرعوبة وتتحرك مخلوقات بين الأعشاب خلسة أو بفزع. بعد نهاية نوبة الحلب يتحرك
الزورق/ المشحوف ( يتناوبون عليه) إلى الضفة الأخرى حاملا كالمعتاد دباب الحليب
وبعض الأواني والطلبات ثم يعود بالعشاء وأشياء أخرى.
هكذا تبدأ ليلة جديدة في غابة ربيضة تحت نجمة المساء وقمر يسطع
في السماء كأنه ولد توا من خلف الأشجار. قمر مبلل بالضوء. نجمة ضاحكة. تذكرت جحر
أبي فضحكت. إرتفع باكرا صياح الثعالب. لست أدري هل هي تعوي على القمر أم على تلك
الأسراب المتلألئة في أعماق السماء من النجوم البعيدة ؟
ثعالب وقمر ونجوم ونهر وطفل وغابة ورجال : تلك هي كائنات هذه
الليلة التي لا إسم لها ولا تاريخ. مثل كل ليلة في صحراء أو برية أو غابة. مثل
أعمار هؤلاء الرجال ، مثل موتهم.
عاد الزورق من الضفة الأخرى يدفعه طاهر الأشقر الشبيه بثور
أشقر. طاهر جثة ضخمة يستطيع بها أن يطرح ثورا.ذراعان تصلان الأرض كذراعي غوريلا
لكن بوجه صغير وطفولي لوحته شموس المراعي ورياح السموم في براري كثيرة . منذ
طفولته وحتى اليوم وهو يكدح كبقية الاطفال
الذين يولدون غالبا في الحقول أو حافات الأنهار أو على أكداس التبن. نولد
في البراري كالأزهار أو الفطر وننطلق نحو هذا العالم الغريب كي تسحقنا المدن.
زورق طاهر الأشقر أو طاهر الانكليزي كما يسميه راجي ساخرا يشق
مياه دجلة الساكنة على قمر ريان يشرق بسطوع باهر فوق النهر فيظهر جسده العاري ماردا نهريا خرج من النهر أو إنشقت
المياه ليخرج جسدا عملاقا يقطر ماء وعشبا.
***
انطلق قارب كريستينا الأبيض يشق مياه الخليج الهادئة في صباح
نرويجي مشمس ومفتوح على كل الإحتمالات. نهار طليق متوثب كصدر كريستينا المندفع فوق
مقود القيادة في هذا الخليج الذي تكلله جبال لا يزال بعضها مكسوا ببقايا ثلوج
الشتاء الماضي.كريستينا عارية تماما يقطر الماء من جسدها أو يقطر جسدها من الماء،
ويشرق حقل حنطتها المثمر الضاج بسكونه المثير والمعتم. كانت ترقص وتقود ورائحة جسدها
الذي اختلط بالشراب اليوناني الذي جلبته من رودس في زيارتها الأخيرة يعبق ويوقظ
حواسي ويفجرها. هذه الملعونة تعرف كيف تخلق من هذا الحطام أو المحارب الهارب عيدا
ونهارا ضاجا بالحياة والشهوة. تختلط روائح لايمكن تحديد مصدرها من روائح أعشاب
الخليج إلى روائح الأزهار المائية إلى الشراب. لكن الرائحة الأكثر إثارة للدم هي
رائحة جسد كريستينا الذي يبرق تحت الشمس كبروق صخور الخليج تحت الماء وتحت العشب وفوق الجبل.
رائحة هي أكبر من رائحة إمراة شبه عارية. رائحة كل الرغبات
المحبوسة من أزمنة متفسخة. رائحة تجتذب إليها في هذا النهار المشع كل الكائنات
وتربطها في آصرة واحدة . رائحة عطرية لجسد طليق متحرر. هذه الرائحة لا يمكن أن
تنبع من جسد مقموع أو خائف. هذا التوازن الراسخ أمام المقود والقارب المنطلق هو
توازن روح طليقة وحرة. كانت واقفة خلف المقود كغزال بري هائج، وشعرها يلامس وجهي
فأشعر بالعطر المسكر، المثير، المخدر، المهيج. سألتها: إلى اين نمضي؟، ضحكت وهي
تقول بلا مبالاة: (طز حياة). ضحكت أنا. من بين جميع الكلمات التي حاولت كريستينا
أن تتعلمها مني تمسكت بشكل عجيب بجملة: طز حيا . تلفظها بعربية دقيقة وحارة. إلتفتت
نحوي بعينيها المثيرتين لتقول: ـ لو كنت سألت نفسك هذا السؤال من قبل لما وجدت
نفسك تلهث خلفي كجرو.
كانت تنطلق بأقصى سرعتها في إتجاه جزيرة منعزلة تغمرها أشجار
السرو والصنوبر وتبدو من بعيد صخورها تلمع تحت ضوء النهار . يبدو دائما مشهد الجزر
البعيدة الغارقة في النور والسكون مثيرا فتخلق أحاسيس أقرب ما تكون إلى الأحاسيس الدينية. هدوء داخلي يكاد أن
يكون صلاة غامضة أو ذكرى. أعرف نزواتها الغريبة ومزاجها المتقلب السريع العطب
كزجاج هش. خطر لي انها إختارت هذا المكان لأن فكرة جهنمية تدور في رأسها وتفوح من
جسدها الأشقر، وحقول حنطتها تنعكس فوقها ظلال الجبال في الممرات وأشعة الشمس وعتمة
الحافات الصخرية المطلة على الخليج في بعض الأماكن.
قمم صخرية مهيمنة على الخليج كشاهد على أبدية الزمن. لكن
كريستينا لاحت لي في تلك اللحظات قمة صخرية أكثر وعورة وعنفا. كانت أكبر من إمرأة
وأقل من جبل. كائن قادر في عريه البسيط والصعب على أن يخلق كل لحظة شيئاً، ولذة،
بلا تهيب وبتلقائية مذهلة.
كنا نقترب من الجزيرة الأشبه بغابة صغيرة. خففت من سرعة المحرك
واستدارت نحوي بنظرة أنثى أو حيوان صغير مستثار. عرفت حينئذ انها جاءت هنا لتنفذ
واحدة من رغباتها الغريبة وسأكون شريكا في مخطط شهواتها الذي لاينتهي ومزاجها
المتقلب.
***
أذرع الغوريلا تسحب الزورق إلى اليابسة كما لو انه يسحب حبلا صغيرا بكتفه
المتهدلة، تحلق حوله الرجال لإستلام حاجياتهم ووصاياهم من زوجاتهم عبر النهر. ها
هو القمر يشرق ثانية على هذا المكان الذي أخذت تدب فيه حياة جديدة لم يألفها من
قبل. عدا صياح الثعالب وضجة الجنادب والضفادع فإن كل شيء يبدو هادئا في هذه اللحظة
الشفافة من المساء. عبر النهر لاح شعاع مصابيح البلدة صاعدا نحو السماء. لكن
النجوم هنا ظهرت بغزارة متراصة، متلاصفة، والقمر بينها يتهادى في إنزلاق لين في
إطلالة بهية على الأرض.
***
حين قضت الفتاة حاجتها في حفرة الموقد القديم ملأ ضوء القمر الحفرة بنور كثيف.
ربما هو نفس النور في تلك الليالي الغاربة قرب كوخ يوسف الذي لم يعد موجودا إلا
كحفرة وإمرأة ملتقطة تضع حدا لتاريخ
تلاشى عطره. سألتني فجأة: ما الذي يجعلك تركز على هذه الحفرة؟ لم أقل شيئاً ابدا. لكنها قالت: أنت تبكي؟
مدهش انها عرفت ذلك رغم انني لم أكن كذلك في الظاهر. كنت سارحا
ومنسحقا ونائيا. كنت بمعنى أدق: كئيبا كآبة أسد هرم في قفص. حزينا، ومقتولا،
ومرميا، فوق العشب.
***
تقاطر الرجال بعد الإنتهاء من أعمالهم المعتادة إلى صريفة يوسف
من بينهم أبي. سألني ان كنت مرتاحا فأجبته برأسي. سألني عما إذا كنت أرغب في
العودة فنفيت برأسي أيضا.نار الموقد كالعادة، الشاي، أحوال الجواميس، الذئاب،
البرد في الليل، اطلاء الصرائف، أخبار الأهل، البلدة. قال طاهر الاشقر وهو يلثغ
دائما :ـ نجمة على وشك الولادة.
نجمة هي جاموسته الأثيرة.قال يوسف:ـ الأفضل أن لا تذهب مع
القطيع إلى النهر.
قال والدي:ـ وعندي واحدة ضابع تحتاج إلى فحل.
كان صوت الرغاء يشق أحيانا سكون الغابة. انه صوتها، صوت دمها
وغريزتها وشهوتها وهي لن تكف إلا عند قدوم الفحل.قال طاهر: ـ سأطلق عليها الفحل .
رد والدي وهو يقلب الجمر:ـ الصباح رباح.
إرتفع، فجأة، عويل إمرأة من أطراف الغابة كما لو انه نبع من
الأشجار. عويل طويل، وناحب، ومكسور.ركز يوسف سمعه ناحية الصوت. هز رأسه بأسف:ـ هذه
فاطمة. وهذا ثجيل. وأطرق رأسه محدقا في النار:ـ هذا يحدث في كل مكان نذهب إليه.
هكذا هو ثجيل دائما، وفاطمة صابرة.
نفخ طاهر الهواء من صدره وهو يلثغ: ـ هذا لايجوز. أجاب يوسف
بتسليم:ـ زوج وزوجته.
تلاشى العويل وإرتفع العواء من جهات الغابة كلها. ومعه دوي
جواميس مجفلة أو مستثارة. إندفع الرجال سريعا وخناجرهم تبرق تحت ضوء القمر وعيونهم
جمر مشتعل من الحذر والغضب. قال يوسف محذرا:ـ هذا قطيع ذئاب..لنسرع.
رغم سطوع القمر وكثافة النجوم والسماء الصاحية إلا ان الغابة
معتمة من الداخل لأن الأشجار تهيمن على المكان بقوة. تفرض الغابة وجودها الليلي
وأسرارها ومخاطرها. تسيطر بظلامها وضواريها وشياطينها المختبئة في كل مكان. لكن
هؤلاء الرجال هم أيضا طبيعة تتفجر بكل أشكال العنف والإستجابة للمخاطر والرد
السريع. طبيعة تواجه نفسها في صراع البقاء. المخالب والخناجر.الأنياب والبنادق. التربص
والحذر. إنتشرت الفوانيس طاردة العتمة والأشباح. هدأ ضجيج الجواميس المستفزة. لكن
صرخة حادة ندت من طاهر:ـ لا.
كان القطيع قد هاجم عجلا صغيرا منفردا وكاد أن يفترسه لولا
إندفاعة مستميتة من جاموسة قريبة منه كانت كافية لأن تفتك بكل القطيع المهاجم. جرح
في عنقه.زمجر طاهر: ـ هذه مرت بسلام. لكن الذئاب ستعود.
كنت أراقب والدي جيدا. كان الأكثر هلعا وهو يدخن في الظلام
وسيجارته ترتعش. سألني وهو يحضنني بحنان:ـ هل أنت خائف؟قلت:ـ نعم.
ـ إذن إذهب إلى يوسف.
كان يوسف يعالج العجل الصغير الراعش، المبتل من العرق والخوف
والدم. سمعت يوسف يقول: جرح بسيط. وتابع وهو يوجه كلامه للجميع: ـ المشكلة انهم
ذاقوا دم الحيوان.
إزدادت رعشة سيجارة أبي. قال يوسف: ـ علقوا الفوانيس الليلة
على الأشجار. الضوء عدوهم الوحيد.
قفلنا راجعين إلى الصريفة ورايت أبي يجرجر جسده إلى صريفته كما
لو انه يمضي إلى مثواه الأخير. ساد سكون صلب أشد صخبا من كل ضجيج. سكون الغابات
والجزر المنعزلة وهي تواجه لأول مرة أقدام البشر وآمالهم وإصرارهم على الحياة في
قلب الخطر والليل والغابة والعزلة.
***
لو ان كريستينا ضربت نهدها بالحجر لتكسر الحجر.كانت ترقد عارية
على عشب مشتعل تحت الشمس. مجنونة بالشمس والبحر والعري واللذة والجنون الطاريء
،المؤقت الذي يصيب الناس هنا في فصل الصيف القصير والساحر بعد ثلوج أشهر طويلة
تدفع الناس إلى البقاء في منازلهم لمواجهة عزلة قبيحة، وشرسة.
كنت منطرحا قريبا منها تصلها يدي، اطراف أصابعي، مشعة، ريانة،
ناحلة بإمتلاء، جاهزة للحصاد كحقل حنطتها المبعثر بأناقة مثيرة فوق فتحة المغارة التي لا قاع لها.أصابعها
تطلبني. أصابعها وهي منطرحة بدأت تلامس شعر يدي. أشتعل ولا أتحرك لأنني أعرف
مواعيد إنفجار براكينها وخمودها غير المتوقع. تركتها تنضج على جحيمها المستتر.
تواصل موتها العذب قبل الإنفجار. حركة طائشة مني قد تفسد كل شيء. ليس صعبا عليها
وهي في هذه الغيبوبة المهلكة من أن تتركني بلا سابق إنذار وتركب القارب لأواجه
مصيري كأي جربوع صحراوي ملقى على جزيرة مهجورة. خلسة كنت أراقب تموجات صرتها إنذاري المبكر في هذه الملمات.
كانت تموج بحركة خافتة تحت الشمس والسكون والحرارة. كانت تنضج أو تهذي. سمعتها
تفح: ـ تعال.
تداعت. فوق ذلك البياض الثري ، فوق تلك البراري الشقر المشتعلة، كان الرمح
الآسيوي ينغرز في مغارة اللحم الشهي، الحار، اللدن، وهي تئن وتتأوه وتهذي بلا لغة.
كانت تحتضر تحت الشمس. كنت فوقها أو تحتها حاضرا حضور الرماد المشتعل أو مزروعا
فيها كرمح بابلي متوهج.أخيرا سمعتها تقول ضاحكة وقد عادت من الموت: طز حياة.
مدت لسانها نحوي وأنا هامد همود الرماد والقمم الصخرية تدور
حولي كما لو انني أستيقظ لأول مرة بعد دوار عاصف.كان عطرها، قد إنغرز في حتى
الاعماق.
***
قُتل الملك.
أحدهم أطلق هذه العبارة وأنا بين النوم واليقظة. أي شيء يعني؟ وكيف عرف؟ ومتى؟ ولماذا يقتل
الملك؟ غادرت الصريفة إلى الجمع المحتشد قرب موقد يوسف والسنة النار تتصاعد مع الدخان الأبيض الذي يتصاعد إلى ما فوق هامات أشجار
القوغ والصفصاف والصنوبر. كان ثمة
هواء بارد يهب من ناحية النهر، ممتزجا برائحة روث الحيوانات وعرق الرجال
وثيابهم.كانوا يتحلقون حول الراديو الزاعق بما لا أعرف من كلام وأناشيد وموسيقى
صاخبة. موسيقى عسكرية مشؤومة كأي شيء يأتي من الحكومة، كالأخبار،كأنباء المظاهرات،
والفارين.
يوسف اكتشف وحده
هذا الخبر العجيب لأنه لا يقتل في كل يوم ملك، كما قال طاهر الانكليزي ،عدا
موت الملك غازي الذي ظل لغزا، يقول يوسف. من يدري ما هو الصحيح وماهو الخطأ خاصة
من راديو لا نعرف الناس الذين يتحدثون منه. لكن الأحاديث هنا تقول أشياء أخرى.
تتحدث عن مقتل الأسرة الحاكمة والبحث عن رئيس الوزراء الهارب.
ضحك طاهر الاشقر بكل فمه على فكرة أن يكون رئيس وزراء جبار،
هارب من فراشه بين ليلة وأخرى ولا يدري حتى الشيطان أين يختبيء. الدخان الأبيض
يهبط ويتلاشى ويومض جمر متوهج يتناسب وإبريق الشاي، ومع هبوط الدخان راح الجمع
الذاهل يبحث عن جواب لكل هذا الذي يجري. يوسف بحكمته وعمره الطويل كان قد رأى وسمع
وشاهد الكثير من هذا الذي يجري في أوقات سابقة. لا يبدو شديد الإهتمام لهذا الصخب
والحيرة والإضطراب. ملك قتل مع اسرته في العاصمة. لن يكون لهذا الحدث أي أثر على
مخلوقات ربيضة. الملك حين كان حيا كان ميتا هنا. لا احد هنا أو في أماكن أخرى من
براري شاسعة يعني موت الملك شيئاً بالنسبة لهم. موته كحياته. لكن الراديو يزعق
بأخبار كثيرة وغير مفهومة.
***
الزعيم.
هذا الإسم بدأ يتكرر كثيرا. زعيم جديد، يقولون، عاش في بلدتنا
. لكن هذا لم يتضح بعد. ذكروا إسم الزعيم الجديد وقالوا ان إسمه عبد الكريم قاسم.
صرخ طاهر كالملدوغ: أعرفه وقد عبر النهر معي يوما وكاد أن يغرق فساعدته. تهامس
الجمع، ضاحكين . كيف يمكن أن يكون الزعيم الذي قتل الملك صديقا لطاهر؟ وانقذه من
غرق؟ ان زعيما بهذا المستوى لن يحترمه أحد هنا، فيما لو صحت حكاية الإنقاذ اللعينة
هذه. يقسم طوال الليل والنهار بكل مقدساته ومقدسات غيره بأن ماقاله كان صحيحا. لكن
أحدا لم يصدقه أو حتى يخطر بباله أن يصدقه. لو كان الأمر كذلك فانه سيكون شخصا مهما في الحكومة .
لكن هذا ليس مهما الآن، يقول طاهر بثقة، إنتظروا وسترون ذلك.
حين جاء طعام الغداء كان الجمع مشغولا بصداقة طاهر للزعيم الذي
لا أحد رأى وجهه وربما حتى هو نفسه قبل الآن. لكن أخبارا عجيبة ومختلطة وصلت مع
الزورق تقول ان الزعيم هو فعلا من هذه البلدة ، بل ان أمي أرسلت خبرا تقول انها
تعرف أمه.حينئذ فقط ركز يوسف بصره في السماء كعادته في مثل هذه الأحوال وقال كأنه
ذاهل أو يحدث نفسه: وعنده أخ إسمه حامد وأعرفه جيدا.
شع وجه طاهر بسرور خفي وهو يرنو الىالجمع بنظرة عتاب وظفر لكنه لن يقنع
أحدا بحكاية إنقاذ الزعيم. إذا كان هناك من يعرف أمه وشقيقه فلماذا لا يكون هو قد
عرفه يوما وأنقذه؟ انه قادر على إنقاذ حلبة ثيران من الغرق فلماذا يكون ذلك صعبا
مع الزعيم؟
لكن المحير هو: كيف يستطيع طاهر الألثغ، الأطرش قليلا، الأعشى،
ان ينقذ زعيم يقول انه أنقذ البلاد؟ تفرقوا بعد لحظات إلى قضية أهم: جلب الفحل
لجاموستنا التي ترغي ليل نهار من صراخ الدم. دمها يوجعها، قال يوسف.
يوسف رابط قرب الراديو وهو يزعق بما لا نعرف من أسماء وكلمات
وموسيقى . أطل ثجيل. شم في الهواء رائحة ضجة الغابة المكتومة فجاء يخطو في مشية
صقر هرم، منزعج بطبيعته، عابس،ليجلس بعد السلام بصمته المعهود. صمت رجل اما انه
قال ما عنده او انه لا يعرف ماذا يقول. ليس ذلك مهما هنا بالنسبة لأحد.تنحنح. .قال
يوسف:ـ لعلك سمعت؟
ـ بماذا؟
ـ مقتل الملك وعائلته.
قلب ثجيل يده بلامبالاة ، وأردف بنفس اللهجة الجافة:
ـ إلى جهنم .
ـ لكنه شاب.
فرد ثجيل بغل مكبوت:ـ ماذا أفادنا غيره؟
فتح كيس دخانه وشرع يلف سيكارته ورأسه في الأرض كالعادة ليخفي
فمه المعوج وجحوظ عينه ووجهه العابس.فوقه تماما وقف طائر زاهي الالوان وأطلق صيحة
طويلة حادة جعلت ثجيل يضرب الأرض براحة كفه غاضبا. قال:ـ والذئاب؟
ـ جرحت عجل طاهر.
لأول مرة أسمعه يضحك: ـ طاهر نفسه عجل .
ضحك يوسف وضحكت لكن ثجيل إلتفت إلي فجأة:ـ ماذا تفعل انت هنا؟
قال يوسف ليغير الحديث:ـ كيف هي حال فاطمة؟
ركز ثجيل عينه المحمرة في وجه يوسف وقرأ المغزى البعيد من
السؤال. أجاب:ـ تريد العودة.
ـ إتركها تعود.
ـ وأنا؟
ـ مثل حالنا.
ـ ليس الأمر كذلك.
أومأ يوسف برأسه قائلا: ـ هذا صحيح .
وفتح الراديو الزاعق.قال يوسف: ـ الزعيم الجديد من بلدتنا.
بلا أدنى إهتمام سأل ثجيل:ـ من؟
أجاب يوسف:ـ إسمه عبد الكريم قاسم. هل تعرف هذا الإسم؟ ضيق
ثجيل عينه المحمرة قائلا: ـ إين كان يسكن؟
أشار يوسف عبر النهر:ـ قرب السوق وأمام مدرسة الأولاد.
ـ لا أتذكر . ما أهمية هذا؟
ـ لا أدري. يقول طاهر انه أنقذ الزعيم من الغرق يوما.
رد ثجيل: هذا الثور أنقذ ثيرانا من الغرق فلماذا لا يكون
ذلك صحيحا مع رجل؟
ضحك ضحكة جعلت جسده يهتز وصدره يسعل وهو يحدق في الأرض. تكرر إسم الزعيم مرات ومرات هذا النهار
وطاهر يدور في الغابة ويروي قصة إنقاذه الزعيم على الجماعة ، الحائرة، من كل هذا
الذي يدور، وهذه المعلومات المختلطة التي داهمت خلوتهم وعزلتهم في هذه الغابة: ملك
يقتل. زعيم يأتي. الزعيم صديق
طاهر. هذا أنقذ الزعيم من الغرق. الزعيم أنقذ البلاد. المنقذ الآن ينام في صريفة.
لو لاه لما قتل الملك وصارت جمهورية.
إذا كان حلم الزعيم قد تحقق فإن حلم طاهر قد بدأ الآن. ظل يحلم
طويلا بأن يقوم الزعيم بزيارة لرد الجميل لإنقاذه من الغرق. إنتظر طويلا سواء على
ضفة النهر أو في داخل الغابة أو في البلدة في أن يتحقق هذا الحلم العصي.
***
يوم مقتل الزعيم، بعد سنوات، كان منظر طاهر وهو يخوض بين
الجموع كمنظر ثور نصف مذبوح فهو لا يتكلم أن تكلم بل يشخر دما ونارا ولهبا. حاول
أن لا يصدق الخبر كغيره لكنهم حين سحلوا نصب الزعيم المرمري القادم من إيطاليا من
ساحة البلدة المقابلة لمركز الشرطة تأكد له يقينا أن المصيبة قد وقعت فعلا. لم
ييأس في تحقيق جزء من حلمه القديم. ظل يتربص بهم إلى أن تركوا النصب فوق مزبلة
خارج البلدة فتسلل بعد منتصف الليل وقطع جزءا منه خلسة وحمله إلى المنزل. بهذه
الطريقة رد الزعيم الجميل وحقق حلمه المضني. اما الجثة فقد ألقيت في النهر الذي
طالما تمنى لو ان الزعيم عبره يوما شاكرا له ذلك الجميل الذي صار سرا لا يمكن لأحد
أن يثبته أو ينفيه.
***
المساء نفسه. نجمة المساء. نوبة الحلب الأخيرة. رحلة الزورق.
المؤن. الأخبار.ربط الجواميس.الشروع ليلا في بناء معالف. تعليق الفوانيس في
الأشجار. هذا الإجراء الأخير جعل الجنادب تصاب بالخرس قبل أن تواصل مع الضفادع
نقيقها. الأحداث اليوم تركت لغطا لكنها ستضيع في عالم المعدان.عالم المفاجأة والمداهمة
والطوارئ. المعيدي رجل مسلح بيقظته ولا يموت إلا بفقدانها. الصلاة. ركوع يوسف.
عواء الثعالب. القمر. ظلال مقتل الملك. الزعيم. حكاية الغرق المثيرة. أضواء البلدة
خلف النهر عبر الأشجار.
يوسف في صلاته يركز بصره نحو نقطة لا مرئية في سماء نائية. التمتمة الخافتة والخاشعة.
المناجاة الحالمة. الدعاء والرجاء.حين يفيق يوسف من صلاته يبدو شخصا آخر. حل في
كائن آخر. أكثر قوة، يفور بالصحة وطراوة الوجه والإشراق رغم تجاعيد السنوات
الصخرية.
يوسف بلا ولد. تلك واحدة من أكبر مآسيه .عنده بنت إسمها مريم.
يحبها كثيرا لكنها ماتت. حلت صفية التائهة قادمة من البراري محلها. يحلم بولد يحمل
دمه وروحه وهمه. هو الان مشرف على الستين قضاها في الصحاري المحرقة على ريح السموم
أو في الحقول المائية والمستنقعات.
عليّة زوجته عقرب بشري صار إمرأة. تطرد القريب والبعيد، الصديق
والغريب، السائل والمحروم. مشكلتها انها تغار غيرة قاتلة :ـ طلقها أبو يعقوب فهذه
عقرب لا تليق بك.
مرة قال ثجيل بعد أن نفدت شحنة صبره.
ـ و مريم؟ رد يوسف.
ـ لاتخف عليها. البنت ريح. الولد وتد. غدا تتزوج وتتركك.
والعمر ينحدر.
لكن أحداثا سريعة تدفع المشكلة إلى الظلال البعيدة. ما أكثر
الأحداث والمفاجآت في عالم الغابة. الفوانيس في هذه الليلة ترسم على الأشجار مشاهد
شبحية عابرة. مرور طائر. أرنب ينط. ميلان جذع. لكن الرائحة الآتية من جهة النهر
لاتخلق إلا الخدر والنعاس والإسترخاء. روائح أعشاب طافية أو طحالب أو تراب مبلل أو
نسيم عليل يمر عبر أشجار رطبة.لقد إعتدنا مشهد الفوانيس وهي معلقة في ظلام الليالي
في شوارع البلدة حيث يأتي كل مساء أبو الفوانيس ليشعلها حتى الفجر قبل مجيء زمن
المصابيح.
***
ربيضة عبارة عن غابة بطول 9 كم تقريبا، وهي شبه جزيرة يشكلها
دوران النهر حول نفسه وهو يهبط من الشمال ـ بغداد ـ نحو الجنوب ويتسع وينفتح كلما
إبتعدنا عن الغابة حيث يواصل النهر جريانه نحو العزيزية مخترقا مدن الجنوب حتى
البصرة.
ربيضة قديمة
لكنها ظلت مكانا لا يقترب منه إلا هؤلاء. ظلت مكانا ولغزا ومصدرا للحكايات
الليلية وهي كثيرة في هذه البقاع من الأرض قرب ضفاف الأنهار.هذا الشريط المائي
الممتد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ،هذه السهول الخضر، والمراعي المعشبة،
المستنقعات المائية الساحرة ، غنية بحكايات سكان ضفاف الأنهار القائمة على
الإنتظار، الترقب، الفاجعة، الجفاف، الحرب، المطر، الموت، الدفن، الحب، الأمل، الحزن.
هناك ميل طبيعي عند الناس للحزن. ضارب في الأعماق ، حتى لكأنه الفرح .
غابة ربيضة بقايا عالم اندثر أو في طريقه. حين اندثرت تماما
كان آخر رموز السلام في بلدتنا قد تلاشى وحلت محله رموز مخيفة. كأن الحاضر بكل
همجيته كان ردا أو عقابا على عذرية الماضي. إنه النقيض لكل ماهو حي، ونظيف، ونقي.
نكسة الزمن أو عربدة التاريخ في غفلته القاتلة.
***
مدخل الغابة الآن، وبعد الحرب اللعينة الطويل: نقطة حراسة
وسيطرة وحرس خاص ببدلات خاكية أو مرقطة وتحيط بها من جميع الجهات أبراج مراقبة
بالنواظير والبنادق. كل شئ موجود في ربيضة الآن إلا الغابة. بنايات رمادية مبهمة
وبنادق مصوبة نحو شريط الأشجار في الضفة المقابلة، هناك تنام البلدة القديمة في
سلاسلها، كعبد أو أسير.
***
عبق الهواء برائحة أعشاب الليل.قال يوسف: ـ فكرت هذه الأيام أن
لا أترك ربيضة في الشتاء.
رد ثجيل: ـ صعبة.
ـ صحيح لكن لا وجود لنا في المدن. اشعر بالإهانة كلما دخلت
البلدة . كلكم تعرفون حكاية الشيخ.
هذا الحادث وقع فعلا في يوم صار قديما لكنه محفور في الذاكرة
الجماعية. أشهر الحوادث في البلدة لأن هذا النوع من الحوادث يتناقله الناس لوقت
طويل في تلك الأزمنة في المجتمعات الرعوية. دخلت جواميس يوسف ،سهوا، حقل الشيخ
الاقطاعي الذي كان مارا فأرسل في
طلب المعيدي.
وقف يوسف أمام الشيخ وهو يتوقع خطوته التالية. حين نزل الشيخ
وحوله الحوشية كان السوط قد أز في الهواء قريبا من ظهر يوسف الذي اندفع كثعبان
مستفز وخنجره في يده ليضعه في لمح
البصر حول رقبة الشيخ وسط ذهول الحوشية وحيرتهم. أخيرا دفع يوسف الشيخ بعيدا وهو
يبصق وساق قطيعه خارج الحقل في حين
كان السكوت يتكيء على كل سنبلة وعشبة وحجرة وشوكة. كل البرية بدت صامتة في ذلك
الصيف المحرق، المهلك.
ها هو قصر الشيخ نفسه يطل على غابة ربيضة حتى بعد مقتل الملك.
كان المرور أمامه ممنوعا على المارة. لكن مدنا بكاملها صارت محرمة بعد نهاية
الملكية وظهور المدن الحزبية. الآن يلوح القصر نفسه من صريفة يوسف في ربيضة غارقا في الظلام. ظلام الليل.
وظلام التاريخ .
***
صوت مزمار يأتي عبر الريح النهرية المنعشة من جهة طاهر.إنه
يحتفل لوحده في وصول الرجل الذي أنقذه وصار زعيما. مزمار وهواء عذب والقمر يشرق في
السماء كحارس لهذه المخلوقات التي صارت جزءا من جسد الغابة وعظمتها وتاريخها
العريق. فانوسه معلق فوق شجرة صفصاف عملاقة. خنجره يومض على ضوء القمر. هؤلاء
القوم ترتعش قلوبهم كخناجرهم تحت التراب والفرح والصداقة التي يقسمون بها كالرغيف،
كالشرف، كالإيمان، كالموت.
***
سمعت يوسف يقول: غدا سيأتي راجي مع قطيعه. فرحت لهذا الخبر لأنني أعرفه من
خلال زياراته الليلية لنا في البلدة. رجل ربعة، قصير، ومرح وضاحك دائما .أعرف أيضا
ولديه حاتم وحافظ وزوجته نعيمة. لكنني أعرف عشقه الصامت لجارتنا. إسمها كميلة لكن
صورتها في ذاكرتي تلمع كحصى تحت ماء رائق. كميلة قامة سمراء طويلة أصابته برجة في
عقله كما يقول. يفتعل زياراته لنا لكي يراها. تمر صامتة قربه فيرتج جسده الثقيل
كالمحموم.
قال يوسف:ـ سيكون وجود راجي معنا بلوى. لن يفك من حرشته لثجيل. مزاحه ثقيل وثجيل طبعه حاد.
من أعماقي سعدت لهذا الخبر. هل سيأتي معه أولاده؟ لا أدري.
حاتم في مثل عمري ـ تسع سنوات ـ
وحافظ ست سنوات .
***
قتل حافظ في حرب الخليج الأولى وكان معي في نفس الوحدة بعد أن أعطاني رسالة إلى أهله بدقائق في ليلة مظلمة مرعبة وكنا يومها في منطقة
البسيتين شرقي العمارة في منتصف شباط1982 .قتل بعد أن أخذت منه الرسالة ، حين خرج
في الظلام يبحث عن شيء فأصابته رصاصة تائهة في خاصرته ولم يقل أكثر من كلمة: آه..
لقد مت. كلاهما معي في نفس المدرسة. نتقاسم الطعام والشتيمة المألوفة عن
المعدان.لم اسلم الرسالة في اليوم الأول، ولا اليوم الثالث. في الرابع ذهبت فوجدت
مأتما في الشارع.
***
طاهر أيضا عنده ولد. شعره أحمر وبشرته بيضاء وعيونه زرق
كأبيه.إعتاد راجي أن يقول له مازحا:ـ (هذه من مخلفات الإنكليز). قُتل في نفس الحرب.
استأذن ثجيل وانصرف وطمرته ظلال الأشجار وتوارى كشبح في السكون
المسيطر. قال يوسف:ـ ثجيل رجل شجاع.
أيده أبي بحرارة: ـ لكنه غير محظوظ.
اراد أن يضيف لكنه صمت: ـ ثجيل بلا ذرية.
يشرق وجه ثجيل صحة
في الخطر والتوقع. رجل برية أو غابة أو صحراء. تشهد على ذلك جروحه المنتشرة
في كل مكان من جسده وكل جرح له حكاية.
***
جاء طاهر إلى صريفة يوسف بعد إنصراف ثجيل وكان القمر مشرقا فوق
النهر والغابة، ورائحة النباتات النهرية حادة مع نسمات ليلية عذبة محملة بروائح
مختلفة.جثة ضخمة تحمل ذراعين طويلتين قادرتين على سحب سفينة غارقة. جلس إلى جوار الموقد قبالة أبي الساهم. يوسف
كعادته بشوش مع ضيوفه. طاهر صامت لكنه يغلي. يريد أن يتكلم لكنه يتردد. سأل عن آخر
الأخبار.قال يوسف:ـ قتل الملك وسحلت
جثته مع العائلة.
ـ من فعل ذلك؟ سأل طاهر مستنكرا.
ـ الناس .
ـ ممكن. الزعيم لا يفعل ذلك وأنا أعرفه جيدا.
فرصة لفتح حكاية الإنقاذ.ابي قال ان كل شيء ممكن لأن الحقد
أعمى وذكرهم كيف قتل الشيخ في النادي
في صراع على النيابة: ـ صارت جمهورية. قالها يوسف وهو يحرك الجمر.
ـ جمهورية؟ ما معنى جمهورية؟
سأل طاهر مدهوشا. أجاب يوسف: ـ كانت ملكية فصارت جمهورية.
ـ بس ؟
***
صوت كريستينا العابث الطالع من عدمية عريقة في المرح والضجة
والسخرية يعلو على كل صوت.في العودة وعلى ظهر القارب طلبت مني أن أعملها ثانية وهي
تقود القارب. صارت شهية أكثر خاصة بعد أن أنضجتها الشمس ومياه الخليج القادمة من
خليج رصاصي بلون جسدها المتوحش. رائحتها تملأ جسدي بعطر يصير مع الوقت دما اخر. كل
ما اتذكره وانا على ذلك الوضع الذي فرضته علي نزواتها هو جبال تركض وخليج ينقلب
وضفاف تتحرك وأنا اتنهد فوق قامة السرو الفائرة ورائحة جسدها تخرق كل ذرة في جسدي.
صرت صورة مختصرة لجرو لاهث فوق قيامة الجسد. حين أكون واقعا تحت تأثير جسدها
تتلاشى كل إمكانية للتفكير الا من فراغ مهول يطل على هاوية الأحاسيس المختلطة. هذا
الجسد الفالت من قوانينه أقرب ما يكون الى وكر عبادة ورائحته المائية بخور الأديرة الليلية المنزوية في أعماق
جبال كهنة في عزلة مشعة.
***
سأل طاهر:ـ هل
سيأتي راجي في الصباح؟
ـ نعم.
قال:ـ ستبدأ
المشاكل مع ثجيل.
قال أبي: سنوصيه بذلك.
ـ لن يسمع. لا يقدر على ضبط نفسه.
قال ذلك طاهر وسألني:ـ هل تحب الزعيم؟
حكاية الغرق أيضا. لا يستطيع أن يفهم كيف انهم لم يتحدثوا في
الراديو عن حكاية الإنقاذ اللعينة. كل أسئلته المتكررة عن الأخبار تدور حول هذا
الأمر من باب خفي. حكاية الإنقاذ أكبر من طاقته. كيف يستطيع نسيانها؟ كان مستعدا
لأن يحلف بأغلظ الإيمان على ان الحكاية صحيحة من أولها إلى آخرها. لكن من يصدق؟
حتى الزعيم نفسه لا يمكن أن يصدق أو يتذكر ذلك.قال كأنما يحدث نفسه بصوت
ذاهل:ـ سيأتي يوم يروي فيه الحكاية
بنفسه . أنا واثق.
***
مكبرات الصوت تزعق في شوارع البلدة نافية خبر مقتل الزعيم.
الجموع مصابة بالصدمة. أمس شاهدوا فيلما لجثة الزعيم في التلفزيون وقد أجلسوه على
كرسي وجاء عسكري ليمسك به من شعره ويبصق عليه أمام الناس. تلك البصقة عرتنا جميعا،
كانت أكثر فصاحة من بلاغ الإنقلاب. كان الفقراء قد وجدوا فيه رمزا
وملاذا وأملا. الأمل سحق على شاشة التلفزيون والحياة ديست علانية. ساد الظلام في
الليل والنهار وتوقفت الحياة والأنفاس. سقط فجأة الرجاء والخطاب اليومي والصورة
والوجه الضاحك والوعد. لم يصدق أحد الحكاية أبدا لكن الحقيقة العارية إخترقت
القلوب الراعشة كمصيبة غير معقولة أو كقدر أنزل الناس إلى قعر هاوية اليأس.
طاهر الاشقر خلف الرجل حامل المايكروفون وهو يحتضن سره في سحب
جزء من التمثال إلى البيت. يعلن الصوت الأشبه ما يكون بحشرجة عجل مذبوح بكذب خبر
مقتل الزعيم. أخبار تنتشر لا أحد يعرف من أين تقول ان الجثة التي ظهرت هي تمثال
شمعي هدية للزعيم. أمل هب من قلب صحراء الوجع. فوضى السلطات المحلية وركضها في الدرب
الذي قال أحد ما ان الزعيم مر فيه كسر صلابة اليقين الراسخ في القلوب
كخنجر. طاهر يرعد وسط جموع فقدت وجودها وحلمها الخاطف الذي ظهر عدة مرات في قلب السماء ضاحكا كأمل مشع. من
يطفيء هذا الغليان المندفع للمشاعر الهائجة؟ قيل انهم سيستخدمون الرصاص لتفريق الناس. إضطربت الجموع. ارتفع
هتاف وصراخ. في الليل خلت الشوارع إلا من دوريات الشرطة والكلاب واليأس والغبار
والصمت الشاحب المتكيء على ظلال الشوارع الميتة.
***
ضجة هذا الفجر أثارها راجي وعبوره النهر باكرا. خرج من النهر
قبل القطيع كثور يجرجر جثته عبر الوحل.كان يشتم كل شيء: الأشجار والنهر والقطيع
والمعدان والعمر والزعيم وطاهر
الثور والملك.
ـ لماذا الزعيم؟ إحتج طاهر مزمجرا.
ـ لأنه سمح لكلب مثلك أن ينقذه.قال ذلك راجي بمكر ساخر إشتهر به.
ـ ستصدق يوما.. وسترى. قالها طاهر بثقة. قلص راجي عينيه ونظر بعيدا في
الغابة. سأل: ـ أين أبو سرحان؟
هذا أول الغيث. يوسف
فهم المعنى المبطن لهذا السؤال. أجاب:ـ نأمل أن تكون سنة خير وسلامة.
ضحك راجي وإهتز كرشه وتساقط منه الماء وبقايا الطحالب والاعشاب
التي علقت به خلال العبور.علق
راجي:ـ انشاء الله.
وأضاف متضايقا:ـ لكن قل لي بروح والديك هل تتسع ربيضة لكل هذه
الوحوش؟
عندها فقط رفع يوسف يده . تلك كانت علامة واضحة لمن يعرفه بأن
لا وقت لمثل هذا الكلام.انصرف يوسف على عجل. ترك القطيع طافيا مع البقية في هذا الفجر الذي ينذر بحرارة ورطوبة
وهواء راكد. لم يأت معه من الأولاد عدا صافي إبن أخيه نصف الاطرش والاحدب وهو في
العشرين من العمر.ضحك راجي وهو يعلق: ـ
ليكثر عدد الطرشان. من سيحرسنا من الذئاب ؟ من سيسمع ضراط النمل؟
شوهد ثجيل وهو ينحدر نحو النهر مع قطيعه.قال راجي: ـ عرضة أرنب .
وإلتفت نحو طاهر: ـ
إذن تنتظر أن يزورك الزعيم يوما؟
أجاب على الفور: ـ لم لا؟
وبدون توقع إنحنى راجي قليلا بوضع ركوع سريع وأطلق ريحا نتنة كصوت تمزق قماش. كان الموقد مشتعلا يغلي فوقه الشاي
وعلى الجانب الشرقي من الغابة تشرق شمس ندية، حمراء، ومتوهجة، ترتفع ببطء من ضفة
النهر نحو هامات الأشجار التي تبدو في هذا الشروق مغسولة بالضوء والماء والسكون
البازغ من أعماق الأرض كما تبزغ الشمس من قلب السماء. في البعيد تبدو أشجار النخل
في شريط طويل، صامت، وعلى إمتداد النهر. صافي صامت. تتهدل ذراعاه وشفته السفلى لا
تتطابق مع العليا: ـ مالك خانس مثل الخنزير؟
زمجر راجي . لم يجب صافي بل تملل خجلا:ـ أرجوك يا عم كف عن
ذلك. نحن في محنة.
ـ محنة؟
علق راجي ضاحكا. أضاف: ـ خنازير ربيضة أهون من خنازير البلدة.
كان صوته هذه المرة جادا. وكانت الشمس قد بدأت تنعكس على
أكتافه، ولابد انه يشم الآن الرائحة الطرية للأعشاب وأوراق الاشجار. تلك هي أحلى
ساعات النهار حيث البرودة منعشة والهواء مسكر، والسماء صافية ومشرقة. شربوا الشاي
. دخنوا. تبادلوا بضع كلمات عن الليل والذئاب والضباع والخنازير. يوسف قلق . تحدث
صافي بمتمتة عرف بها عن تحسين الصرائف وبناء سياج من الأعمدة حول الحظائر. ايده
طاهر قائلا:ـ ربما يزورنا ضيوف.
الحلم نفسه. لم أر في حياتي راجي عابسا ومستقرا في مكان أبدا.
لا في زياراته لنا في البلدة في
المساء التي تمتد حتى بعد منتصف الليل ولا في المقاهي ولا في الحقول التي صادفته
فيها خلال خروجنا إلى المراعي الصيفية.
***
مرة واحدة فقط رأيته جثة هامدة ممددة فوق مشرحة المستشفى في غرفة التشريح الكائنة في أقصى
زاوية حين تعلقت بنافذتها الواطئة ورأيت كيف شق الطبيب صادق القزويني بطن
راجي ومزق لحمه الطري بمشرط حاد كان
يوغل في الجسد كسكين في الزبد. صافي هو الذي أطلق عليه الرصاص بعد سنوات من أحداث
ربيضة جراء خلاف على حقل . جلس صافي على ركبتيه وفي يده بندقية قبالة راجي
المدهوش، في مساء شاحب في حقل
والشمس على وشك الغروب، لم يستطع أن يقول له سوى الكلمة الأخيرة كآخر رجاء من
الموت: ـ أنا عمك ياصافي.
لكن احدا لم يسمع هذا النداء. ما أبشع الموت قتلا في حقل في غروب شاحب على مشارف مدينة متراصة
المنازل مطلية باللون الطيني ؟ في الصباح التالي لعملية التشريح وجدت ثيابه
الداخلية المدماة مرمية على مزبلة خارج حائط غرفة التشريح التي لم أرها منذ ذلك
اليوم المشؤوم.
***
تفرقوا بعد الشاي وذابوا بين الأشجار. لكن أصواتهم تتردد طوال
الوقت. هذا يجعل هدوء الغابة أليفا. يجعله آمنا، محسوسا. تتلاشى الأسرار قليلا في
النهار ويحل الصوت وحركة الأقدام والطير
وذعر الحيوانات الصغيرة اللابدة في أوكار عميقة في الأرض وتحت العشب أو
الدغل. مشهد الأشجار في الضفة المقابلة في وقت الظهيرة يبدو راقصا راعشا كأنه لوحة حية على جدار. لم أجد مثل ذلك الشريط
الأخضر حتى على ضفاف الدانوب الأزرق.
الطيران الزلق، الرتيب، الإنسيابي، البطيء للطيور النهرية فوق
صفحة النهر غالبا ما يجعل المشهد الخلفي للأشجار البعيدة المتراصة أكثر حيوية.
طبيعة تفور على ضفاف منسية. طبيعة تعطي بسخاء أكثر مما تأخذ. طبيعة أجمل من نفسها
لأنها لا تدرك كم هي جميلة. هذا هو الجمال غير المدرك لنفسه كجمال الينابيع
والغزلان والنجوم والأطفال والزهور والفراشات.
لم تعد ربيضة مع الوقت مكانا موحشا تماما رغم ان كل إحتمالات
ذلك لا تزال قائمة . هؤلاء تقبلوا المخاطر كجزء من نظام الحياة ومن مقومات إستمرار
حياتهم. أخذ خوفي يتضاعف من مصادفة
خنزير بري بعد ان سمعت عنه الليلة الماضية.
وحدة ثجيل تتراكم. بعيد ومنزو وغير مهتم بما يدور او لا يدور.
الإنزواء حتى في غابة منزية يؤمن له الأمان. يؤمن له قبول وضعه بلا تذكير. ثجيل لو
لم يكن رجلا لكان إسطورة.
***
بعد ذلك بسنوات طلب قبل موته من فاطمة وهو في رقدة الموت والاحتضار ان
تأخذه الى البرية وان لا تخبر احدا ابدا. كان يخجل حتى من ضعفه في مواجهة موت وقدر
بشري. كان يريد ان يموت بعيدا عن كل عين كصقر أو عشبة برية أو حجر منسي. تعفن في
احتضاره فذهبت فاطمة لتخبر يوسف مضطرة. نظر اليها ثجيل بتلك النظرة المعاتبة
الأخيرة قبل ان يلوي عنقه كجواد يموت في براري مفتوحة على الريح والابدية.
***
صارت زيارة الزعيم وسواسا يوميا لطاهر. ينتظر على الضفة
ويراقب. يسأل عن الأخبار. قيل انه يتسلل ليلا إلى الضفة الأخرى ويقترب من جماعة
تسكر وتلعب القمار يوميا بين أشجار كثيفة حتى داهمه يوما خبر الانقلاب ومقتل
الزعيم فعبر النهر كوحش مستثار خرج من الغابة.
في المساء يشرق قمر عراقي من خلف الأشجار ليغمر الكون بنور
شفاف رائق فتغطس غابة ربيضة من جديد في سرها متدثرة بالاشجار والريح والحكايات
ومواقد النار وعواء الثعالب يوم كانت الثعالب حقيقية،كالغابة، كالنهر، كالقمر،
كالماء، كالأمل.
2
خريف عراقي شاحب ومغبر. شاحب في المدن كما هو شاحب في جبهة
الحرب.كنت قد تعرفت على يسرى خلال فترة الحرب حين كنت قادما من جبهة الجنوب الى
المنزل في اجازة عادية. كان القتال علىأشده في خطوط القتال الأمامية. وكنت جنديا
في وحدة عسكرية في الخطوط الامامية.
أتذكر جيدا ان الوقت كان خريفا. كنت قادما من الجنوب. كل شيء
بدا صامتا في الطريق وكئيبا. إنها الحرب والخريف وتساقط الأوراق والأشجار العارية
والقناطر الصفر والحقول الطويلة الناحلة والخيبة ومشاهد الجنازات على الطرق
والوجوم والصمت.
في تلك الأيام انبثقت يسرى كوردة في الظلام، كيد لغريق. كشمعة
في الديجور، كرغيف حار، وساخن، في تلك الظهيرة العراقية المشتعلة حيث الموت وحده
يركض في الشوارع. لم تكن مجرد امراة في تلك الأيام العصيبة، بل كانت ملاذا ومأوى
ونورا بزغ، فجأة، في هذا الديجور من الوحل والموت والرخص والدعارة والرعب.كانت جوابا على الحرب والكراهية.
تعرفت عليها بطريقة غريبة. رن هاتف المنزل يوما وسألني صوت
نسائي دافيء، وعذب، وناعم، عما إذا كانت تستطيع التحدث معي . قلت لها علىالفور :
يمكنها ذلك الان. ضحكت بطريقة مشوقة، وساحرة.كان كل شيء يبدو مثيرا، وساحرا،
ومشوقا، لجندي عائد من جبهة حرب ساخنة،حتى الأشياء المهملة، والتافهة، والتي لا
تثير في العادة، تبدو نادرة وإستثنائية. إن الحرب كما يبدو تجعل الإنسان يعيد
النظر في قيمة الأشياء المألوفة، والبسيطة، والعادية، لأن الحرب هي قلب لنظام
الأشياء. ليس هناك من ينجو من حرب عاشها، كما يقول أندريه مالرو.
قالت بالصوت الناعم والملائكي: انها تريد ان تتحدث معي، لكنها
لا تعرف عن أي شيء. جذبتني هذه الطريقة في الحوار. ان اي شيء في تلك الأيام كان
يبدو عاريا من المنطق، والتسلسل، والترتيب، والمعنى. كل شيء كان يبدو ممكنا في زمن
الحرب المفتوح على الهاوية والموت والجريمة. تحدثنا طويلا وبدون مخطط: عن الفن،
والحرب، والنساء، والموسيقى، والحب، والناس، والتقاليد، والشعر وحتى الجنس .
لم أكن أعرف من هي على وجه التحديد. لقد رفضت، أول الأمر، ان
تذكر اسمها الحقيقي ، مكتفية باسم مستعار قالت انه مؤقت. بهذا الإسم المؤقت كنا
نتحدث فترة الإجازات في ذاك الخريف وحتى نهايته. لقد استمر الحال هكذا في فترة
الإجازات المجنونة التي تأتي بعد معارك طاحنة، وحالات موت لأصدقاء ومعارف، وجو جنائزي يخيم على الشوارع
والوجوه: إنها ظلال الحرب.
في خطوط الموت صار عندي ، هذه المرة، أملا لا صلة له بالحرب.
هناك ، رغم كل شيء، إمرأة في انتظاري. قلب ينبض بالحب وسط هذا الموت والخراب
والجنون والحقد. كانت الحرب في عامها السابع، وكنت قد شاركت فيها منذ الأيام
الأولى: من الجبهة الغربية ـ سربيل
زهاب ـ وحتى الجبهة الجنوبية ـ سوسنكيرد، والأهواز، وجفير، وحدود عبادان. لكن أكثر
المعارك ضراوة ووحشية هي التي عشتها في الجنوب، شرق الكارون، وفي الطاهري، وخرمشهر
وفي الأهواز.
كان صوتها قد
سيطر على حواسي حتى في ساعات القصف الطويلة، واليومية، والتي صارت جزءأ من نظام
الأشياء. لم يكن صوتا: كان أملا، أو نورا، أو مخرجا من هذه الغابة من الوحوش حيث
الموت يركض في الأمكنة كالطاعون، ورائحته
في كل مكان، في الأسلحة، والملابس، والعيون، والشوارع، والأشجار والأحلام.
مرات عديدة واجهت الموت وجها لوجه. لكنه لم يصبح مألوفا لي. كان
قتلى الرصاص أو الغازات أو القنابل ، من الجانبين، يثيرون في داخلي أقصى مشاعر
القرف والسخط والحزن. في الحرب تتناسل المخاوف: الخوف من قذيفة مباشرة، الخوف من
الأسر، الخوف من الظلام، من الصمت، من الهجوم، من الهجوم المضاد، من الضوء، من
النوم، من اليقظة، من الإشتباك، من التسلل، الطعن بالحراب، الألغام، السلطة،
التقرير،الاستخبارات العسكرية التي تطارد الجنود حتى في خنادق القتال الأمامية وفي
حجابات الأرض الحرام، الخوف من الشهوة، من الكبت المفرط، من الحزن، من الذكرى، من
النسيان، من العقرب.
حتى أبسط الأشياء يصير عملا مثيرا، ومهيجا، ومفرحا. أتذكر يوما
حين غطسنا في نهر صغير في منطقة الزريجي بعد أن كنا عائدين من معارك طويلة. بدا لي
الماء جميلا، وذهبيا، ومشعا، ولذيذا، واسطوريا. كل رمز مهما بدا بسيطا وعاديا
يبدو، في مناخ الحرب الرمادي، غير مألوف، وخارق،ومدهش. إن الحرب تجعل الإنسان
يكتشف معنى السلام الحقيقي ، حتى لو كان في قدح حليب في الصباح، او جريدة، في
مقهى، أو امرأة في سرير او قطار، أو طفل في حديقة، أو زهرة اسفل حائط متهدم. إن
السلام مصنوع من أشياء بسيطة، دائما.
كنت موجودا في جبهة البصرة. وكانت المعارك تدور هناك بشراسة
أكثر من اي مكان آخر، والأرض سهلية ومستوية يسافر فيها الرصاص والشظايا بلا جدران
كما هو في الجبهة الشمالية حيث الجبال والأشجار والصخور.وكانت المدينة نفسها،
البصرة، تقصف أحيانا، الأمر الذي جعل بعض سكانها يفكرون في الهرب الى مدن بعيدة.
بواخر غارقة في شط العرب، ودوي المدفعية بين وقت وآخر، ومتاريس الشوارع، والدخان،
والظلام في الليل، والجو الدخاني والترقب ..كل ذلك يعكس أجواء مدينة مدينة تحت ظلال الحرب. بيوت
الدعارة في شارع بشار لم تقفل أبوابها كانها خارج الزمن. قالت يوما: (ـ لا تستعجل.
انتظر).
لم تكن مدينتي بعيدة عن أجواء الحرب. كانت صامتة، وحزينة،
ومنتظرة وصول الجنازات من جبهات الحرب. لكن أكثر الأشياء إيلاما، هو ان تتحول ربيضة إلى مكان معزول لا يسمح لأحد بالمرور فيه. تحولت الغابة
إلى منتجع خاص للعائلات الحاكمة. ظهرت الأبراج، والأسلاك، والدوريات، ومهابط الطائرات
المروحية، والمنازل الرمادية التي
تظل مضاءة بعد منتصف الليل ، وفي اشد ايام القتال ضراوة.
تحولت ربيضة إلى ملهى خاص ، في زمن الحرب، شأنها شأن كل
الأماكن الجميلة، والهادئة. قريبا من النهر شيد بناء جديد هو فندق سياحي كان يبدو
في جو الحرب والكآبة والخوف غريبا،
ونافرا.من نوافذ الفندق كنت أطل على زمن ربيضة المتلاشي. لم تعد موجودة تلك
الأشجار، ولا الطيور. ليس إلا الأبراج ، وغسق محمر، ومتوهج، وشريط طويل، وصامت من
أشجار النخيل على طول النهر.قلت لها مرة، محتدا: ـ ولكن هذا لا يجوز. يجب ان أعرف
من انت في الأقل.
ضحكت بجرس ناعم كنت أسمعه رغم دوي المدفعية البعيدة المدى،
وصرخات الذعر في الإشتباك، والغبار، والدخان، ورائحة اللحم المحترق، وصراخ الشهوة
الذي تشعله الحرب ومشاعر الموت.
كنت قادما في نهاية الخريف من الجبهة. ذاك الخريف جرى قتال
واسع على كل جبهات الحرب. وكانت الشوارع والمنازل مصبوغة بلون الموت والكآبة
والصمت الذي يفرضه الخوف من وصول الجثث. وكانت مكبرات الصوت تزعق في كل مكان عن
النصر ، أو القتال حتى الرجل الأخير.
في آخر مساء خريفي تعرفت عليها بعد موعد، وكانت مفاجأة سارة
مشوبة بحياء مشترك بسبب فترة المكالمات الهاتفية والإنتظار والدهشة والفرح. لم تكن
صورتها مألوفة عندي ، ولم أكن قد رأيتها من قبل. قالت انها تعرفني جيدا عن طريق
صحف ومعارف وأخبار .
قلت لها، صراحة، ان شكلها غريب عني. قلت انها لطيفة وجذابة.
سرت لذلك كثيرا وعرفت انها حساسة وسريعة الإثارة، وربما تعاني من خوف مبهم أو من اعتلال ما في الصحة أو لا شيء من
ذلك على الإطلاق، وقد يكون مجرد أوهام اللحظة الحرجة.
في الصباح التالي غادرت إلى الجبهة، لكن صورتها ، في ذاك
الخريف القلق والمثير، قد انغرزت في ذهني بصورة حادة بحيث لم تستطع كل القنابل والرمال الجنوبية
التي تهب في الصباح وحتى المساء طامرة كل شيء حتى أواني الطعام، والطعام نفسه، ان
تمحو ملامح الوجه الطفولي ،الخائف.
بدت بسيطة أول الأمر أمام رجل خبر الكثير من الأهوال والمصائب: في السجون، والمطاردة،
والتشرد، والجوع، والحرب، والعزلة، والفقر، والخطر.
***
عندما كبس علينا أمن البلدة عام 1970 على اثر منشورات سياسية
مرتجلة وعفوية، قال لي مدير الأمن
في الكوت ضياء العلكاوي بحضور عدنان الدهش المحافظ وزمرة من رجال الامن
والحزب: انت فيك عشرين سنة نيك. ما الذي جاء بك الى السياسة؟ ذهلت. كانت المنشورات
تحمل هذا المقطع من قصيدة للشاعر عبد الوهاب البياتي: قم تر الافق مشاعل/ وملايين
المساكين تقاتل/ وتبدأ بجملة افتتاحية تقول: نفس الوجوه الكالحة عادت الى السلطة
من جديد. في مديرية الأمن العامة في بغداد سنة 1979 سمعت وانا
معصوب العينين أحدهم يقول بغل: ـ هذا ابو المشاعل.
حين خرجت من السجن حطاما ذهبت الى ربيضة. كنت اشم رائحة المكان وأزهاره
البرية. كنت أتمنى أن أعود عشبة أو شجرة أو رائحة أو سحلية أو ذرة تراب في هذا
المكان. لم تكن ربيضة غابة. كان
حلما عن البراءة.
***
ذكرت اسمها الحقيقي. كان واضحا انها غير مشغولة كثيرا بالحرب.
كانت الحرب لا وجود لها الى حد ما. كانت غارقة في سلام داخلي مضطرب، وطمأنينة خاصة
بدت غير معقولة في جو الخوف العام والقلق. نوع من الهدوء الناجم عن انسحاب داخلي
الى نفق نفسي. كانت تعاني من حرب أخرى.لكنها بدت مشعة، وحارة، وجذابة، ومنطوية
كوردة على أسرار كثيرة.
حين عدت من الجبهة في بداية الشتاء وجدتها في غاية القلق. قالت ان هذه هي
المرة الأولى التي تشكل الحرب عبأ عليها، فلم يكن هناك من قبل ما يجعلها قلقة ،
إلا في حالات عابرة وعامة. قالت ايضا ان شكلي تغير اكثر. كنت أعرف هذا لأن فترة
الشتاء هي من أتعس الفترات في أجواء البرد والحراسات والسهر والملاجيء التي يقطر
منها الماء أحيانا، والكمائن الليلية في الحفر الموحلة حتى الفجر.
ثمة شحوب نادر يصبغ وجوه الجنود في الحروب الطويلة. ذلك الشحوب
يجعل وجوه الموتى تشبه وجوه الأحياء . في الفجر تتكون صفرة خفيفة على وجوه الجنود
هي خليط من الشحوب والموت والتعب والنعاس. اي فجر غريب هو فجر الجبهات. إنه فجر لا
يمكن ان يعرفه إلا من عاش تلك الأهوال. فجر أحمر، صامت، جامد، حاد، متحفز، يكسره نقر سريع لطائر مشاكس أو رصاصة
طائشة أو هدير محرك سيارة الأرزاق التي تأتي عادة في الفجر ، حين يكون الظلام ما
يزال موجودا.
ذلك الشتاء كان ينذر بوقوع معارك جديدة على الجبهات. كانت
الريح قد كنست آخر الأوراق الذابلة. في خطوط القتال ليس هناك أكثر قسوة من منظر
الأوراق المتساقطة في الخريف. إن كل ورقة تشبه جثة. كل حفرة تشبه أمنية. لماذا
تبدو البيوت الطينية التي كانت رمزا للفقر، والهوام، الان مشرقة في تلاحمها
الصميمي، الراسخ، وتناسقها المدهش والجميل والحار؟ هي الحرب ايضا. الحرب تجبر
المرء على اكتشاف أشد الأمكنة دفئا، وعمقا، وامانا.
كنا مقبلين ، ذاك الشتاء ،على أحداث كثيرة، وخطيرة. وكانت
الغيوم الرمادية تعبر الأفق محملة بالبروق الخامدة والأسرار. كان شتاءً عاديا ، لو
لم تكن هي ، هذه المرة ، قد كسرت رتابة الحياة، وتجدد مشاهد الجنازات، والوحل،
والمطر الذي صار رمزا لمعارك طاحنة، وأشياء أخرى كثيرة.
كنا، عادة، هي وأنا، نلتقي بعد موعد في الأمكنة الكثيرة
المقترحة في البلدة، خاصة في حقولها الكثيفة، بين الأشجار، أو النباتات البرية
المرتفعة . شرحت وحدتها، وحبسها في المنزل. قالت انها في حالة حرب ايضا. شرحت كيف انهم في المنزل يعاملونها في
منتهى القسوة. كانت معتزة كثيرا بنفسها كما لاحظت.كنا نلتقي خلسة دائما. سألتها مرة لماذا لم
تتزوج كل هذا الوقت فقالت مبتسمة انها متزوجة تقريبا .
ـ ما معنى تقريبا؟
سألتُ بدهشة. أجابت بهدوء وحياء: ـ لم أرغب في مضايقتك أول الأمر . رأيت انك مسرور معي . أعرف ان
الحرب مزعجة.
ـ انت في الحقيقة لم تقولي شيئا حتى الآن.
ـ نعم أعرف ذلك. ولكن دعني أقبلك أولا.
كنت غاضبا، وحائرا، ومباغتا. كان اقترابها مني والتصاقها بي قد
زاد من الشعور المنفر بأنني على وشك ان أفقدها مرة واحدة والى الأبد. قلت: ـ ولكنك لم تقولي ذلك منذ البداية.
ـ نعم . لم اقل ذلك. هل له أهمية الان؟ هل ندمت؟
ـ ولكنك تعرفين الوضع.
ـ نعم. انها محنة. انت في حرب وستكون في حرب أخر.
وتابعت بابتسامة
مشعة ومطمئنة: ـ ستكون في طروادة جديدة. هل يضايقك ذلك؟
ـ ليس سهلا الإجابة. لكن كيف وضعك الان؟
ـ متزوجة على الورق وأعيش وحدي مع العائلة. سأسعى للطلاق
نهائيا.
قلبت يدها بضيق، وزفرت قائلة:ـ قرار الطلاق عائلي.
ـ لم افهم.
ـ لست حرة في الطلاق.
ـ والحل؟
أجابت وهي تضع عينيها في عيني بقوة أذهلتني. تلك كانت اول مرة
ارى ضراوة كامنة، مستترة، وشرسة: ـ الهرب.
سألت، مبهورا:ـ من المنزل؟
ردت باصرار: ـ نعم. وحتى لو كلفني حياتي. أريد أن اكون أنا مرة
واحدة وبعدها الطوفان. تابعت وهي تلتصق بي بحنان ورقة: ـ أعرف ان موقفك سيكون صعبا. لكنه قراري.
ـ واين سنذهب؟
ـ إلى اي مكان إلا هذا الجحيم.
***
سافرت الى الجبهة. الى الحرب الأخرى. تلك السنة كانت معارك طاحنة واوحال
وخنادق مليئة بالمياه وأمطار غزيرة ودماء. كان الجنود في غاية الضجر والإستياء من
هذه الحرب ولكن القوانين الصارمة والوحشية نجحت في الحد من الهروب. في السابق حين
كنت أعود إلى الجبهة لم يكن ثمة مايشغلني إلا الخوف من هذا الموت السهل، بلا ثمن.
الان صرت أخاف أن أفقدها .أنا الان بين حربين . واحدة على الحدود ، واخرى في
الداخل . كل الحلول تقود إلى الموت. البقاء والقتال هو قرار موت. إذن كان يجب
اختيار أفضل أنواع الموت. ربما كانت هي أكثر شجاعة مني أو لامبالاة في إختيارها موتها الخاص.
كانت الحرب في سنتها السابعة اقوى منها في سنتها الأولى. وكانت
سنة هزائم، وإعدامات، وكآبة تغرق المدن والناس والطبيعة. في تلك السنة دخلت وحدتي
معارك ضارية في الجبهة الجنوبية، معارك متواصلة، وشرسة، ومجنونة. كان كل طرف يحاول
سحق خصمه بلا رحمة. وظهرت أقنعة الغازات . ظهر شبح الموت، خنقا.
في المرات القليلة التي كنت أنزل فيها إلى مدينة البصرة، كنت
أذهب مباشرة الى الحمام. كان هذا هو أحد أجمل الأمكنة عندي، وأكثرها اثارة للدهشة،
والمتعة، والشعور بالصفاء والأمان والنظافة. إن طقس الإستحمام كان يعادل، عندي، طقس تطهير، او انه نوع من الهرب الرمزي. إنه المكان الوحيد، تلك الأيام، الذي
لا تجد فيه من يرتدي ثيابا عسكرية، وتلك ميزة نادرة. تلك بهجة. كان الدخول إلى
الحمام أشبه ما يكون بالدخول الى عالم بعيد، لاصلة له بالحرب. كان أشبه ما يكون
بالهرب.
جاء الربيع وظهرت طلائع الغيوم الربيعية المشرقة. مع نمو
الأعشاب، ظهرت ايضا جثث الشتاء الماضي. الارض بدأت تدفع الموتى. كنا في غاية الإرهاق. ليس ثمة أمل في نهاية
قريبة لهذه الحرب المجنونة. كان يبدو كما لو انها ستستمر إلى الأبد.
***
رجعت من الجبهة الجنوبية وكان الربيع في المدن البعيدة عن
الحرب مثيرا. كان مجرد الوصول إلى الشارع العام في الشاحنات العسكرية المخصصة لنقل
الجنود المجازين يبدو مغامرة مثيرة، وممتعة. حال ظهور المدن، وعلامات الطرق،
والنساء،والأطفال، والحيوانات، حتى يبدأ الجنود بالهتاف، والرقص، والصفير، داخل
الشاحنات.انه الشعور بالنجاة ، ولو كان ذلك بصورة مؤقتة. نوع من الاثارة العفوية
في مواجهة حرية بسيطة. صرت افهم الان أكثر ان ذاك الهياج لا يحدث لمجرد الشعور
بالنجاة، بل ونتيجة الشعور بالحب والحرية.هل كنا نهتف ، هربا؟
اتصلت بها في نفس المساء في الهاتف. قالت انها تنتظرني. قالت انها
لن تستطيع الآن أن تأتي. بدا لي صوتها مسرورا، ومتعبا، وخافتا. كان يبدو انها،
مثلي، قد عاشت طويلا مشاعر متناقضة فرضها عليها قرار صعب.
في المساء بدت شوارع البلدة مضاءة، وجميلة، وساكنة.حتى أعمدة
النور بدت جذابة، وساحرة، ومبهجة. تجولت طويلا في البلدة. ذهبت الى ضفة النهر في
المساء. كان غروبا فاتنا، ومشعا، ومسكرا. رأيت ، عبر النهر، أضواء متناثرة في ربيضة. لم تعد الغابة موجودة الان. تم
قطع الأشجار بدا المكان عاريا تماما.
بدا موحشا، ومخيفا. رايت الفندق الجديد، مشعا، في تلك البقعة المعتمة. كان فندقا
جميلا ، حقا. المكان هادئ، وساحر، ونظيف، ومنعزل. خفقت في الهواء العذب أجنحة طيور
المساء وبدأت الثعالب، كالعادة، في العواء. حتى عواء الثعالب بدا مثيرا للبهجة. ان
الحرب تستفز أعماق المرء.
في الصباح أفقت على جرس الهاتف. كانت هي تتحدث بصوت مرتبك،
وخائف، ومرتجف: ـ يجب ان تسافر الآن الى بغداد. سأسافر بعدك. وسنلتقي في فندقك
الساعة العاشرة. هل فهمت؟ لم أكن قد فهمت جيدا. سمعتها تهمس كما لو انها تخاف من
شخص قريب:ـ سنكون معا الليلة.
لم تغير الحرب بغداد الا قليلا. كانت ملابسي نظيفة ، ومعطرة،
ورائحة الغسيل لا تزال فيها. ان هذا شيء يثير السرور في قلب كل قادم من جبهة
الحرب. الملابس النظيفة، والمعطرة، والشمس، والتسكع في الشوارع، كل ذلك يبدو
مبهجا، وسارا. عبرت شارع السعدون قادما من جهة النهر ، في اتجاه ساحة الأندلس التي
بدت مشرقة، ومرتبة، ونظيفة. كنت قد مررت من قرب جدار كنيسة تقع على شارع عام.
أتذكر جيدا انني سمعت انشادا، وعزف
بيانو، وشممت رائحة بخور ، وروائح أخرى قد تكون عائدة لأزهار الحائط الذي ظهر
قديما، وباليا، لكنه نظيف. بدا ان
الحرب تدور بعيدا في أمكنة أخرى.
في العاشرة كنت قد مضيت إلى الفندق الذي اعتدت الإقامة فيه
خلال فترة الإجازات. كان اسمه فندق سيوان. قال لي أحد عمال الفندق ، يوما، ان
الإسم يعني مقبرة الشعراء. لست أدري عما اذا كان ذلك صحيحا. كنت جالسا في مشرب
الفندق في انتظارها حين رايتها تعبر الشارع
نحو الفندق. رأيت انها كانت تتفرس في المشرب، عبر الزجاج، ربما لأنها حدست بمكان انتظاري لها. راقبتها وهي تعبر ،
ثم وهي تمشي. كانت فارعة الطول، بيضاء، ناحلة، وكان وجهها يبدو شاحبا شحوبا خفيفا
من ايام الحبس في المنزل. كانت وهي تعبر تبدو كطائر صغير خائف، ومطارد، وكان
المشرب دافئا، واليفا، وموسيقى هادئة تتسلق الجدران والزهور والطاولات . ليس ثمة
أثر للحرب.
دخلت المشرب دون المرور بالإستعلامات كما لو انها كانت قد
رأتني من خلف الزجاج . وقفت لها. بدت خجولة، وحية، ومسرورة. سألتها عما اذا كانت
جائعة فقالت لا ، لكنها تشعر بعطش مميت. ذهبت بنفسي الى طاولة المشرب وأحضرت كأسا
من الماء. شربته مرة واحدة كطائر صغير يرتمي في بركة مطر. لم أسال عن شيء محدد.
شعرت بشكل ما بان موعد طرح الأسئلة قد فات أوانه وان علي مواجهة الحقيقة مهما كان
الثمن. قالت بابتسامة مشرق: ـ انت تبدو أطول من السابق.
لم تكن تمزح. لكنها كانت لاتزال تعيش تحت مشاعر صدمة الخروج من
المنزل.كانت تعاني ، الى حد ما، من تشوش الحواس. كنت واقعا تحت تأثير هذه المشاعر اذ يتعين علي ان اتخذ قرارات
مصيرية اليوم ايضا. سألتني على غير توقع: ـ هل الحرب سيئة الى هذا الحد؟
ـ اي حد؟
ـ الحد الذي يجعلك يائسا هكذا؟
ـ لست يائسا. انا في الحقيقة حائر.
قالت وهي تعصر كأس الماء:ـ أعرف.
استدارت لتنظر عبر الزجاج الى الشارع وقالت ضاحكة ـ اذن كنت
تعرف اني أتيت.
ـ شاهدتك تعبرين الشارع.
ـ تصور بدا مجرد عبور الشارع مجازفة كبيرة.
ـ انه الحبس الطويل.
ـ نعم. أشعر باني منسحقة لكن روحي قوية. هل تشعر ان روحك قوية
أيضا؟
ـ لا. اشعر بالتعب. تعب داخلي عنيف.
ـ أعرف.
وأضافت:ـ هل شربت كثيرا؟
ـ لا.
تأملتها مليا فكانت أجمل مما تصورت . بدا جو المشرب رائعا،
ودافئا، ونظيفا. هذه أول مرة أجلس في مكان ، كل هذه السنوات الصعبة، مع امرأة وفي
مكان نظيف، وهادئ، ومرتب وعلى موسيقى ناعمة وممتعة. لكني رصدت خوفا عميقا في
داخلي. فكرت مع نفسي : ان هذا السلام مصنوع من لحظات رقيقة قابلة للكسر.
سألتني عما اذا كنت أفكر بالحرب.
قلت لها اني افكر فيها فقط. سرت لذلك. فكرت ايضا: كيف يكون في طاقة رجل منهك،
وأعزل، ووحيد، ان يجمع بين هذه الحرب وتلك.
ـ انت تفكر كثيرا. هل تفكر بأشياء أخرى؟
ـ نعم. هل سترجعين الليلة الى المنزل؟
ـ كلا.
قالت ذلك وهي ترفع كأس الماء من مكانه وتضعه في مكان آخر.
أضافت:ـ ومهما كلف الأمر. يمكنك ان تتخلي عني اذا شئت. سأذهب الى أي مكان آخر اذا
رفضتني.
ـ الى اين مثلا؟
ـ اي مكان.
ـ انت تعرفين انني لا استطيع الهروب من هذه الحرب. اذا فعلت
فهو لن ينفع بل يفاقم المشكلة. مفارز في كل مكان.
قالت :ـ أعرف ذلك.
ـ اذا بقيت معك يجب ان أهرب . ستكون الاحوال أكثر سوءا. تفتيش
ومداهمات في كل مكان. كما ان الحدود مغلقة مع العالم ولا نستطيع الفرار الى الخارج.
كان وجهها قد
صار أكثر شحوبا من ذي قبل، وشعرت ان فمي صار جافا، ويابسا.
ـ انت اذن لن تفعل شيئاً من أجلي؟
ـ ماذا أستطيع ان أفعل؟
استدارت مرة أخرى وانعكس ضياء المشرب على شعرها وعقيصتها التي
تشبه ذيل الحصان، والتي تعرف جيدا اني احبها كثيرا: ـ انت تعرفين اني احبك .
ـ أعرف. لكن التضحية مهمة.
ـ نعم. شرط ان لا تكون بلا نتيجة.
قالت بانفعال صامت ، ومكتوم بعناية:ـ الحب هو ان تكون جاهزا
للتضحية في كل الأوقات ودون التفكير في الثمن او النتيجة.
حينئذ فقط شعرت انها قطعت علي كل طرق العودة. شعرت اني محاصر،
ومطوق، وأكثر من مدفع ثقيل يقصف مكاني الان في هذا المشرب الصغير، المضاء، في ركن
منعزل في فندق سيوان في شارع السعدون ، في البتاويين، في تلك الظهيرة الدافئة من
ربيع العام السابع للحرب.
ـ هل تأكلين شيئاً؟
ـ لا. افضل المشي على ضفة النهر.
كانت تحمل معها كيسا صغيرا. اخذته منها الى الطابق الخامس في
الفندق وتركتها تنتظر في المشرب.حين عدت وجدتها في صالة الفندق تتأمل لوحة جبلية
ربيعية مشرقة. وسألتني عن طائر في اللوحة: ـ ماهذا الطائر؟
ـ حجل جبلي.
ـ هل كنت في الجبال يوما؟
ـ نعم. في سنوات 74ـ 79، في ديانا، ومضيق برسلين، وجومان،
وميركه سور، رايات، حاج عمران.. الخ..
ـ ما معنى ميركه سور؟
ـ لا أدري. ربما يكون معناها المدينة الحمراء اذا كنت اتذكر
جيدا. هل نمضي الان ؟
قال عامل الفندق انه سمعنا نتحدث عن الجبال والحجل والقتال.
وقال انه من بلدة جومان:ـ حقا؟
سألته. أجاب: ـ نعم. لقد دمرت البلدة تلك السنوات التي تتحدث
عنها تماما.
قلت: ـ أعرف.
قال: ـ كنت في الجبال حين كنتم في البلدة.
سألته بدهشة:ـ وكيف حدث ذلك؟ أتذكر جيدا ان جبال سكران وقنديل
وكرده مند كانت تحت سيطرة الجيش
وسلسلة جبال حصاروست.
قال :ـ نعم. كان ذلك صحيحا. كنا في كهوف سرية في جبال حصاروست.
هل كنت ضابطا في الجيش ؟
ـ كلا. كنت سائس بغال في إسطبلات اربيل .
ـ لا أظنك تمزح. هل كنت سائس بغال حقا؟
ـ نعم.
وقال بتهذيب: ـ أرجو ان لا أكون قد ضايقتكم.
قلت بحماس: ـ ابدا. سنتحدث عن ذلك الليلة. ان السيدة تريد ان
ترى النهر.
قال بحياء: ـ سأكون مسرورا ان نتحدث الليلة معا. لقد
لاحظت من زياراتك المتكررة للفندق
انك شخص طيب جدا. هل تريدان تناول
الغداء هنا ؟
راقت لها الفكرة كثيرا، وهزت رأسها بسرور. قال بانفعال:ـ سيكون
كل شيء جاهزا بعد الساعة الواحدة.
وغادرنا الفندق. حين كنا نعبر شارع السعدون نحو النهر ، وكانت
حرارة الجو قد أخذت في الإرتفاع، قالت لي ، شاردة : ـ أظن انك عشت حياة صعبة ،
وحيدا.
ـ نعم.
ـ لكنك لن تعيشها معي. هل تظن ذلك؟
ـ لا أدري.
ـ هل كنت حقا سائس بغال؟
ـ نعم. كعقاب لأني سجين سياسي سابق. لكن صديقا تدخل لي في
النهاية وانقذني.
كانت ضفة النهر قد بدأت تظهر. لاح الجسر طويلا، نحيفا، واضحا،
لامعا تحت الشم: ـ لم اكن أعرف جيدا انك عشت كل هذه الأهوال من قبل.
وضعت يدها في يدي، حارة، وصغيرة، وناعمة. كانت حدائق النهر
ساطعة، والأزهار مشرقة، والأشجار الكبيرة مخضرة، ورائحة أعشاب النهر تعبق في هذا
الوقت من النهار. عبر النهر بدت البنايات المعتمة والرمادية للقصر الجمهوري. كانت
الأسلاك الشائكة واضحة. السماء صاحية ومشرقة، وزرقاء. نوارس تتخاطف تحت جسر الجمهورية وفي قلبي.
ـ هل قلت اليوم انك تحبني؟
ـ نعم. هل أعجبك النهر؟
ـ لست أدري. ربما. ثمة شيء غريب أحسه معك. لعله الشعور الخاص
بالمرأة حين تكون في صحبة رجل تحبه، وتخاف ان تفقده في اية لحظة. الخوف من الفقدان.
هذا هو شعوري بالضبط. هي تدري ان خوفي هذا اكبر من خوفها بسبب
الحرب؟ هي بالنسبة لي كل شيء، اما انا بالنسبة لها فمجرد رجل او حبيب. حين قلت لها
ذلك، قالت مبتسمة: ـ هل تظن ذلك حقا؟ انت اذن لا تفهم المرأة جيدا. لا تفهمني انا
بصورة خاصة. انت في حرب واحدة، لكني في عدة حروب. كل الناس اعداء المرأة في اية لحظة ولأتفه الأسباب.
لكن لن ترى أحدا منهم، كأنك في حرب
مع أشباح.
كانت مجهدة، ومتعبة، رغم فتوتها، والبشرة البيضاء التي يجري
تحتها الدم والحليب وكآبة ناعمة وشحوب جذاب كحديقة في خريف. كنا قد وصلنا على
مقربة من تمثال الشاعر ابي نؤاس. سرت كثيرا وتحولت في لحظة الى طفلة صغيرة تريد
القفز على التمثال وتمسك بالكأس المرصعة في يد الشاع. قالت انها تريد التقاط صورة
تذكارية معه.
ـ معه فقط؟
ـ ومعك ايضا. صورة جميلة بحيث أستطيع العودة اليها متى اشاء.
فهمت انها غير مدركة تماما طبيعة القرار الذي أتخذته هذا
الصباح. لا تزال تفكر بأن الامور ستمضي بصورة عادية. نظرتُ ناحية الجسر. طيور
نهرية كثيرة تحلق قربه. على الجانب الآخر من الشارع محلات، وفنادق،ومنازل، ومطاعم،
ومشارب، سبق ان عرفت بعضها في أيام
سابقة. سرجون، ليالي بغداد، بحمدون، البيضاء ،كاردينيا،وردة،وغيرها. كانت أشجار
الشارع غارقة في ضوء ربيعي ساطع، ودافيء، وشفاف. تحت الجسر مرق الآن طائر نورس
كبير بدا في عتمة الجسر والظل أكبر من حجمه الحقيقي. كان نهارا رائعا بكل معنى
الكلمة.
ـ هل أنت جائعة؟
ـ نعم.
ـ إذن لنرجع الى الفندق.
ـ هل صحيح ان اسمه مقبرة الشعراء؟
ـ سمعت ذلك.
ـ اني متشائمة
من هذه التسمية.
سألتها:ـ لماذا؟
ـ ألا يضايقك ان ننام في مقبرة؟
قلت همسا: ـ لكننا الان نعيش في مقبرة. البلاد كلها مقبرة.
فجأة رأيتها تمسك رأسها كما لو انها تخشى السقوط، او انها
تعاني من نوبة مفاجئة:ـ هل أنت متضايقة من شيء؟
ـ نعم. أحس باني على وشك الإغماء.
ـ هل يحدث هذا دائما؟
ـ أحيانا. لا تقلق حتى لو أغمي علي ، سأعود حالا.
ـ هل سيغمى عليك الآن؟
ـ ربما..
أخذتها لتجلس على مصطبة في الحديقة قرب النهر، محاطة بالأزهار، والعشب، والشمس، مطلة
على الضفة الأخرى من النهر: ـ كيف تشعرين الآن؟
ـ أحسن. لكن لا تقلق لأن هذا يحدث أحيانا.
ـ هل ذهبت الى طبيب؟
ـ نعم. قال انه ليس خطرا. هو مرتبط بالحبس والعزل.
ـ هل أنت قادرة على المشي الان؟
أومأت برأسها مبتسمة. مضينا نحو الفندق الذي كان مزدحما في تلك
الساعة من النهار. جاء عامل الفندق،مهرولا، وهويقول:ـ هل تفضلون الغداء هنا أم في
الغرفة؟
قالت حالا: ـ في الغرفة أفضل.
ـ طيب. لكنك كنت تمزح معي حين قلت انك كنت سائس بغال في إسطبل.
ألم تكن تمزح؟
ـ لا تشغل بالك بالامر.
ابتسمت له بلطف، وصعدنا المصعد. ضغطت على زر الطابق الخامس.
وملأ عطرها غرفة المصعد:ـ كيف تعثرين على هذه العطور؟
كان صوتها خافتا، وضعيفا:ـ هدايا، أو غير ذلك. هل وصلنا؟
ـ كيف تشعرين؟
ـ بالتعب.
وضعت المفتاح في ثقب الباب ، وفتحته. دخلنا معا. كانت تلك هي
المرة الأولى التي تدخل معي الغرفة.كانت شاحبة شحوبا مميتا. كان من الواضح انها
تعاني واحدة من نوبة لا أعرفها جيدا. ولكنها لم تكن تبدو قلقة بسبب النوبة، بل لسبب
آخر. طرق الباب طرقا خفيفا. كان عامل الفندق نفسه: ـ هل أجلب لكم الطعام الآن؟
ـ أنتظر لحظة من فضلك.
قبل ان أسألها أجابت: ـ نعم الان.
قلت له لعلك سمعت، فهز رأسه بتهذيب. قبل ان ينصرف سألته عن
اسمه فقال: آزاد.
ـ هذا الإسم ليس جديدا عليّ.
ـ انه اسم شائع كثيرا في تلك المناطق.
قلت وأنا أنظر اليه بمودة: ـ حين تأتي في المرة القادمة سنتحدث
كثيرا. نحن الإخوة الأعداء.
ضحك. لكن ملا محه تبدلت، فجأة، وقال بما يشبه الهمس: ـ لم أرغب
في إزعاجك حول مسألة عقد الزواج. أنت تعرف قوانين الفندق بلاشك.
ـ أعرفها.
ـ ارجو ان لا أبدو جلفا في نظرك.
ـ لا. ابدا. انت لا تبدو كذلك. ولكننا لا نحمله معنا الآن. ما
العمل؟
ـ التعليمات صارمة حول هذا الموضوع. ولكني أستطيع ان أغض النظر
عنكم. هل ستبقون طويلا.
ـ لا ادري. لدينا الكثير من الأشغال هنا في العاصمة.
كان يبدو مشغولا، وشاردا. قال: ـ نحن نخاف كثيرا من غارات رجال
الأمن بعد منتصف الليل. هل يمكنك إخفاء السيدة عندنا عند قدوم الأمن؟
ـ نعم. وسأشكرك على ذلك.
ـ ألا ابدو مزعجا معك؟
ـ ابدا. أنت شخص لطيف جدا.
غادر باب الغرفة بهدوء وتهذيب. أغلقت الباب. كانت لا تزال
مستلقية على السرير وقد عاد اللون الوردي إلى بشرتها. سألتني:ـ كان يتحدث عن
الأمن، والغارات، ماذا كان يعني؟
ـ عقد الزواج.
ـ وماذا قلت؟
ـ قلت لم نحمله معنا. قال إذن سيساعدنا عند وقوع غارة من رجال
الأمن.
ـ لماذا يفتشون في الفنادق؟
ـ لا أدري بالضبط. لكنهم يفتشون عن هاربين من الجيش، وعن أشياء
اخرى. كيف حالك الآن؟
قالت مبتسمة: ـ لقد انتهت النوبة. قلت لك لا تقلق لكنك قلقت.
إذن سننام هنا؟
ـ لكن الخطر لن
يزول.
قالت بعنف
رقيق:ـ لكن الخطر موجود منذ ان ولدنا. هذه هي المرة الأولى التي اشعر فيها بخطر
محدد المعالم. يجب ان افهم خوفي ومصدره. ليس هناك ماهو أشد رعبا من الخوف المبهم.
هل إختبرت هذه المشاعر من قبل؟
قلت نعم. سمعت طرقا خفيفا على الباب.حين فتحته وجدته يحمل
صينية طعام واسعة. طلبت منه ان يدخل.وضع الطعام بهدوء، وصمت. وقبل ان ينسحب سألته:
ـ قل لي أرجوك لماذا يسمون ذلك الجبل اللعين (سكران)؟
شع وجهه بابتسامة عريضة: ـ هم يسمونه هكذا، كما أظن، لأنه مثلج
طوال السنة. هل لاحظت ذلك؟
ـ نعم. هل الجسر الصغير الذي يربط جومان برايات لا يزال قائما؟
ـ لا يزال.
ـ ثمة فندق سياحي على مبعدة 3 أو4 كم عن البلدة في الطريق إلى
رايات، وحاج عمران.
ـ صار مقرا للجيش.
ـ كان مقرا منذ وقت طويل.
والتفت إليها وقلت:ـ في ذاك الفندق حلمت كثيرا. اذكر انني دفت
قصائد للشاعر الفرنسي ايلوار في حديقة الفندق وكنت واثقا بأنني سأعود في يوم أفضل.
سالني آزاد: ـ ماذا كنت تفعل هناك؟
ـ كنت جنديا. ماذا يفعل جندي هناك؟
أحمر وجهه: ـ لم أقصد إزعاجك. فقط أردت ان أعرف.
قلت:ـ أكثر ساعات الحراسة ازعاجا لي هي على جسر جومان بعد
منتصف الليل والثلج يتساقط والريح تحلق الصخور.أتذكر ان فرنا صغيرا هناك جوار
الجسر سنة 77 كنت آوي اليه في البرد والثلج.
قالت تقاطعني:ـ أظن ان الطعام سيبرد. يمكنك مواصلة الحديث في
وقت آخر.
إنسحب آزاد بلطف وهدوء وهو يقول انه مسرور كثيرا اليوم لأنني
أعرف أشياء كثيرة عن جومان.قلت له انني لم اقل كل شيء بعد. قال انه يفهم. بعد ان
صرنا وحدنا، قالت:ـ هل يعجبك حديث الحرب ؟
ـ لا. لكنه شاب لطيف .
أكلنا الطعام بنهم:
ـ لذيذ. هل أعجبك؟
قلت هازا كتفي:ـ لقد أكلت وكفي. لم اعد أميز بين الأطعمة.
ـ هل تجوعون في القتال؟
ـ نعم، وكثيرا.
ـ هل يختلف القتال كثيرا عن الحبس في المنزل؟
طرحت سؤالها بمرارة. قلت:ـ ربما حبس المنزل أقسى.
بدا يتوضح لي مع الوقت ان كل واحد منا قد وجد في الآخر أملا في
ان يتحرر: أنا من الحرب ، وهي من الحبس. سمعتها تقول بصوت خافت تماما، كما لو انها
تحدث نفسها:ـ أظن ان الحبس أقسى.
ـ ليس هناك مواقف صعبة أو سهلة. هناك ارادة تحمل.
ـ لكن حبس المنزل أقسى كما أظن. الا تظن ذلك ايضا؟
ـ أظن ذلك.
بدا ضوء المساء الطري ينعكس على ظلال النافذة الوحيدة المطلة
على جدار عمارة شاهقة، ورمادية، تظهر عبرها بعض سطوح المنازل.ـ هل يضايقك ان نخرج
في الليل؟
قلت: ـ لا. سنخرج مادامت هذه رغبتك.
ـ هذه رغبتي. أعرف ان بقائي الليلة هنا سيجعلك قلقا جدا ولكنك
ستتحملني على اية حال.
غادرنا الفندق. في الممر التقيت بآزاد. قال بمرح:ـ انت لم تقل
كل شيء. أليس كذلك؟
ـ نعم. تلك حكاية طويلة.
رايت انه راغب في الحديث فطلبت منها ان تجلس قليلا في صالة
الإنتظار وتحت صورة الجبل والحجل: ـ بصعوبة أفهم انك كنت تقف حارسا تحت الثلج قرب
جسر جومان.
ـ لماذا؟
ـ انت لا تبدو خشنا. انا أعرف اي شتاء مجنون في جومان، خاصة
لجندي في المشاة. كنت تتحدث عن الفرن قرب الجسر.
ـ نعم.
ـ ربما تتذكر جيدا حكايته في نهاية المطاف.
ـ أتذكر ان الإستخبارات العسكرية داهمته. كنت عندما يشتد عصف
الثلج الجأ اليه حتى انني نمت مرة فسقط سلاحي على الأرض فالتقطه خباز وايقظني بلطف.
قال ووهج غريب يلمع في عينيه: ـ كانوا قد هربوا قبل المداهمة.
هل السيدة تعرف كل هذه الأشياء المزعجة؟
ردت عليه، باسمة: ـ لا. ولكنها ليست مزعجة.
قال: ـ ولماذا ليست مزعجة؟
ـ لأن شيئاً لم يقع. ولأنها تبدو طريفة الان.
ـ كيف؟
قالت وهي تضحك:ـ ان تكون أنت هاربا منه في الجبل المثلج، ويكون
هو في حراسة الجسر أو في الفرن الدافيء. اليس ذلك غريبا ومثيرا؟
ضحكنا جميعا. قال آزاد إنه سينتظرنا الليلة كي نواصل الحديث.
وسالني اذا كنت أريد الإحتفاظ بمشروب قبل ان يغلق البار في المساء باكرا.طلبت منه ان يحتفظ برأس الجسر وأربع زجاجات بيرة. وأن لا ينام باكرا ويتركني
لزوار الليل. ضحك. رأيتها سعيدة جدا بهذه العلاقة.
قالت: ـ اظن انه
يروق لك كثيرا.
ـ لم لا. اليس غريبا ان تلتقي بشخص كان يجب ان يقتلك يوما أو
تقتله بدون اي سبب ؟
ـ هذا صحيح. هل هذا هو الشيء الوحيد الغريب الذي وقع لك؟
ـ لا.
ـ ماهو ؟
ـ هروبك.
وانطلقنا نحو النهر تحت الأضواء المشعة، رغم أجواء الحرب، وفي
الهواء رائحة ندية لمساء حار، ومنعش:
ـ حاول أن تنسى كل شيء الان.
قلت : ـ سأحاول.
بدا لي ان كل شيء غير مألوف ، وغير حقيقي هذا المساء. المخاوف
الجديدة بدت غير واضحة تماما. من اي شيء نخاف؟ ومن اي شيء لا نخاف؟ صرنا أنا وهي
أهدافا، وصيدا، متاحا للجميع. صار في وسع اي مخلوق ان يطلق علينا النار علنا في الشارع من غير عقاب. الان اكتملت حلقة الحصار حولي. الحرب على الحدود، وفي
داخلها ايضا. اسوأ ما في الأمر ان قتالا شرسا يدور في داخلي، في الأعماق التي ظلت
عصية، ومنيعة، على السحق ، والتمزق:
ـ قلت لك أترك التفكير مؤقتا في الأقل.
كنا نمر تحت جسر الجمهورية في الطريق الى شارع الرشيد. لاح نصب
الحرية مشعا في النور والعتمة الخفيفة والظلال المتعمدة من خلال الإضاءة. تجاوزنا
شارع الخيام وهو شارع فرعي يربط الرشيد بشارع الجمهورية أو الباب الشرقي.كانت
المحلات مغلقة إلا الحانات والفنادق ودور السينما. عبرنا منطقة المربعة . تجاوزنا
شارع البنوك. نقترب من تمثال الرصافي في وقفته المعهودة صوب الضفة الأخرى من النهر. أقتربنا من مقهى البرلمان ثم
مقهى حسن عجمي. خيل الي اني أرى وجوها عبر الزجاج والزمن والعتمة: ـ هل هذه
الأماكن عزيزة عليك إلى هذا الحد؟
قلت وأنا اتأمل
مرايا مقهى حسن عجمي:ـ نعم.
كان الشارع رغم هبوط الليل يغص بحشود المارة. هذا الشارع لا
يقفر إلا بعد منتصف الليل حيث يستولي عليه
ملوك الليل والشعراء والمشردون والفارون من العزلة أو الوحشة والفراغ
والرغبات المحمومة. في طريق العودة ركبنا حافلة الى ساحة الأندلس. كنت أكتشف هذه
الأماكن لأول مرة رغم معرفتي بها. كنت أبحث أكثر مما أتنزه. أحاول الفرار . اريد
أن أنتقم. صافرة إنذار الغارات الجوية. نظرت نحوي في وجوم. قلت لها:ـ لا تخافي.
ـ اي شيء يجعلك تطمئن لغارة جوية؟
كنت في داخلي اشعر اني لن أموت موتا عاما مع الحشود. هذا الموت
بعيد عني. كان موتا سخيفا. كنت أخشى أكثر الموت تحت التعذيب والأحذية. هذا الموت
قبيح ولا كرامة فيه أو بطولة. إنه ذل. وكنت أعتقد ان في استطاعتي ان أختار موتي.
وكم كنت مخطئا. لكن مجرد الشعور باني لن أموت تحت تأثير غارة أو حريق أو طوفان
يملأني بحيوية كبيرة، وطاقة لا حدود
لها.
نزلنا في الباب الشرقي بدل مواصلة الرحلة الى ساحة الأندلس.
مررت على نصب فائق حسن ورأيت الحمامات البيض تطير في فضاء النصب. سمعتها تقول انها
تعبت كثيرا فقفلنا راجعين الى الفندق، حيث كان آزاد خلف طاولة الإستعلامات. نهض
حين دخلنا. قال انه يأمل ان تكون السيدة قد تمتعت بهذه الرحلة. قالت له انها مسرورة. سألنا اين لحقت بنا
صفارة الإنذار. أين وقعت الغارة، واين تعشينا، واي المشاهد كانت أجمل، واي مكان
كنا نحلم به لم نصل اليه؟ لم أجب على اي من هذه الأسئلة وانتظرت ان ينتهي منها
جميعا ، حين قلت وأنا أضع عيني في عينيه بمودة: ـ لو كنت أدري انك مختبيء في ذاك
الكهف اللعين في حصاروست لكنت أرسلت لك قاذفة قنابل ضخمة لتهرس عظامك. ماذا كنت
تفعل في ذلك الجحر اللعين؟
ضحك وتمايل الى الوراء: ـ كنت نائما طوال الوقت؟
ـ فقط؟
ـ لا. وأشياء أخرى.
قلت وأنا أمسك يده بلطف:ـ أنا أعرف تماما هذه الأشياء الأخرى.كيف كنت
تتناول طعامك في ذلك الجحيم الأبيض؟
ـ كان يأتي طازجا الينا من بعيد.
ـ طيب. لن نتحدث كثيرا في هذا الموضوع. هل ستظن ان (زوار
الليل) سيأتون الليلة؟
ـ لا أدري. ربما.
ـ هل تأذن لنا بأن نصعد إلى الغرفة، مع العدة الباردة؟
ـ لقد رتبت كل شيء وستجده في الثلاجة الصغيرة في غرفتكم. هل
تريد العشاء هناك ايضا؟
قلت:ـ نعم. وعلى قمة هندرين .
ضحك بمرح حقيقي. شعرت ان الغرفة دافئة وهادئة ونظيفة. ذلك
الدفء الأليف الناجم من الشعور بالطمأنينة، ومن وجودك مع امرأة تحبها، ومستعد في
اية لحظة ان تموت لأجلها. أما هي فقد لاحظت انها كان ذاهلة، ومسرورة. سرور طفلة
بلعبة جديدة، ومثيرة، وخطرة.كانت النافذة مفتوحة على الليل، وعلى رائحة الأزهار،
والسكون، والسطوح الرمادية لبعض المنازل.
على الحائط سجادة مطرز عليها صورة رجل يمتطي جوادا أسود وبيده
بندقية، وخلفه امرأة تمسك به بقوة. قلعة في الخلف تبدو بعيدة، وغبار يتصاعد من
حوافر الجواد المنطلق. كان من الواضح ان الرجل قد غادر القلعة مع المرأة. في القبة
السماوية ثمة نجوم تلمع، والرجل ملثم، والمرأة محلولة الشعر كما لو انها نقلت من
فراش. يتبع الرجل ، كحارس جواد آخر أبيض اللون بدا رشيقا، وقويا، ومشعا تحت ضوء
القمر.
سمعتها تقول: ـ أليس ذلك عجيبا؟
ـ ماهو العجيب؟
ـ صورة السجادة.
ـ كنت قد فكرت بذلك. اين سر النجاح في عملية الهروب هذه؟
قلت: ـ في الجواد، والبندقية، والليل، والصحراء، والزمن،
والصديق.
ـ نعم. هذا صحيح.
قلت: ـ أعتقد اني سأستحم قليلا. يمكنك الاكل اذا كنت جائعة .
كانت تبدو مسرورة بسجادة الحائط، ومستغرقة فيها أكثر من اي شيء
آخر. كان الحمام الصغير الملحق بالغرفة منعشا، وهادئا، ولذيذا. حاولت ان أمسك بشيء
ما في رأسي فلم اجد. كنت فارغا ومشوشا تشويشا حادا بحيث يتعذر معه التفكير بشيء
محدد وواضح. بدا كل شيء ، على نحو
ما، غير واقعي. ليس سهلا لرجل كان ينام حتى الأمس القريب بين القنابل والحفر
الموحلة والجرذان والخوف، ان يجد نفسه في غرفة مضاءة، ونظيفة مع امرأة يحبها حتى
الموت. هذا التشوش ليس ناتجا من قرار بل من تحطم نظام الأشياء وانهيار كل القواعد.
وجدتني افكر، بلا رغبة او وعي، بأحداث سنوات 74 و 75 ـ في
الجبال.مرت مشاهد ذلك الشتاء الفظيع سريعا: ثلوج ديانا، هندرين، جبال نواخين،
كورك، حسن بيك،هضبة سبيلك، كلي علي بك، مضيق برسلين، قتال اللحظة الأخيرة، الدخول
الى كلاله، الربيع، اخلاء قتلى الشتاء الماضي المدفونة في الثلج فوق جبال زوزك.
اول مرة رأيت فيها جبال زوزك شعرت بمعدتي تنقلب. كانت شاهقة، وحجرية، وقمتها تبدو
مغروزة في قبة السماء . كانت معارك ضارية قد دارت على سفوح هذا الجبل شتاء 74 . ثم
جاءت عاصفة ثلجية، مع هجوم صاخب ، رافقه صراخ ، وقاذفات، ورصاص، وضباب، وريح، فهزم
الجيش تاركا قتلاه من جنود وضباط من بينهم ملازم فهد، وملازم مهدي الذي جاءت زوجته
الى سفح الجبل بعد ذوبان الثلوج في الربيع لتشهد بنفسها اخلاء جثة زوجها التي لم
تشوه تماما بسب الثلج.
أتذكر ان تلك المشاهد قد عاشت معي طويلا دون ان تمحي خاصة هجوم
القاذفات المباغت والصراخ والعاصفة. كما ان قمة الجبل الشاهقة المغروزة في الأفق
انطبعت في ذهني، بصورة حادة. ان صعود جبل زوزك مرير، وشاق، للجنود. حين تصل قمة
وتعتقد انك وصلت النهاية حتى تظهر لك قمة أخرى وهكذا. أتذكر ان بلدة ديانا كانت
مخربة تماما. كانت جدران المنازل والسقوف المحطمة ترتفع الى السماء كأذرع غرقى
.كانت، رغم ذلك، بلدة جميلة،
ومتراصة، وصغيرة، تحت جبل زوزك، حيث يمكن رؤية جبل هندرين المطل على بلدة
راوندوز. تذكرت سحب الجثث ، وعين الماء أسفل الجبل، والقصف المدفعي اللعين الذي
كان يمنعنا من جمع الحطب ، وسفوح نواخين الغارقة في الضباب والدخان وراجمات
الصواريخ عند بوابة كلي علي بيك.
سمعت جرس الباب . كان آزاد قد جاء بالعشاء. سمعتها تشكره وتقول
له اني في الحمام. كنت قد انتهيت من الإستحمام. وجدتها تنتظر وهي تتأمل سجادة
الحائط. كنت جائعا: ـ قال انه يعرف انك تحب الكباب كثيرا.
ـ هو قال ذلك؟ لم اسمعه جيدا. عنده ذاكرة طيبة.
أكلنا بشهية مفتوحة. لم تعد تركز كثيرا على سجادة الحائط ،
وهذا شيء حسن. فتحت التلفاز الصغير
الموضوع على طاولة في الركن. كان يتحدث عن الحرب ، ويعرض صور القتلى. أغلقته
بسرعة: ـ هل رايت قتلى؟
ـ نعم.
ـ هل قتلت أحدا ؟
ـ لا أدري. ربما.
ـ هل تشعر بالألم ؟
ـ أشعر بالعار من هذه الحرب.
ـ هل من نهاية لهذه الحرب ؟
ـ لا بد ان تكون هناك نهاية. لكن حربنا أنا وأنت طويلة؟
كنا قد انتهينا من تناول العشاء، ورايت انها عادت لتتأمل سجادة
الحائط.سألتني: ـ هل تظن انها حبيبته؟
ـ بالتأكيد. هل لاحظت كيف تمسك به بعنف، وشوق؟
قالت، باسمة : ـ هل ستتركني لوحدي ، لو طلبت منك ذلك؟
ـ أرجوك كفي عن هذا الكلام الان.
قالت: ـ أعرف انك مبلبل.
رن جرس الباب .قلت من مكاني على المائدة : ـ أدخل.
لم يدخل. خرجت بنفسي فوجدت شخصا غريبا. قال انه في واجبه الان
ويطلب مني هويتي. عرفت حالا انه احد رجال الأمن وهذه غارة مباغتة لم تعلم بها حتى أدارة الفندق. قلت له ان
يمهلني لحظة واحدة. عدت الى الغرفة وسحبت هويتي الصحفية، بدل الرخصة العسكرية
وسلمتها له. تأملها طويلا، وأعادها مع نظرة طويلة، لكنها غير عدائية كما هو متوقع
من هؤلاء في هذه الأحوال.
سألتني بقلق: ـ من يكون؟
وكنت لا أزل مضطربا من المفاجأة:ـ رجل أمن.
ـ ماذا قلت له؟
ـ أعطيته هويتي الصحفية.
ـ قال لنا عامل الفندق انه سيساعدنا في هذا الأمر؟
ـ الظاهر انه بوغت.
وطرق شخص الباب. جمدنا هذه المرة. حين خرجت وجدت آزادا شاحبا:
ـ هل جاء اليك؟
ـ نعم.
ـ ماذا جرى؟
ـ مر كل شيء
بسلام. حسبت انك بوغت ؟
ـ نعم. حدث الأمر كإعصار. هم يفعلون ذلك أحيانا. هل السيدة
بخير؟
ـ بخير. وتشكرك كثيرا. يمكنك الدخول اذا رغبت.
رحبت به وهي واقفة. قال انه آسف، ومحرج. قال ايضا انهم يفعلون
ذلك أحيانا لكننا لا نستطيع ان نفعل شيئاً. كان يفرك اصابعه بقوة . قلت محاولا تبديل الحوار:ـ هل تريد ان تشرب
معي ايها المتمرد؟
نظر الي بصفاء وقال: ـ نعم حضرة الخفر. هل قلت انك كنت حارسا
على جسر جومان؟ هل هي صحيحة حقا حكاية بغال الإسطبل في أربيل؟
ـ نعم حقا. قلت لك ذلك. هل نسيت؟
ـ هذا اللعين أطار عقلي.
وشربت معه كأسين من البيرة الباردة التي اختارها بنفسه. قال: ـ
سيكون بوسعك ان تشرب ما تشاء الليلة على حسابي. لقد أزعجتكم حقا. لم يترك لي فرصة
كي أبلغك في الهاتف.
ـ هل تستطيع ان تنسى ذلك؟
ـ نعم. ولكنه قد يتكرر .
ـ سنحتاط المرة القادمة.
وسألها بلطف: ـ هل ستبقون ليلة أخرى؟
اجبت: ـ سنبلغك في الصباح.
قال: ـ ارجو ان يكون ذلك قبل منتصف النهار.
والتفت اليها، فجأة، وقال: ـ أعتقد انه يحبك كثيرا. لم اره
مسرورا مثل اليوم.
وسألني: ـ هل كنت في ميركه سور؟
ـ نعم. وفي حاج عمران، وحرير.. الخ..شاهدت ديانا في العام
الماضي.
ـ حقا؟ كيف وجدتها؟
ـ أفضل من السابق على اية حال. لكنها الحرب، ثانية.
ـ أعرف. لقد حدث قتال عنيف في جبال سديكان.
ـ كنت هناك بعض الوقت. خسرنا جنودا كثيرين. وجدت بعضهم قتل على
الطريق العام من المغاوير والقوات الخاصة لواء 66.
ـ هل جرى قتال بالسلاح الابيض؟
ـ سمعت انه دار في بعض المواقع.
ـ هل تعتقد ان هذه الحرب ستنتهي؟
قلت وأنا أرفع كأسي: ـ يجب ان تنتهي في يوم ما. هل تشرب
المزيد؟
ـ لابأس مرة ثانية، لأجلك.
وشربنا مرة أخرى. قال: ـ يجب ان اذهب. اني آسف على الثرثرة.
يمكنك ان تتصل بي ، اذا اردت شيئاً.
ودعته حتى الباب. رأيت ان الممرات هادئة تماما. كانت الساعة قد
تجاوزت منتصف الليل.كانت النافذة لا تزال مفتوحة على الجدار المقابل، وبعض السطوح،
ورائحة الأزهار، ونجوم سابحة في سماء بعيدة. كانت الغرفة دافئة، ومريحة، وجواد
الحائط يعدو منطلقا مثيرا خلفه الغبار والأشواك المتطايرة، والمرأة تمسك حزام
الرجل بعنف، وشوق، كما لو كانت تضمه اليها، بقوة، ولذة ممزوجة بالألم والرهبة والغموض. سمعتها تقول: ـ لا تقلق. سيكون
كل شيء على مايرام في الصباح. الان أغلق عينيك، وكف عن النظر الى الحائط.
وضعت يدها على عيني. غاب كل شيء. لكني سمعت المطر يهطل في
الخارج كما سيظل يهطل في كل مكان على وقع حوافر خيول هاربة تحت ضوء القمر على
سجادة حائط فندق مقبرة الشعراء.
***
مطر يهطل في طهران، على نوافذ اسلام اباد، في بودابيست، الدار
البيضاء، دمشق، ستوكهولم، كوبنهاكن، بيرغن، أورستا، ستافنكر، الصويرة، بغداد،
البصرة، امستردام.. لكنه ليس مطر فندق سيوان. انه مطر الخيول الهاربة من قلاع
الموت والحريم الى البرية تحت ضوء قمر. حين رويت هذه الحكاية مرة واحدة واخيرة لكريستينا قالت: ـ لا تكذب. هذه
واحدة من حكايات الف ليلة وليلة. زمن الخيول الهاربة والحبيية المخطوفة على ضوء
القمر لا توجد الا في الحكايات. انظر أخذ الثلج يهطل على بيوت بيرغن؟
***
استيقظت في الصباح والشمس تملأ النافذة ، وكنت أتصور انني لا
أزال في الجبهة، لو لا الفراش الناعم، والنظيف، ورائحة الغسيل فيه، وسكون الغرفة.
تذكرت كل شيء. أصابني ذعر لأنها لم تكن موجودة. حين ناديت عليها جاءني صوتها من
الحمام. بعد لحظات خرجت مشعة، لامعة، والماء يقطر من شعرها.قالت وهي تجفف شعرها: ـ
هل خفت؟
ـ نعم. كيف نمت
الليلة؟
ـ نمت نوما مريحا. سمعتك تتكلم في النوم؟
قفزت من السرير : ـ هل قلت اشياء تافهة؟
ـ لا. كنت في الحقيقة تنوح نواحا طويلا.
ـ هذه عادتي دائما. يقولون ان الذي يئن في النوم أو ينوح سيموت
قريبا. هل سمعت بذلك؟
ـ سمعت، لكني لا أصدق. هل تصدق أنت؟
ـ لا. هل طرق أحد الباب هذا الصباح؟
ـ قال آزاد انهم ينتظرون جوابا منا حول ما اذا كنا سننام
الليلة هنا أم لا.
ـ ماذا قلت له؟
ـ قلت له عليك ان تنتظر قليلا. هل تحب النوم حتى الظهر دائما؟
ـ لا. ولكن النوم في فراش نظيف، ومرتب، لا يتكرر دائما لجندي
في الخطوط الأمامية. هل يضايقك ان أنام حتى الظهر ؟
ـ ابدا. كنت تبدو طفلا ضائعا في السرير.
كنا نتجنب الخوض في الموضوع. كنا، في الواقع، نتهرب منه: ـ
وماذا سأقول للرجل حين يأتي مرة أخرى؟
أجابت بلامبالاة: ـ قل له أي شيء.
ـ ماذا يعني ذلك؟
ـ قل له اي شيء. لقد انتهى كل شيء بالنسبة لي وتقرر مصيري منذ
الليلة الماضية. كل الحلول تشبه
بعضها بعد اليوم.
وجلست على حافة السرير قربي: ـ ما معنى ان مصيرك تقرر ؟
ـ لقد افتقدوني ليلة أمس. بحثوا في كل مكان. تأكد لهم اني هربت
معك. هذا كل شيء.
ـ هل هذا يكفي؟
ـ نعم. يكفي. أنا أعرفهم جيدا.
ـ ما العمل إذن؟
ـ ساواصل الهروب.
ـ الى اين؟
ـ الى اي مكان في الأرض.
ـ لكن الحدود مغلقة.
وقرع جرس الباب. قلت: ـ أدخل.
قال آزاد وهو يلقي تحية الصباح: ـ يبدو ان حارس جومان نام نوما
عميقا.
ـ أنت تعرف أيها
العقيد المحترم....
قال مقاطعا: ـ لاتقل ذلك أرجوك. عقيد وآمر وحدة مشاة وسكير في
مناطقنا. حين يسكر في الليل يوعز لجنوده في الربايا بالرمي العشوائي على نوافذ
البيوت المضاءة للإزعاج.
ـ حقا؟
ـ نعم.
ـ وماذا فعلتم معه؟
ـ انا لا أعرفك جيد الآن. ولكنك كما أظن لست منهم.
قلت باسما: ـ كيف عرفت؟
ـ لا حظت انك كنت مضطربا من رجال الأمن.
ـ انت شخص ذكي. هل يعجبك لقب الجنرال؟
قال: ـ لا. لقد سمعت من الناس ان ذلك العقيد قد جرح في كمين
وان بعض جنوده قتلوا.
ـ هل كان هذا هو العقاب؟
ـ لا ابدا. هذا ظلم. لكن الناس لا تفكر بهذه الطريقة في تلك
اللحظات.
ـ هذا صحيح.
ـ هل يعجبك لقب آمر هيز ؟
ضحك:ـ ولا هذا. لا أحب الألقاب .
ـ ما معنى آزاد؟
ـ قلت لك معناه
الحر. او الحرية.
ـ اذن سأناديك بعبد الحر بعد اليوم.
ـ إذا رغبت. قل لي الآن هل ستبقى الليلة هنا ؟ يجب ان تبلغ
ادارة الفندق.
ـ نعم.
ـ اذن ستبقى. هل تريد الإفطار هنا أم في المطعم؟
ـ اسمع ياعبد الحر: قلت لي انك عرفت انني لست منهم. هذا صحيح.
لكن كيف أعرف انك لست منهم ايضا؟
ـ هذا حق. يمكنك ان تثق بي كثيرا. هل قلت شيئاً بخصوص الطعام؟
قالت هي :ـ أفضل تناوله في المطعم.
ـ هكذا أحسن، ايها الحرس القديم على جسر جومان. دع السيدة تقرر
أيضا. هل تتذكر جيدا هدير الماء تحت جسر جومان في الليل؟
ـ كان الشيء الوحيد الذي أخافه أكثر من الموت.
وضحك: ـ كنا نعرف ذلك.
ـ وتعرفون؟
ـ نعم. هناك صخور كبيرة تحت الجسر يرتطم فيها الماء المندفع من
الجبال العالية من جهة محطة اذاعة مدمرة بعد انسحاب سنة 75 السريع. هل تذكر ذلك؟
ـ أتذكر جيدا. حين طاردناكم خلف الجبال العالية. وعثرنا في سجن
رايات على مشنوقين. اين كنت في تلك الأيام ؟
ـ كنت في الإنسحاب الأخير. كانت اياما مريرة بالنسبة لنا.
شعرنا بأننا بلا أصدقا.
ـ كان يجب ان تعرفوا ذلك من قبل. هل تغيرت الامور الان؟
قال: ـ لا أدري.
ـ هل يروق لك اسم عبد الحر؟
وكان لا يزال يعيش ذكرى الانسحاب الاخير سنة 1975 فقلت مازحا:ـ
كان يجب ان تمنح ميدالية الشجاعة على ذلك.
ـ على الإنسحاب؟
ـ نعم الإنسحاب.
ضحك بجلجلة قوية: ـ ولهذا السبب تركتم صحراء سيناء.
ـ أنت الان آمر هيز حقيقي.
انصرف تاركا مسحة من المرح في جو الترقب والقلق والحيرة.قالت
بعد ان خرج:ـ إذن سنبقى هنا ليلة أخرى.
قلت: ـ هل هناك حل آخر؟
ـ لا يوجد أي حل.
بدت هذه المرة ذاهلة، ونائية:ـ ما الذي يشغلكِ الان؟
ـ أفكر في المصائب الكثيرة التي مرت بكَ. اني آسفة على كل شيء.
يمكنك ان تفعل ما تريد. لقد عشت ما يكفي من المشاكل.
ـ شيء واحد يشغل بالي الان. أجازتي توشك على الإنتهاء بعد ايام
وهذا يعني انني لا أستطيع البقاء معك والا أصبحت في عداد الفارين وسأعدم كأي جرذ
وأرمى على مزبلة.
ـ أعرف ذلك جيدا. لقد أعدموا حسين علي في ملعب البلدة ورموه
فوق المزبلة.
ـ سمعت بذلك.
ـ قلت لك لن يهمني أي شيء بعد اليوم. حققت حلما قديما في ان
أعيش حرة ولو لبضعة ايام. لن يحدث اسوأ مما حدث. ان الحبس اسوأ من الموت. في الموت
تموت مرة واحدة.
ـ اسمحي لي من فضلك في النهوض إلى الحمام قبل ان نذهب الى
المطعم ثم لا أدري الى اين.
ـ هل أنت حزين أو خائف؟
ـ فات الأوان على هذه المشاعر. يجب ان نواجه نتائج خيارنا
الصعب. بالنسبة لي فان شيئاً جديدا لن يقع. أنا أتنقل كما تعرفين من السجن الى
الحرب كما تتنقل الفراشة من زهرة الى أخرى. في أوقات السلم يضعونني في السجن. في
أوقات الحرب يرسلونني الى القتال. مهما كان الحال فان هذه الايام معك كانت رائعة.
ذهبتُ الى الحمام. كنت اعتقد انني في هذا المكان سأشعر بحرية أكبر في التفكير، كي
نخرج من هذا المأزق. لكن صور الحرب سيطرت علي مرة أخرى. يبدو انني لا أستطيع
الخروج من حرب الا لكي اقع في اخرى ، اسوأ. لكن هذه المرة وقعت في الحرب الشاملة.
هذه المرة ستكون هي الحرب الوحيدة التي أستطيع الموت في سبيلها، بطيبة خاطر. لا
أدري اين يكمن الفوز في هذه الحرب؟ اين تقع الخسارة؟ هل شرف هذه المعركة في
غايتها؟أم في نتائجها؟
كنت أستمتع بالماء الدافيء على جسدي. كان في وسعي ان أشاهد
جسدي وقد نحل كثيرا ، كلما طال أمد الحرب. كنت أظن، في الخنادق، ان الحمام هو
المكان الوحيد في العالم الذي لا توجد فيه حرب أوقنابل. ان الحرب الطويلة تخلق
أنواعا غريبة من المشاعر غير مالوفة في الحياة اليومية . لم يكن حماما في الواقع،
بل كان نوعا من الشرود الذي لا يمكن الحصول عليه في اي مكان آخر إلا هنا. كان نوعا
من الهرب والحرية والعزلة.
بعد الطعام غادرنا الفندق. كان النهار مشمسا، ورائقا، والسماء
مشرقة، وغيوم بيض مرتحلة ، وأسراب من الطيور تنحدر نحو النهر. عبرنا نحو شارع
السعدون. بدأت رحلتنا من سينما بابل في اتجاه الباب الشرقي، ومن الجانب الآخر
للشارع. مررنا بسينما سميراميس. تذكرت مقهى صغيرة تقع بين السينما وشارع السعدون
في درب فرعي متاخم للسينما. هنا كنا هاربين في سنوات 78 و 79، قبل أن أسجن بعد
حملة بوليسية شرسة.
واصلنا المشي ، بعد أن تجاوزنا محلات كثيرة ودار سينما أخرى، حتى وصلنا كازينو
تقع قبالة تمثال السعدون. كانت الكازينو فارغة في تلك الساعة من النهار. لكنها
تمتليء في المساء. بعد الكازينو سينما أخرى، وحانات، ومطاعم. من بعد وصلنا مكتبات
الباب الشرقي. ثم محل شهير للمرطبات: ـ أشعر انني متعبة قليلا.
ـ هل ترغبين الجلوس هنا في المحل؟
وافقتْ. كان المحل يواجه الشارع عبر مرايا زرق شفافة تجعل انعكاس الشمس في
الشارع أقل حدة. كان يظهر جزء من نصب الحرية لجواد سليم.موسيقى ناعمة تسيل على
الجدران، والطاولات، والمقاعد، واللوحات الطبيعية التي تشكل معظم جدران المحل.
قالت انها رأت في التلفزيون اعلانا عن المحل. .كنا نتناول المرطبات حين سألتها،
فجأة: ـ هل يمكن الزواج منك الآن بطريقة قانونية.
ـ لست بحاجة لذلك. أنا متزوجة منك الآن وأشعر انك زوجي وهذا
يريح ضميري. ماذا ستفعل الأوراق؟
ـ ليس أكثر من وثيقة أمام القانون.
ضحكت بطريقتها الطفولية:ـ كم يبدو مضحكا حين تتحدث انت عن
القانون. هل تعتقد انه يوجد قانون في هذا البلد؟
ـ لا أعتقد. ولكن في الأقل لإسقاط صفة كوننا هاربين.
قالت بملامح جادة، وبنظرة مستقيمة: ـ حتى هذا لن يكون. يتطلب
الزواج عقد طلاق أولا. هذا لن يتم الا بموافقة الزوج والأهل. نحن في نفق مسدود.
اضافت:ـ هل تشعر ان علاقتنا تحتوي على شيء من العار؟
ـ أبدا. أنا أفكر في خوض المعركة.
مسكت يدي بحنان:ـ ألا تكفيك كل هذه المعارك؟
لم أجب.كان المكان بهيجا، وهادئا، ومنعشا، والموسيقى تكاد ان
تكون همسا. على طاولتين جلس بعض الشبان مع فتيات مبتهجات.سررنا كثيرا. كان ذلك
جميلا، ولطيفا، ومسالما. وعلى خلفية مشاهد الحرب في الذاكرة كان كل هذا يبدو غريبا
ومتخيلا.قلت: ـ أعتقد ان علينا ان نحترس اكثر.
ـ نعم. هم الآن كثيران هائجة.
ـ وان نقلل من الظهور العلني في الشارع.
فكرة الظهور العلني في الشارع سبق وان طرحتها على أثر مطاردة الأمن وها هي تعيد نفسها مرة
أخرى. ماذا يعني كل هذا؟ حين تريد ان تكون نفسك تطاردك الشرطة. حين تختار المرأة التي تريد يطاردك الجميع. حين
لا تريد ان تذهب الى الحرب يحكمون عليك بالإعدام ويأخذون ثمن الرصاص من
أهلك.سمعتها تقول ، بصوت عاد واهنا:ـ أعتقد اننا يجب ان نعود الى الفندق.
كان صعبا ان انتزع جسدي من ذلك المكان الهادئ الى صخب الشارع،
والشمس الحارة رغم رائحة الربيع. كانت تمشي وسط الزحام مجفلة، ومتيقظة. فكرت ان
هذا يجب ان لا يدوم. ولكن كيف؟ دخلنا الفندق الذي بدا لي المكان الوحيد الذي يسمح
لنا بالنوم فيه. كان خوفي من نهاية الإجازة يكبر.قالت انها تشعر بالتعب. سألتها
اذا كانت تريد الصعود الى الغرفة كي تنام. قالت انها فعلا ترغب في النوم. قالت:ـ
يمكنك البقاء هنا أو الذهاب الى اي مكان آخر اذا اردت.
ـ هل يضايقك ذلك؟
ـ لا. سأنام.
تركتها تصعد وعدت أتجول في الشوارع، علىغير هدى. من النهر فاحت
الرائحة التي تخلفها الشمس والطحالب وأعشاب النهر. كان الجسر غاطسا في النور،
والطيور تتابع طيرانها الزلق، البطيء، الهادئ، فوق الماء. من مكان قريب سمعت
المارشات العسكرية تدوي، صاخبة. مرت شاحنات مطلية بالطين وشبكة الغش مسرعة في
الشارع. أما الأشجار فقد كانت رشيقة، ولامعة تحت الضوء، ومتراصة، ومطلية جذوعها
بالألوان. لم أكن أتجول. كنت أبحث أو أهرب. كانت الساعة تشير الى الثانية بعد
الظهر. دخلت حانة يمكن من خلالها
رؤية النهر والجسر والشارع والأشجار. دخلت من أجل قضاء الوقت ومحاولة تنظيم مشاعري
المضطربة. في الداخل سمعت شخصا يناديني. كانت الحانة مزدحمة ، والدخان كثيفا،
والأصوات مختلطة: ـ ألا تسمع؟
والتفت:ـ هذا أنت؟ كل هذا ولا يزال عنقك منتصبا؟ قلت ضاحكا.
قادني الى حيث يجلس في ركن يطل على الشارع. قال وقد بدا
مسرورا:ـ رأيتك تعبر الشارع كثور مصاب بطلق برصاصة في الرأس. هل من كارثة ؟
وقبل ان أجيب، أضاف: ـ ولا ابن كلب رغب في ان يجلس معي. قل لي
هل يبدو على وجهي اني لقيط أو لص أو قاتل هارب من السجن؟
ـ نعم يبدو ذلك.
ـ اذن من حقهم. هل تشرب شيئاً؟
ـ نعم.
ـ هل عندك نقود؟
اعطيته . انصرف الى
المشرب. صحت خلفه: ـ لطيف، لحظة أرجوك.
وحين جاء، قلت:ـ هل تريد مزيدا من الشرب ؟
ـ طبعا اريد. هل
تريد ان تأخذ النقود معك الى جهنم؟ الهجوم على وشك أن يبدأ .
قلت له، هامسا، ان يخفض صوته. اعطيته نقودا اضافية. همست في
اذنه:ـ هل تريد ان تحتفظ بعنقك سالما أم سئمت منه؟
رد ضاحك: ـ هو عنق لو مصيبة.
انصرف الى المشرب. تعرفت على عبد اللطيف الراشد هنا في شارع
السعدون قبل شهور. قال لي انه قضى حياته مشردا بين الباب الشرقي والنهر وشارع
السعدون. قال انه لم يتشرد في شارع الرشيد بعد.
***
في النرويج وصلتني رسالة منه يقول فيها بلهجة تنضح مرارة،
وحزنا، بانه جائع، ومريض، ومشرد. قال ايضا انه انتقل، في تشرده الجديد الى شارع
الرشيد في هذا الحصار بعد ان قضى حياته مشردا في السعدون في الحرب.
***
عاد من المشرب حاملا زجاجات البيرة مع المازة . وضعها على
الطاولة وجلس وهو يشتم البارمان الذي قال عنه انه لص. بحلق في وجهي كما لوانه
اكتشفني فجأة ، وقال:ـ تبدو مصعوقا. هل وقعت مصيبة؟
ـ هل تستطيع ان تكون هادئا لحظة واحدة.
ـ اسمع البارحة قال لي شخص انه رآك مع امرأة هنا. هل هذا صحيح؟
ـ نعم.
ـ كيف حدث هذا؟.أين وجدتها؟
وأضاف دون ان ينتظر: ـ أفضل شيء يفعله المرء هذه الأيام ان
يتزوج أو ينتحر. هل تفهم؟
ـ لم أفهم.
ـ اعتقد اننا جميعا سننقرض في هذه الحرب أو في حرب أخرى.
ـ أرجوك تكلم بهدوء.
رفع كاسه واضاف:ـ هذا نخب عنقك المنتصب حتى الان.
قلت:ـ هل يمكن ان نتحدث لحظة واحدة؟
ـ تفضل. متى سترجع للجبهة؟
ـ قريبا جدا.
ـ هل هي زوجتك حقا؟
ـ انها أكبر من ذلك.
ـ لم أفهم.
ـ تزوجنا بدون رغبة الأهل.
ـ في المحكمة.
ـ لم نحصل على أوراق قانونية.
ـ إذن تزوجتها في الجامع؟
ـ لا.
ـ إذن في الكنيسة؟
ـ لماذا لا تكف عن هذا الهذيان؟
وارتفع صوته ضاحكا وقد ثمل:ـ قل لي أرجوك. هل تزوجتها في
دبابة؟
ـ في الفندق.
صرخ كالملدوغ: ـ فندق؟
***
صوت كريستينا وهي تقود القارب عارية يقطر الماء من جسدها كصوت
خارج من غابة، أو صراخ برية ماطرة، وهي تغني وتستدير من منعطف صخري متوهج بالنور
والماء والظل والسكون المشع. كانت تردد على شكل اغنية مرتجلة بعض مقاطع
قصيدة(رغبة)الشاعرة الفلندية إديت سودرجران:(من كل عالمنا المضاء/بالشمس،كل ما
اطلبه هو مقعد في حديقة).
***
بحلق في وجهي بعينين جاحظتين: ـ كيف حدث هذا؟
قلت:ـ حاولت الزواج بكل الأماكن التي ذكرتها، لكن ذلك لم يتم.
احتاج الى منزل.
ـ افهمك تماما الان. لا يمكن ان تهرب من الجيش. أنت تعرف ان
الطرق كلها مغلقة. انت تعرف انني مشرد وبلا منزل.
ـ أعرف.
قال في صحتك ورفع كأسه: ـ لست أدري ما يجب ان يقال.لكن الا
تستطيع ان تهرب معها خارج الحدود؟
ـ كل الحدود مغلقة
ـ أعرف ذلك.
***
تواصل كريستينا قيادة القارب والغناء والضحك والمرح، ونحن نعبر
ممرا جبليا ربما عبره يوما قراصنة الفيكنغ وهم في الطريق الى البحر او الحرب. قلت:
(دم اسلافك يجري فيك). ردت علي بمقطع اخر من قصيدة سودرجران( مذبحة الورد):آه كم
أتوق لأن أكون/ حيث يمكنك أن تشهد/ الطريق الى الفردوس والجحيم.
***
شربنا كثيرا حتى صارت الساعة الرابعة عصرا. قلت:ـ يجب ان أذهب
الآن لأنها في الإنتظار.
ـ ولكن هل ثمة خدمة أخرى أستطيع أن اقدمها لك ؟
ـ حافظ على عنقك.
سألني:ـ أي فندق
تنام فيه؟
ـ سيوان.
ـ أعرفه.
ـ إذن مع السلامة.
رافقني حتى باب الخروج. عندما خرجت من الحانة كانت قد بدأت
تمطر. كان رذاذا ناعما جعل الأشجار أكثر سطوعا ورائحة الأرض قوية، تلك الرائحة التي لم أستطع شمها في الجبهة
لأن الحواس مشغولة، وعاطلة. كنت أسرع بخطاي نحو الفندق. حين دخلته ذهبت مباشرة الى
المصعد. امام باب الغرفة في الطابق الخامس توقفت ، فجأة، وقد اجتاحني خوف مبهم .
خوف غامض من وقوع جريمة في الغرفة. خوف من وجود مترصد. ضغطت على جرس الباب وسمعت
أقداما راكض. كانت قد فتحت الباب هلعة، محلولة الشعر، شاحبة.كان وجهها تالفا كما
لو كانت في صراع مع قوى كبيرة، غامضة. قلت: ـ ماذا حدث؟
تركتْ الباب مفتوحا ومضت أمامي دون كلام.قلت: ـ هل حدث شيء ؟
ـ لا.
ـ يبدو انك منهكة تماما.
ـ اعرف. لكنك تأخرت.
ـ هل قلقتِ عليَّ؟
ـ نعم. خفت من وقوع شيء.
قلت : ـ أنا ايضا راودني ذلك. آسف على ذلك. هل انت جائعة؟
قالت: ـ تغديت في المطعم.
ـ هل ترغبين في شيء الان؟
ـ لا. كنت أنتظرك فحسب.
قلت وقد جلست على حافة السرير :ـ بحثت عن مأوى لنا فلم أجد.