الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 
 

الحروب السعيدة

(  اللامفكر فيه)

2003 ـ 2006

 

المجد لك أيتها الليالي، أيتها الأيام../المجد لك يا بلادي.../ انا عبد الحميد، جندي مشاة من سلاح المشاة عشت أخيرا في مستشفى معسكر الرشيد، بالضبط في قسم الجملة العصبية.

 

أقف كعينة أمام طلاب علم النفس الصغار، يدرسون جنون عظمتي، يدرسون صلتي بالشمس وزحل والمريخ، انطلق باسم مردخ وزفس ومثراس،

أخرج لهم أوراقا من محفظتي الصغيرة كأوراق سيبيل

أخرج لهم قرون الاسكندر وعشبة كلكامش

عظيما كأعظم دون كيشوت

سعيدا بمدني الفاضلة

أيها الرعاع

أيها الأتباع

أنا نابليون بموسيقى العودة من المنفى

عودوا معي الى المسرح

لنمثل أدورانا في الحياة.

الحياة هنا لا تشبه الحياة هناك.

 

ـ قصيدة الحروب السعيدة،الشاعر رعد عبد القادرـ دع البلبل يتعجب،1996ـ

ـ لوحة الغلاف (الصرخة) للرسام النرويجي أدوارد مونش، وقد سرقت من المتحف.

1

نهرب ونسمى أبطالا، نخون ونسمى منقذين

 

يبدو ان عملية الصدمة والترويع التي بدأت بها الحرب، خلقت على مستوى آخر، عملية صدمة عقلية في ذهنية نماذج من المثقفين الذين كانوا يعانون من اغتراب مزدوج:الأول:اغتراب مكاني.والثاني: اغتراب في الوعي.ونماذج اخرى لا تنفع معها لا الصدمة ولا حتى المسح الكلي للبلد كي تفيق على وعي جديد خارج نسق القيم الذي تعلمت التفكير من خلاله رغم ان الكتاب الفرنسيين مثلا جعلوا من(الخواء) فلسفة ورواية ولوحة وثقافة ومدرسة أدبية.

ومن  بعض كتابات المثقف العائد إلى الوطن، أو الوطن المنفى، ظهر جليا ما كنا نقوله(ولا نزال نكرره باصرار وتعمد) عبر سنوات من الكتابة المتواصلة، في مناخ صعب وملتبس وضبابي في اننا بحاجة إلى ثورة ثقافية وعقلية وفكرية في النفوس والعقول والهوية أكثر من حاجتنا إلى انقلابات أو حروب أو كوارث تطيح بالباقي من مجتمع منقرض أو يوشك.وكانت هذه الدعوة تواجه ولا تزال باحتجاجات سياسية من قبل ذات المثقف السياسي الذي شهد تاريخ علاقته بالجمهور دورات ومنعطفات ومراحل تتراوح بين:ـ تقديس الجمهور، ومن ثم تقديس أخطاء الناس، بناءً على ذهنية تحتفل بكل ما هو( جماهيري) لأسباب سياسية وليست فكرية، يقف في الصدارة منها المحاباة والتكسب والحزبية وتملق الأذواق العامة وكان ثمن ذلك باهظا في كل التاريخ السابق واللاحق.ـ أو مثقف، حين يصدم بما وصلت إليه الأمور، لأنه كان يعيش على مستوى الوعي، وعلى مستوى الأحداث، في شبه غيبوبة، يشرع الآن في التشنيع على جماهير (الغوغاء) التي فاق سلوكها الخيال وصار (أغرب من الخيال) كما كتب أحدهم مرة.

 

مثقفنا الحزبي او السياسي يعشق الخانات والوصف والخزن والحفظ في مجتمع تربى على ذلك:فمن كان جده وزيرا في القرن الهجري الأول فإن سلالات العائلة وحتى يوم القيامة ستحمل اسم الوزير، ومزرعة الوزير، وشارع الوزير والخ وهلم جرا.ومن كان جده يعرج على اليمين أو اليسار ستحمل كل سلالات العائلة لقب الأعرج. ومن كان جده الأول الذي سافر مع النبي نوح في السفينة اعورا، ستحمل كل السلالات لقب بيت الأعور. ومن الطريف هنا أن اذكر مثالا عن نوعية حجز البشر في خزائن وغلق الباب عليهم وحرمانهم في حقهم في ان يكونوا على غير ما هم عليه: اطلعني صديق طفولة منتصف السبعينات على تقرير رفعه اليه رفيقه الشيوعي وهو يزكي له احد الأشخاص من طالبي الانتماء. يقول التقرير حرفيا:(ان فلان الفلاني شاب طيب ومهذب ولكن جدته لامه كانت تعاني من خفة في مراهقتها!) واذا عرفنا ان هذه الجدة المسكينة متوفاة قبل عشرين سنة من ذلك التاريخ، وانها من مواليد القرن التاسع عشر، وهذه الخفة حدثت في بداية القرن العشرين، نكتشف حجم البلوى. ومعروفة حكاية ذلك البائس الذي ضرط فهرب واختفى من البلدة كلها وحين عاد بعد ربع قرن وسأل عن اسم المنطقة هذه فقيل له: منطقة أبو ضرطة!

 

وهذه لا تحدث في مجتمع يفور بالحداثة والتكنولوجيا والتطور ولكنها طبيعة العقل المشرقي عموما والمجتمعات التقليدية الساكنة القائمة على الاجترار والتكرار والاعادة.هذا المثقف المصدوم اليوم (بخراب الجماهير) بعد ان خزنها في صورة وعقيدة وهرب واغلق عليها الباب، وهو يراها عبر الشاشات أو الأخبار أو الرسائل، أو على أرض الواقع وهو عائد إليها من منفاه، لم يكن يرى، إذا كان يرى شيئا، غير جماهير متخيلة مقطوعة الصلة بالأرض، تماما مثله: كان يراها عبر الكتب، وليس مهما أن يكون داخل/ خارج الوطن، فنحن جميعا كنا في منفى حتى في منازلنا.

 

هذا هو سر دهشة هذا المثقف المهجور والمبعد والمقصي والواهم وهو يشاهد اليوم علامات الكارثة في الوطن، لأنه أصلا كان يعيش ليس في منفى مكاني فحسب، بل في منفى عقلي، أو بتعبير علم النفس اغتراب عقلي:كنا نعيش في وطن بودلير، وماركس، وكافكا، وبريتون، وفرويد، وجيفارا الى اخر سلالات المنافي.

 

هذا المثقف الذي كتب ما كتب طوال سنوات لم يكن يساوره أدنى شك في فحص فرضياته أو مراجعة منهجه في التفكير(إذا كانت هذه الفوضى الذهنية لها علاقة بالمنهج)، بل انساق خلف أجنحة خيال مبتور، وخلف صورة مرتبكة أو متصورة أو متخيلة عن واقع عراقي مفترض يتطابق تماما، كما يظن، مع تصوراته الذهنية،فوقع، اليوم في ورطة أو صدمة ترويع أخرى حين رأى(إذا كان قد رأى جيدا كل الصورة، لأن من طبيعة هذا العقل الاختزال الرغبوي، أي رؤية ما يحب وما يرغب) الصورة المضطربة للمجتمع وللإنسان العراقي في ضوء هذا الخراب الجديد، أو الذي بدا جديدا له مع انه خراب تاريخ مغلق وثقافة منهارة.

 

كتب هذا الصنف من (المثقفين) طوال سنوات بلغة جازمة حازمة يقينية لا تحتمل الشك أو التأويل أو البحث أو القلق المعرفي. في تفكير هذا الصنف من المثقفين يعتبر القلق المعرفي، وهو مصدر الحداثة الفكرية، مرضا، وحساسية مرضية. لو كانت المسألة قد توقفت عند حدود التفكير الفردي ورسم صورة شخصية عن مجتمع لهان الأمر، بل أنه حوّل هذه التصورات والأوهام إلى قرارات، ودفع جمهوره بلغة قهرية حادة باترة إلى تحويل قناعاته الفردية إلى قناعات عامة تصلح، كما آمن، أن تكون مشروعا وطنيا للتغيير.

 

مع الخراب القديم،كان موقفه هو الأخطر، لأنه كان يتكلم باسم المستقبل، وتحت عناوين براقة، ويتحدث بأحلام وردية، ويخاطب جمهورا متخيلا، متصورا، اكتشف في النهاية أنه ليس ذاك الجمهور الذي كان يحلم به، وجيش الجيوش من أجله، أو هكذا كان يدعي، بل ان هذا الجمهور، كما تشهد كتابات هذا الصنف هذه الأيام، هو جمهور "مزدوج" أو تجمع "لصوص" أو من أصحاب الأفكار "الظلامية" كما لو ان هذا الجمهور خرج الان من التاريخ الى الواقع.وحسب أردأ النماذج:(الشعب العراقي يحب القذارة لكن الجندي الأمريكي الشجاع ينظف خلفه ثم يوسخ العراقيون من جديد)كما كتب احد أحفاد الاسخريوطي .ولا ندري لماذا يقوم هذا الجندي المحتل بتنظيف الشارع ولا يقوم به جيش من العاطلين العراقيين الذين يتكئون على الحيطان ويضعون أقدامهم عليها طوال النهار في انتظار ممل حتى ينطبق عليهم الوصف الجزائري للعاطلين: الحاطيست.

 

 يبدو هذا الصنف من الكتبة كما لو انه أخذ على حين غرة، أو أفاق من نوم طويل، أو على وطن آخر لم يكن يعرفه. وفي هذه النقطة يتساوى مع الطاغية:فكلاهما عاشا في وطن يجهلانه تماما، وهذه واحدة من مفارقات الحالة العراقية المليئة بالمفارقات.

 

وهؤلاء هم خليط من يساريين تائبين من الطبقة والثورة والاشتراكية أو أنصاف مقاولين، او من عدميين بسبب الانتظار والسأم وتفسخ الخلايا، او من ابرياء صرعهم الحنين والذكرى وطول الأمل، أو من مجتهدين وقعوا في أخطاء التفكير ولهم مع ذلك اجر من الحزب او السلطة رغم نزيف الدم.لكن أهم هؤلاء واكثرهم جدية هو عدو الإمبريالية القديم، الذي دار بنا سنوات، ومراحل، وصرنا في كتاباته قطع شطرنج، وجرب علينا كل أنواع الويلات والبرامج،جاء ليقول لنا اليوم ان الواقع هو غير ما تصوره، وان الحقيقة على الأرض تختلف عن الحقيقة على الورق. ولسنا نعرف هل نحن شعب أم أرانب اختبار؟

 

لكن تبقى شهادة هذا المثقف(الاختزالي) ناقصة ومشوشة، ومضطربة، وملتوية،فهو لا يزال يظن، عن قناعة أو جهل، ان هذا التخريب في البنية النفسية هو نتاج سلطة الأمس فحسب، لا شريك لها في الجرم العلني(الاحتلال) الذي رآه الناس عبر الصور وعلى الأرض وفي الوقائع والشهادات العلنية والمفتوحة، ولا في تاريخ التخريب عبر قرون، وكنا نردد عبر سنوات كالنشيد الوطني:ان الطاغية ليس سلطة فحسب، بل عقلية وذهنية، وطريقة تفكير، ووجهة نظر..الخ.

 

هل هو منطق اختزال الحقيقة في مشهد أو رمز أو صورة أو موقف أو حقبة أو حالة عابرة، الذي أدمن عليه ومارس تفكيره من خلاله عبر مراحل طويلة، أم هو الغرام الجديد بالرأسمالية الأمريكية في طورها المتوحش؟ وقد يبدو هذا الموقف لمن يحسن الظن أو يقرأ قراءة عاجلة هو نتاج موقف فكري، وفي واقع الحال ليس كذلك، لأن من طبيعة الفكر أن يترك النهايات مفتوحة ولا يغلق حقل الاحتمال أو المقاربة بحيث يظل كل شيء قابلا للإضافة والنمو والتطور والشك.

 

 إنه موقف سياسي من مثقف مهزوم خانته الأحداث، وخانته الايديولوجيا، وخانته الجماهير لأنها تجاوزت وعيه، سلبا أم إيجابا، وخانته ثقافته السطحية التي لم تسعفه في أية قراءة لا للحاضر المليء بالشواهد والشهود، وهو لا يرى إلا شهوده، ولا للمستقبل الذي هو خطواتنا الآن.كيف يحسن قراءة الزمنين إذا كان يعاني من هول غربة عقلية قد لا تسعفه في الاهتداء حتى على صورته في المرآة أو التعرف على المكان الذي يتواجد فيه يوميا؟ هذا المنفى العقلي هو أخطر المنافي لأنه الوحيد الذي لا فكاك منه، أو خروج منه، وكل المنافي تشيخ أو تهرم .

 

يقدم هذا الصنف نفسه، أو يعرف رأسماله الرمزي، أو مقالاته، على انها بحث عن المستقبل أو قراءة للواقع، وهو في واقع الحال لا يبحث إلا في وهم ، ولا يقرأ إلا في سراب وكل همه هو الركض خلف الاخبار اليومية والتعليق عليها وهي كما نعرف غزيرة ومتناقضة ولا تحتاج الى تعليق بل تفكيك، وهذا ليس من أهدافه، بل ليس واردا في عقله لأن هذه مهمة المثقف النقدي المعرفي الذي يشكل وجوده في هذه الفوضى كوجود كلب في جامع بدون حفظ الفارق أبدا. وهذا المثقف النقدي ان لم يسكت، فإن مؤسسة التشغيل لا تتركه عاطلا عن العمل: فهو إما انه عميل أو جاسوس أو يتحرك بقوى من الخارج، وان لم يكن كذلك فهو إذن أو "اقلا " خصي، أو مجنون لكي يصمت نهائيا حفاظا على ما تبقى من كرامة جريحة.

 

من هنا تأتي دهشة(المثقف)العائد من صورة الواقع العراقي اليوم لتعكس غربتين:ـ غربته هو عن نفسه، وعن عقله، أي الاغتراب العقلي.ـ وغربته عن واقعه، وهي غربة سياسية وفصام ذهني بلبوس الوعي السياسي. هذه الغربة يختلط فيها الذهني بالمكاني في مزيج غريب لينتج "المثقف"الحائر في صحراء لم تعد تنتج أنبياء بل امتلأت بالجيوش وفرق المرتزقة والارهابيين والمقاومين والضحايا وكل تناقضات التاريخ والجغرافية .

 

الذهان العقلي هو أخطر أنواع الذهان أو الاغتراب حين تتحول الصور الذهنية المتخيلة إلى مقالات وكتابات ودعوات وحروب ومشاريع وورط ومآزق وويلات وطاولات تتطاير من مقهى عزاوي لأن المدلل زعلان. وهو، وهنا الفظاعة، يجد مخرجا لورطته بعد كل فشل وفي كل مرة يمارس تجربته على جمهور منهك ومغتصب وحزين، كما لو كان يشتغل في حقل تجارب للفئران وليس على جماهير معذبة. صحيح اننا جميعا لسنا ملائكة، ومن يعيش في ظروف ناقصة لا يمكن أن يكون مثاليا بتعبير ماركس، لكن اعادة انتاج الأخطاء بالصورة والصوت واللون والرائحة ليس خطأ انما منهج في التفكير.

 

لم لا؟ واللغة العربية قادرة على إيجاد كل المخارج وأبواب الطوارئ الخلفية لمن يريد الهرب من غفلته أو التنصل من مسؤوليته خاصة في مجتمع عراقي لم يتعلم بعد محاسبة سياسي في السلطة أم خارجها على أخطاء مصيرية كبرى أهدرت فيها ثروات ودماء وأحلام لكنه قادر مثلا على محاسبة راعي غنم لأنه لم يهرب خارج الوطن في زمن عراقي صار فيه الهرب بطولة وعلى قول انسي الحاج:نريد ان نهرب وان نسمى أبطالا، ونخون ونسمى منقذين.

 

 عن هذا الصنف من(المثقفين) يقول الاستاذ عبد الإله بلقزيز في كتابه الهام(نهاية الداعية):(نحن في الحالين ـ إذا ـ إزاء صنفين من المثقفين: إزاء مثقف شعبوي، يقدس الجمهور، ويمحضه الولاء، ولا يتصور التاريخ، والتطور، والتغيير، إلا مقترنة به.ثم إزاء مثقف نخبوي يحتقر "العامة" ويمارس التشنيع على وعيها"المتخلف" ولا يتصور التاريخ إلا فاعلا "عاقلا" تمارسه بالنيابة نخبة "ملهمة"!. الفوارق بين الصنفين وافرة: يتتلمذ الشعبوي على الشعب، فيما يتعالى النخبوي عليه...) الخ.

 

 لكنهما في النهاية المنطقية يحلمان بدور( رسالي، سياسي، خلاصي) ويلعبان دور وكيل الجمهور أو ما تبقى منه أحياء أو عقلاء بعد أن مارسا عليه كل أنواع الشناعات في كل الحقب. يذهب هذا النصف من " المثقفين" العائدين إلى الوطن، عودة رمزية، أو فعلية، إلى حد تصوير هذه "العودة" على أنها عودة كلكامش إلى الأرض الأم. وهنا تبدو صورة الانتفاخ المرضي، وإهانة الجمهور(الجمهور المعذب والمغيب والمكابر والمهان) واضحة جلية علنية مفتوحة. فكلكامش كان باحثا عن معنى الموت والحياة والمصير وكل الأسئلة الوجودية الكبرى، ولم يكن ساذجا على هذا النحو المؤلم ويخطئ في قراءة الأحداث. كما ان زمن نضال(النخبة الملهمة) انقرض حتى في العراق حين تساوى الجميع(بما في ذلك الجلادين) في عدد القبور والموتى والصواريخ والامراض والخيبة والمجهول.

 

هل هي صورة ساخرة مضحكة حين يصور مثقف مهزوم بلا دور حقيقي أو مشاركة أو فاعلية نفسه على أنه أسطورة؟ وماذا كان سيعرّف نفسه لو أنه فعلا حارب واسقط هذه السلطة بنفسه، والعالم رأى كيف بدأت وانتهت الأمور؟. تنعدم كل أشكال المرونة العقلية عند هذا الصنف من"المثقفين" المقهورين،لأن الخصاء العقلي، حسب علماء النفس، يلغي المسافات بين الألوان والاحتمالات والمواقف والصور، ويتحول كل شيء من خلال الرمز أو المعنى أو الزاوية التي أعطيت له، فهو لا يرى إلا ما يريد أن يرى. وهذا هو العمى الفكري بأدق صوره.

 

هذا المثقف الخلاصي النبوئي الرسالي المنقذ يُصدم، وهو يرى، لأول مرة، مجتمعا يعج باللصوص، والبغايا لأنه كان يعيش في اليوتوبيا الفردية، أو في حالة العمى العقلي.انه يرى ضحاياه، بصورة من الصور، الذين كان قد اعد البرامج لخلاصهم  وظهر انه يجهلهم عبر سنوات طويلة من تأملهم وهو يتأمل الفراغ والوهم والسراب والضباب.

 

نعم، هناك اليوم لصوص وبغايا وبورديلات(لا يتحدث هذا الصنف عن جرائم المحتل كأن الوطن صار وطن البغايا واللصوص العراقيين فقط وهذه طبيعة العقل الاختزالي) وأسواق حريم يقف فيه طابور من النساء للبيع كما وقف طابور من المثقفين لبيع أنفسهم وقيمهم الرمزية،رأسمالهم الفكري والثقافي لأجهزة دولية مقابل ثمن هو أقل بكثير من سعر الحريم اليوم.

 

من هو الضحية هنا؟ الفتاة القاصرة التي تبيع جسدها لكي تعيش، أم المثقف الذي أجر خياله الوطني وتركها وحيدة أمام جيش من العزاب والمثليين والفقراء الذين هم ايضا ضحايا ضربوا بضحايا، أي ان الدولة الغول تصارع بأدوات القهر لمنفعة الشركات العابرة للقارات ؟ وكيف نستنكر سوق الحريم، إذا كان هذا السوق قد تأسس مثله في عالم الثقافة؟

 

وكيف نحاسب صبية تبيع جسدها في سوق النخاسة، إذا كان صانع أحلامها الفكرية والرمزية ومنتج المعاني والقيم الفكرية، مناضلها ومثقفها الذي انتظرته طويلا، باع موقفه السياسي في سوق نخاسة دولي؟!وهل يتطلب كره طاغية الوقوع في غرام آخر؟ لماذا ندين امرأة تبيع جسدها من اجل الخبز، ولا ندين مثقفا يبيع رأسماله الفكري من أجل المنصب أو المال الذي لا يحتاجه حاجة ملحة؟

 

لماذا إذن نحاسب مثقفين كتبوا في العراق تحت فوهات المسدسات وتهديد الموت أو العيش في قبو رطب مظلم مدى الحياة اذا صار خصومهم يكتبون اليوم في(منتهى) الحرية وامامهم شعب يموت في الشوارع من الارهاب والطائرات التي تقتل خطأ؟!الم يكن هؤلاء ضحايا ومغتصبين مثلهم مثل كل الضحايا ماعدا زمرة منتفعة ومعروفة؟

 

العلاقة عضوية ومتينة بين هذين السوقين: سوق النخاسة الثقافي هو الذي أسس سوق الأجساد. وإذا كانت هذه الأجساد تئن تحت ثقل المشتري المحلي، فإن أجساد زمرة من أهل القلم تئن تحت ثقل المشتري الأجنبي لكن على ثقافة ووجهة نظر.

 

هل الفارق هو في السعر؟ أم في هوية المشتري؟ أم في مكان السوق؟ أم في ان الحريم تغتصب بصمت وكتمان على وسادة مطرزة بالزهور البيض دون قدرة لغوية على تبرير هذا الاغتصاب وتحويله إلى ممارسة "نضالية" من أجل التغيير؟ فمن أين نأتي بشرشف أحمر لسرير المدلل؟!

 

2

البطل الضحية

 

كان عنوان هذا المقال الأصلي هو(عودة البطل المهزوم) لكن المؤلف السري أو المؤلف الآخر الخفي هو الذي وضع عنوانا مقترحا(البطل الضحية)وتصرف الروائي على حساب الكاتب وفرض شروطه. وأعترف بأن هذا العنوان هو الأدق لأنه يحمل تلك الثنائية التاريخية التي تقسم العالم إلى أضداد، وتعجز، عجزا عقليا صلبا عن اكتشاف تلك المساحات الشاسعة من الألوان التي تخلق جسورا بين الأضداد، وتبني علائق منطقية بين المتناقضات.

 

 والمثقف العائد إلى الوطن عودة فعلية أو رمزية، أو في الطريق إليه، هو نموذج لثنائية البطل أو الضحية،أي الكائن الذي لا يقبل أن يكون شخصا ثالثا، لأن(الشخص الثالث) خارج حلقة التفكير الذاتي المفرغة.

 

إن تاريخ هذا المثقف(البطل أو الضحية) هو تاريخ السياسة العراقية، أو تاريخ الفكر السياسي الذي رسخ هذا النموذج المعياري في الثقافة السياسية، وصار تقليدا اجتماعيا وأخلاقيا وثقافيا لا يرقى إليه الشك، وغير قابل للفحص كأنه ولد معنا أو أنه ظاهرة طبيعية كالمطر أو الريح أو الظل.فنحن، في عرف هذا التقليد القبلي، البدائي، إما أن نكون أبطالا أو نكون ضحايا، وليس هناك أي خيار بين هذه الثنائيات، لأن العقل الثنائي لا يحمل صورة مغايرة مختلفة عن هذه الحدود الذهنية المرسومة.

 

وتقليد البطل أو الضحية هو تقليد قديم في حضارة بلاد النهرين أو في الحضارات الأخرى يوم كانت الآلهة، قبل الرئيس الأمريكي، تقسم الناس إلى أخيار وأشرار، أو أبطال أو قرابين:في التقليد الموسوي كان الكاهن يطلب ماعزين واحد للذبح الطقسي والآخر لكي يطلق في البرية حاملا خطايا المدينة. وكان الاغريق يطوفون برجل وامرأة في الشوارع وهم يضربونهما بالحجارة والأغصان ثم يطردان خارج المدينة، وبهذا تكون المدينة قد غسلت خطاياها. وفي التقليد البابلي والسومري كان القربان شخصا أو حيوانا، وقد أشار القرآن إلى ذلك من خلال حادثة محاولة النبي إبراهيم ذبح ابنه كقربان للرب فعوض في كبش.

 

وتقليد( كبش الفداء) أو الأضحية أو القربان لا يزال سائدا في مناطق عراقية واسعة على شكل ذبيحة أو صحن شموع عائم في النهر في مناسبات دينية محددة(انتظار الخضر، مثلا، لأن تقليد الانتظار على ضفاف الأنهار هو عادة عراقية قديمة).لكن الأخطر هو أن يتحول كبش الفداء من تقليد للذبح الطقسي الديني إلى تقليد للذبح السياسي، وتاريخ القرن السابق هو شاهد حقيقي على ذلك.

 

لقد أنجزت الحداثة الغربية أكبر مكتسباتها الفكرية حين دخل الفكر البشري في المناطق المحرمة أو المعتمة وتم توسيع دائرة البحث العقلي والشك المنهجي وسلطت الأضواء لأول مرة على الطيفية والتعددية والوفرة والثراء في الألوان والمواقف والأفكار والعقول واكتشف العلماء التعدد الهائل في الجينات الوراثية الأمر الذي أعاد الجدل العريق عن حرية الإنسان الحقيقية أو المقيدة بفعل عوامل وراثية. لم تعد، بكلام أدق، ثنائيات البطل والضحية، الوطني وغير الوطني، الكافر والمؤمن، ثم الرجال وأشباه الرجال ثم انصافهم ..والخ.. هي السائدة في فكر الحداثة، بل حل بدلها التعدد واللونية والثراء والقزحية ولا نهائية المتناقضات والألوان الرمادية.

 

 لكن هل استطاع العقل السياسي العراقي تجاوز سجنه التاريخي والخروج إلى فضاءات التفكير الحر، أي إلى ساحة الحرية والخيال الإبداعي، أم أنه ظل أسير تلك الثنائيات التافهة التي لم تعد قادرة على تفسير أية ظاهرة بشرية أو طبيعية أو تاريخية، ومتابعة نشرات الأخبار ومطاردة الوقائع اليومية دون القدرة على ضبط القوانين الأساسية المحركة لقوى المجتمع؟ 

 

إن الجواب الدقيق هو أن هذا العقل لا يزال أسير أوهامه القديمة التي حفرت داخله أنفاقا وعادات صار من المتعذر في الظرف الراهن الخروج منها إلا على نحو فردي. هذا العقل أدمن هذا النمط من التفكير ولم يعد قادرا، حتى لو أراد على الخروج من هذا الحبس العقلي، فهذا القيد غير المرئي هو شبكة صلبة من عادات وتقاليد فكرية عضوية صارمة وقد يكون جواب انشتاين هو الأدق حين سئل عن سر إبداعه المتواصل فأجاب:ـ تخلصت من العادات العقلية.

 

 هذا العقل الثنائي السياسي لم يعد قادرا مثلا على التفكير إلا من خلال ثنائيات محددة كالسلطة والمجتمع، أو الوطن والمنفى، أو الحرية والقيد، أو الجنة والنار، أو العقاب والثواب، أو الآخر وأنا ...الخ... وعلى هذه الصورة تحذف كل المناطق الهائلة التنوع في الحياة. إن هذه الطريقة في التفكير هي رؤية دينية في الأصل والمنشأ. فلا يحتمل العقل الديني  مساحات أخرى للتناقض غير الثنائيات المعروفة.

 

 نحن في هذا التقليد إما أبطالا أو ضحايا، أو إما أبطالا أو جلادين، ولا فراغات أو مساحات أو فضاءات أخرى. ومن أين تأتي المساحات الأخرى إذا كان العقل عاطلا، وجهاز الرؤية مشوشا، والنظر الفكري مثبتا على منطقة واحدة تعرض لنا ثنائية الأسود والأبيض وتحذف كل الألوان؟إن ثنائية البطل أو الضحية يجسدها نموذج المثقف السياسي العراقي الذي عاصرنا طوال  نصف القرن الأخير وهو النموذج الحزبي، حتى لو لجأ يوما أو مرة إلى الأدب للفرار من بقايا الدور بما تبقى من عمر، فكتب حكاية بوليسية هنا بصبغة سياسية أو رسم لوحة بائسة هناك تصلح لأن تكون واجهة متجر للعلف، فالكذب في الأدب عمره قصير من حسن الحظ، وعمره طويل مع الأسف في السياسة.

 

هذا النموذج الذي عاش وترعرع وتربى على الثقافة السياسية والحزبية على مدى أكثر من نصف قرن كان يجد في كل حقبة مبررا لكل إخفاقاته السياسية الجدية أو انهياراته الشخصية ويخرج من كل الهزائم الشنيعة التي يدفع الجمهور ثمنها دما وثروة وتشردا، بطلا بلغة حزبية تبرر كل شيء.

 

حتى وهو يتقمص دور الضحية المهزوم فهو يصوّر نفسه أو يعرف نفسه على أنه الضحية/ البطل. فهو لا يتخلى عن صفة(البطولة) حتى في أشنع الهزائم التي تكفي في دول متحضرة فيها تقاليد سياسية أن تقدمه إلى القضاء بتهمة التسبب في جرائم سياسية أزهقت فيها أرواح الأبرياء حتى لو كانت هذه الأخطاء السياسية، كما يعرفها هو أو يتنصل منها، هي:ـ أخطاء المرحلة ـ أو أخطاء التاريخ ـ أو أخطاء الاجتهاد ـ أو أخطاء  الحزب.ـ أو أخطاء الآيديولوجيا... الخ وهلم جرا.

 

حتى حين يهرب هذا النموذج فهو يصور هذا الهروب على انه بطولة، حتى حين يعجز عن التفكير فهو يفسر هذا العجز على انه إنهاك من سنوات النضال(نضال ضد من؟) التي أرهقته، وحين يطرح في كل حقبة مشروعا (حضاريا) أو (تاريخيا) حسب فهمه الهزيل للحضارة أو التاريخ، ويفشل المشروع ويذهب الناس بسببه إلى السجون أو المنافي أو المقابر، فهو يخرج مثل الشعرة من العجينة من الأبواب الخلفية ويعود لنا بطلا أو ضحية في حقبة تالية بدون حياء أو خجل، حتى حين يصاب بكل أنواع الانحرافات فهذه المساوئ تصور على أنها أخطاء سنوات النضال السلبي ونسيان الجسد لصالح القضية، حتى حين يعود مع جنود الاحتلال فهو يعود منقذا. هو دائما يبرع في خلق العنوان المناسب في أحلك الظروف وفي أقسى الهزائم، وكل شيء يغسل باللغة.

 

 بعض هذه النماذج، وهي كثيرة، سكت طوال فترة وجوده في المنفى عن السلطة، وكرس حياته لمطاردة الناس بالثنائيات التافهة المعروفة، لكنه نشط فقط بعد سقوطها فاندفع بأقصى سرعة ليتصدر الواجهة كأننا بلا ذاكرة. هذا النموذج المتقلب وغيره كلفنا كثيرا من الأرواح والأثمان الباهظة التي لا تعوض أبدا. لكن المشكلة الكبرى أو الطامة الكبرى هي أن هذا النموذج الذي يعرف نفسه في كل مرحلة على أنه(سياسي أو مثقف) لا يصمت أو يعتزل بعد كل جريمة سياسية أو تقدير مدمر أنتج مصائب مهلكة(كما هو الأمر في تقاليد شعوب الأرض وبأخطاء عابرة أحيانا كانهيار جسر أو سقوط عمارة مثلا)، بل يخرج علينا في نهاية كل حقبة، كأن شيئا لم يكن، ليتزعم مرحلة جديدة ورهانه في كل مرة هو أننا بلا ذاكرة، أو أن تقاليدنا السياسية والفكرية والأخلاقية  تغفر عودته الجديدة التي يختار هو عنوانها بنفسه.

 

وهو لا يقبل بتوزيع الألقاب على نفسه فحسب بل يوزعها على الآخرين، لأنه هو مصدر الحقيقة، والعارف الوحيد في مملكة الذاهلين، والناس  حسب تقسيمه الثنائي السطحي العتيد: إما أبطالا أو ضحايا أو خونة أو جلادين...الخ..فهو دائما في المكان الصواب، وخصومه دائما في المكان الخطأ، وهذا قدره لأن الآلهة أو الأقدار أو التاريخ قد أعطاه هذه المهمة الربانية كمنقذ لشعب ينتظره منذ عشرات القرون فعاد هذه المرة مسيح العصر ليزوج بنات شعبه من جنود الاحتلال. هكذا صارت لغة الايديولوجيا ترقص كأفعى الكوبرا على انغام العازف.

 

حتى في الخطأ المهلك فهو خطأ الملاك، وأخطاء الخصوم هي أخطاء الشياطين. إن ابن الرب العراقي هذا آن الأوان لطرده من حقل الممارسة السياسية والفكرية ولو بالأحذية. ومن أمثلة مساخره التي مرت بلا حساب أو مراجعة أو توقف أو إعادة نظر نذكر بعضها وليس كلها فهي معروفة للجميع:ـ في الخمسينات والستينات والسبعينات اقترح علينا هذا النموذج الفكر الاشتراكي القومي أو الماركسي، وحين انتهى وهمه إلى حمام دم، كما حصل في نهاية السبعينات، هرب من الوطن، ودمغ الجمهور بالتراخي وعدم النجدة أو في الأقل عدم الهروب معه لأنه(المعيار) في كل شيء، في التحالف، وفي الهروب، وفي العودة، وفي الحياة، وفي استجلاب الجيوش الخ. الخ.

 

وهكذا تناسلت الثنائية التافهة مرة أخرى وكالعادة وفي كل حقبة: صار الناس بين صنفين الذين هربوا، وهم طبعا من الأبطال، والذين لم يهربوا من الوطن وهم من صنف آخر، وحتى هؤلاء تم تصنيفهم إلى أصناف: الذين هربوا في السبعينات، أو الذين هربوا في الثمانينات، أو التسعينات ...الخ.. ولكل صنف تسمية خاصة به وطريقة تعامل وبطاقة سفر في قطار السياسة حسب تاريخ الهروب. وبدل مراجعة النفس والفكر على هذه الأخطاء خرج من أبواب الطوارئ الخلفية وصار بطلا حتى في هروبه، أو ضحية في فراره من معركة التاريخ الكبرى أو منقذا في عودته مع جنود الاحتلال(أو دور الخبير والمروج) الذي ظهر أنه لا يعرف عن وطنه هو أكثر مما يعرفون هم.

 

ـ وفي حقبة تاريخية أخرى اقترح علينا هذا النموذج مشروعا جديدا هو التعاون مع السلطة الفاشية بأمل أن تكون(تقدمية) فصارت أكثر كلبية ووحشية ولم تنتقل من فكر( البرجوازية الصغيرة) إلى مواقع(الثورة الوطنية الديمقراطية) كما توهم، فتحالف معها، وخانته، وفر، فصار هذا الفرار بطولة تاريخية كتب عنها الكثير وصوّر لنا قدرته الخارقة على التملص من رجال الشرطة أو الهرب عبر المطارات وهو يرتدي طاقية إخفاء، ونسى الجموع التي تركها تنزف خلفه في السجون والطعن والحروب والجوع والاذلال...الخ..والويل كل الويل لمن يقول له على عينك حاجب يا ملك .صار، كالعادة، هو البطل الوحيد في مقبرة التاريخ الكبرى.

 

ـ وفي حقبة أخرى اقترح علينا الكفاح المسلح، لكنه حين فشل والقي عليه القبض أنهار وساوم وخضع لكل شروط الخوف، وصار داعية متجولا للسلطة التي هشمته وأخذ يسبح باسمها في المحافل الدولية أو في الصحف وفي غيرها. أما الذين قتلوا في السجون، والذين قتلوا من التشويه، ضحايا مشروعه السياسي الصبياني، فلقد لحس عليهم أصابعه ولا من شاف ولا من سمع.

 

 ـ  تحول ، في الحقبة الجديدة، إلى مفكر جديد، أو داعية جديد، حامل مشروع جديد: هذه المرة خرج علينا بثوب الطوباوي أو الكاهن أو المصلح أو الثوري والليبرالي ودعانا لاحترام الاحتلال، وكما كان يكتب على الحيطان شعاراته السابقة على غرار( أوقفوا الإرهاب) صار يكتب اليوم بذات العناوين الآمرة:(أوقفوا الوافدة الطالبانية) أو:(استفيدوا من فرصة الاحتلال التاريخية)...الخ.

 

وفكر السرايا أو الأوامر ليس فكرا، بل هو النقيض للعقل المعرفي القائم على البحث والشك والسؤال والقلق الفكري. إنها شعارات حيطان لا أكثر ولا أقل.  وفي كل مرة أو حقبة يحمل الألقاب الكبيرة والضخمة. وهذا التقليد الكهنوتي في الألقاب الذي يمنح للخطاة حتى في الأخطاء الكبرى، أو الذين دافعوا عن حريتهم الشخصية، هو تقليد سياسي عراقي صرف.

 

 أمامي كتاب ـ غير مترجم ـ هو يوميات للصحافي النرويجي بيتر مونيس وهو كاتب وصحافي  القي عليه القبض خلال الاحتلال النازي ووضع في زنزانة وفي ظروف مميتة وفي 6 سبتمر سنة 1944 حملته باخرة إلى ألمانيا وغرقت الباخرة في الطريق فمات بيتر.بعد التحرير وجدوا أن بيتر مونيس كان قد كتب، حفر، يوميات رائعة ومدهشة وحزينة وممتعة بعود ثقاب وعلى ورق مراحيض وخبأها تحت خشب الزنزانة. ولو سالت مواطنا هنا عن رايه ببيتر لكان جوابه:ـ بيتر مونيس دافع عن حريته ونحن لا نصفق لكل طائر يطير أو شجرة تثمر أو غيمة تمطر.

 

لا بطولة في الأمر، لا ألقاب(المجاهد الكبير، المناضل الكبير.. الخ)، يوجد فهم متحضر للسياسة ومعنى دقيق للبطولة. لكننا نصفق حتى للذين مارسوا رياضة التزحلق على أجسادنا في كل الحقب، لأن السياسي العراقي، هو البطل أو الضحية، أو البطل في الحالتين. هذا السياسي المدلل، الملائكي في الأخطاء الكبرى والصغرى، هذا المشرّع الوحيد في معبد الكهنة أو معبد التاريخ، هذا الطوباوي أو المهرج، هذا البطل الأبدي، والضحية الأبدية، البطل في فراره، أو في مشاريعه التاريخية والحضارية، هو الضحية حين يهرب أو يفلت أو يدعو مرة أخرى لمشروع جديد، وهو البطل الوحيد في تاريخ لا ينتج غيره، هذا الكائن لا يمكن أن يمارس أحلامه ونزواته وأوهامه القاتلة في أي مجتمع متمدن فيه تقاليد سياسية رصينة وفيه بشر عقلاء. هذا النموذج لا يزدهر إلا في مناخ سياسي وثقافي عراقي جاهز ومعد وغير متوفر في أي مجتمع آخر.ليس فقط الحاكم المستبد هو من يمارس كل مشاريعه القاتلة على الجمهور كما لو كان أرانب اختبار دونما حساب، بل السياسي الذي يعرّف نفسه وصورته ووظيفته على أنه النقيض، هو أيضا مارس ويمارس اليوم كل نرجسيته السياسية بلا حساب كذلك. في الحالتين المؤسسة الوطنية غائبة.والمصدات الفكرية والقانونية غائبة.والثقافة الوقائية غائبة.

 

الحاضر الوحيد في كل حقبة هو:ـ فكر الحراسة.ـ فكر الوصاية.ـ فكر البطل أو الضحية أو فكر الثنائيات.ـ فكر النخبة الملهمة التي لا ترتكب إلا الأخطاء المقدسة ولو كان الثمن هو الدم والوطن والمستقبل.

 

لا عصمة من الخطأ أبدا خاصة في السياسة لأنها نشاط بشري في ظروف ناقصة، لكن أخطاء الفرد الشخصية تختلف عن أخطاء السياسي التي تصيب الجموع، كما أن هناك فرقا بين أخطاء الإكراه أو الضغط، وبين أخطاء الرغبة والإرادة، بين أخطاء الغفلة، وبين أخطاء الاستهتار.فلا عجب  أن يحلم الدكتاتور في العودة اليوم، كما حلم مثقفنا الملهم هو الآخر في العودة، وهو الذي مهد له الطريق سابقا، عبر الأخطاء والممارسات" الملائكية"، وهو الذي سيمهد له الطريق، مرة أخرى، للعودة ولو على صورة أخرى، عبر التجربة والخطأ، وعلى جماهير كتب عليها أن تعيش في مختبر تجارب أقل احتراما من فئران التجارب، أما الأخطاء الكبرى، فكل شيء تغسله اللغة قبل الصابون.

 

3

مكتشفو السراب

 

في شهادات كثير من العائدين من الوطن صدمة تنطوي على ذهول كبير حتى ان أحدهم كتب أمس يقول انه في الطريق إلى المنفى الجميل وانه يحلم في الوصول إلى ثلوج النرويج البيضاء النقية الآمنة هربا من الوطن المنفى.

 

لا شك ان أحلام هؤلاء صادقة ونظيفة وعادلة ونقية بل أكثر نقاوة من الثلج،وشهاداتهم هي شهادة مخلوقات فجعت بأحلامها وأيامها وانتظارها الطويل.لكن أين كان هؤلاء الذين يبدو انهم اكتشفوا القمر اليوم أو اكتشفوا السراب يوم كنا نقول على مدى سنوات طويلة، بل نصرخ بلا تعب ولا ملل ولا كلل، ونحن نواجه بالزعيق والرفس والدخان والدفوف، كنا نقول ان هذا الوطن خرابه الداخلي أكبر من خرابه الخارجي؟ وكنا نقول ان التحرر الداخلي أولا. وكنا نقول ان بعض هذه الأحزاب هي شركات لصوص.وكنا نقول ان :الوسط الثقافي والسياسي يضم أكثر نماذج العالم جهلا بأوضاع بلدهم.

 

وكنا نقول ان حقبة ما بعد سقوط الوحش ستشهد سرقة كل شيء في الوطن بما في ذلك أشجار وأضرحة وقبور وثروة وحقول وقناطر وشهداء وجبال وسهول وخيول الوطن الخ ..الخ(صفحة 238 من رواية" عزلة أورستا" الصادرة سنة 2001). وكنا نقول في مقالات كثيرة وعلى نحو متواصل، وسط الضجيج، والجهل، والغطرسة، والأمية، ان هؤلاء سيعيدون (فتح أبواب السجون بدل فتح أبواب الأمل مرة أخرى) وإذا كنتم أنتم(تمثلون المستقبل فستكون جلودنا أحذية لجنرال قادم) ."رواية سنوات الحريق".. الصادرة عام 2000. وكنا نقول:(هؤلاء سيعيدون كتابة التاريخ مرة أخرى بل سيصنعونه. لقد أخذ التاريخ شكل البورديل) ـ رواية عزلة اورستا في الصفحة 245.

 

اليوم أقرأ مندهشا كتابات المراجعة وإعادة النظر وفتح سجلات المسكوت عنه ونقد العقل العراقي ونقد المجتمع والأحزاب حتى من بين أولئك  الذين كانوا يصرخون خلفنا كي لا يسمعنا أحد، ويقذفون الرماد في وجوهنا كي لا نرى بوضوح، ويضربون الطبول في كل مكان كي لا أحد يصغي إلى أحد ومن بين هؤلاء زميل وكاتب كان يكتب معي في صحيفة(الوفاق) لمدة سنوات زاوية ثابتة شرع هذه الأيام، هو الذي كان يتطير من كتاباتنا، بفتح النار (بعد خراب البصرة) على المجتمع والثقافة والتاريخ والذاكرة والهوية والأحزاب وصار، مثل غيره، يطالب بمراجعة أعمق.

 

لماذا يطالب هؤلاء اليوم بعد كل هذا الدم والموت والذل والخراب والأخطار القادمة الرهيبة بإعادة النظر في كل شيء بعد ان اكتشفوا ـ مسحورين ومندهشين ـ ان هذا المجتمع لا يشبه المجتمع الذي كتبوا عنه أبدا؟ هل هذا الشعب الجريح مختبر تجارب لسياسيين أبالسة وكتاب جهلة؟

 

وبدل ان يبدأ هؤلاء بنقد الذات ونقد أدوات المعرفة ذاتها شرعوا بعقلية مقاول مرة أخرى في نقد سطحي لمجتمع وتراث وبنية سياسية أسسوها هم بأنفسهم على مدى سنوات. مكتشفو السراب هؤلاء هم تحفة هذا الزمان العراقي ويحتاجون إلى متحف خاص بهم. مفكرو زمن الخراب يحتاجون إلى أوسمة على هذا الذكاء الفاقع. هؤلاء أسرع موجة انقلابية في العالم حتى على صاحب القارب إذا تطلب الأمر. هؤلاء الذين أسسوا هذا الخراب بحاجة إلى جائزة جديدة تعطى للكتاب الذين "يكتشفون" أنهم كانوا يتحدثون عن مجتمعات ليست مجتمعاتهم، ويكتبون عن عالم (سياسي) مصنوع من الكلمات القادمة من الكتب أو من مرجعية سياسية مستعارة.

 

مكتشفو السراب هؤلاء لا يصدقون أنفسهم لأنهم يعرفون جيدا انهم عاشوا غرباء في وطن غريب وهذه هي المرة الأولى يلتقون فيها بوطنهم صدفة في منعطف طريق كما يعثر المرء فجأة على صورة طفولته داخل ركام من الأحذية والجثث والأنقاض. هؤلاء لا وطن لهم غير الكلمات. هؤلاء لهم دهشة اكتشاف الوطن ولنا مسيرات تشييع الموتى الذين قتلتهم الكلمات التجريبية قبل الرصاص في مختبر الشعب الفأر.

 

4

سلطة المثقف وسلطة الفقيه

 

تشكل ظاهرة احتجاجات المثقف على الفقيه اليوم ظاهرة ملفتة للنظر كما لو ان المثقف العربي يكتشف لأول مرة ان هناك طرفا يمتلك سلطة الكلام او الخطاب وفي بعض الاحيان يمتلك السلطة المتعددة الأشكال سواء سلطة اللغة أو سلطة التشريع أو سلطة سياسية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

 

وكما تلفت ظاهرة الاحتجاج هذه النظر، الا انها ايضا مؤشر على خاتمة حزينة لسلطة المثقف الذي هو عكس الفقيه لم يعد، كما لم يكن يوما، يملك لا سلطة اللغة ولا سلطة الخطاب ولا سلطة سياسية بصورة مباشرة أو غير مباشرة ايضا. فلكي يكون الخطاب "سلطة" يجب ان يكون مقروءا ومؤثرا وعدا ذلك يبقى بضاعة بلا سوق مثل أي خطاب متروك.

 

ومثل أي انبهار يبدو المثقف العربي وكأنه فجع بمخلوق غريب يقرر في شؤون الموت والحياة والدنيا والآخرة، مع ان هذا "المخلوق" كان عبر كل القرون يقرر في هذه الامور وفي غيرها سواء كان ذلك من خلال اندماج سلطته الدينية بسلطة سياسية أو من خلال التسويات التي يبرع في اقامتها مع كافة انواع السلط وهي كثيرة ومتنوعة.

 

هذه التسويات(الصفقات) مستمرة حتى اليوم وهي تقوم على هذه القاعدة: تضمن السلطة أمن الفقيه وحمايته، على أن يقوم هو بدوره بالسكوت عنها أحيانا، أو تسويغ افعالها أحيانا اخرى على أن تترك له بعض الثقوب لاثبات الوجود أو في الاقل كونه حيا: لأن السكوت الدائم موت كما انه يعني شيئا أهم قد يكون الاحتجاج وهذا ما لا تريده السلطة لأن من مصلحتها أن يتحرك الفقيه في بعض مساحات الهوامش كي لا يقطع صلته بالجمهور، وهذا الجمهور قد يحرن يوما فتستعين به على هذا العصيان.

 

لذلك يشكل كلام الفقيه في الهوامش اليومية ضرورة لكلام قادم في قضايا ملحة تهدد السلطة . من هذه المنطقة يُترك للفقيه سلطة الحركة والقول في قضايا كبيرة احيانا لكنها لا تشكل تهديدا للنظام السياسي كما وانها لا تنفعه الان. هذا الحضور الدائم للفقيه هو حضور في قضايا خارجية، وغياب عن قضايا داخلية: هذه هي صفقة المغبون بين السلطة وبين الفقيه اليوم كما كانت بالامس. وسكوت الفقيه ليس هو نفسه سكوت المثقف: سكوت الأول هو خطاب وليس سهوا، لأن هذا السكوت يتضمن الموافقه خاصة وان جمهوره يعرف قيمة كلامه في هذه المنعطفات. الوجه الآخر لهذا السكوت يعني عدم الممانعة وان تضمن احتجاجا خافتا لكنه احتجاج لا يرقى الى مستوى اللغة، لان الجمهور تعود على ان يكون كلام أو فتوى الفقيه بواسطة لغة، خطاب.

 

اذاً هو حين يصمت يسوغ أولا، أو يتظاهر بالسهو ثانيا، وهو ليس بريئا في الحالتين. وكما انه ليس بريئا في السكوت، فهو ليس بريئا في التواري. هو حين يتوارى عن الانظار لا يتوقف عن ممارسة السلطة ـ بالمعنى المعرفي للسلطة. كما السكوت موقف، التواري موقف. انه نوع من الاعتكاف وهو مختلف تماما عن عزلة المثقف التي لا تعني احدا غيره.

 

أما صمت المثقف العربي فهو مثل كلامه غير مؤثر في الحالتين حين يكون خارج السلطة، وخارج سوق الخطاب: ليس هناك مثقف ، بتعبير ميشيل فوكو، خارج السلطة، كما ليس هناك ثقافة بدون سلطة. الثقافة تنتج بالضد من سلطة أو من خلالها. كل كلام عن  ثقافة خارج السلطة هو لغو. هذا هو تاريخ البشر والثقافة والصراع.

 

الغريب في الامر ان المثقف العربي والمسلم حين يحتج على الفقيه، وهذا حقه ينسى السلطة المنتجة له. وهذا النسيان هو الاخر ليس سهوا، بل يأسا من دور ومن قضية. انه هزيمة.

 

 لماذا تشكل ظاهرة الاحتجاج على الفقيه هزيمة للمثقف العربي؟ لأسباب كثيرة منها: ان تخفيض احلام المثقف العربي الى هذا المستوى، بعد كل ذلك الدوي العاصف وحتى قبل سنوات عن تغيير العالم(جذريا) وتحويل العالم، وصناعة العالم، وتفسير العالم، وبناء ممالك ويوتوبيات والخ وهلم جرا، هذا التخفيض المنحدر نحو مستوى هذا الاحتجاج هو بشكل ما بيان نعي علني وخطاب مفتوح لا يتضمن احتجاج المثقف ضد الفقيه فحسب، بل نعي المثقف لسلطته التي بالغ كثيرا بها دورا ومكانة ومنزلة وقيمة. ولا يريد المثقف التسليم بهذه الهزيمة لأنها تمس كامل وجوده ودوره ومكانته وسلطته التي تأسست ايضا على اللغة والخطاب حتى بعد هزيمة الفكر الايديولوجي الذي تبناه عشرات السنوات وصار وكيل الجمهور ونائب المستقبل والمتحدث الوحيد باسم الأمطار القادمة والغيوم التي لم تأت بعد.

 

اذا كان الفقيه قد وجد تسوية مع السلطة كي يستمر دورا وخطابا، فإن شريحة من المثقفين لم يجدوا مثل هذه التسوية بل هم صراع مع السلطة أو في اندماج بها.

 

من داخل هذه الثقوب والفراغات المحشوة بالتسويات استطاع الفقيه ان يواصل سلطته، والادهى من ذلك انه وضع المثقف صاحب مشاريع التغيير الجذري والثورة الثقافية وغير ذلك، في حالة دفاع عن النفس بدل طرح المشروع وهنا تكمن الهزيمة الساحقة للمثقف التي يكون عنوانها الاحتجاج على فتاوى الفقيه، وهو في الحقيقة احتجاج على دور حاضر مقابل دور غائب لا يملك غير الصراخ.

 

ويبدو أمر الاحتجاج المتصاعد هذه الايام على سلطة  الفقيه كما لو ان هذا الأخير قد خرج من الفراغ أو العدم وتدل على ذلك طبيعة احتجاجات المثقف التي تأخذ شكل الصدمة أو الرجة أو الانبهار وكأنه يكتشف لأول مرة سلطة خطاب آخر قادرة على أن تكون سلطة سياسة.

 

تقاطع خطاب الفقيه مع خطاب المثقف قاد الى اشكالية الاختلاف على كل شيء بما في ذلك الحق في الحياة الذي لا خلاف حوله. فعنصرية الدم لدى الأول ورطت الثاني، المثقف، في عنصرية الدم أيضا: كلاهما يسكت عن موت، ويحتج ضد موت آخر. ومع ان هذا الاختلاف ليس جديدا، لكن الجديد فيه هو ان يكون في زمن يسمى زمن الحداثة. كان هارون الرشيد قد اقام مئذنة من جماجم(الاعداء) المسلمين والذين بنوها هم من المسلمين أيضا. لذلك فليس بغريب عندنا اليوم كما بالأمس في ان يصبح حق الحياة ـ ليس حق الحياة مكتسبا بل هو حرية الكائن في ان يوجد ويعيش ويموت ويختار كل أشكال العيش ـ موضوعا للنقاش بل وحتى الجدل الساخن كما لو اصبحنا، ونحن كذلك بالفعل، فرقاً تتخاصم حتى على الثوابت ومنها الحرية والاستقلال والثروة وحق الحياة.

 

ليس في الفكر السياسي عندنا أي تعريف محدد وواضح للمفاهيم بما في ذلك مفهوم المجزرة. كما لا يوجد أيضا أي تعريف لمفهوم الحرية والوطن والسيادة وكل الحقوق والحريات الانسانية والسياسية وحتى الحقوق الفردية التي نصت وتنص عليها القوانين القديمة والجديدة والاديان والدساتير شرقا وغربا.

 

كل شعوب العالم، بما في ذلك القبائل البدائية المتوحشة والتي تعود في تكويناتها الى التقاليد الأولى للمجتمعات البشرية، حددت وفصّلت في مفاهيم جوهرية ومنها الحق في الحياة.اليوم لا نرى في أمكنة كثيرة، مثلا، غير صورة واحدة لمجزرة بحق عمال أجانب فقراء غرر بهم كي يحلوا محل عمال عراقيين فقراء، كي يذهبوا ضحية حرب مع جنود فقراء من كل أنحاء العالم، في حين تنعم شركات المال والسلاح والنفط وغيرها بعوائد هذا الدم المسفوك علنا وفي وضح النهار.

 

لكن صورة أخرى للمجزرة، صورة هجوم جوي وحشي متكرر وحصار وقتل وتطويق لمدن كثيرة، تختفي من أماكن ومن عقول: هذه هي عنصرية الدم. المثقف يحتج على فتاوى القتل للفقيه، لكنه يسكت عن مجازر أخرى. وسكوت المثقف في هذه الحالة مثل سكوت الفقيه ليس بريئا ابدا. ليس سهوا. انه قبول.

 

ماذا تعني هذه الثنائية؟ وهل هي ظاهرة جديدة على حياتنا السياسية والانسانية؟ لا. ليست جديدة. ان هذه الثنائية والاختلاف الوحشي على كل شيء، بما في ذلك الحق المقدس في الحياة بصرف النظر عن نوعية البشر الذين تسكن فيهم هذه الحياة، هو ما يشكل صميم الشرخ والعطب والعطل الفكري والسياسي والذي يقودنا من وضعية مأساوية الى أخرى أسوأ كثيرا، كما سيفعل في المستقبل المنظور.

 

متى نشأت هذه الثنائية، ثنائية الاختلاف الوحشي، على الحق في الحياة؟ وما هو الفكر السياسي أو الديني الذي شرعن  لها وكيف؟ . تاريخ الفكر السياسي العربي والاسلامي وتاريخ المثقف العربي والاسلامي الحديث اليوم هو تطور لسيرة الفقيه الأول، وهي نشأة تختلف كثيرا عن ظاهرة نشوء المثقف الأوروبي على نحو خاص. واذا كان  هناك من يختلف من المفكرين على هذه النشأة، فهذا الاختلاف لا يمس الأصل، أصل النشأة، لأن المثقف العربي تاريخيا هو الفقيه الأول، وهذه حقيقة تاريخية مؤكدة، لكن هذا الاختلاف يمس تفاصيل النشأة وظروفها دون أن يمس جوهر التكوين الأول للمثقف العربي في أصوله الاولى وهي دينية بلا شك.

 

من بين الذين درسوا ظاهرة نشوء المثقف العربي والاسلامي دراسة منهجية هو البروفسور علي اومليل(دكتوراة فلسفة من جامعة السوربون) وخاصة في كتابه(السلطة الثقافية والسلطة السياسية) وهي دراسة معمقة في ظاهرة نشوء المثقف العربي الاسلامي تاريخا، وفكرا، وسلوكا، من القرن الهجري الأول وحتى اليوم.

 

الدكتور علي أومليل رغم انه يشترك مع كثيرين في هذا الرأي، الا انه ركز على المكون الديني لظاهرة تعرف اليوم بظاهرة المثقف العربي والمسلم: ان هذا (المثقف) وهو مفهوم حديث هو ، حسب رأي أومليل،من سلالة ( حفظة القرآن) الأوائل في مجتمع أمي ثم تطوروا مع نشوء الدولة الاسلامية وصاروا يعرفون بـ(الكتّاب) أي كتاب القرآن خوفا عليه من التلف والتزوير، ثم صاروا من بعد في عصور الخلفاء يسمون(كتاب الدواوين) بعد توسع مهام الدولة الادارية ومعهم بالتوازي نشأة ظاهرة(الفقيه) أو العالِم (بالدين طبعا) وهذا الأخير وكي لا يهمش حاول علنا وسرا ان يحافظ على سلطته المعنوية والمادية على أساس انه هو العارف بأسرار الكتاب المقدس وربط سلطته بسلطة اللغة وظل يرفض على مدى قرون وحتى اليوم أي تغيير بقواعد اللغة لأن ذلك مفسدة تصل حد الكفر الأمر الذي حوّل اللغة العربية الى جثة محنطة في المدارس. وهذه اللغة/ الجثة تخدم الفقيه لانها تنتمي الى زمنه هو، الماضي، الذي أسس سلطته عليه وصار يتكلم وكالة عنه. تمسك الفقيه بقواعد اللغة ليس تمسكا عفويا، انما هو من ضمن مخطط قديم يحفظ له سلطته كعاِلم  وصاحب شأن في الحياة وفي النزاعات.

 

اللغة لدى الفقيه هي الجسر بين الماضي  ـ ليس كل الماضي قطعا ـ ماضي الفقهاء وبين الحاضر الذي بدأ يفسد لأنه لا يشبه الماضي الذهبي. أي قطع للجسر، جسر اللغة الأولى، يعني فقدان الروابط وهذا يعني فقدان السلطة ومعها الجاه والهيبة، خاصة وان الفقيه لم يعد في هذا العصر حامل(العلم) الوحيد بعد ان صار له الكثير من المنافسين الذي يهددون سلطته(العلمية) السياسية بل كيانه كله  ويحاول عبثا ضبط العلاقة بينه وبينهم حسب(الشريعة)  لكنه لا يفلح في كل الأوقات.من هم هؤلاء؟ انهم على سبيل المثال لا الحصر، الخبير الجوي،رائد الفضاء، علماء الأجناس، والجينات، المثقفون، السياسيون، الاطباء، المهندسون، خبراء الكومبيوتر الخ!...أما كيف تدار العلاقة بينه وبينهم فهذا موضوع آخر. لكن جوهر المسألة هنا هي ان ظاهرة نشوء المثقف العربي والمسلم هي النشأة الدينية، وكل نشأة دينية هي انحياز. وكل انحياز هو تثبيت لطرف وحذف لطرف آخر. من قلب هذه الاشكالية تصدر ثنائية المواقف اليوم ومعها كل ثنائيات الوطني والخائن /والعميل والمناضل/ والملحد والمؤمن/الذين يستحقون الحياة والذين لا يستحقونها/ والشريف وغيره / والخ وهلم جرا. لماذا لا نمارس ثنائيات أكثر تحضرا وتطورا مثل شعوب الأرض المتمدنة مثل الكفوء وغير الكفوء، والمبدع وغير المبدع ، الحساس والجلف، المرهف وغيره؟ 

 

الثنائية عمّقها أكثر وزادها بؤسا الفكر السياسي الشمولي بكافة ألوانه. الفكر الشمولي بصرف النظر عن التسميات هو فكر تثبيت وحذف: يثبت (حقائقه) ويحذف غيرها. الايديولوجيا حسب بول ريكورد هي نفي وحذف ودمج. الكل أو لا شيء.

 

كما يتمسك الفقيه باللغة على أساس المحافظة على النص الديني المقدس، يتمسك الرفيق بالمحافظة على لغة أو خطاب الايديولوجيا من اجل المحافظة على النص الفكري والسياسي أو البرنامج المقدس: كلاهما فقيه. كلاهما يؤسس سلطته على نص "مقدس" في حين تصبح الحياة موضوعا ثانويا، وفي بعض الاحيان هامشيا. كل حياة لا تدخل في صلب النص هي مفسدة: مفسدة للنص ومفسدة للايديولوجيا.

 

لذلك سنظل نختلف على مجازر كثيرة، ندين واحدة، ونسكت عن أخرى، والسكوت ليس سهوا، انما هو ما لم يقله الخطاب، أي ما لم يصرح به وصمت عنه، وهو، حسب علم النص، أخطر ما في الخطاب.

 

5

إذا مت فدعوا الشرفة مفتوحة

 

إلى عبد الرحمن منيف:

الذي حكم علينا بالأمل.

 

دخل رجل، سعيدا، منتشيا، بعواطف دافئة خاصة عنيفة إلى محل لبيع باقات الزهور وانتقى بكل سرور،كطفل، باقة ورد تتلاءم مع المناسبة، ومد يده في جيبه ليدفع ثمن الأزهار، غير أنه ،فجأة، وضع يده على قلبه، وسقط.

 

هذا النوع، النوع الأول، من الموت الغادر، في نظري أخطر من الاغتيال، وأخشاه أكثر من كل أنواع الموت الأخرى. إنه يقطع الاسترسال الخلاق البريء والعفوي والجميل والحار بين المخلوقات ويضع خاتمة عبثية في لحظة يكون فيها القلب ممتلئا بالجمال والحبور حتى يكاد هذا الموت أن يكون سقوطا للبهجة أو إعداما عاجلا مباغتا: إنه خيانة القلب وانكساره المفاجئ كقدح زجاج رقيق لأن القلب والزجاج سينكسران يوما كما تقول الأغنية. لكن لنتابع ما حل بهذا الموت الهابط، فجأة، على محل بيع الزهور وفي قصيدة (عند بائعة الزهور)للشاعر الفرنسي الغنائي الرائع جاك بريفير :(رجل يدخل عند بائعة الأزهار/ينتقي أزهارا/البائعة تغلفها/الرجل يضع يده في جيبه/بحثا عن النقود لدفع ثمن الأزهار/غير انه فجأة وفي نفس اللحظة/ يضع يده على قلبه/ويسقط/ وفي اللحظة التي يسقط فيها/ تدور النقود على الأرض/ وتسقط الأزهار/ في اللحظة التي/ يسقط فيها الرجل/ في اللحظة التي تدور فيها النقود/بينما تبقى البائعة هناك/ مع النقود التي تدور/ والأزهار التي تسقط/ والرجل الذي يموت/ بلا شك كل هذا حزين جدا/ وينبغي لبائعة الأزهار عمل شيء ما/ غير أنها لا تعرف كيف تتصرف/ لا تعرف من أين تبدأ/ ثمة أشياء كثيرة يمكن عملها/ حيال هذا الرجل الذي يموت/ وهذه الأزهار التي تسقط/ وهذه النقود التي تدور/ والتي لن تتوقف عن الدوران).

 

 لا نقدم هنا تعريفا للموت على طريقة فرويد الذي وضع غريزة الموت انطلاقا من تجرب الانا النرجسي، إنما نقدم وصفا للموت الذي رأى فيه فيلسوف الاختلاف جيل دولوز في كتابه(الاختلاف والتكرار) عكس فرويد على أنه: (اختراق الحضور الحي للكائن على شكل تجربة ذاتية. هو المظهر الأخير للتساؤل الفاجع دون أن يجد راحة في الجواب عن نقطة استفهامه المؤرقة). طبعا المعني بالاختلاف، وفلاسفته جاك ديريدا، وجيل دولوز، وميشيل فوكو، وجون فرانسوا ليوتار، مع كتاب مثل موريس بلانشو وكلوسوفكسي، ليس الاختلاف السياسي والفكري فحسب كما يذهب كثيرون لدى سماع هذه الكلمة، بل المقصود هو نسق المتعدد والتنوع والاختلاف في كل شيء بما في ذلك طبقات النص أو الخطاب، على الضد من وحدة العالم وتماسكه.

 

النوع الثاني من الموت الذي لا يسمى هو ما تحدث عنه غورغي لويس بورخيس في قصة أو حكاية في مجموعته(الصانع) بعنوان: الشاهد.ومن لم يقرأ بورخس جيدا، ويعرف لغته جيدا، سيكون صعبا عليه فهم المعنى المخفي خلف بساطة الكلمات، ولا الطريقة الساحرة الخلابة الاعجازية التي تطبع اسلوب هذا الاعمى، المعري العربي، وهو يشعل في الظلام عود ثقاب لكي يكون العالم اكثر جمالا، أكثر وضوحا، أكثر براءة، أكثر حساسية.

 

لكننا من فرط التفكير بالخلود(تركنا الغسق يطبق) دون ان نشعل المصباح. بل لا يتذكر(ان كنا قد انتحرنا تلك الليلة أم لا). هذا الارجنتيني المعجزة، الصوفي، الاشراقي، يستطيع أن يرى في الموت، في لحظة الفصل الدقيقة، ان الشخص الذي يقرأ على وجهه الفاتحة هو وجهه هو، وأنه لا يعرف من يكون الميت منهما؟ الموت الذي تحدث عنه بورخيس في(الشاهد) عن كاهن أو قس ضاق ذرعا بالأردية الكهنوتية الثقيلة و قرابين الخيول والكلاب والأسرى، فقرر أن يموت قبل طلوع الفجر كآخر شاهد عيان لتلك الطقوس الوثنية. فكيف قرر أن يموت الرجل؟ لن يدخل محل بيع زهور بريفير بلا شك، لكنه، بلغة بورخس الملائكية المعجزة المكثفة التي تلمح أكثر مما تقول، وتشير أكثر مما تصرح، وتوحي أكثر مما تعلن، يدخل إلى إسطبل يقع تقريبا في ظل كنيسة حجرية جديدة، لكن الرجل الرمادي العينين أشيب اللحية،يتمدد بين رائحة الحيوانات، باحثا بتواضع عن الموت(مثلما يبحث الإنسان عن النوم). في الخارج حقول محروثة، وآثار أقدام ذئب عابر في الوحل الأسود على حافة الغابة. ينام الرجل ويحلم ناسيا كل شيء. هل حلم أنه مات؟ هل مات فعلا؟ لكن لماذا وضعه بورخيس الصانع الماهر لكي يحلم بالموت في إسطبل وقرب جدار كنيسة جديدة؟ لماذا ليس في الكنيسة نفسها؟ وماذا سيموت معنا، يتساءل، حين نموت؟ ما الشكل التافه الهش الذي سيفقده العالم؟ صورة جواد أغبر فوق قطعة أرض مهجورة؟ قضيب كبريتي في درج منضدة خشبية؟

 

النوع الثالث من الموت هو موت الاندلسي الشاب الحي الشاعر الجميل العذب الغجري فيدريكو غارسيا لوركا(وهو الاسم المستعار للشاعر الذي اشتهر به). وهذا النوع من الموت هو جريمة. لا أحد يعرف على وجه التحديد كيف جرت وقائع تلك الليلة المقيتة رغم ان ما قيل كان كثيرا جدا حتى ان رواية(فيلالونغا) كما يذكر محمود درويش في كتابه( عابرون في كلام عابر) تذهب  إلى تقديم شهادة حقيقية أو متخيلة للقاتل الحقيقي لمغني البلور والعشب إلى حد أنه تم استدعاء الشاعر بعد منتصف الليل وكان ينتظرهم ولم يقل لهم أكثر من انه لا يريد لذلك(الموت) أن يحدث في المقبرة(إنها فقط للصمت والأزهار) ولكنهم في طريق مجاور لمجرى ساقية حين ظهر الأفق أمامه وسلسلة جبال لاسييرا وقد غطاها الضباب الليلي الأزرق وقربها غابة حور سوداء،هناك طلبوا من الشاعر أن يركض(ركض ويداه تهتزان، ورأسه يتداعى) وانطلقت الرصاصات فسقط على وجهه معفرا بالتراب الأحمر. في اللحظة نفسها فزت حمامات غرناطة وبدا لون الطيور والحدائق والعيون متشحا بالسواد. غير ان القتلة، كما في أي زمان ومكان، كانوا يرقصون على موت بائع زهور البنفسج الغجري وفرحوا بانتصارهم على غسق متوهج وعشب حي. قلت كان ينتظرهم لكنهم تأخروا عليه طويلا، ولا أدري لماذا تأخروا عليه، مع ان القتلة ليس عندهم الكثير من الوقت، ولأن هناك ضحايا دائما عبر العصور وبألوان مختلفة، تختلف اداة القتل، لكن في النهاية يتم اغتيال البنفسج، جسدا، أو رمزا؟

 

يذكر الروائي المتماوت (لا أحب كثيرا في الوقت الحاضر تسميته بالمرحوم فلا أحد يعرف مكر هؤلاء أكثر مني) عبد الرحمن منيف ان لوركا كان قد توقع هذه النهاية قبل سنوات وكتب قصيدة عن هذا الانتظار:

عرفت أني قتيل

فتشوا المقاهي والمقابر والكنائس

فتحوا البراميل والخزائن

سرقوا ثلاثة هياكل عظمية لينتزعوا أسنانها الذهبية

ولم يعثروا علي

الم يعثروا عليّ؟

نعم لم يعثروا عليّ!.

 

أوه!.. يا للانتظار الممل!... إنهم دائما يتأخرون ويتشمسون كسالى تحت الشمس ككلاب هرمة تحت جدار يطن فوقه الذباب. ومع ذلك لا أحد يتعظ بأن قتل المغني مستحيل، لأن الجسد ينتهي يوما كالزجاج، لكن الصوت؟ طبعا هناك موت تافه معروف في الحياة وهو أقبح موت، حيث يتواصل الجسد حيا متنقلا كجيفة متجولة، لكن الضمير يكون قد مات.  يقول درويش عن لوركا:(غن أكثر، أيها الكاهن الحي، لنصدق أن على مثل هذه الأرض المجبولة بالجريمة، شيئاً ما يستحق الحياة. انهم يذبحون الشاعر كالأرنب. وحين يعجزون عن ذبح الأغنية يحيلون هذه المهمة إلى شعراء آخرين يحيلونها  بدورهم إلى نقاد آخرين. وحين ينتابنا الخوف من قمر أو خنجر نتحسس قلوبنا، وبقدر ما نجد لوركا نواصل البحث عن الروح في الغناء والبحث عن الغناء في الروح).

 

الموت الآخر، أو النوع الرابع، هو موت الشاعر نزار قباني وهو موت يتكرر. قال عنه المتماوت عبد الرحمن منيف: (لكن الموت كان بالمرصاد، وكان له(الموت) حسابه الآخر، فقد انقض عليه، كما تنقض الصاعقة، دون أن يمكنه من قول أشياء كثيرة).

 

هذا النوع من الموت المنقض الذي لا يترك المغني أو الشاعر او الانسان من قول ما يريد قوله في النهاية هو موت مرتجل، أو هو كبسة رجل بوليس، أو اغتيال.

 

إنه لا يشبه موت سعد الله ونوس(النوع الخامس) الذي ظل يصارع الموت والمرض القاتل وواجهه واستعد له وتحداه بمواصلة الكتابة حتى اللحظات الأخيرة فترك خلفه نصوصا خالدة، ونجا منه، حتى قرر في ايامه الأخيرة أن يكتب عن الموت وهو يحدق به، بعد  أن نزع الدنيا وهمومها الصغيرة والكبيرة، فأنتج أروع تحديق في وجه الموت هو عمله الخالد الأخير(رحلة في مجاهل موت عابر). لنسمع هذا النشيج، النشيد لونوّس في كتاب التحديق هذا:(كنت اعلم أني أحمل موتي في داخلي. وكم حاولت عبر المكابدة والتجربة أن أتعلم الحب وأعرف سره) حتى يقول في الخاتمة:(من الظلام جئنا، وإلى الظلام نعود، وتلك هي الحكاية). نعم تلك هي الحكاية.

 

هذا النوع من الموت قال عنه المتماوت عبد الرحمن منيف في كتابه(لوعة الغياب):(من ملامسة الموت،أو حتى الابحار ببعض شطآنه، ثم العودة، مرة أخرى من هناك، عاش سعد الله ونوس تجربة نادرة. إذا تم تجاوز الخوف من الموت، أو اعتباره نهاية منطقية لحياة الانسان، فعندئذ يمكن النظر اليه أو التعامل معه برباطة جأش).

 

هل تعامل المتماوت عبد الرحمن منيف مع الموت برباطة جاش لأنه خاتمة منطقية؟ هل حاوره؟ وماذا عن الموت الصاعق الذي لا يترك الآخر يقول كل ما عنده مثل موت الكاتب محمد الباهي(الموت السادس) الذي كتب منيف كتابا عنه، وعن موته:(عروة الزمان الباهي)الذي كان يؤجل موته وأعماله وروايته الوحيدة حتى انقض عليه هادم اللذات وهو في ذروة نضجه وحيويته وفرحه بالحياة وازدحام مشاريعه.

 

 يصر منيف على ان محمد الباهي(غير قابل للموت) ولأنه كذلك كان يؤجل كل الامور الى الغد بطمأنينة تخلقها الرتابة والشعور الزائف بأن كل شيء على ما يرام غدا حتى تمتد الأصابع الخفية إلى العنق، في ساعة نشوة أو نوم، أو حلم، أو شراب، أو ضحك، فينقطع الخيط الرقيق مع العالم. ولا أحد يسمع صرخات الاستغاثة. لا أحد يستطيع المساعدة.

 

وما دمنا في مناخ موت منيف هل يحلم اليوم أن تظل شرفته مفتوحة؟ وهل حقا ستغلق شرفة صاحب مدن الملح وتلك الأعمال الكبيرة الحية والخالدة؟ كتب منيف يقول عن موت لوركا:(  لا يمكن اكتشاف الحياة بغناها وتنوعها، وما فيها من متع وجمال، وبالتالي على الانسان ان يشربها حتى الثمالة، إلا من خلال النقيض الذي يقابلها، أي الموت).في واحدة من قصائد الاندلسي المقتول تحت قمر غرناطي ضبابي وفوق عشب أحمر متوحش يقول لوركا:إذا مت/دعوا الشرفة مفتوحة/الطفل يأكل البرتقالة/(من شرفتي أراه)/الفلاح يحصد القمح/(من شرفتي اسمعه)/إذا مت فدعوا الشرفة مفتوحة.

 

6

أفراح الزمن القادم

 

من بركات الاحتلال أننا تخلصنا من المناسبات الوطنية والقومية والدينية والتاريخية، وأعياد الميلاد الرسمية، وأعراس الاحتفال بالنجاة من حوادث الاغتيال، أو محاولات خنق الرئيس على الطريقة العباسية تحت الوسادة، بدافع الغرام أو الغيرة أو المنافسة أو الحقد السياسي أو الحزبي أو التاريخي أو العشائري. لكن هذه المناسبات صارت أكثر هذه الأيام  على أي  مقياس حتى ان المواطن العراقي الجديد الخارج من المرعى هذه الأيام لا يجد فرصة واحدة  للعمل أو التفكير أو النوم من كثرة أعياد ومناسبات وأفراح وذكريات هذه السنوات الغريبة.

 

بعد ان تخلصنا من عيد ميلاد الطاغية، وعيد ميلاد الابن الأول والثاني والثالث، وعيد ميلاد زوجته الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة، حتى الرقم 25 مليون زوجة وعشيقة وأسيرة وسبية، وعيد ميلاد فرسه الصحراوية، وأسده الحجازي، ونمره الهندي، وكلابه الألمانية، ومشانقه الأمريكية، وثاليومه البريطاني، و مسدسه الروسي، وطائرات تجسسه الفرنسية، ومفاعله الباريسي، وحزامه الكشميري وكلابه الأكثر أصالة من كل سلالات التاريخ،وأعياد النصر في معاركه القومية، والعاطفية، والجنسية، والحزبية، والأسطورية، وأعياد التزحلق على صدورنا، وانتصاراته المذهلة حتى على الجن،وأعداء الأمة، وهزيمته جنود الصحون واللاقطات، ويوم النصر على محطات التخريب الإذاعية، ومحطات البث الفضائي المعادية، وتحديه لتلسكوب هافل في العثور على أي أسير أو سجين أو جرثومة، وأعياد نصره في مؤامرة الرفاق في الحزب، وأعداء الجبهة الوطنية،وأعداء الوحدة الوطنية، والذين فجروا بيان 11 آذار التاريخي الذي جعل متوسط عمر العراقي خمسة شهور كي يتخلص من أوجاع  المراهقة، ومشاكل الإيجار، والمواصلات، ويتخلص من حروب الإخوة الأهلية، ومزقوا اتفاقية الجزائر، وخانوا الجبهة الوطنية، بعد كل هذه الأعياد وغيرها دخلنا هذه الأيام في التقويم الجديد الذي حول المواطن من كائن لا يرى بالمجهر من الجوع والنحافة والخوف والأناشيد الوطنية وحفلات الإعدام العلنية في الشوارع، إلى كائن تنبل ضخم الجثة من الأكل والفرح والكسل والنوم والضحك والأمان والضمان والكرزات والموسيقى وكثرة العطل والمناسبات التي تجاوزت أيام السنة الواحدة .

 

 ان وجه المواطن العراقي المليء بالأخاديد والرعب والذبول من سنوات الخوف، تحول هذه الأيام إلى وجه رخو، هش، متهدل، مثل مخلوق رخوي بحري، غاطس بالنعيم.وقائمة المناسبات الجديدة كما هي مثبتة في التقويم الوطني الجديد هي:يوم ضرب الهدف الفرصة. يوم ضرب العاصمة كلها بأكثر من ألفي صاروخ كروز. يوم الهجوم البري والهجوم الجوي الشامل والهجوم البحري.يوم القصف العنقودي والذكي والحراري والليزيري والانشطاري . يوم الغارات على الطرق والجسور والصوامع والمنائر والمعامل والحدائق وأوكار الطاغية.يوم ضرب عقل الطاغية.يوم ضرب نوبة الحر. يوم ضرب روح الطاغية المعنوية بأكثر من ثلاثة آلاف غارة على بغداد وإجهاض أحلامه في الصمود والتماسك وتشتيت قيادته كقوم موسى في الصحراء، وإجهاض عشرات الحوامل، وعشرات القبل، وعشرات القصائد، واللوحات، والمواعيد البريئة، وعشرات المحاولات الانقلابية(ظهر ان المخابرات الأمريكية تنسق قبل الحرب مع الحلقة الضيقة للطاغية، ويبدو أنها خافت من الحل الوطني، فاستعجلت الحرب).يوم ضرب الجامعة المستنصرية وكر الشر والعلم والمختبرات وبعوض الحزب.يوم ضرب الأسواق الشعبية كي يتعلم المواطن العراقي الموجود في المرعي يومذاك كيف يشتري مع البطيخ شظايا قنابل التحالف.يوم قتل الأطفال تحت سن الخامسة كي لا يصلوا إلى سن الشيخوخة بدون ضمان صحي أو أمني وبلا نفط في الحقب القادمة.يوم ضرب محطات الإذاعة،والمواصلات،والبريد،كي يتخلص المواطن من الأغاني الثورية، ومن أجرة الهاتف، ومن أخبار العالم الخارجي وجرائم الشرف وهذا خطأ  شنيع لأن المواطن العراقي لم ير على الشاشة مراسيم منح الرئيس الأمريكي شهادة دكتوراة في القانون على أطروحته الشهيرة (السطو على أوطان الآخرين بالقنابل العنقودية) كما جاء في حيثيات قرار جامعة كولمبيا.يوم قصف المطار،يوم ضربه بقنابل شبحية. ضبابية.يوم اختفاء الجيش المهاجم، وتحوله إلى دخان أو غيم أو سراب أو وهم أو فحم أو ريح.يوم قصف المدارس،وأماكن تجمع الفدائيين والذباب وأسراب النمل الثوري وجراد الحزب .يوم ضرب صالونات تجميل الحزب الحاكم وصالونات حلاقة نساء الأحزمة الناسفة.يوم قتل قائد فرقة  في الحرس الجمهوري، يوم قتل قائد فرقة موسيقية شعبية.يوم السطو على أدوات استحمام الريس،وصابون الثورة، ومعجون أسنان الحزب القائد. يوم سرقة خيمة الحزب الثوري.يوم نبش قبور الموتى والمختفين ويوم البحث عن السجناء وأبواب التعذيب. يوم حرق ونهب وسلب الدولة المارقة وأجهزة المخابرات وأجهزة تنظيم ضربات القلب وسجلات الأحوال المدنية، كركوك مثلا. يوم سرقة الأسلحة الثقيلة وتهريبها للأحزاب الوحدوية من أجل الإخوة  والوحدة الوطنية ومن أجل يوم فيدرالي قادم .يوم سرقة المتاحف ويوم حرق المكتبات ويوم نهب البنوك ويوم جعل المواطن العراقي يجلس على عتبة داره في انتظار تابوت شاغر أو سيارة إسعاف أو نجدة أو  حكومة انقاذ أو رغيف خبز أو استمارة انتماء أو ورقة استفتاء لكي يوقع عليها بيده أو رجله أو، إذا كان قد قلصته القنابل، بمؤخرته أو أي حذاء قديم. يوم مجزرة الزعفرانية .يوم مجزرة الفلوجة، تلعفر، سامراء، النجف والخ..يوم مظاهرات ساحة الفردوس.يوم سقوط نصب الطاغية.يوم هروبه. يوم القبض عليه، يوم محاكمته، يوم اعدامه الوشيك،يوم توقف البث الإذاعي، يوم توقف البث التلفزيوني،يوم  سرقة حديقة الحيوانات وهرب الطيور، يوم عودة الجلبي،

 

ويوم اغتيال الخوئي ،يوم تعيين مدير شرطة جديد، يوم استقالته بتهمة السطو على بنك، يوم وصول المعارض الثوري إلى بغداد ،يوم جلوسه في نادي الصيد،يوم مصادرة كل مؤسسات الدولة، يوم مصادرة الأندية، يوم  تنزيل صور الطاغية،يوم وضع صور الرفيق، يوم وصول خبير الإرهاب بول بريمر،يوم الحزن العراقي،يوم المخاط الوطني،يوم موت العلامة الفلاني،يوم قتل السيد الفلاني، يوم هدم هذه المؤسسة،أو تخريب ذاك المقر،يوم ظهور الراقصة الفلانية على مسرح الجماهير الجديد، يوم استيراد النفط من الكويت،والعازل  الجنسي من السعودية،يوم  ظهور الموت الخلوي،والحب الخلوي،والأمل الخلوي.

 

يوم مظاهرات الوحدة والتضامن بين الشرطة والأمن والاستخبارات والأمن الخاص  والعاطلين عن العمل والسجناء القدامى والفارين من الأقبية والعائدين بالمايو من المنافي أو الهاربين من الأقبية أو مراكز الإصلاح والسجون  للحصول على آخر ما تبقى من شروال وطني أو طاقية للجواهري أو مزق من معطف الرصافي أو قصيدة لحسين مردان أو رباط حذاء للسياب أو نتف لحية النحات جواد سليم أو ما تبقى من حمامات فائق حسن.

 

 يوم التعاقد السري مع شركات نفط أمريكية،ومع معامل صابون، وأحذية، ومعجنات، ومع شركات بناء مباول عصرية على الهاتف الخلوي،ومحطات تلفزة ما بعد الحداثة، وما بعد الركبة، أدوات عصرية لدورات المياه تجعل المواطن القادم من المرعي يبول ذهبا، ويخرج بكتاب فلسفي قبل نزول الحاجة من إسهال الوعي، مكاتب بيع نساء من المطاط بالشعر الأشقر، والأسود، والأبيض، وبكل اللغات، حتى بلغة البلابل.

 

مراهم لدهن البشرة من التصحر،والرأس من الجفاف والضمير من حب الشباب،مساحيق عجيبة للتخلص من الأصلع، واستنبات اللحى في المناسبات الدينية،يوم خروج آخر سجين سياسي، يوم الاحتفال بآخر أمي، آخر فاشي، يوم موت آخر شرطي تعذيب،يوم بناء أول سجن عصري مجهز بمعدات الصيد، ومعدات الرؤية الليلية للكواكب، وقنوات الري والتلفزة، ومجهز بسجانين مهرة درسوا في أمريكا أو لندن ويجعلون المجرم أو المتآمر يعترف بعد أول سيمفونية لموازات أو تشايكوفسي، وبعد أول رشفة ويسكي هولندي معتق،وأول دغدغة، وبعد أول عناق حار مع حسناء من مصلحة السجون العراقية متخصصة في التدليك.

 

يوم الاحتفال بموت آخر زعيم حزب سياسي ولد في القرن التاسع عشر وعاش قرنين متواصلين في خدمة الشعب، حتى آخر مواطن، وآخر بدل اشتراك،يوم الصحافة الوطنية حيث لا يتدخل رئيس التحرير، كما في السابق، حتى لو قرر المحرر أو الكاتب التبول على الافتتاحية أو على صورة عضو مجلس الأمة الجديد أو قضاء الحاجة خلال جلسات مناقشة الميزانية في دبابة أو ملهى ليلي أو نادي الصيد الجمهوري، يوم وفاة آخر جريح، وآخر أسير.

 

يوم وصول قافلة من الشرطة الدنماركية، والبولندية، والايطالية، كأننا بحاجة إلى خبراء جدد في المافيا بعد السطو على ثكنات الجيش وتحول هؤلاء إلى قوة سياسية واقتصادية مفروضة بقوة السلاح والاغتيالات القادمة.

 

يوم فتح مكاتب علنية للاغتيالات في عيادات أو فنادق أو مسابح أو صالات حلاقة أو مواخير  تحت الشمس والبرق والضوء، وتحت آذان الشرطة والتاريخ والحكومة وقبة البرلمان، يوم عودة العشائر.

 

يوم عودة قانون العشائر في قتل المرتد والخارج والعاشق والعاشقة، وطرد الخليع ،يوم عودة الطرد الملغوم،ورسالة الثاليوم،يوم الدستور، يوم عودة السنونو المهاجر،يوم تحطيم الكراسي القيادية،يوم القيادة الجماعية،يوم كنس الشوارع من الغبار والورق والجثث،يوم ظهور أول دبابة على جسر الجمهورية، يوم أول قتيل أمريكي على يد قناص بغدادي، أول صيف عراقي تحت الاحتلال،وأول رحلة قطار نحو الجنوب،أول علاقة حب شعرية مع  جندي مارينز،أول فشل كلوي  أثناء خطاب لزعيم كتلة أرباب السوابق، ظهور أول سكرتيرة حزب بثياب  الضباب في قاعة المجلس البلدي،أول قذف كلامي في مجلس الوزراء،وأول تراشق في مجلس الحكماء وأهل الحل،أول مشادة ديمقراطية تحت قبة البرلمان بين شيوخ العشائر،وأول عقال يتمزق في حوار وطني،يوم عودة الجنازات من المنافي، يوم عودة الطيور إلى الهور، يوم عودة القضاة إلى الكراسي، يوم عودة أدوات التعذيب إلى المتاحف، يوم الاحتفال بآخر مشنوق، يوم عودة المسلسلات العربية والهندية والأمريكية، يوم جرح فلان، وعرس فلان، وفرح فلان.

 

7

الاجتثاث السياسي أم الفكري؟

 

يتوهم من يعتقد ان الحزب الحاكم السابق في العراق هو  عبارة عن حزب سياسي، بل هو منظومة واسعة من القيم الأخلاقية وأنساق من المفاهيم الثقافية المشوهة عن الحياة، وهو تشكيلة وحشية من أنماط السلوك التي تقوم على الحيلة والشطارة والبلطجة والخداع وعقلية الغريم والثأر.وفكرة الاجتثاث بالصيغة المطروحة هي صيغة عسكرية بوليسية ساذجة لا تقوم على معرفة دقيقة بحجم الخراب النفسي والأخلاقي والاجتماعي الذي قام به  هذا الحزب في تلك الفترة المشؤومة.

 

لقد تغلغلت في  النفوس بالقوة والتكرار والتربية والتنظيم مبادئ سلوكية  منحطة وتداخلت على نحو فوضوي وسري مع قيم شخصية وعائلية وثقافية ومع تقاليد تاريخية عريقة حتى صار من الصعب الفصل بين كل هذه المكونات والعناصر. ولذلك فإن فكرة(الاجتثاث) من فوق عبر البتر الحربي أو القرارات الفوقية هي فكرة تأسست على تجارب النظام البائد الذي عمل بكل الوسائل الوحشية بنفس الطريقة على فرض قواعد حياة أخرى عن طريق القوة.

 

إن الاجتثاث الحقيقي لحزب السلطة يأتي من خلال برنامج معرفي وثقافي وفكري بديل يحتوي على نسق جديد من المفاهيم يقوم على النقيض من نسق أحادي تصفوي قبلي. وهذه مهمة لا يقوم بها الساسة وحدهم بل النخب العلمية والفكرية والثقافية لأن حجم الخراب في النفوس هو أخطر بكثير من حجم الخراب في المؤسسات والأشياء: والأهم هو الخروج من "ثقافة" الصمت على سلوك الحذف ومنطق المحو وعقلية تصفية الحسابات ووضعها ،بالحيلة، على أنها ثقافة وطنية.

 

و(ثقافة)  الحيلة والشطارة لا تنتج معرفة أبدا، بل تنتج سلطة قمعية حتى عبر خطاب: إن كل سلطة في العالم موجودة داخل خطاب سواء كانت سلطة حاكمة أو محكومة.وسلطة الخطاب تعكس مصدرها. فالخطاب النبوي مثلا هو خطاب توقع ونبوءة وأمل  حسب علم اللسانيات، وخطاب السياسي هو خطاب إقناع، وخطاب الفيلسوف هو خطاب الشك والسؤال، وخطاب العاشق هو خطاب عاطفة، وكل خطاب(حسب المفكر بورديو) هو لغة واللغة تظهر هذه السلطة وترمز إليها، كما أن اللغة تستمد سلطتها من خارجها ـ حسب بورديو أيضا ـ فالصولجان هو رمز هذه اللغة حين يلوح به. وحسب ميشل فوكو في(نظام الخطاب) فإن الخطاب هو ما نصارع من أجله، وما نصارع به، وهو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها.   

 

إذن فإن الخطاب ليس لغة فحسب، بل هو مصدر وسلطة سواء كانت هذه السلطة فردا أم دولة أم مؤسسة: فلا يمكن مثلا أن يتكلم الفيلسوف بخطاب سياسي مأجور، ولا يمكن لهذا أن يستعير خطاب المفكر أو الشاعر... وهكذا تتعدد الخطابات حسب نوع السلطة.

 

إن الحزب السابق ليس حزبا فحسب، بل عقلية وذهنية وطريقة تصرف ومعرفة دونية بالحياة والآخر وهو خطاب تأسس على الموت وذهنية الحيازة. وكل حيازة هي مصادرة. وكل مصادرة  من طرف هي نفي أو موت لطرف آخر: وهنا لا تكون اللغة بريئة كما تحب أن تظهر بل متورطة في نقل سلطة والتلويح بها. وحسب المفكر ميرولوبونتي لا يوجد هناك فكر بدون لغة حتى الصمت هو لغة(لأنه يضج بالكلام) وهذه اللغة هي(لغة باطنية).هذه الخطابات المتنوعة لا تظهر فجأة ولا تختفي فجأة بل هي تولد عبر أزمنة، وتضمحل عبر أزمنة.

 

بناء على ذلك ليس مهما إعلان البراءة من الحزب الفاشي فحسب، بل المهم هو البناء المنهجي والعلمي الطويل الأمد لانسان خُربت فيه صورة الانسان ويحتاج لكي يعود الى صورته الاصلية إلى سنوات من العمل المضني والشاق.

 

إن الثورة الفرنسية مثلا قامت بأول عمل تاريخي وهو تغيير القاموس الفرنسي القديم على يد نخبة من المفكرين والعلماء والمثقفين والحكماء وأزيلت من القاموس السابق كل مفردات الغطرسة والإلغاء التي تدخل في الوعي الجماعي وتعمل  كتقاليد فكرية عادية.

 

لكي نخلق جيلا يتمتع بحس أخلاقي وقانوني رفيع يجب إشاعة مفردات  القانون وحس العدالة ورفض أساليب النظام السابق القائمة على المزاجية  والكراهية التي صارت اليوم قيما عادية طبيعية مثل ظواهر الطبيعة الأخرى. هذه المهمة الشاقة تنهض بها مؤسسات تربوية وثقافية وإعلامية وسياسية وليس من خلال السلوك البوليسي الضار في كل الحقب.

 

واحدة من ممهدات الطريق لتلك الفاشية كانت غياب المصدات القانونية وغياب المؤسسات الخاصة بالمجتمع المدني وغياب المؤسسة الاعلامية الشريفة والحرة التي تقوم في كل الدول على الرقابة وعلى وضع هذه المؤسسات بيد أمينة لا تعاني من عقد وجروح وتقاليد الشوارع الخلفية لكي لا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام غول جديد ودم جديد.

 

فهذا الشعب الجريح ليس فأر تجارب لكي يجرب عليه كل من هب ودب تقاليد البلطجة وأخلاق الرعاع لكي نجد أنفسنا مرة أخرى في تيه جديد ونحن لم نخرج بعد من عالم الانقاض العام في الاجساد والأرواح والمؤسسات.

 

إننا في الطريق إلى مرحلة صعبة ومريرة وهي مرحلة حبلى بأحداث عاصفة وزلزالية تتطلب أقصى حالات الوعي النجيب واليقظة قبل أن تسحقنا عجلات وقوى وحوافر خيل جاهزة ومتحفزة.

 

أما الذين يراهنون، عن جهل أو مكر، على اللحظة الراهنة، والعبث مرة أخرى بكياننا الوطني، فهؤلاء، بوعي أو بدون وعي، هم  رمز لسلطة فاشية قائمة أو مستترة لا شك ستظهر الى ضوء النهار على نحو صارخ في لحظة ما وهي تتغذى من نوم الجمهور وقصور النخب.

 

البراءة من سلطة الوحش لا تعني شتمها علنا وممارسة سلوكها سرا بل تعني البراءة بأدق معانيها رفض أفكار وسلوكيات وأخلاقيات خرج منها الجميع خاسرين وتم تسليم البلد إلى هاوية لا أحد يعرف إلى أين ستقود لأن طغاة جددا يرقدون في الذاكرة بالتعليم والتربية والممارسة والعقلية ولا يحتاجون إلى الظهور سوى غفلة مرة أخرى لكي نجد أنفسنا في ذات المأزق الذي أكل الأخضر واليابس. نحن على عتبة مرحلة تحول صعبة وهي مرحلة يمكن القول بكل قلق وثقة أنها مرحلة انفجار وشيك. فهل سنترك  اللحى مرة أخرى بيد عابثة كي تصادر حتى ما تبقى من أنقاض وجثث وخرائب؟

 

8

الاحتلال والخرطات التسع

 

 

داخل مكتبه الفخم كان المدير والمقاول وزعيم الحزب ورئيس التحرير في آن واحد منفوخا كطاووس حين دخل عليه، مبتسما، المحرر الوحيد للنشرة أو الجريدة وهو يحمل السجل الصباحي اليومي، وهو المحرر الذي يكتب عن نفسه: المحرر السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي والعاطفي ومحرر زاوية نجوم الحظ ونجوم السينما ونجوم الظهر بعد الاحتلال.

 

المحرر: يسعد صباحك أستاذ.

المقاول: وصباحك أنت. تبدو مسرورا هذا الصباح. هل من شيء؟ كيف تمشي الامور في الخارج؟

 

المحرر: أمور الجريدة؟ امور الحزب؟ امور التجارة؟

المقاول: كما تشاء. ضع أنت التسلسل.

 

المحرر مسرورا: طيب أستاذ. نبدأ بامور الحزب أفضل لأن الوضع العراقي حساس جدا والجماهير لا تنظر إلا نحو مكتبك وصورتك في عبادة جديدة للشخصية بدأت تخيف علماء النفس والباراسيكولوجيا، وعلماء الطقس، وعلماء الجص.

على مستوى العلاقات الخارجية هناك تواصل مع القوى التقدمية  في تل اللحم، وتل محمد، وتل أبو شعير، وحتى تل أبيب. التنسيق على قدم وساق(ضاحكا) والجماهير تنام وتصحو وهي تدعو لك بالخير والعافية والازدهار.

المقاول:هل صارت الجماهير آمنة على أعراضها؟

 

المحرر: إلى أبعد حد ما عدا بعض الحالات العابرة مثل اغتصاب مقدم برنامج ثقافي مباشرة بعد نهاية البرنامج وعودته إلى المنزل بعد منتصف الليل.

المقاول: فقط؟

 

المحرر: لا. وهناك حادثة أخرى هي اغتصاب شيخ جامع بعد عودته من صلاة الفجر. يبدو مزاجك قد تعكر .لن أواصل فهذه الحوادث تقع حتى في الدول المتطورة جدا.على مستوى التنظيم الحزبي هناك إقبال متزايد في طلب الانتماء خاصة بعد أن وصلت هدايا حضرتكم من رز وبصل وثوم ومشمش. بالمناسبة أريدك أن تضحك الآن على هذه الحداثة الواقعية بعد توزيع المشمش على تلاميذ الجنوب من حضرتكم. نظم احد الشعراء الجدد قصيدة  تعكس دهشة التلاميذ وهم يرون المشمش لأول مرة في حياتهم. يقول: سئل الفقراء عن المشمش/ قالوا حيوانا نأكله!

المقاول مسرورا: هذه من نعم الله. ظهر عندنا لأول مرة شعراء مشمش وغدا بطيخ. ومن يدري ماذا سيحدث في السنوات القادمة؟ ربما يظهر كتاب صابون، وهاتف جوال، ومباول مذهبة.

 

المحرر مستدركا: على ذكر المباول المذهبة هناك طلب من محافظات الشمال على هذا النوع من المباول وحين سألت مستشار الشركة النفسي قال:إن الإخوة في المنطقة شعروا بقيمة تحالفهم مع الحلفاء فظهر عندهم نوع من داء يسمى داء البول الذهبي وهو فصيلة جديدة من داء العظمة فقرروا أن لا يذهب بولهم سدى.

المقاول: وماذا سيفعلون به؟

 

المحرر هامسا كما لو يخشى أحدا من خلف الحيطان أو من الحيطان نفسها: سيكتبون به وثيقة الأخوة الجديدة. فليس الدم وحده هو الغالي بل هذا السائل الذهبي العجيب الذي بدأ يدر عليهم رحمة من الله.

المقاول هامسا: أترك الموضوع أرجوك. نحن هنا مثل سن بلا جذور وأنت تعلم أن هناك تصفيات سرية لكل من يعرف سرا أو كان يقوم وسيطا بين النظام السابق وبين زعماء هنا وهناك قبل أن يلفقوا علينا وثيقة مزعومة . حدثني عن أخبار الجريدة؟ ماشي الحال؟

 

المحرر سعيدا بهذا السؤال: الجريدة وخاصة موقعها على الانترنت يجلب كل يوم قراءً من كل أنحاء العالم حتى وصل لنا طلب من الصين بترجمتها إلى الصينية. هل يخطر ببالك أن شقيق سياد بري الرئيس الصومالي المخلوع والهارب بالدخل والمتوفى قبل فترة يلح علي بنسخة خاصة له مكتوبة بذلك السائل الذهبي الذي لا أريد أن أذكر أسمه؟

المقاول منتشيا: هل أرسلتم له نسخة كما يريد؟

 

المحرر: مع الأسف حضرة الأستاذ لأن الأخوة في المنطقة بعد قرار  الاحتلال بنصف حكم ذاتي قرروا مقاطعتنا على كل الأصعدة وطبقوا حسب الشريعة قاعدة (الخرطات التسع!). لم نحصل سوى على قطرة واحدة أرسلت للتحليل المختبري خشية أن تكون مزورة.

المقاول منبهرا: إلى هذا الحد؟ هل ضبطت حالات تزوير(هامسا) للبول الشمالي؟!

 

المحرر هامسا: نعم. الأغرب من ذلك والبول(هامسا) الجنوبي أيضا. يوجد تنافس شريف على التعددية في كل شيء حتى(هامسا) في هذا السائل الذهبي.

المقاول مسرورا: يعني نحن في الطريق إلى الليبرالية والاقتصاد الحر والثورة الفكرية الجديدة؟

 

المحرر ضاحكا بفخر: وكذلك نحن في الطريق نحو بناء مجمعات للحيوانات السائبة لكي لا يشوه منظرها السائح الاجنبي.

المقاول متبرما فجأة: لو وضعنا كل الحيوانات السائبة في مكان واحد فمن الذي يحكم البلد؟ هذه فكرة سخيفة لاشك وتخل بالأمن الوطني ولا يقبل عليها الرفاق  في الحويجة وأبو صخير أو واشنطن. حدثني عن نوعية قراء موقعنا؟

 

المحرر: يتراوح بين كتاب يكتبون في القانون والبصل والشعر والتتن والحضارة والبطيخ والاشتراكية والنقد، أي(بتاع كله) كما يقول المصري، وبين كتاب الثورة الجنسية الجديدة المنطلقة من اسكندنافيا.

المقاول مرتاحا: هل تصلكم تقارير صحفية من هناك؟

 

المحرر: وتصلنا تقارير حزبية وأمنية وجنسية. تصور أن احدهم كتب لنا والبلد يحترق يقول أن مؤخرته لم تمس حتى هذه اللحظة وهو شاعر وروائي ومترجم وناقد وباحث ومناضل سياسي ومن يدري قد يدعي غدا انه موسيقي. يقول انه مطارد لانه مبدع.

المقاول ضاحكا: مبدع؟ هل نسيت ما كنت تقوله عنه في لحظات خمرك يا عزيزي محرر زاوية الحب المثلي؟ دعك من هذا. هل هناك تواصل مع شعراء التغيير الجدد؟

 

المحرر: طبعا، طبعا. إنهم معتكفون من الستينات وحتى اليوم في نقاش حول .....

المقاول مقاطعا: الفيدرالية؟!

 

المحرر: لا. حول الريادة الشعرية. هذا الجدل تواصل  والبواخر متجهة نحو الخليج العربي حتى أن احدهم أعلن والبارجة الحربية  المدمرة واشنطن أبحرت من  البحار  بأنه" هو الذي حرك الساكن وسكن المتحرك". هؤلاء حكايتهم خاصة ونحن لا نفهمهم جيدا. عالم شعري ونفسي خاص. لكن هناك صنفا آخر من القراء يطلبون منا مقالات عن الأكل العراقي الجديد المفضل بعد التحرير.

المقاول ساخرا: وماذا سنقول لهم؟ المطرقة الحديدية على  بصل؟ الأفعى المتحرجة على بطيخ؟ الأفعى الرشيقة على فجل؟ ثعلب الصحراء على فاصوليا؟  أترك هذا الموضوع للتاريخ. قل لي بروح جدك: هل هناك معجبات برئيس التحرير؟

 

المحرر رافعا حاجبيه بنشوة: حدث ولا حرج. واحدة تذكرك بأيامك معها في باريس. الأخرى تتحدث بسعادة عن فضائلك التاريخية في تعليمها فن العوم في الحمام التركي على صور نساء عاريات في الحمام منقوشة على الجدران. ثالثة تتحدث باكية عن زمن الحنين إليك بعد أن ودعتها قبل ليلة واحدة من الحرب وأنت بعدة القتال.

 المقاول مقاطعا: أي عدة قتال جربوع؟ تضحك علي؟!هل من المعقول أنها لم تقل لك ماذا وضعت في جيبي على عجل؟

 

المحرر محرجا: قالت أنك وضعت في جيبك علبة عازل جنسي قد تستخدمه في حرب ثورية ربما تطول سنوات. هذا أمر طبيعي في الحروب الثورية حضرة الأستاذ. لا ضرورة للحرج.

المقاول: هل كتبت الافتتاحية باسمي ليوم غدا؟ بيان تهنئة للرفاق في حزب التجول الحر في الشارع؟ برقية تعزية لجماعة الاتحاد الوطني لأبي "الجعل" لمناسبة فقدان الرفيق..؟ كتاب شكر إلى جماعة  الرفق بالصرصور؟

 

المحرر جادا: بكل يقين. رغم أنك لم تطلب ذلك لكني أعرف رغباتك وأعرف مناسبات غد. يقولون عنا نحن الأدباء والشعراء نعمل في خدمة السياسي والزعيم؟ لم لا؟ إذا كان هذا السياسي ثوريا مثل حضرتكم؟

المقاول بخبث ملمحا إلى شيء خاص: تقول هذا أمامي؟ ولكنك نافقت ضدي عند كل الأشخاص الذين عرفتك بهم؟ هل نسيت؟ وحين عرضنا حالتك على الخبير النفسي في الشركة قال ان هذا هو سلوك السيد والعبد: إن "العبد" يكره سيده ولكنه لا يواجهه بهذه الكراهية فيغتابه، ينافق عليه، يحرض ضده خلسة كنوع من رد الاعتبار لكرامته الجريحة. على أية حال حدثني عن التجارة؟

 

المحرر حزينا: طلب صفقة فجل مع شركة بكتل. طلب من مؤسسة بريطانية لتدريب شرطة. مؤسسة  يابانية لتدريب سواق "شختورة" في الهور. عرض مغر من شركة كبرى هندية لبناء مجمع للحمير وتصدرها للخارج خاصة دول شمال أوربا لأن هذا الحيوان نادر هناك. وهذه فرصة جيدة لكي نتخلص من هذه الحيوانات التي دخلت في المقاومة وصارت تسبب أرقا للحلفاء الأعزاء.

المقاول ضاحكا: ألا يكفيهم ما عندهم من حمير أرسلهم النظام الفاشي للتجسس على أخوتهم؟

 

المحرر: وهناك عرض طيب من شركة فرنسية لبناء مدينة سياحية في الحبانية. وعرض لبناء مراكز شرطة من شركة ألمانية. ورسالة من المدير التنفيذي لشركة سويدية طبية متخصصة في إعادة البكارة...

المقاول مندهشا: لمن؟ لمتضرري النظام السابق؟ أم  في السجون الصديقة اليوم؟

 

المحرر حائرا: لم يذكر التقرير تفاصيل القضية. هي شركة عامة لا تفرق بين قديم وجديد. وهناك عرض فلبيني لاستنبات الشوارب الطبيعية لمن هو (ضاحكا بخجل) مثل حضرتك " أملط".

 المقاول الذي يبدو أنه كان يشرب خلسة طوال الوقت في المكتب وقد ثمل وقف على قدميه وهو يسأل المحرر ضاحكا: وهل هناك عرض لزراعة الشروج الاصطناعية بعد أن تمزقت القديمة في زمن التحرير؟    

 

9

اغتيال البراءة المبكر

 

لا يعرف المرء هذه الأيام هل هو حزين أم مسرور أم مسروق أم معتوه أم عبقري أم مكبل؟ فقد اختلطت حدود الحزن بحدود الفرح كما تختلط أغصان الأشجار، أو كما تختلط الدموع في الصرع وفي الأعراس وفي الجوائز وفي النوبات المفاجئة وفي صدمات الحب أو صدمات الكهرباء أو صدمات الحرب أو صدمات المباغتات الليلية أو صدمات التعرية الإجبارية في معتقلات السلطة أو صدمات التواقيع الإجبارية لسجناء معصوبي الأعين لا يعرفون على أية ورقة أو هاوية أو حزب أو اعتراف أو جريمة يوقعون.

 

كل منتصف ليل أفكر في عدد الأشخاص والقوى والمؤسسات والدول والأحزاب والمواسم والظروف والتقاليد والمصادفات التي حاولت بعمد أو بدون عمد تحويل العراقي من إنسان إلى وحش أو قاطع طريق أو لص أو مجرم أو أمي أو متسول، فأكتشف عجبا: إن المؤامرة على العراقي تبدأ في زمن الطفولة وعلى نحو مبكر خاصة  لأبناء الفقراء الذين ولدوا على كدس تبن في تاريخ مجهول كحشرات البرية أو أزهارها بدون ملعقة ذهب أو فرقة موسيقية أو حفل  أو شموع.

 

لا تبدأ المؤامرة على حياتنا، نحن الأطفال الفقراء، من هذه النقطة وحدها التي تبدو استثنائية، بل من مواقف وحالات وأوضاع أخرى أكثر عنفا وشراسة ومأساوية. لمن نغفر اليوم؟

 

لشمس الظهيرة التي كانت  تدور على رؤوسنا في البراري المشتعلة، المحرقة، الملتهبة، فنحتمي تحت ظلال القطعان،أو تحت الشوك ونضع ثيابنا المبللة على شكل مظلة ونقضي نصف النهار في الترعة أو النهر لكي لا نحترق في تلك الظهيرة المهلكة؟أم نغفر للرغيف المر؟

 

لمن نغفر؟ للجار الغني الذي ينصح طفله بأن لا يمشي مع هؤلاء الأطفال الفقراء ؟ كيف نتصالح مع هذه الجروح النفسية العميقة التي حفرت في الروح مغارات وأوكارا وثقوبا سود؟

 

لمن نغفر؟ لمدير المدرسة الابتدائية الذي كان يقف أمام الباب الرئيس كما يقف ملاك الموت وفي يده عصا تكفي لإسقاط ثورة أو قارة أو سفينة أو طائرة أو براءة طفل؟لمن نغفر؟ لمعلم الدين الذي كان يأخذنا عنوة في المساء، وقت اللعب، إلى الجامع بالقوة،كي تتهشم هذه البراءة الغضة على صخرة التهديد والوعيد والرعب من الأفاعي والوحوش والنيران والمذنبين الذين يسبحون في جهنم بدون رحمة أو أمل، حتى صارت صورة الله الجميل الرحيم في نظرنا هي صورة شرطي لا يرحم؟

 

أم نغفر لمعلم الرياضة الذي كان يجلدنا في زاوية الدرس حتى نتساقط في سلة المهملات من الألم ويطلب من بعض تلاميذه المجيء في المساء لأغراض دنيئة لا يدركها عقل وخيال  الطفل؟ هل نغفر للتربية المزدوجة والمنافقة التي جعلت العراقي اليوم يقوم بكل الأفعال المتناقضة من الصلاة إلى السرقة، ومن الدفاع عن الحرية إلى السطو على مصرف، ومن الشعر إلى الشذوذ، ومن الدعوة إلى الديمقراطية إلى الدعوة للممارسة حكم الإعدام؟ كل الأفعال المتناقضة والمتقاطعة والشنيعة في السلوك النمطي المعياري العراقي هي مقبولة ومفهومة ومبررة وممكنة لأن نظام المعايير، أي نظام القيم، معطوب ومتغير ومزدوج من شخصية  تعاني من تصدع وتشوه علني حتى صار عاديا وطبيعيا كظاهرة يومية مألوفة.

 

معلم الرياضة قومي، معلم التاريخ شيوعي،مدير المدرسة مستقل،وكل واحد يقول لك لا تصدق بالمعلم الأخر.والمناهج متناقضة.والأسرة تعلم عكس المدرسة.والحزب الحاكم أو المعارض يعلم عكس الأسرة والمدرسة والمجتمع والتاريخ.فكيف يتوازن طفل في مؤسسة تربية منحطة بدون معايير منسجمة أو موحدة أو منسقة؟ بمن نصدق؟ ولمن نغفر اليوم؟ نكبر قليلا ويكبر معنا شجر الحزن والتشوه والتناقض.

 

كل ثلاث أو أربع سنوات نمزق صورة رئيس الدولة من الكتب المدرسية بعد كل انقلاب، وهذه ليست صورا فحسب، بل في نظرنا نحن الأطفال الصغار،نمزق مجموعة قيم ومعارف وذاكرة وتقاليد يقال لنا مرة،بالقوة،والإكراه، والضرب، انها صحيحة وعادلة وخالدة، ثم في وقت آخر يقال لنا بالقوة والضرب والإكراه انها عكس ذلك.

 

على أي شيء، مبادئ، أو قيم، أو معايير، أو مرجعيات، أو أعراف، سيتعكز هذا المجتمع الذي تأسس على هذه القيم المنحرفة والمرفوضة والمتغيرة؟ لاشك ان مثل هذا المجتمع سينتج الشخص المختل والمتناقض والمهرج. قد تجد شخصا، مثلا، لا يكذب  لو قتل، لكنه ينافق، وقد تجد شخصا لا يأكل مالا حراما لكنه مصاب بهوس الكذب، وقد تجد شخصا كريما ولكنه صفيق الخ. الخ.  هذه الأفعال المزدوجة نتاج معايير مزدوجة في الدولة، والمجتمع، والأسرة، والثقافة.

 

ليس غريبا ولا نادرا أن يأتي صديق ليحدثنا عن أبشع الافعال قام بها ضد انسان آخر ونحن نضحك لأننا نؤمن عن قناعة عميقة ان نظام القيم والأخلاق ونسق المقاييس لا ينطبق على الآخرين بل على الحلقة الضيقة فقط، وهذا هو اللغز الدفين الذي يجعل اختلاف وتقاطع وتناقض وجهات النظر عند تقييم شخصية ما، لأن من طبيعة هذه الشخصية هي أنها تعطي انطباعات متباينة حسب الناس الذي تلتقي بهم ومدى قربهم من الحلقة المشمولة بالتطبيق الأخلاقي: فهو مثالي في حلقة الأصدقاء الأقرب، لكنه محتال مع آخرين، وهو صادق مع الحلقة الأولى، لكنه خسيس مع من لا يعرفهم...الخ.. وحين تلتقي كل هذه الدوائر  والحلقات المتقاطعة من الناس في تقييم هذا الشخص يجدون صعوبة في ضبط ملامح شخصيته ليس لأنها شخصية قوية وعميقة وغامضة بل لأنها شخصية مهزوزة منهارة متصدعة ذهنيا وأخلاقيا وفكريا وبنيويا رغم كل الاستعراضات العلنية. وهذا التصدع، وتعدد الوجوه، ليس جريمة فردية بل هو جريمة سياسية اجتماعية تاريخية لأن الذات تبنى خلال قرون.

 

 الفرق كبير بين خطأ السياسي ورجل الحزب والدولة وبين خطأ الفرد العادي خارج المؤسسة ودائرة القرار المصيري. الأول يقلب مصائر الناس، والثاني قد لا يؤذي إلا نفسه أو الوسط القريب. ومن غير المنطق  وضع  أخطاء الفريقين في منزلة واحدة والقول من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر على أساس أن الناس كلهم خطاة .

 

لكنه التاريخ يمشي على رأسه في هذه الفاصلة الصعبة من الزمن حين تتغير المعايير وتنقلب الأدوار في لحظات المنعطف لأنه لا القديم يموت ولا الجديد يولد بتعبير غرامشي فتظهر سلسلة طويلة من التشوهات المرضية والاجتماعية والسلوكية فينحط الضمير ويرتفع مستوى الذكاء وهذه من علامات انحطاط الامم. الفاشية خرجت من منازلنا ومدارسنا وقيمنا قبل كل شيء وآن الأوان كي نعترف ونصحح ونحذر.لمن نغفر؟ ثقافة المراجل  امتدت للسياسة. صارت ثقافة الموت هي الغاية والهدف والشجاعة: ليس شجاعا من لا يموت تحت حذاء أو هراوة أو مطحنة ولو كان لا يملك سر ثورة.دعم ثقافة الموت تحت الأحذية. من يتألم أو يصرخ أمام الجلاد جبان.الشجاع هو من يموت بلا صرخة أو هزة جفن أو رعشة. ان جسد المناضل، يقولون، مفرغ من المشاعر، ومعبأ بالمبادئ.هو ليس جسدا، بل حشوة تبن أو كيس ملاكمة. حين اقتربنا من هؤلاء اصحاب هذه الشعارات في المنافي صدمنا بأجساد محشوة برغبات صدئة وحشية منحلة وان شعارات الموت مخصصة للفقراء والمهمشين والمنسيين. مدرسة صنع الحجر هذه وموت المشاعر يجب أن تزول ونعلم الأطفال كيف يتألمون، ويصرخون من الألم، وكيف يحزنون من الإهانة وكيف يعبرون عن الألم علانية، ونعلم الأطفال ان السجن السياسي عار، التعذيب عار، ونزع جلود الناس أو أفكارهم أو أرواحهم أو مشاعرهم عار وجسد الإنسان مقدس.

 

الإنسان يبكي.يتألم.يحزن. يخاف. يقلق. هذه مشاعر إنسانية وعادية وطبيعية  ولا علاقة لها  بالبطولة أبدا. إن الأبطال والبطلات يبكون ويبكين كما في كل أساطير التاريخ. والذين علمونا على ثقافة الموت هم الجبناء السريين الذين يهربون من المواجهات ويعودون في نهاية كل مجزرة كزعماء ومنتصرين .مقياس الصمود في السجن ليس في عدد دورات الفلقة أو عدد نوبات التعذيب أو عدد الأحذية التي تمزقت فوق رؤوسنا، بل في الكراهية الداخلية والعميقة للجلاد وسلطته، في الرقة الانسانية، وفي العذوبة، واللطف، و في الجمال البشري الدافئ والداخلي المشع لأن الجمال أناقة داخلية هادئة سرية كالينابيع، كالصلاة، كالنشوة، كالحب، كنعاس الصوفي.كل قوانين العالم ترفض قبول مواقف فرضت على الناس وهم تحت التعذيب أو تحت الضغط أو تحت الترهيب أو تحت الابتزاز.لا يمكن إجبار الناس على الكلام أو إجبارهم على الصمت أو الانتماء تحت الأحذية و التوقيع تحت فوهات المسدسات ولا يجوز محاسبتهم على ذلك أبدا لأنهم ضحايا. الذين يعاملون الضحايا بناء على قوانين وأخلاق وشروط ومعايير السلطة، هم أكثر حقارة من السلطة نفسها.

 

 لذلك ليس خطأ فادحا، بل انه جزء من منهج وعقلية حزب عراقي يساري أنه كان يقابل الفارين من جحيم السلطة من جنود وعمال وأطباء وفلاحين ومهندسين وكتاب وضباط وباعة طرق  على أنهم كانوا في الحزب الفاشي الحاكم، ولا أعتقد أن هذه السياسة الغبية التي تفتقد لبعد النظر والحكمة ستتوقف لأنها صارت من صميم  التكوين الفكري والسياسي والتنظيمي والذهني لهذا الحزب، مع الأسف الشديد، حتى أنه  صار مدرسة في هذا المجال يعرفها حتى الصبيان لكنه لا يجد حرجا من أن يكون حذاءً لجنرال محتل. ان لغة التبرير قادرة على تحويل كل شيء الى ضده.

 

لمن يغفر الأطفال الفقراء؟طفولة هشة غضة تصدم بمئات الحفر والفخاخ والكمائن.جارك على اليسار يريدك أن تصير ماركسيا.على اليمين يريدك أن تكون قوميا. الجار الثالث يريدك أن تكون شرطيا.الجار الرابع يريدك أو تكون منحرفا.الخامس يريدك أن تكون قاطع طريق.السادس يريدك أن تكون عضوا أو شهيدا في حزب ديني.السابع يريدك أن تكون قوادا.الثامن يريدك أن تكون عاقلا ولا تتدخل في شأن.التاسع يريدك أن تكون مهتما الغرام والموسيقى والمسلسلات وتنسى الدنيا وما فيها.العاشر يريدك أن تكون ساحرا أو مشعوذا أو دجالا.الطفل غض وهش وقابل للكسر.كيف يتجاوز كل هذه القوى والمؤسسات دون أن يتهشم الطفل والطفولة من الداخل،أو يتشوه أو ينكسر في داخله اليقين الضروري بقيمة الإنسان؟ ورغم كل هذه السنوات المجنونة والداعرة والقاسية والتي تصيب قارة بالألم والجنون وفقدان التوازن، لا يحق للعراقي فيها أن يمرض أو يصاب بكآبة أو ذهول.لمن يغفر الأطفال الفقراء؟هم وحدهم عزل في مدنهم. عزل في المنافي. الفقير لا وطن له.هم سلع وعناوين عريضة في صحف اليسار واليمين. هم الموتى في السجون وحطب الحروب وعلف المدافع.المؤامرة على حياتنا بدأت في عمر الطفولة، وان الفاشية خرجت من المنازل والمدارس والأحزاب والعقول والتاريخ وصارت مؤسسة شرسة. بدأت من ضرب الطفل على  لعبة أو رغبة أو شهية أو زلة لسان أو علاقة أو كلمة أو وجع. هنا يتم تنمية الكبت والكذب والخوف وزرع عقدة الشعور بالدونية ومخاوف من الآخر، وحذف المغامرة الفكرية، والتركيز على مغامرة القوة والجسد:أي تنمية الثور في داخل جسد الطفل.

 

تبدأ الفاشية من سلوك العزل: لا تلعبوا مع الأطفال الفقراء لأنهم نجس وقذارة. لا تقتربوا منهم لأنهم بلا أخلاق. لصوص. وحوش. تبدأ حين تفرض على الطفل مقاييس ضخمة لا يدركها أبدا: حين يتم إخضاع سلوك الطفل العفوي البريء لتفسيرات وهمية، أكبر من إدراك الطفل ويحرم من اللعب مع ان علم النفس الحديث يؤكد على دور اللعب في تنمية شخصية الطفل، وعلى ان اللعب الطفولي علم وفلسفة وذوق.

 

تبدأ الفاشية أو بذور الدولة الفاسدة حين يتحول معلم الدين إلى جلاد يزرع في ذهن الأطفال صورة الإله الشرطي الذي يطارد الناس في الشوارع ويحاسبهم على ما في قلوبهم في الاماكن العامة مع ان وقت الحساب مشروط بنهاية عمره على الأرض.

 

تبدأ حين يغيب في المدرسة والحزب والمجتمع حس العدالة، ويصبح كل تافه قاضيا، وكل فرد متهما، بدون مناقشة أو دليل أو وثيقة أو شاهد نفي أو أثبات أو فرصة المتهم أو المحامي أو قاعة أو جمهور وحين يصبح كل شخص يحكم بناءً على معاييره الشخصية حتى لو كانت معاييره مبتذلة. تبدأ الفاشية حين يشتم المدير معلميه أمام التلاميذ ويعانقهم في الطريق،وهنا يتعلم الطفل عاهة الازدواجية والانفصام والسلوك الملتبس والمشوه. حين يشتم رب البيت ضيوفه أمام الأطفال بعد خروجهم. والزوجة خلف زوجها أمام الأطفال. حين نحبس الإنسان في خزانة واحدة، وفي موقف واحد، ولا نسمح له بالخروج أبدا، مع ان الإنسان موجة تحولات مستمرة متواصلة لا شاطئ لها من الولادة وحتى الموت.

 

تبدأ الدولة القهرية من تناقض المرجعيات والقيم والقواعد والأعراف والتصورات الأخلاقية. من هذه اللحظة تبدأ المؤامرة على حياة الطفل ويصبح القيام بكل الأفعال المتناقضة عاديا لأن نظام المعايير مزدوج ومعطوب والذات متصدعة، و من هذه الشرائح، لا من غيرها،يتشكل النظام السياسي القادم.

 

هذه القيم المتناقضة،والتربية المزدوجة، في الأسرة، والمدرسة، والحزب، والمؤسسة، والدولة، والثقافة،والدين،والأخلاق، ستخلق المواطن الهش، المواطن غير المتوازن، المواطن الخائف، المعوج.الإنسان لا يعيش ويتوازن على نصائح أخلاقية أو سياسية مهما كانت صحيحة، بل على  وضع اجتماعي واقتصادي ثقافي مستقر. الخائف لا يمكن أن يكون نقيا وعادلا ونزيها. المجروح في ضميره لا يرى الأشياء في حجمها الحقيقي، لأن الجرح النفسي يضخم أو يصغر من أحجام الأشياء والمواقف. الجائع، كما أفتى بذلك أبو حنيفة، لا يصلح أن يكون شاهدا في محكمة لأنه لا يرى بوضوح.الجوع كفر(لو كان الفقر رجلا لقتلته) كما يقول علي بن أبي طالب. الجوع عتمة. الجائع أعمى. كيف يتوازن العراقي وهو يعبر من الطفولة إلى القبر على هذا الحبل الدقيق بين الهاوية وبين الحبل؟ حتى إيقاع المشي للمقموع  يصبح مختلا. أية مقارنة بين مشية العراقي ومشية المواطن السويدي مثلا أو السويسري أو الفرنسي، نجد أن العراقي يتعثر في مشيته بالحذاء أو البنطلون أو الرصيف أو المارة أو يتعثر بأحزانه.القمع يشوه. الذين قالوا ان القمع يشوه الحياة، لم يكونوا حكماء أو فلاسفة أو مفكرين فحسب، بل كانوا علماءً وأطباءً وأصحاب مختبرات طبية وعلمية.يتعارض الخوف مع الإبداع. يتعارض الخوف، مهما كان شكله ومصدره،مع الفرح البشري ومع المشي المتوازن لأن الايقاع الجسدي هو ايقاع ثقافي ونفسي ومعرفي.الخوف يؤدي الى خصاء عقلي أو شلل وتجمد. حين أتأمل حياتي بدقة وهدوء أشعر بالدهشة كيف أني لم أصبح قاطع طريق أو نشالا  أو جلادا  أو وحشا.

 

ان تنجو من كل هذه الفخاخ، وتكون إنسانا سويا، فهذه مفخرة عظيمة. لكن أن تنجو من كل هذه الفخاخ  وتصير كاتبا  تتحدث عن الجمال والبراءة والأمل والسعادة والحب والوضوح والخير والخلق والرواية، فهذه معجزة.ان تأتي من المرعي، أو بيوت الطين، وتكوّن وجودا خاصا مختلفا ومستقلا فأنت  مهيار الذي تحدث عنه أدونيس:(إنه الريح لا ترجع القهقري والماء لا يعود إلى منبعه/يخلق نوعه بدءا من نفسه ـ لا أسلاف له وفي خطواته جذوره.يمشي في الهاوية وله قامة الريح). إنه الأعزل الذي  لا أشباه له ولا أسلاف ولا بداية عدا خطواته.

 

10

الإمام المسلح

 

في السجون الإيرانية التي يقال لها بيوت الضيوف عام1988 وهي مأوى للفارين، كنت أقيم في المكتبة التي وجدتها في السجن الاهوازي في سرداب يعود إلى مسؤول هارب من النظام السابق قد يكون من رجال السافاك أي البوليس السري ولا يخلو الأمر من مفارقة حين أكون أنا الروائي الهارب من الحرب(حرب الخليج الأولى) مقيما في منزل لرجل تعذيب هارب هو الآخر .

 

 الأمر يشبه واحدة من حكايات الكاتب بورخيس، حيث الزمن يدور، والمشاهد تتكرر، والوجوه تمحي، ثم تظهر، ويكتشف الميت قبل موته بلحظات ان الشخص الذي يقرأ على وجهه الفاتحة يشبه وجهه هو، فيصاب بالذهول ولا يعرف من هو المشرف على الموت، وفي غمرة الذهول ينقطع الخيط، ويغرق أحدهم في العتمة.

 

في هذا السرداب، المكتبة، عثرت على الوجه الآخر للتاريخ المخفي، والملغي، والمحذوف، والمنسي، والذي يراد طمسه بالقوة والسجن والموت والنفي والحرق والتشويه، أي تاريخ التمرد الاسلامي.

 

إن السجن في مكتبة بالنسبة لروائي هو نوع من الولادة  للمخيلة، خاصة إذا كان هذا الروائي قادما من ساحة حرب لا مجال فيها لحظة واحدة للتفكير أو التأمل.

 

أتذكر اليوم الأول في هذا السجن حيث تعرفت لأول مرة على الهواء الصافي والزرقة العميقة والشفافة للسماء، والهدوء المثير لأزهار حديقة هذا السجن الأجمل من حرية الأمس في ساحة موت، وفي السجن بدأت أتعرف على عناصر الطبيعة لأول مرة ايضا وأشاهد تفتح الأزهار قرب الحيطان أمامي ، ولا يقطع الهدوء فيه غير صخب العصافير المشاكسة، الأمر الذي نسيناه كل تلك السنوات القاسية، سنوات الجمر. في هذا السجن وجدت هاشم .م. ـ فنلندة اليوم ـ وحميد البغدادي ـ كندا ـ واسماعيل الشيخلي ـ هولندة ـ وغيرهم الكثير).

 

لكن أكثر ما أثارني، إثارة عميقة، هو تاريخ التمرد الشيعي، والسجن، والنقاء الصوفي، بمعنى صفاء القلب، ونزعة الموت من أجل قضية عادلة، وترقب القتل على أنه جزء من طقوس حفل تتويج الإمام.

 

كنت أبحث في المكتبة ليل نهار كما كان بورخيس يبحث في مكتبة بوينس آيريس، عن تاريخ الحضارات، وعن مجلدات الف ليلة وليلة، ومنطق الطير لفريد الدين العطار الذي سيستخدمه في حكاياته الخالدة.

 

لم تظل تلك المكتبة الفريدة، وكل كتاب فيها عبارة عن متاهة جديدة، على صورتها الأصلية، بل أخذت تتغير كل يوم، في الأقل بالنسبة لي: فكل كتاب اسحبه من المكتبة هو حشد من الشهداء والمشنوقين، والمنفيين، والمقتولين بالسم أو العنب أو العسل، وحكاية" جنود العسل" ستتكرر في كل زمان وحتى  زمن الثاليوم.

 

كنت بحاجة إلى من ينظم لي هذا القتل العلني، وهذا الجرح المفتوح، النازف، فكان المفكر المرحوم مطهري الذي قتل علنا في الشارع بعد الثورة حين ناداه شخص من بعيد باسمه، وحين استدار  انهالت عليه ذخيرة الموت، تحت القمر، مثل الشاعر الاسباني لوركا، ليتحول من بعد، مثل كل هذه الأشياء في هذه المكتبة العجيبة، إلى كاتب وقتيل وجثة في رف من هذه الرفوف في سرداب التاريخ، وغير مطهري من قام بتنظيم هذا الجرح وسد الفجوات والثغرات ومناطق العتمة في التفكير.

 

هذه ليست المرة الأولى أجد كتبا في سرداب، بل بعد الخروج من هذا السجن، حين صرت طليقا في طهران، وجدت نفسي يوما في سرداب آخر، هو طابق سكني لمجموعة من الأصدقاء، ومن الفارين، في عمارة في شارع " ولي عصر" الكبير، أكبر شارع في إيران، والمضاء بملايين الأضواء، ولا تنقصه غير الموسيقى الممنوعة، وفي هذا السرداب رأيت لأول مرة السيد عز الدين سليم أبو ياسين(آخر رئيس لمجلس الحكم الانتقالي  الذي اغتيل) وزعيم حركة الدعوة الإسلامية.

 

 ذاك السرداب عاش في مخيلتي سنوات طويلة حتى كتبت عنه في سيرة روائية(الأعزل) فصلا مختصرا، لأن الظروف غير مهيأة وقتها للحديث عنه بصورة أوسع خاصة وأن رجال السرداب كانوا من أصحاب المهمات الخطرة، وتقتضي الأمانة، حتى وأنا على حافة القطب الشمالي، تجنب وصف المكان، أو الأسماء الحقيقية، أو طبيعة العمل في الداخل، أو نوع الحياة، أو الأشواق الإنسانية الحارة من رغبات ومشاعر، وكل ذلك أفقدني قدرة الكتابة بلغة روائية عارية، ورسم الشخوص كمخلوقات تعشق وتتألم وتشتاق وتموت أيضا في سبيل قضايا كبرى تستحق الموت وأحاول اليوم اعادة صياغة شاملة ونهائية لتلك الرواية.

 

لكن مكتبة السجن كانت أكبر، وكان يمكن التجول فيها عبر التاريخ، والمعارك، وقراءة الوجه الآخر للتاريخ المنسي، والمحرف، والمطمور، والمشوه، والمسكوت عنه. الفارق بين سرداب السجن وسرداب  شارع ولي عصر  هو في كون الأول يتضمن كتبا عن تاريخ مضى، والسرداب الثاني يتضمن رجالا يصنعون التاريخ .

 

كنت أستطيع في مكتبة السجن شم رائحة عطر، عبر الصمت وغبار الكتب، تلك العمائم الباسلة وهي تخوض، على الخيل والليل والرمل والخطر، معارك التاريخ الكبرى بدون كاميرات ولا أضواء، حتى وقعت في حب هذا السجن المحرر  من حرية كريهة.

 

من خلال كتب المرحوم مطهري تعرفت على الوجه الآخر للإمام المهدي المنتظر، القادم، والمختفي، حيث كان هذا المفكر يتحدث عن الظهور والعودة بلغة لم أجدها في مكان آخر.صحيح ان فكرة انتظار المخلص والمنقذ هي فكرة قديمة جاءت في الكتب السماوية وغير السماوية(كل شعوب العالم في حالة انتظار) بل ان فكرة الانتظار موجودة في التقليد اليهودي، والمسيحي، والسومري، والصابئي، والبوذي، وفي حكايات قراصنة الفيكنغ الاسكندنافيين، لكن الانتظار الشيعي مشروط بعودة الحرية عن طريق الإمام المسلح.

 

يسمي مطهري هذا الانتظار بـ (الانتظار الإيجابي) أي الانتظار القائم على فكرة العمل والحركة والتغيير وعلى الأمل الإنساني المشع نقيض الياس والقنوط والقعود والانتظار اليائس والسلبي.

 

إن شرط (ظهور) الإمام المسلح هو إعداد الأرض، أرض المعركة، معركة الحرية، وهذا  هو جوهر فكرة الثورة القادمة، أي بلغة أهل السياسة اليوم، توفر الشروط الموضوعية لكنها ليست شروط الثورة كما فهمها الفكر اليساري العربي على يد (الرفاق) الذين أسسوا مستشفيات أو(سجون نفسية) وهو تعبير دارج في الإتحاد السوفيتي سابقا، والسجون النفسية، أو (مرضى رغم أنوفهم) وهو عنوان كتاب مخيف للعالم النفسي أناتولي كوياجين كان طبيبا في تلك السجون النفسية، هي مصحات إجبارية للمنشقين، يتم وضعهم تحت العلاج القسري، وبالاتفاق مع الأطباء، على أن يشعر المنشق، وهو عادة كاتب أو شاعر أو روائي أو رسام أو مثقف، بأنه مريض بالفعل، ولا يوجد أتفاق مع الأطباء عنه، ويتم التشهير به على هذا الأساس في كل مكان، وقد تم تحطيم حياة مئات الكتاب والمثقفين بهذه الطريقة القذرة، أي طريقة التشهير بالمخالفين على أنهم(مرضى ومعقدين) وهي ذات الطريقة التي سيستخدمها بعد ذلك أيتام ستالين في العالم الثالث في مطاردة المنشقين، أو المخالفين، أو المحتجين على سلوك أو نهج أو ممارسة أو أفكار. لمن يريد المزيد عن هذه الاساليب بتهمة"المرض النفسي"عليه العودة إلى مجلة" نزوى"www.nizwa.com العدد التاسع عشر، كي يطلع على مقالة أناتولي كوياجين عن "السجون النفسية" التي صارت منهجا وعقيدة وسلوكا سياسيا شائعا في تقاليد الأحزاب الشيوعية الرسمية.

 

 إن فكرة الانتظار ووعد الخلاص والأمل هي مشاعر مشتركة بين شعوب الأرض وهي تقوم على تقنية روحية ونفسية لمقاومة الياس والقنوط والموت والخوف، وتنشط هذه الفكرة على نحو ملح في ظروف القهر السياسي والإنساني البشع.  

 

إلى اليوم أشم رائحة تلك الكتب في ذلك السجن المنقذ الذي حررني من كثير من السجون العقلية ومن أفق ضيق كان يرى في طقوس الموت والميلاد والانتظار  حزنا على سقوط(قمر بني هاشم) مضرجا بالحرية.  اليوم نجلس على مشارف الطرق ومشارف التاريخ وننتظر، على نار، مثل كل المقهورين، ظهور هذا الامام المسلح من بين الضباب والعتمة واليأس واكواخ الطين.

 

11

الوطن الصديق والوطن الاسطبل

 

كما تشتاق خنفساء لزيارة ثقبها، وكما يشتاق جلاد متقاعد إلى قبوه القديم، وكما يشتاق مجرم إلى مكان جريمته، ونملة إلى جحرها، وطائر إلى عشه، وجثة إلى نبضها، وشفة يابسة إلى قبلة، ونهر إلى مجراه، وشحاذ إلى رصيف، وسكير إلى حانة، وكلكامش إلى الخلود، وكما يشتاق الطاغية إلى قصره القديم، وسنونوة مهاجرة إلى كنيسة جبلية منعزلة، أشتاق لزيارة وطني.

 

فزيارة الوطن حق مثل الهواء، والحب، والصداقة،والموت،  والاحتضار، والجنون، والطعام،والعشق،والانتحار،والكتابة، والنوم، والسكن، والعقيدة. لكن الوطن الذي يستحق الزيارة هو الوطن الصديق، الوطن القانون، الوطن العادل، الوطن الحر، المسالم، الجميل، الكريم، العذب، الوطن الذي يكون فيه القاضي صديقك في المقهى والشارع والمنزل وقاضيك في المحكمة كأنكم غرباء.والوطن الصديق هو الذي يكون فيه صالون الحلاقة هو صالون حلاقة فعلا لا وكر مخابرات.والمقهى مقهى ولا توجد فيه غرفة تعذيب خلفية ملحقة.

 

الوطن هو رصيف تمشي عليه وأنت تغني بكل طمأنينة الأغنية التي تريد، وليس رصيفا عليه عشرات من علامات المنع والزجر والخوف من ممنوع الوقوف إلى احذر توقف العجلات هنا إلى مكان خاص إلى منطقة محرمة... الخ.

 

الوطن هو حديقة  تستلقي فوقها مع صديق أو عائلة دون أن تخاف من سيارة تتوقف فجأة لتجد نفسك معلقا دون أن تدري على شجرة مجاورة كي ترى الغزالة.

 

الوطن هو ديوان شعر تحبه أو ترفضه ورواية تكتبها دون رقيب وامرأة تعشقها حتى الموت دون وصاية من الحزب والعشيرة والعائلة والجيران والأصدقاء والأقارب وزملاء المهنة وزملاء المقهى، وأصدقاء المحلة، وشيخ الجامع، ومفتى الطرف، ومسؤول البلدة الحزبي، ونسوان الحارة، وآمر الثكنة، ومختار الحي، وكتاب الخواطر التافهة والخ ..

 

الوطن هو خروف عيد تشتريه متى تشاء كي تمارس طقسك الديني أو العائلي أو الاجتماعي، لا أن تتحول أنت إلى خروف بيد دولة قهرية تذبحك متى تشاء وبدون الحاجة إلى قواعد الذبح على الطريقة الإسلامية أو غيرها.

 

الوطن هو رئيس جمهورية تكتب له غاضبا أو تصافحه في الشارع دون أن تجد نفسك في قبو سري مظلم أو في حاوية زبل على أطراف البلدة أو مشحونا في قطار وقد كتب عليك (كيس بطاطة تالف).

 

 والوطن هو صديق تزوره منتصف الليل دون أن تسهر في سرداب تحت الأرض عاريا كقرد نزل توا من الشجرة بتهمة التآمر على الغيب أو القصر أو المطر أو الخطوط الجوية.

 

والوطن هو خطأ إنساني تمارسه بكل عفوية وجمال وعذوبة خاصة لأن هناك  اخطاءً انسانية لفرط براءتها تكاد ان تكون قصيدة حب أجمل من كل الاشياء(رأيك صواب يحتمل الخطأ، ورأيي خطأ يحتمل الصواب) وجاء على عدة وجوه، كما قال أحد شيوخ الفقه والمنطق والحكمة. ليست هناك حدود قاطعة بين المواقف وكل شيء نسبي احتمالي تقريبي والفكر طبقات مختلفة وليس سطحا ظاهرا كالنص، كالبحر، كالحب، كالأمل، كعناق النسيم لنوافذ الصيف كما يقول فلاسفة الاختلاف الجدد.

 

والوطن هو جريدة تشتريها من أي كشك أو رصيف متى تشاء دون أن تجد نفسك بعد الشراء معلقا في مروحة فندق أو في غرفة خلفية في المكتبة نفسها أو في جامع أو في مجمع للأوساخ أو في كيس كتب عليه : خل فاسد.

 

والوطن هو فندق تنام فيه وتعترض على صاحبه، مثلا، على وساخة الوسادة دون أن تجد نفسك مرميا بعد منتصف الليل قرب حاوية  الفضلات كما جرى مع كاتب هذه السطور يوما في فندق في شارع السعدون.الوطن هو شرطي تصافحه في محطة سيارات دون أن تهرب منه أو يتلصص عليك.

 

رئيس تحرير صحيفة يغضب عليك أو تغضب عليه في الصحيفة نفسها في النهار، وتذهب معه في الليل إلى أقرب مشرب  أو جامع  أو ضريح أو كازينو أو كنيسة كأصدقاء.

 

الوطن هو ناقد أدبي يكتب عنك دون أن يعرفك، لا أن يكتب عنك بناء على توصية أو تزكية أو معرفة أو علاقة أو حساب مدفوع.الوطن هو حلم تحلمه لحسابك الخاص دون أن يشغلك أحد به  ومكان تقرر وحدك أن تعيش فيه أو تموت فيه دون تدخل من احد. اذا لم يكن  من حقنا ان نختار أوطاننا، فمن حقا في الأقل أن نختار منافينا أو أقلا" أقلا" قبورنا. والوطن هو سجن مكشوف تدخله حسب القانون، وليس سردابا تحت فندق أو معمل أو مدرسة كتب على بابها، تمويها من لجان حقوق دولية، إذا كان لها باب: مصنع  طرشي.

 

هو قصة حب مجنونة تعيشها وحدك تماما بعنف وتطرف كعصفور مخمور يسبح في الفضاء الأزرق حتى يسقط ميتا للمرة الأخيرة دون بلاغات او بيانات أو تفسير أو شرح. فالحب كالموسيقى، كالنشوة، كالموت، تعيشه وحدك وتموت به ومعه وحدك.

 

والوطن هو برلمان تصنعه وتعترض عليه دون أن تتحول إلى برميل قمامة في ولادتك الثانية بعد الطحن أو الثرم. الوطن هو حمّام سباحة تسبح فيه منتشيا، وأنت في ثوب السباحة كرضيع ولد توا، دون أن تجد نفسك في فم تمساح أو فهد أو نمر مُلك لابن مسؤول كبير أو صغير أو خادمه أو سمساره.

 

أو تجد نفسك بعدها تسبح في حوض خردل أو تيزاب وتتحول إلى ضباب أو غيب أو ذكرى أو وهم.الوطن هو جواز سفر تسافر فيه كسائح محترم في المطارات دون ان تعامل كلص او هارب أو إرهابي.الوطن هو كلمة (لا) تقولها دون أن يتحول جلدك إلى حذاء في مصنع للأحذية أو معطف لجنرال بدوي مخصي.

 

هو كلمة(نعم) تقولها وأنت مطمئن بأنك ستعود إلى دارك، لا أن تختفي في نفق أو قبو عشرات السنوات ويقولون لأهلك لم يصل دائرة الأمن حتى اليوم لأنه لم يمر بالسجن، وشاخ في الطريق وهو في دور المراهقة، وذهب مباشرة إلى المقبرة اختصارا للروتين.

 

والوطن هو حوار مع صديق أو حزب أو مسؤول أو وزير أو جريدة  في مقهى أو عمل أو شارع أو حافلة أو مؤسسة وتعود بعده إلى منزلك وأنت بكامل ملابسك الخارجية والداخلية.الوطن هو طبيب تعترض على غلطته المميتة بحياتك أو حياة غيرك دون أن تجد نفسك بعد هذا الاعتراض في عيادة تجميل بعد أن تم تقليص أنفك، حاجبك، ذراعك،  وزنك إلى مستوى وزن خفاش أو فراشة أو رأس بصل كي لا تعاني من مشكلة في الزحام أو السكن أو الملابس.

 

الوطن هو سائق تاكسي تركب معه وأنت في تمام طمأنينتك دون أن تجد نفسك، بدافع الشك أو النصب أو الحقد، في ضيافة جهاز سري تخرج منه، إذا خرجت، وقد تعلمت أصوات كل الحيوانات الضارية والداجنة، وحتى سيارات الشحن والقطارات.

 

 الوطن حذاء تشتريه متى شئت وجواز سفر تستحقه كما تريد،وكأس حليب تشربه في الصباح بكل هناءة كما يقول الشاعر اليوناني كافافي. هو لباس داخلي تلبسه متى تشاء وتخلعه متى تشاء دون أن يخلع لك في مديرية الأمن العامة لدواعي السرعة والتهذيب والأمن القومي.

 

الوطن هو زجاجة بيرة من نوع(لاكر) الذهبي تشربها من فوق، لا من تحت بسبب موقفك الآيديولوجي أو القومي أو الثقافي لأن أقصر الطرق إلى العقيدة والحزب والتاريخ تمر من هذا الثقب. الوطن فراش وثير ونظيف تنام فيه متى تريد دون أن تجد شرطيا تحته يعاتبك على شخيرك بعد منتصف الليل.

 

الوطن هو فيلم سهرة على الذوق، لا حفلة جلد على شكل خطاب رئاسي.وهو لعبة بريئة تلعبها برغبتك.وسيارة نجدة تطلبها متى تحتاج وتأتي لنجدتك لا لتحويلك في لحظات إلى معجون طماطم لأنك تجاوزت على نزهة مسؤول كبير مع كلبه، أو حتى تجاوزت على كلبه، أو حتى محاولة عض كلبه أو إخافته.

 

والوطن هو مرآة تجد وجهك فيها في غرفتك، لا أن تجد فيها عشرات الوجوه تحدق بك من الخلف.الوطن هو مفتاح باب تقفله متى تريد وتفتحه متى تريد لا أن يفتح في غيابك وفي حضورك وأنت تتفرج جالسا على الأرض ككلب كسرت ساقه الأمامية.

 

والوطن جار وليس مخبرا سريا.هاتف وليس عصابة إنصات.حبة أسبرين لا حبة ثاليوم ،والوطن عصير تشربه لا قطرة سم مدسوسة كي تموت على مراحل وببطء مثل بعير أجرب متروك في البرية.هو رسالة من صديق أو عزيز تصلك في الخارج وليس رسالة فيروسية. والوطن هو غابة تدخلها وتخرج منها وليس حقل تجارب لحشرات أو أرانب أو سجناء أو أسرى.

 

هو سيارة لن تتوقف، فجأة، قربك لتجبرك على الصعود إلى الهاوية أو المجهول أو وراء الشمس أو وراء الغياب. هو أغنية ترددها علنا لا صرخة ضائعة ترددها من تحت نفق سري أو قبو تعذيب وانت  تحلق في مروحة على شكل أير باص جوي عراقي  ترى فيه نجوم الظهيرة في عتمة الليل.هو راديو تشتريه لا يشتريك ويحسب أنفاسك وأحاديثك العائلية. ساعة عادية لا وسيلة إنصات.وهو حديقة حيوانات تدخلها وتخرج منها بسلام، لا أن تدخلها وتجد نفسك في قفص للقرود كما حصل مع صديق صحافي يوما لأنه سب قردا بطريقة قابلة للتأويل(هل نحتاج إلى قرد إضافي؟).

 

الوطن هو سماء زرقاء تجلس تحتها وأنت في تمام نشوتك.هو غيمة بيضاء تناشدها المطر.هو مطر عذب تشرق بعده شمس رمانية متوهجة.هذا هو الوطن الصديق. لكني فوجئت حين كنت أستعد للذهاب إلى الوطن بالذهاب إلى أقرب نادي رياضي مجاور لتعلم المصارعة والملاكمة ورفع الأثقال والقتال الفردي.

 

وفوجئت بأني أتصل بصديق كي يشتري لي مسدسا كاتما للصوت، وحين سألني: لماذا كاتم صوت؟ قلت: كي أنتحر علنا انتحارا استعراضيا بعد أن أعانق دبابة أمريكية في عرض شبقي مفتوح .هل هذا هو الوطن الذي كنت أحلم في الذهاب إليه وتغييره؟

 

سابقا كنت أتوقع أن أذهب إلى الوطن ومعي عدد من الطيور النادرة هنا، ومجموعة من الفراشات التي أعشقها، وعدد من الأصدقاء والصديقات الأقرب إلى حمام الأضرحة أو وداعة رخام مسجد صوفي قديم.كنت أتوقع أن أعود مع أعداد كبيرة من رواياتي، ومع أعداد من صور المنفى في الثلج والليل والخليج والمحطة والعاصفة والحقيبة واللوعة والأمل ونسيت حكمة علي بن أبي طالب :(الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن) والغنى هو الحرية كذلك.

 

وحين كنت اعد الحقيبة للعودة إلى وطن  كنت كما يعود مهرب مخدرات أو زعيم عصابة أو ملاكم شرير لأعض هذه المرة لا أذن منافسي، بل سأعض أذن التاريخ على هذه الحماقة الكبرى.

 

12

التضامن القبلي

 

قد يكون غريبا ان اكتب عن موقع الكتروني سياسي وكنت من اوائل من انتفض عليه(واخرهم) لكن من غير الصحيح اعتبار الموقع هو نفسه في كل الأحوال او حتى في كل الاعداد كما وان من غير الصحيح ايضا ان نكون نحن لم نتغير بعد الحرب وحتى العالم تغير والوطن تغيير ودولة زالت وفاشية اختفت واخرى تنمو بهدوء وسرية وصمت وبنعومة كما حدث مع صعود الأولى وهي أقذر فاشية في التاريخ.

 

لماذا لا يحق لي العودة الى هذا الموقع والكتابة عنه وفيه في الوقت الذي عاد الاسرائيلي الى العراق وهو يحمل وثيقة السبي البابلي كجواز سفر وهوية ويفتح مكتبا في بغداد وفي غيرها؟

 

لماذا لا يحق لي الكتابة عنه او فيه اذا كان رجل الدين والصوفي والشيوعي والليبرالي والثُور..ي، وداعية الكفاح المسلح وغيرهم من الوان يلتقون مع الغازي ورجل السي أي ايه والموساد والرأسمالي والمقاول والمصرفي وبقال القضية وصانع العرائس الاممي وخبير السيارات المفخخة في دور العبادة ودور النشر، ودور البغاء، ودور السينما، ودور الحضانة، ودور العجزة؟

 

 ان وصف السياسي العراقي: هذا يساري او ذاك يميني وهذا ليبرالي وذاك ثوري لم يعد له معنى اليوم، كما لم يكن له معنى في أي يوم مضي، فهذا الوصف لا يتفق مع الوقائع الحقيقية، وهذا الوصف ينطبق على المثقف أو السياسي الاوروبي: فحين نصف هذا المثقف باليساري او اليميني فنحن نصف تشكيلة محددة الملامح والقسمات من انماط الوعي والسلوك والفلسفة. اما في الحالة العراقية فلا تأخذ الاشياء صفاتها من العناوين، رغم انها كذلك حتى اليوم، وما ان ينام الوعي قليلا حتى يظهر الاجداد وهم في حالة نوم في الظلام الغريزي يتدافعون حاملين المشاعل والسيوف على هتافات الابادة والثأر، لأن قطيعة بنيوية  مع الماضي لم تحصل، ولن تحصل في المدى القادم المنظور مادام السياسي العراقي بكل ما عرف عنه من سطحية وبلادة  هو سيد كل المراحل.

 

امس قرأت نداءً على الموقع موقعا من عدد من الاخوة وبعضهم تربطني به علاقات طيبة يحتج على ما ورد من كلمات بحق احدهم. ومع اننا لا نعرف ما هي القضية رغم التخمين، وليس مهما ذلك، لكن من الواضح انها قضية اساءة وتجريح.انه عمل رائع ان يحتج المثقف العراقي على اساءة او تجريح ويتضامن مع زميل يعرفه او لا يعرفه لكن للقضية وجوها اخرى كثيرة منها:

 

اولا: كما فهمت ان الكلمات التي ازعجت الكاتب قد تم رفعها حال وصول التنبيه الى مسؤول الموقع وهذا يعني انه قد استجاب فورا للطلب عن قناعة او عن احترام وهذا بحد ذاته يستحق الدعم والمؤازرة  وليس توسيع نطاق المسالة.

 

ثانيا: انني شخصيا غير راض عن ما يكتبه البعض هنا، وبعضه تجاوز كل الحدود، كما لو كنا في مسلخ او ميدان رمي ولا نحتاج سوى استبدال الكلمات بالرصاص لكي ننتحر جميعا. ومرة كتب الشاعر عبد الرزاق الربيعي شاعر وصديق له  تعرض لنوبة قلبية دون المزيد حتى انهالت عليه المقالات وبالعناوين العريضة كما لو انه ارتكب جرما، كما لو اننا نريد من كل كاتب ان يفكر مثلنا، ويحب مثلنا، ويكره مثلنا، ويؤمن بالفكر السياسي والديني والقومي والمذهبي مثلنا، لأننا لسنا بشرا أو كتابا في نظر البعض انما احجار تتراكم في الطرق. وحسنا فعل الاخ الربيعي الذي لم يرد ولا بكلمة على هؤلاء حتى سكتوا ولو انه فتح فمه بسطر واحد لما انتهت القضية حتى فناء الارض، فنحن نلصق حبا او عداوة، وهذه هي من خصائص الذهن المتخلف الذي تنعدم فيه كل اشكال المرونة العقلية ويعيش في حالة الحجر وتنعدم فيه كل مساحة لبناء اختلاف بناء ومثمر.

 

 

 

ثالثا: ان مبدأ التضامن مع كاتب او شاعر او مثقف هو مبدأ موحد منسجم لا يخضع لمبدأ الاخوانيات والرفقة والزمالة والعشرة والشاي والمحلة والمدرسة بل يخضع لمبدأ  اخلاق التضامن التجريدي مع المثقف بصرف النظر عن موقعه السياسي والديني والفكري، وحتى مع المثقف المختلف. فليس من المعقول ان نتضامن مع كاتب ونغلق البصر والبصيرة على جرائم يومية تستباح فيها اعراض وتنتهك حرمات، على يد كتبة تخصصوا بذلك، وعلى مواقع في غاية الرداءة والابتذال مثل موقع (…) الذي فتح على وضاعته صفحة سوداء في تاريخ الاعلام العراقي قبل الحرب واليوم، وتعرض هذا الموقع لكتاب بكل انواع الافتراءات العلنية وحتى اسرهم وطراز عيشهم وبالأسماء الحقيقية ومنهم كاتب هذه السطور بطريقة صبيان شوارع يتعايرون في الدروب، ومع ذلك لم يفتح احد من الاخوة الموقعين على البيان ولا من غيرهم فمه محتجا كي توقف هذه الظاهرة القذرة التي لا تستهدف اشخاصا بل ثقافة وتروج لهذا النوع من الابتذال الذي تجاوز حتى حدود الدعارة.

 

ولا يقل عن هذا الموقع سوءا ورخصا وابتذالا موقع اخر يطلق على نفسه(الحالم بغد افضل) وعلى هذا الموقع خرجت كما يعرف  هؤلاء جميعا فرية ان حمزة الحسن هو الذي طرد الشاعر الصيني احمد جان من دمشق،(وغيرها العشرات) وتمت هذه الفرية الصبيانية بالتعاون مع شخص منتحل بكل انواع الانتحال من انتحال لقب عائلي إلى لقب شاعر وروائي ومترجم وناقد وسياسي(طبعا خريج حملة محو الأمية) حتى صار يعرف في الوسط الثقافي بخلف الأحمر تذكيرا بالدعي الشهير مع حفظ الفارق في ان الأحمر الأول كان موسوعيا، والثاني دعي وعمل (كمنظف) في منزل الشاعر المرحوم البياتي بأجر شهري والكل يعرف ذلك بما فيهم بعض كتاب نداء الامس، ويعرفون أكثر مما لا يمكن الحديث عنه، وكان الاخ الشاعر كمال سبتي على علم بتفاصيل القضية كاملة مني ومن غيري(وعن غيرها) ومع ذلك لم يفتح فمه لا عن هذه ولا عن غيرها وكنت اطلعه عليها سابقا حتى وجدت من غير المجدي ذلك.  ان  الشاعر كمال سبتي، وهو شاعر مبدع، وانسان طموح، لا يستحق الاساءة والتجريح، وهو الشخص المقصود ببيان الاخوة التضامني، لكن لماذا يصمت أمام التجريح السوقي بآخرين؟

 

الكاتب أحمد عبد الحسين قد يكون الحاضر الوحيد في كل حملات التضامن مع من يعرف او لا يعرف، مع الموتى والاحياء والمعتقلين والذين في الطريق، ومع ذلك فإن اعراضا تنتهك وقيما ثقافية واخلاقية وعائلية وشخصية تستباح لكتاب اخرين على مرمى حجر منه دون ان يحرك ساكنا وهذه نظرة انتقائية قبلية خاصية العقل الجامد الذي لا يرى غير الألوان الصارخة وينسى الظلال العميقة، كما انه احد الذين عرفوا بما صار يعرف من باب السخرية بقضية جان والقبوط تخليدا لذكرى صاحب الموقع (القفطان)الذي نشر بحماس وتواطؤ ورغبة ومعرفة تلك الفرية باسم مستعار لذلك الشخص المنتحل على موقعه بعد ان تحول الى كراج وتم نقل كل مفردات الكراج الى الادب في تطور خطير في اعلام اليوم، وصاحب هذا الموقع اشتهر بهذا الاسلوب في كل الدول التي مر فيها واستعمل نفس الطرق مع جميع الذين اختلف معهم وهو صورة نمطية للسياسي الساذج والأمي الباحث عن دور في هذا الفراغ العام مع انه سائق تاكسي في ديترويت. انه نموذج لجيل جديد من سياسيين أميين يعيد انتاج  نفسه في كل مرحلة بعد جيل الرعاة الذي حكم في النظام البربري السابق.

 

 رابعا: ان ثقافة واخلاق التضامن تقليد بشري معروف، ومع الاسف الشديد،لا يعرفه غالبية الكتاب عندنا، الا حين يتعلق الامر بشخص قريب، مع انه شعور كشعور المحبة والسعادة والالم والعدالة لا يمكن ان يكون مع احد ويسكت عن احد. انه كالوطنية لا يمكن ان تتقاطع مع الحرية. فليس من المعقول ان نكون وطنيين وارهابيين. ليس من المعقول ولا من غير المعقول ان نتضامن مع احد  ونسكت عن اخر. هذا التضامن مثل مواقف السياسي العراقي نوع جديد من القبلية. وقد يرى فيه البعض شيئا افضل من لا شيء يمكن ان ينمو، الا انني ارى فيه عكس ذلك تماما لانه سيشرع  لتقليد مضاد لثقافة تضامن حقيقية يصبح مع الوقت عرفا وعادة قد نحتاج الى وقت طويل مقطوع من حرائق اليوم وغدا للتخلص منه، لأن أخطاء التأسيس في منتهى الخطورة وخاصة التأسيس الثقافي.

 

خامسا: من المهم ان أذكر هنا، ونحن في باب التضامن، الشاعر احمد جان الصيني: اختلفت معه بطريقة ودية في نقاش ممتع، وحين طرد، وسمع بفرية منتحل اللقب والشعر والمهن والسياسة، كتب لي رسالة رغم محنته وهو في تركيا يعتذر بنفسه عن هذا السلوك الذي وصفه قائلا:(ان رجل الامن اكثر تحضرا من ان يفعله) ونشرت الرسالة.

 

بما ان اخلاق التضامن الحقيقية غائبة فمن حقنا ان نعاقب هؤلاء، وبتعبير شكسبير في(كوميديا الأخطاء):ان الذين يجرحون أحاسيس الناس، ويعذبونهم، عليهم أن يعذبوا بمثل ذلك وأكثر، كي يعرفوا معنى جرح الاحساس.

 

 السيكوباتي الصفيق لا يخجل وليست لديه مشاعر ذنب ابدا، ولا شفاء له، لأن السيكوباتية ليست مرضا نفسيا انما عاهة اخلاقية تقوم على الكذب حتى حين يكون الصدق مفيدا، ولا يردعه غير الشعور بالاحباط كما يجمع كل علماء النفس. صاحب فرية(القبوط) ذهب الى بغداد قبل فترة وطلب من حزب عراقي مقيم في القصر الجمهوري العمل في صحيفته فرفض الطلب، وحين استغرب أخذه كاتب عراقي طريف ومهرج يعرفه جيدا ولا يستطيع ان يتشاطر عليه، اخذه الى جانب وهمس له ضاحكا: خويه انت باب دبرك ما حميته، فكيف تحمي باب القصر الجمهوري؟!

 

13

الحروب السعيدة

 

هذا عنوان قصيدة للشاعر الراحل الصديق رعد عبد القادر في ديوانه الرائع(دع البلبل يتعجب) الذي صدر في بغداد عام 1996 يوم كانت السلطة مشغولة بترقيع ثقوبها المتكاثرة غير عابئة بأقوال الشعراء، ومن المصادفات السعيدة أن يكون مسؤول لجنة الفحص في تلك الفترة هو روائي صديق أيضا قرر أن "يتواطأ" مع هذا النص المتمرد لكي يوبخ بعد ذلك على هذا" السهو" الجميل.وغناء الشاعر في فم الوحش ليس جديدا في التاريخ: كان ناظم حكمت يقرأ قصائده وهو غاطس في مرحاض السجن. ليس هنا مجال الحديث عن هذا الديوان المدهش  لكن لحديث هو عن الحروب السعيدة التي لم يستطع الشاعر أن يعطيها غير هذا الاسم زيادة في التباس المعنى ولخلق فوضى في ذهن الرقيب الذي لم يكن غائبا وعيه تلك اللحظة عن مقاصد الشاعر ولا عن جنون القصيدة.

 

حين يقال اليوم ان العراقيين لا يبالون بالموت ولا بالانفجارات ولا بالسعادة الهاربة ولا بالقصف ولا بكل الأشياء المخيفة فليس لأنهم الشعب البطل كما حاولت السلطة الوحشية خلق تلك الميثولوجيا البربرية، بل لأنهم عاشوا جوار الموت، وعاشروه، وحدقوا في وجهه الكريه الذي كان يزورهم كل يوم بل كل لحظة على صورة جديدة.

 

الحروب السعيدة دربتهم على أن الموت ليس أسطورة أو قدرا أو حكاية تأتي مرة واحدة في العمر بل على ان الموت، لا الحياة، هو ما نعيش له ومن أجله. هذا هو سبب اللامبالاة اليوم أمام مشاهد الموت. ليس العراقي بطلا وهو يسخر من الجنون اليومي، بل لأنه أفرغ من شهوة الحياة وعبئ بقبول الموت، والموت هنا ليس قدرا للعراقي، كما لغيره، بل الإهانة.

 

هناك أنواع من الموت قد يكون بعضها شرفا وفخرا ومجدا وقدرا أو بطولة، لكن هذا النوع من الموت هو جريمة لأنه اغتيال للفرح البشري وقنص للسعادة الإنسانية.قد يكون نزول العراقي إلى الشارع هو النزول الأخير، وقد تكون زيارة المقهى هي آخر الزيارات، وربما يكون صعود الحافلة رحلة نحو موت مرتجل. 

 

هذا هو السبب أيضا الذي يجعل العراقي اليوم أكثر احتفالا بالتفاصيل الصغيرة التي لا تلفت نظر غيره كوجود فاكهة طازجة على منضدة أو ضوء فانوس أو عربة أطفال في شارع أو صوت مؤذن  أو مشهد عرس أو مرور حسناء من خلف زجاج نافذة.حين يحتفل رعد عبد القادر بهذه الليالي، ساخرا، تلك السخرية التي خطفته على عجل، لأنه تجاوز بها حدود القلب، فلأن تلك الليالي لا تشبه الحياة في أي مكان آخر.( المجد لك أيتها الليالي، أيتها الأيام..المجد لك يا بلادي... أنا عبد الحميد، جندي مشاة من سلاح المشاة عشت أخيرا في مستشفى معسكر الرشيد، بالضبط في قسم الجملة العصبية.أقف كعينة أمام طلاب علم النفس الصغار، يدرسون جنون عظمتي، يدرسون صلتي بالشمس وزحل والمريخ، أنطق باسم مردوخ وزفس ومثراس،

 

أخرج لهم أوراقا من محفظتي الصغيرة كأوراق سيبيل

أخرج لهم قرون الاسكندر وعشبة كلكامش

عظيما كأعظم دون كيشوت

سعيدا بمدني الفاضلة

أيها الرعاع

أيها الأتباع

 

أنا نابليون بموسيقى العودة من المنفى

عودوا معي إلى المسرح

لنمثل أدوارنا في الحياة.

الحياة هنا لا تشبه الحياة هناك). هل صدقتم الآن ان العراقي ليس بطلا وهو يواجه كل يوم هذا الجنون العاري؟

 

14

الخروج من الجبة إلى النشوة

 

رغم البحر والصيف والرمل والضحك والركض على ساحل ذهبي مشع، على مقربة من صخور مضيئة بالسر والماء والظل، وغابات فاتنة، كانت إغواءً وشهوة لروائي مسكون بهاجس البحث عن قواقع وأحجار نادرة وقناني يرميها الموج كرسائل قادمة من بشر مجهولين، إلا أن التراجيديا العراقية لا فكاك منها.

 

 كروائي أرى في المشهد الإنساني ما قد لا يراه غيري. لذلك لا يحق لأحد أن يطالبنا برؤية مشتركة(ألم ندخل الزمن الديمقراطي اليوم؟)، كل واحد يرى المشهد من زاويته وعلى قدر الخيال أو على قدر المنطق، كما ان شرط الحداثة هو النقد.

 

في المشهد الذي أسعدني حقا(مجلس الحكم الانتقالي) يجلس على منصة مسرح 22 من الرجال وثلاث نساء (الذكورة والأنوثة هنا حسب الوظيفة البيولوجية لا حسب المواقف) تتراوح أعمارهم بين الخمسين والثمانين، وتتراوح ملابسهم بين الفولكلوري والحداثي، وبين الأفندي، والشيخ، وثياب السيدة، وتتقاطع مهنهم بين الطبيب و"الثوري" والوزير وعالم الدين والعاطل عن العمل، و المصرفي...الخ..

 

هؤلاء يجلسون على منصة تنقل حدثا تاريخيا ستراه الأجيال العراقية القادمة بهدوء أكثر مما نراه اليوم، كما يحدث لنا حين نرى صور تأسيس الدولة العراقية وملوكها الغاربين، الموتى، موتى الحوادث المشكوك فيها، أو قتلى العصيان العام، كما سنرى غدا مراحل نمو واستطالت وتسرطن وسقوط الدكتاتور،كما سنرى ملامح نمونا العقلي، والحيوي، واضمحلال أجسادنا، كما سيرى غيرنا تلاشي وعيه في مرآة الزمن الذي سيمر سريعا جدا، فنحن لسنا سوى أشباح أو ظلال عابرة.

 

الصديق المشاكس الذي كان يركض إلى جانبي على الساحل المشمس والذي كان شرط الخروج معه هو الصمت، سألني بمكر صريح:

 

ـ ما رأيك؟

ـ بماذا؟

ـ لا تتظاهر بشيء آخر.

 

قلت:

ـ اليوم كان انقلابا حقيقيا نقيضا لتاريخ الشخص السياسي العراقي. اليوم رأيت لحظة انتهى فيها تاريخ وولد آخر. اليوم رأيت كوميديا بشرية تشكل منعطفا في تاريخ الكائن العراقي وسأترك الحكم فيها للأيام لكن من حقي أن أصف المشهد كما بدا من هذه الزاوية الخاصة جدا.

 

 قال ضجرا وهو يرمي الرمل في البحر:ـ لا أكاد أفهم شيئا. أنت بدأت تتحدث كما لو أنك تكتب أو تضع مخطط رواية جديدة. قل صراحة وبلغة سياسية، ما هو هذا الانقلاب الذي بدا لك؟

 

قلت وأنا أدعوه للجلوس على صخرة مبللة من آخر موجة بحرية:ـ اسمع جيدا. هل تسمع جيدا؟ سيكتب التاريخ، من بين أشياء كثيرة عن هذا اليوم، أنها المرة الأولى التي يجلس فيها زعيم حزب شيوعي في العالم تحت مظلة سلطة احتلال ويختار طواعية أن يكون عضوا في سلطة منتقاة  من سلطة احتلال. هذا ليس حكما بل وصفا، قد يكون الحكم في صالح الرجل أو الحزب. دعه يجرب مرة أخرى. لقد جربوا كثيرا في تاريخنا المعاصر ونحن هنا أمام الموج والبحر بفضل تلك التجارب التي حكم عليها الزمن بانها مهلكة.

 

قال صاحبي وقد فتح عينيه على الحافة الاخيرة من البحر:ـ إنه أمر محير حقا لكنه ليس غريبا على الشخصية العراقية القادرة على القيام بكل الأدوار وعكسها وتبريرها في آن. ان هذا الحزب كان قد أقام الدنيا ولم يقعدها لأننا عشنا في الوطن حفنة سنوات. كان يحب أن يرانا قتلى سجون أو دفن جماعي لكي نصبح، فقط، أبطالا، في خطابات الزعيم في المؤتمرات. ها هو اليوم يدخل في تحالف تاريخي مع سلطة احتلال.

 

قلت:ـ دعه يجرب. من يجرؤ اليوم على أن يقول له أن هذه مغامرة؟ ليست مغامرة سياسية، بل مغامرة تاريخية قد تضع مستقبله في مهب الريح. الذين اعترضوا على التحالف مع الفاشية صاروا، في تقاليد  الحزب الشيوعي العراقي، أشخاصا(يحاولون تخريب الوحدة الوطنية، وخلق خنادق عداء بين الحزبين الحليفين)، وهو نص منشور تحذيري أصدرته لجنة محلية بحق المعترضين، وحين صار المعترضون في صفوف الحركة الوطنية وانتقلوا إلى المنافي تحولوا، في تقاليد الحزب الشيوعي العراقي، إلى (أشخاص يحاولون تخريب وحدة الصف الوطني).دائما هناك وحدة مهددة ومنتهكة من قبل (عدو) يصنع على عجل مع أن جوهر فكرة وحدة الرأي ووحدة الصف هي فكرة بوليسية إرهابية ضد التنوع والتعدد والطيفية والثراء، لذلك أقول لك لا تعترض و إلا ستجد نفسك في يوم لن يطول صاحب مصرف سري، حسب وثيقة سيعثرون عليها في مبنى احترق كله ولم تحترق هي، أو زعيم عصابة سطو، أو بوذيا متنكرا في زي إسلامي. هذه أول  مفارقات الحالة الانقلابية الجديدة.

 

ـ والثانية؟

 

قلت بعد صمت دهري ربما يكون استغرق عاما أو قرنا أو الأبدية كلها بعد مرور عاصفة، جسد، إعصار،بدل مصيري في لحظة أكثر من كل الكتب والتجارب، وفضلت الاحتفاظ برائحة العطر المائي لذلك الجسد البركاني الخاطف كرؤيا مبهرة لنبي أو فرس تحت ضوء القمر، أطول فترة ممكنة كي أظل حيا:ـ الانقلاب الثاني هو أن ترى حجة إسلام أو رجل دين متمرد يجلس إلى جانب زعيم شيوعي ويجلس في الظل أمامهما(دائما في الظل!) السيد بول بريمير المسؤول الحقيقي عن صناعة هذا المشهد...

 

قاطعني:

ـ هل رأيت في حياتك صانع دمى يقف في واجهة متجر مع بضاعته؟

قلت، محاولا الإمساك ببقايا العطر الهارب:

ـ لا، ليس الأمر على هذه الدرجة من السوء. لكني أتفق معك بأن هذا الظل المخفي هو الأكثر حضورا من هذه الأجساد العلنية والمشخصة.

 

 هذا الغائب في القاعة، بين الجمهور، هو الحاضر الوحيد والصانع الحقيقي لهذا المشهد، لكن من المغامرة العقلية القول الآن أنه سيكون الصانع الحقيقي للتاريخ، ولو حدث ذلك سيكون كلامك عن صناعة الدمى صحيحا تماما. كما تخلى القائد الشيوعي عن صرامته الحزبية، وتواضع أكثر، وخضع لشروط المرحلة، وصار براغماتيا، يحسب حساب الربح والخسارة وجسارة الظروف(وهذا ما كان يشنع به على خصومه ويعتبره جريمة لا تغتفر)، كذلك رجل الدين المتمرد الذي كان ولا يزال لا يقبل بسلطة أرضية ابدا الا سلطة الله على الأرض.

 

أما الانقلاب الثالث في الصورة، أو الاهتزاز الثالث، فهو الأكثر دراماتيكية وهو: هو أن يبدأ حفل المجلس، وفي لحظة تاريخية حاسمة، تتطلب الرصانة، والعقلانية، والحكمة، والهدوء، بما يشبه محكمة إعلامية واحدة ضد محطة إنكليزية والأخرى ضد قناة عربية كأننا أمام مشهد عقاب متوقع قادم للحريات.

 

أما الانقلاب الرابع فهو أن قرنا من كفاح الشعب العراقي في ترسيخ المواطنية ذهب مع الريح، وعدنا إلى البدايات، إلى القبيلة، والطائفة، والعائلة، وهذه المؤسسات  التقليدية ترفض كل أشكال الحداثة. 

ـ أليس هذا هو التنوع؟

ـ التنوع حين تكون هذه الصور قادرة على المجيء إلى القاعة بإرادتها الحرة اليوم أو غدا. هذا تراكم يا صاحبي. أما الانقلاب الخامس في الصورة فهو الأخطر.

 

صمتُ لحظة بعد أن عاد، مرة أخرى، موكب الملائكة، والأجراس المخبولة الرنين، وموجة الماء المعطر، وشممت رائحة الخلود بكل حواسي.قلت:ـ الانقلاب الخامس في الصورة هو انقلاب (غياب). هناك غائب في المشهد التاريخي وهو غياب يشبه النفي وليس النسيان كما يظن البعض. هذا الغائب دائما، الغائب أبدا، هو غياب المثقف والمفكر(المقصود هنا المثقف المنتج للرموز والمعاني). هذا الكائن المنقرض في تقاليد السياسية العراقية لن يحضر لا اليوم ولا غدا، فهو الوحيد خارج المؤسسة ليس بإرادته، ولا يحق له الدخول إلا كإصبع للسياسي، أو كاتب خطاباته، إنما هو منفي ومقصي ومقذوف ومطرود، بصريح العبارة، وبلا شك ينظر إليه على أنه كائن مضطرب أو يستحق الشفقة.

 

وكان الجسد الاسكندنافي المثير، الأشقر، أو هودج الملائكة، أو عاصفة الأجراس الضاجة بالحليب والموز والتفاح والنبيذ والموسيقي، قد تمدد أمامنا مباشرة على الرمل.قلت آخر جملة ربما لم يسمعها صاحبي قبل أن أسجل ذريعة دخول النار:ـ اليوم إما دخلنا عصر العقلانية السياسية أو خرج هذا العقل من الضريح إلى التسوية، ومن الوكر الثوري إلى المصالحة مع الجنرال المحتل، ومن أدعاء الحدية إلى كرسي المساومة، ومن الجبة والثورة إلى النشوة، كما انتقل قبلنا البعض من الماركسية الى الدروشة بنفس العنف والبلاغة والعقلية.

 

15

أشباح الماضي

 

منذ أيام وأنا غارق في أحلام ليلية كابوسية جديدة، بعد ان تلاشت الكوابيس القديمة، كوابيس مفارز الطرق، والهوية، وجرس الباب الليلي، والقنبلة، والسلطة، والكبسة، بعد سقوط الصنم من ساحة الفردوس. لكن الأحلام الجديدة هي الأغرب، حيث بدأ يزورني في المنام موتى أعرفهم جيدا، أو عرفتهم على نحو عابر، أو صادفتهم في الحرب أو في أماكن العزل المعروفة التي يتواجد عادة فيها العراقي : في السجن أو في المشرحة أو في الإسطبل أو في غرفة التعذيب أو في شاحنة ذاهبة إلى الخطوط الأمامية أو في معتقل حدودي آسيوي بعد أن صرنا نقفز من حدود إلى أخرى كالدجاج أو اللقالق أو الكناغر.

 

أفظع هذه الأحلام وأكثرها حيرة وقسوة هو حلم زارني فيه يساري عراقي مات تحت التعذيب في الخمسينات. وظل هذا الشبح يطوف عليّ كل ليلة في استجواب مرير جعل النوم عندي نوعا من التعذيب وحفلة جلد، حتى أني لم أعد أميز بين شبح هذا المناضل الميت الذي يتكلم من وراء القبر، وبين مسرحية شاهدتها يوما. اختلطت حدود الحلم مع حدود الواقع، وتداخل الوهم مع الفن، والسياسة بالكوابيس، والخرافة بالمنطق، في حقبة غريبة الأطوار تعد هي نفسها كابوسا طويلا لا أصل له ولا بداية ولا نهاية. في زيارته الأخيرة طرح علي هذا الشبح عدة أسئلة لا أعرف حقا كيف أجيب عليها لأني أنا نفسي حائر بين صور وأوضاع وأخبار تصلح أن تكون مسلسلا  للرعب.

 

الشبح: أحدثك كما تدري من وراء القبر. هل تفهم ذلك؟

ـ نعم أفهم رغم ان الحدود لم تعد قوية ومتماسكة بين القبر وخارجه هذه الأيام.

 

الشبح: ماذا حدث يا ستار؟

ـ ألم تسمع؟

 

الشبح: لا. ان الزمن عندنا هنا يختلف عن الزمن عندكم. فالثانية قد تكون ألف سنة.

ـ ألا يوجد عندكم ستالايت؟ قنوات فضائية؟ صحف؟ معارضة؟ مثلا، مثلا؟

 

الشبح، ضاحكا: لا. هنا سلام سماوي ما عدا بعض الاضطرابات خاصة ونحن لم نقدم إلى المحاكمة حتى اليوم بسب مواقفنا الأرضية الفالتة كما يقولون. ماذا حدث عندكم هذه الأيام لأن غالبية الموتى القادمين منكم يأتون مهروسي العظام كالطحين؟

ـ حدثت عندنا قبل أيام حرب أخرى.

 

الشبح: حرب طبقية تقصد؟

ـ لا طبقية ولا بطيخ. داهم الجيش الانكلو أمريكي السلطة هنا وأسقطها.

 

الشبح مندهشا: وهل هذه الفاشية باقية عندكم حتى اليوم؟

ـ نعم. مارسنا معها كل ما نستطيع فلم ينفع.

 

الشبح: هل مارستم معها العصيان المدني؟

 

ـ مارسنا معها كل أنواع العصيان، حتى العصيان عن التنفس، وعن الفطور، وعن الصلاة، وعن الطعام، وعن الجنس، وعن السفر، وعن البراز، وعن الضحك، وعن الحلم، وعن النوم، وعن الإنجاب، وعن الرعي في مزارع الدولة الفكرية فلم ينفع. قرر بعضنا الانتحار فلم ينفع. هدد بعضنا به فلم ينفع.

 

الشبح: عجيب. هل  جربتم معها حرب الشوارع؟

ـ كل أنواع الحروب، بما في ذلك الشخير في الخطوط الأمامية، وعشق جنود العدو، والشرب في غرف الإعدام، والضحك في المشارح، والغناء في الحمام، والنوم في زمن النهوض العربي، فخابت كل الآمال.

 

الشبح: يعني انكم الآن تحت الاحتلال؟

ـ نعم. تحت الاحتلال، وتحت اللصوص، وتحت الأحزاب، وتحت الأرض، وتحت الماء، وتحت رحمة التاريخ، وتحت الأحذية.

 

الشبح: هذه خيانة تاريخية وقلب للمعايير. كيف يعود التاريخ مرة أخرى بهذه الصورة؟

ـ هذه واحدة من أخطاء جيلك. قلتم لنا وصدقنا ان التاريخ لا يعود مرة أخرى إلا على شكل مهزلة. لكنه عاد عشرات المرات على شكل كوارث. العقل الميكانيكي هو الذي كان يضع مقدمات ساذجة ويضع خواتيم ساذجة. لا يوجد في تفكيركم منطق البين/ بين. عقلية (إما أو) هي العقلية التي غزتنا قبل هذا الاحتلال. عاد لنا التاريخ مرات: مرة على شكل حمار، وأخرى بصورة عقيد انقلابي، وثالثة  بقطار أمريكي، ورابعة بدبابة أمريكية.

 

الشبح: هل حقا أنكم تحت الاحتلال اليوم؟

ـ صدقني.

 

الشبح: أين ذهبت القوى التاريخية الكبرى؟ وماذا تفعل الأحزاب الثورية هذه الأيام؟

ـ حزب مشغول بسرقة كراسي وزارة الري، وآخر مشغول بنهب أثاث نادي الصيد، وثالث لا وقت عنده كي يحك رأسه لأنه مشغول بلغف مطبعة في شارع الرشيد، ورابع مقيم في مقبرة ينادي موتاه، وخامس يصحو وينام في ساحة الفردوس كي ينظف حنجرته من الصدأ.. وال...

 

الشبح مقاطعا: هل كل هؤلاء سعداء بالاحتلال؟

ـ بعضهم جاء بالاحتلال وجاء معه. والبعض الآخر يتغزل سرا به، ويشتمه علنا، كزواج الغش، وفريق يخاف عليه من الرحيل المبكر وعندها تفسد حكومتنا الجديدة النقية، وفريق يحمد الله ويشكره لأنه خلق المارينز، وشريحة صارت تهتف بجمال الإمبريالية...

 

الشبح، غاضبا: معقولة؟ إذن لماذا متنا من أجل الجماهير؟ أين هي قوى الطليعة؟أين هو الحزب الثوري؟ أين هو المناضل الثوري الذي يشم رائحة الخطر على بعد سنوات؟ أين؟

ـ قوى الطليعة الآن تعيد النظر في برامجها. الطليعة في المفهوم الجديد، بعد الاحتلال، تعني طليعة من يدخل البنك المركزي وينهب آخر فلس موجود هناك حفاظا على أملاك الجماهير من الهدر. المناضل الآن هو من يملك أكبر كمية من الكراسي الفاخرة، لا من الكتب كما هو الأمر في زمنك، ومن يصادق كولونيلا أمريكا يلتقط معه صورة أمام الجماهير.

 

الشبح: والجماهير؟ أين هي؟

ـ  الجماهير مشغولة بتغيير أسماء المدن والصرف الصحي وتنظيف الصواريخ في سوق العورة أو شارع مريدي. إذا كنت تريد أن تشتري راجمة صواريخ ما عليك سوى الذهاب إلى هناك.

 

الشبح: الأحزاب؟ أين هي؟

ـ عندنا حتى هذه اللحظة أكثر من مئة حزب والبقية قادمة. للديوك حزب، واللصوص حزب، وعشرات الاتحادات الوطنية والثورية والشعبية والتاريخية من إتحاد المؤرخين العرب وحتى إتحاد الصراصير العرب.

 

الشبح: إذن كيف تحدث هذه الفوضى وعندكم كل هذه الأحزاب؟ أين ذهب الجيش والشرطة والأمن والاستخبارات؟

ـ كل حزب عنده جيش وشرطة وأمن واستخبارات وقضاة وقانون. في شارع مريدي يحكمون باسم شريعة الغاب، وفي سوق العورة باسم شريعة الفنطوزي، شيخ دين، وفي الموصل حسب شريعة قمبيز، حيث أطلقوا النار على متظاهرين، وقتلوا منهم 18 جرذيا(تاريخ الحدث 2/5/2003) في لحظة واحدة ذهب دمهم كما ذهب دمك مع الريح أو مع المجاري أو مع ورق الزكام، وفي بابل يحكمون وفق شريعة حمورابي في مكان، وفي الجانب الآخر وفق شريعة عشيرة ذيل العجل، وهو تقليد قديم تأسس على اثر مذبحة بسبب قطع ذيل عجل بين قبيلتين، أي العين بالعين، وفي بغداد يحكمون وفق عدة شرائع: في الشورجة حسب شريعة "الكابوي": لغف، وكاتم صوت، ودسائس، وضحك، وبوس لحى، ومن يتكلم  يتم تدبير سيناريو أو وثيقة مزعومة عنه تم العثور عليها في حريق في قصر رئاسي لم ينج منه شيء عدا هذه الورقة من جراء القصف، وفي حي المنصور يحكمون وفق شريعة رجال المصارف، وفي شارع السعدون حسب شريعة ليالي الأنس.

 

الشبح بدهشة: ولماذا كل هذه الأحزاب؟ لماذا كل هذه الأجهزة الأمنية؟

ـ انها التعددية. فمن يفلت من جماعة العدل والطرب بتهمة  الكفر بهذا الزمان، يقع في مفرزة لشرطة الحزب الطبقي العراقي بتهمة معاداة الرفيق في السويد أو المكسيك أو الصومال، ومن نجا بجلده من هؤلاء وقع في فخ جماعة حزب التحرير الثوري، وإذا قدر له أن ينجو بالريش من هذه الجماعة سيقع حتما في مطب شرطة الإتحاد الوطني ، أو الديمقراطي الكردستاني بتهمة القذف على هؤلاء الزعماء، الأمر الذي عرض الأمن الوطني، والقومي، والاقتصادي، والسياحي، والثوري، والقانوني، للخطر.

 

الشبح: والجيش؟ أين الجيش؟  

ـ أي جيش؟ ظهر ان عندنا عشرات الجيوش وكلها معارضة ونحن لا ندري حتى أن الريس المختفي كان ينام على أذنه ولا يعرف أنه كان قاب قوسين أو أدنى من انقلاب.  جنرالات خرجوا من علب "النفتالين" قالوا انهم كانوا سجناء أو معارضة صامتة، عقداء من كل الأنواع، عقداء اعاشة، عقداء مدفعية، مقاومة طائرات، عجلات، وقود، أرزاق..الخ.. كلهم كانوا معارضة سرية تحت الأرض، ولم يظهروا إلا في فندق فلسطين ميريديان على أضواء الكاميرات أو ذبذبات الهاتف الخلوي.

 

الشبح: لماذا ظهروا في الفندق؟

ـ كي لا يقال عن زملاء لهم في لندن أنهم وحدهم كانوا معارضة فنادق. هذا تنافس شريف كما تعرف.

 

الشبح منزعجا: وماذا بعد الفنادق؟

ـ لن يغادروها ورب الكعبة إلا جثثا أو هياكل محروقة على إثر شحنة تي، أن تي، في اجتماع، حيث يصبح من العسير التعرف عليهم إلا بعد أخذ حامض الدي،أن،إي.

 

الشبح: والقانون؟ والقضاة؟ أين ذهبوا؟

ـ بعضهم صار يعرض خدماته على القنوات الفضائية كخبير في الجريمة في الزمن الماضي، البعض الآخر تحول إلى حزب صنع حديثا في غرف في شارع السعدون أو الرشيد كي ينجو من تهمة كونه لم يكن قاضيا أصلا بل رجل مخابرات خاصة وان كل هذه المهن كانت تدار عبر أجهزة سرية.

 

الشبح: ورجال العهد القديم؟

ـ مثل رجال العهد الجديد. أمس رأيت أحدهم وهو عضو قيادي في الحزب الحاكم كتب تحته في فضائية هذه العبارة(قومي عربي، محلل سياسي). هكذا تم تغيير الجلود في أربع وعشرين ساعة كالصيدليات الخفر.

 

من كان جلادا في العهد القديم أعرب عن ثقته بإعادة الأمن والهدوء والطمأنينة في عشر دقائق لو(أعطوني صلاحيات) وهذه العبارة الأخيرة تتضمن كل الرعب.

 

الشبح بأسى: وأنت في أي حزب الآن؟

ـ قدمت طلبا لكل الأحزاب فرفض الطلب. أحزاب اليسار قالوا لي انك يميني متطرف، وهؤلاء قالوا انك يساري متطرف، حتى المخابرات الأمريكية رفضت طلبا لي في العمل معها قائلين لا نحتاج مجانين يسكرون ويكتبون سيرتهم الذاتية ويفضحوننا بعد الكأس الثالثة في أقرب مشرب، حتى أحزاب "المقاولين الجدد" رفضوني  وأنا حائر الآن ولا يوجد أحد أعمل معه غيرك. هل عندكم أحزاب؟ هل أنتحر كي أصل حالا؟

 

الشبح ضاحكا: هنا عدالة مطلقة ماعدا هذه المشكلة وهي تأخير محاكمتنا حتى اليوم. تصور بعد كل ذاك التعذيب في العالم الأرضي، ننتظر هنا محكمة. كنت أريد أن أسألك عن الثروة الوطنية، أين صارت؟

ـ آبار النفط  تحت سيطرة تحت الاحتلال...و..

 

الشبح بغضب: معقولة؟ أين ذهبت اضرابات عمال النفط؟ أين ذهب شهداء كاورباغي؟ أرى بعض الشهداء حتى هذه اللحظة وهم  بالضماد القديم من مستشفى كركوك. أين الحركة النقابية؟ أين ثقافة أجيال في معاداة الاستعمار والامبريالية؟

ـ  اليوم لو شتمت الاستعمار لقالوا عنك أنك خائن للوطن. ولو طالبت قوات الاحتلال بالرحيل لوضعوا على رأسك الطربوش السري، وأركبوك على حمار أبتر، وطافوا بك المدن وأنت لا تدري، ويا غافلين لكم الله.

 

الشبح: الكتاب الشرفاء؟ الأدباء؟ أين هم؟ والشعراء أين هم؟

ـ بعضهم مشغول بالريادة الشعرية. الآخر مات حزنا. فريق صامت. وكما اختلطت الأمور في السياسة اختلطت في الشعر: صار الشعر شعيرا .

 

الشبح: نعم. ليس لدى هؤلاء غير هذه الصرة التافهة يحملونها في كل مكان حلوا فيه. وماذا تتوقع من هؤلاء غير نقل ثقافة العاهات أينما ارتحلوا؟ ماذا لدى الصرصور من إرث؟

 ـ موتكم أنتم كان جهلا في نظر هؤلاء. أنتم في الوعي الجديد حفنة من المغفلين. صار كل شيء قابلا للتعريف: الوطن ليس الوطن، بل مقرا حزبيا، والقانون ليس القانون، بل الرغبة والمزاج، والدولة ليست دولة الخدمات، بل زريبة حزبية. كانت عندنا فاشية واحدة، صارت اليوم فاشيات. كان عندنا جهاز أمن واحد، صارت أجهزة. كانوا يقتلون الناس سابقا في غرف وسجون، الآن في الهواء الطلق. كان عندنا زعيم حزب فاشي، الآن صاروا زعماء. كانت عندنا سلطة لصوص واحدة، الآن سلطات، كان شرطي أمن واحد يقبض عليك بتهمة العداء للدولة، الآن ألف شرطي يقبض عليك بتهمة: العداء للرفيق، للجريدة، للحزب، للعقيدة، للافتتاحية، للحوزة، للعمامة، للنشيد، للهتاف، للمسيرة، للطم، للحي، للاسم، لأنك تشخر في النوم في زمن ثوري، لأنك تمشي على اليمين أو اليسار من الرصيف، لأنك تبحث في القمامة عن طعام لأطفالك أمام العدسات، لأنك تنكش أسنانك في مظاهرة دون أن تكون فيها، لأنك تشتم ثقب الأوزون، لأنك لا تحب الكوكا كولا ، لأنك تكره اشتراكية الطريق الواحد، لأنك تحب المطر، لأنك لا تشبه أحدا، لأنك عاشق في زمن منحرف صار الشذوذ فيه هو القاعدة، والعشق جريمة، لأنك تضع صحفا لا تحبها في حفاضات الأطفال.

 

الشبح:الثوار،والمنفيون،والرومانسيون،والعصاميون،والسرياليون،الدادائين،الكلاسيكيو،والمتطرفون، وعشاق الشهادة والموت في السجون،ورفاق الأمس فوق الجسر والوثبة والرشيد، وجرحى المظاهرات.. وغيرهم ، وغيرهم، أين صاروا؟

ـ بعضهم مات، كما قال الشاعر البياتي، وبعضهم خان ضياء القمر الطالع في البسفور بعد الليلة الأولى، وبعضهم مازال يرحل في الأشعار والخمرة والصلاة. بعضهم باع كتبه  من أجل  الرغيف. بعضهم باع شرفه من أجل بطاقة سفر. بعضهم مات ذلا على رصيف بعيد. بعضهم مازال ينتظر نهاية الحكاية، بزوغ الأمل، شروق الشمس، أو مطرا يفضح الأصباغ والوجوه، ولادة جيل غضب . لكن لا أحد أو شيء أو علامة في الأفق عدا القطيع والازدحام والعقم والشحوب. أنتم، لو عدتم يا سيدي اليوم، لما وجدتم أحدا يعرفكم أو يحتفل بكم .لم يسفر دمكم إلا عن خواء وخدعة ومحتلين وللأمانة عن حفنة آمال خضراء صغيرة تكافح للخروج من تحت الصخر.

 

الشبح: هؤلاء هم الأمل. عليهم نراهن. ذكرت لي الشاعر البياتي. أين هو الآن؟

ـ مات في دمشق.

 

الشبح: وبلندي الحيدري؟

ـ مات في لندن؟

 

الشبح: وزكي خيري؟

ـ مات في استوكهولم.

 

الشبح: وسعدي يوسف؟

ـ مازال معنا يواصل المنفى والبكاء والمطر والنزيف والأمل. كنت أريد أن أسألك عن هذه الضجة القادمة منك؟

 

الشبح: هؤلاء شهداء الثورات، الانتفاضات، السجون، المنافي، الحروب، قتلى الخيانة، التقارير، الوشاية...الخ.. إنهم يبكون الليلة.

ـ على أي شيء؟

 

الشبح: على ما صلت إليه الامور. على العمر الضائع. على الموت  الرخيص.

ـ وماذا يريدون؟

 

الشبح: عريضة إلى زعماء الحكم الجدد في بغداد .

ـ هل عندكم ورق في الآخرة ؟

 

الشبح:لا. عندنا نعل قديمة مهربة معنا من زمن نقرة السلمان سنكتب عليها عريضة احتجاج.

 

16

الخطوط الخلفية للدكتاتورية

 

لم تكن الدكتاتورية في أي يوم من الأيام مجرد طاغية أو كرسي، بل كانت على مر الأزمنة تعكس ثقافة مشوهة وأقصى حالة احتقان سياسي واجتماعي واقتصادي ونفسي وهي تعبير عن وضعية مأزومة وجدت في شخص واحد نافذة للمرور أو شرفة للظهور. فالدكتاتور بهذا المعنى ليس فردا، بل هو عبارة عن تاريخ مغلق ومسدود وثقافة مأزومة وسلوك وضيع.

 

لم يكن ميشيل عفلق في أي يوم من الأيام مفكرا بالمعنى العميق والواسع للمفكر كمنتج للأفكار والرموز والمعاني. فقاموسه لا يتجاوز كلمات معروفة مدرسية إنشائية سطحية استهلكها الفكر الغربي الديني في عصور النهضة مثل الأمة، شمس، وخير وعطاء، وفجر يشرق، وقيامة، ونهوض، وحركة، وتاريخ  الخ.

 

وهذا القاموس لم يقنع ثورا أو بدويا في صحراء أو حتى نصف متعلم، ولو استمرت الأمور على هذه الأفكار الساذجة والتافهة لما وصلت الأحوال إلى هذا الوضع المأساوي.إن كل كتب عفلق غير كافية لتحويل قط إلى سياسي.لكن خطورة الفكر العفلقي ليس في ما كتبه هذا الرجل الذي هو خليط من الصوفي والقومي والمحتال وشبه المفكر، بل خطورته في  سلوك" القديس" الزائف الذي كان ينصبه للناس، خطورته في ما لم يقله علنا، أو ما لم يصرح به، أو ما سكت عنه، وتركه مفتوحا لمن هم بعده في المسؤولية الحزبية في تفسيره والعمل به.

 

عفالقة الفعل، ومنهم الطاغية العراقي، حفنة من تجمع صفات وقيم دونية تقوم على فكرة ان الوطن، الثورة، التغيير، لا يتأسس إلا بالسطو والنهب والاستحواذ والحيازة والملكية وفكر المصادرة. وعفالقة اليوم ليسوا بالضرورة من اتباع عفلق بل من مدرسته ومدرسة طاغيته التي صارت عقيدة من لا عقيدة لهم.  فلماذا نستغرب أن يسرق الوطن الان ويباع في المزاد؟

 

ليس بالضرورة أن يكون هؤلاء من حزب السلطة بل  هؤلاء يتواجدون في كل مكان وليس مهما الطريقة التي يصفون بها انفسهم . لا يصبح الانسان معارضا لأنه يصف نفسه على هذه الصورة بل  الافعال هي التي تحدد.

 

 يمكن التعرف على اصدقاء الطاغية في الداخل والخارج لأنهم يحملون نفس علامة المصنع: اصحاب ملكية الحقيقة والتاريخ والوطنية والشرف وخبراء الردح  وذهنية التشهير وعقلية البيع والشراء رغم كل محاولات التستر على العورة في الفترة الأخيرة والايحاء للناس بانهم غيروا سلوكهم وصاروا يهتمون (بالمأزق العراقي الجديد) لكن بعد فوات الأوان وسبق السيف العذل لأن شرف الانسان كقدح الماء لا يرد من الأرض ان انسكب وهؤلاء تعرف عليهم جمهور الثقافة في العراق مبكرا عن طريق الانترنت من حسن الحظ وصدموا بهذه العقول التي كانوا يتصورونها حكرا على نماذج سلطوية ، فلقد سئم الشعب العراقي من خسة مرضى عقدة الشعور بالدونية التي تبحث عن توازن داخلي من خلال شيطنة الآخر ورسم صورة بشعة له لتجميل صورهم المشوهة ولا أدري لماذا يختار هؤلاء السياسة أو الثقافة مهنة لهم مع  ان في الحياة مهنا لا حصر لها؟

 

 كانت النخب العراقية المحاصرة في الداخل تنتظر خبرات النخب في الخارج في السياسة والثقافة والمعرفة فدهشوا من نماذج وقحة أمية بليدة تكتب بلغة كلبية افتراسية شرسة على طريقة المجلات الخليعة. كمثال على ذلك: انا في حالة اتصال طيب بأصدقاء وزملاء في الداخل وقد لفت نظري أنهم أكثر تقبلا وتفهما للرأي الآخر وأكثر صبرا على الاختلاف وأفضل استعدادا لادارة حوار سياسي ثقافي متوازن مما كنا نتصور وان هناك نقاشات بناءة مع كل الأطياف يجري يوميا على صفحات الجرائد في مناخ من التفاهم رغم تدهور الأوضاع وهذا أمر كان موجودا حتى في زمن الفاشية في الجلسات الخاصة.

 

ان شرائح واسعة من النخب الثقافية  لم تندمج كلها في النظام السياسي السابق وحافظت على نقاء طيب في أحلك الظروف لذلك لا يجوز دمج الجميع كتابا وشعراءً ومثقفين في خانة واحدة. هؤلاء ليسوا صنفا واحدا بل هم عبارة عن أطياف مختلفة تماما.

 

إن الذين اجبروا على الحرب أو اجبروا على الكلام أو الكتابة تحت التهديد بالموت والغرف والرطبة والاعدام ليسوا هم الذين أجبروهم على ذلك. لا يجوز كما يقول فوكو ( محاسبة الناس على أقوال أو كلمات أجبروا عليها، أو على صمت فرض عليهم). بل هؤلاء ضحايا ومن حقهم مقاضاة جلاديهم.

 

 من عدم الانصاف وضع الجميع في سلة واحدة. للأمانة كانت المؤسسة الثقافية العراقية حتى في الزمن البربري تضم نخبا من الكتاب والشعراء والفنانين الشرفاء والطيبين الذين كانوا في المؤسسة وخارجها في آن وكان كثيرون منهم قد قدموا لنا خدمات كثيرة مثل نقل رسائلنا من وإلى أسرنا في جو مغامرة قد تطيح بحياتهم حيث النظام يعاني من انفصام مع شبعه ونخبه، وكانوا يموتون كل لحظة حين يرون مقالاتهم تحور وتشوه عند النشر من قبل هذا المسؤول أو ذاك ومن هو الذي يعترض؟ طبعا هناك حفنة مرتزقة محترفة وهؤلاء حسابهم مختلف.

 

شكل  الكتاب الشرفاء في الداخل اليوم البنية التحتية مع زملاء واخوة لهم في الخارج من أجل خلق تقاليد ثقافية وطنية جديدة على أنقاض جثث وويلات وخراب قرون. من مفارقات العقل العراقي والحالة العراقية المليئة بكل أنواع الغرائب أن نخب الخارج هي الأقل استعداد لقبول الاختلاف، وهذا راجع في نظري الى ان نار الفاشية كانت المطهر من كثير من التشوهات وأنهم فعلا مصممون على أن لا يحدث ذلك ثانية، في حين  تحاول نخب هزيلة  أن تصدر  سلعها ومشاكلها السامة إلى الوطن  كبديل عن فكر ناضج او ابداع حقيقي علما ان الوطن يحترق وينهب علنا.

 

العراق، في نظر هؤلاء، ليس وطنا بل عقارا، والمواطن فيه ليس مواطنا، بل راعيا، ونحن لسنا شركاء معهم في الأرض بل أجراء، والوطن  في تصورهم:ـ ملكية عقارية.ـ ملكية حزبية.ـ ملكية شخصية.ـ ملكية عائلية.ـ ملكية تاريخية.ـ ملكية عقائدية. بهذا المعنى فإن ميشيل عفلق ليس شخصا فحسب، وكذلك الطاغية، بل هو أو هما، وجهة نظر، وأسلوب عمل، وطريقة تفكير، ورؤية في السياسة والسلطة والقانون والحياة والقمع. إنهم حفنة من قيم  منحطة وهذه موجودة هنا وهناك. المعارضة ليست صبغا أو زيا أو قناعا بحيث ان من يرتديه صار وطنيا ومعارضا ومعاديا للطاغية، بل المعارضة صفة تكتسب بالفعل والسلوك والفكر المنتج ، وليست وراثة أو بطاقة طائرة أو نزهة.

 

الفكر العفلقي، بهذا المعنى، ليس هو المرتبط فكريا أو حزبيا، بميشيل عفلق نفسه، بل هو فكر يضع الوطن كـ: ـ كعقار.ـ ملكية شخصية.ـ عائلية.ـ حزبية.ـ عقائدية.ـ تاريخية. أي  عقلية الحيازة.

 

على هذا الاساس فإن  نهاية الدكتاتور لا تعني قطعا نهاية الثقافة الفاشية أو الرؤية العفلقية، رؤية الحيازة، والعقار، والملكية الخاصة، للوطن والناس والثروة والحكم، بل يعني غياب أحد نماذجها لا أكثر ولا أقل.

 

موت الدكتاتور العقلي والتاريخي والمعرفي هو في أحداث قطيعة بنيوية فكرية معه وهذا لن يحصل قريبا.فهذه الرؤية(رؤية الحيازة والعقار والملكية الوطنية) موجودة اليوم في تقاليد الأحزاب، وفي التقليد اليومي السياسي الذي يصادر ويعاقب ويلغي ويؤرخ ويحذف ويشهر ويدمج من يشاء بناء على قانون الرؤية الخاصة، القائمة على الحيازة:ـ حيازة الوطن.ـ حيازة الحقيقة.ـ حيازة الشرف.ـ حيازة الأرض.ـ حيازة الثروة.فإذا كانت بعض أحزاب اليسار تدعي ملكية التاريخ والحقيقة، فإن الأحزاب الدينية تدعي ملكية الدنيا والآخرة.نحن،إذن،بين مصادرتين: ـ إما أن نكون مصادرين من التاريخ.

 

ـ أو نكون مصادرين من الغيب.

 

أي أننا، في الحالتين، لسنا مواطنين، بل رعايا، ولسنا شركاء في أرض أو وطن، بل أجراء أو مخطوفين إلى حقيقة تاريخية مشكوك فيها وغير مؤكدة، أو إلى غيب غامض وسرابي.نحن أقرب إلى الشيء منا إلى البشر.وفي فكر المصادرة والاختطاف يجلس ، متربعا، فكر الحيازة أو الملكية أو العقار، أي الفكر العفلقي.

 

ليس موت الطاغية هو الحل فحسب، بل الحل  هو التخلص من  فكر وهوس ملكية الوطن والتاريخ والحقيقة والناس والغيب والثروة والسياسة والشرف والوطنية، وفي غياب القانون، وموت حس العدالة، وفي الارتجال، والسطحية، وهو مرض لا يقل خطورة عن هوس الحرائق.           

بدون مجتمع محصن صحي نظيف ومحمي بالقانون والرصانة والجدية ومؤسسات وقائية وبرلمان وصحافة حرة مسؤولة ، بدون ذلك فإن حجرة صغيرة ستكسر الزجاج.. ليس لأن الحجرة قوية بل لأن الزجاج هش.

 

17

الزعيم الغائب

 

كلام جنرال أمريكي عن غياب الزعيم القوي  في العراق في هذه المرحلة، وعلى نحو خاص، الزعيم على النموذج الافغاني، يعكس بعض أهداف الحرب الأخيرة.فهؤلاء ما زلوا يتحدثون عن الرجل القوي، وصاحب القبضة الحديدية، والذي يختصر الوطن بالثكنة وقد جربوا هذا النموذج في تشيلي والفلبين واندونيسيا وكوريا وفيتنام وفي دول أخرى بما في ذلك دول العالم العربي، بل وحتى في العراق، ونجح هذا النموذج في إلغاء الدولة والناس والقانون.

 

إن غ