الحروب السعيدة
( اللامفكر فيه)
2003 ـ 2006
المجد لك أيتها الليالي، أيتها الأيام../المجد لك يا بلادي.../
انا عبد الحميد، جندي مشاة من سلاح المشاة عشت أخيرا في مستشفى معسكر الرشيد،
بالضبط في قسم الجملة العصبية.
أقف كعينة أمام طلاب علم النفس الصغار، يدرسون جنون عظمتي،
يدرسون صلتي بالشمس وزحل والمريخ، انطلق باسم مردخ وزفس ومثراس،
أخرج لهم أوراقا من محفظتي الصغيرة كأوراق سيبيل
أخرج لهم قرون الاسكندر وعشبة كلكامش
عظيما كأعظم دون كيشوت
سعيدا بمدني الفاضلة
أيها الرعاع
أيها الأتباع
أنا نابليون بموسيقى العودة من المنفى
عودوا معي الى المسرح
لنمثل أدورانا في الحياة.
الحياة هنا لا تشبه الحياة هناك.
ـ قصيدة الحروب السعيدة،الشاعر رعد عبد القادرـ
دع البلبل يتعجب،1996ـ
ـ لوحة الغلاف (الصرخة) للرسام النرويجي أدوارد
مونش، وقد سرقت من المتحف.
1
نهرب ونسمى أبطالا، نخون ونسمى منقذين
يبدو ان عملية الصدمة والترويع التي بدأت بها الحرب، خلقت على
مستوى آخر، عملية صدمة عقلية في ذهنية نماذج من المثقفين الذين كانوا يعانون من
اغتراب مزدوج:الأول:اغتراب مكاني.والثاني: اغتراب في الوعي.ونماذج اخرى لا تنفع
معها لا الصدمة ولا حتى المسح الكلي للبلد كي تفيق على وعي جديد خارج نسق القيم
الذي تعلمت التفكير من خلاله رغم ان الكتاب الفرنسيين مثلا جعلوا من(الخواء) فلسفة
ورواية ولوحة وثقافة ومدرسة أدبية.
ومن بعض كتابات
المثقف العائد إلى الوطن، أو الوطن المنفى، ظهر جليا ما كنا نقوله(ولا نزال نكرره
باصرار وتعمد) عبر سنوات من الكتابة المتواصلة، في مناخ صعب وملتبس وضبابي في اننا
بحاجة إلى ثورة ثقافية وعقلية وفكرية في النفوس والعقول والهوية أكثر من حاجتنا
إلى انقلابات أو حروب أو كوارث تطيح بالباقي من مجتمع منقرض أو يوشك.وكانت هذه
الدعوة تواجه ولا تزال باحتجاجات سياسية من قبل ذات المثقف السياسي الذي شهد تاريخ
علاقته بالجمهور دورات ومنعطفات ومراحل تتراوح بين:ـ تقديس الجمهور، ومن ثم تقديس
أخطاء الناس، بناءً على ذهنية تحتفل بكل ما هو( جماهيري) لأسباب سياسية وليست
فكرية، يقف في الصدارة منها المحاباة والتكسب والحزبية وتملق الأذواق العامة وكان
ثمن ذلك باهظا في كل التاريخ السابق واللاحق.ـ أو مثقف، حين يصدم بما وصلت إليه الأمور،
لأنه كان يعيش على مستوى الوعي، وعلى مستوى الأحداث، في شبه غيبوبة، يشرع الآن في
التشنيع على جماهير (الغوغاء) التي فاق سلوكها الخيال وصار (أغرب من الخيال) كما
كتب أحدهم مرة.
مثقفنا الحزبي او السياسي يعشق الخانات والوصف والخزن والحفظ
في مجتمع تربى على ذلك:فمن كان جده وزيرا في القرن الهجري الأول فإن سلالات
العائلة وحتى يوم القيامة ستحمل اسم الوزير، ومزرعة الوزير، وشارع الوزير والخ
وهلم جرا.ومن كان جده يعرج على اليمين أو اليسار ستحمل كل سلالات العائلة لقب
الأعرج. ومن كان جده الأول الذي سافر مع النبي نوح في السفينة اعورا، ستحمل كل
السلالات لقب بيت الأعور. ومن الطريف هنا أن اذكر مثالا عن نوعية حجز البشر في
خزائن وغلق الباب عليهم وحرمانهم في حقهم في ان يكونوا على غير ما هم عليه: اطلعني
صديق طفولة منتصف السبعينات على تقرير رفعه اليه رفيقه الشيوعي وهو يزكي له احد
الأشخاص من طالبي الانتماء. يقول التقرير حرفيا:(ان فلان الفلاني شاب طيب ومهذب
ولكن جدته لامه كانت تعاني من خفة في مراهقتها!) واذا عرفنا ان هذه الجدة المسكينة
متوفاة قبل عشرين سنة من ذلك التاريخ، وانها من مواليد القرن التاسع عشر، وهذه
الخفة حدثت في بداية القرن العشرين، نكتشف حجم البلوى. ومعروفة حكاية ذلك البائس
الذي ضرط فهرب واختفى من البلدة كلها وحين عاد بعد ربع قرن وسأل عن اسم المنطقة
هذه فقيل له: منطقة أبو ضرطة!
وهذه لا تحدث في مجتمع يفور بالحداثة والتكنولوجيا والتطور
ولكنها طبيعة العقل المشرقي عموما والمجتمعات التقليدية الساكنة القائمة على
الاجترار والتكرار والاعادة.هذا المثقف المصدوم اليوم (بخراب الجماهير) بعد ان
خزنها في صورة وعقيدة وهرب واغلق عليها الباب، وهو يراها عبر الشاشات أو الأخبار
أو الرسائل، أو على أرض الواقع وهو عائد إليها من منفاه، لم يكن يرى، إذا كان يرى
شيئا، غير جماهير متخيلة مقطوعة الصلة بالأرض، تماما مثله: كان يراها عبر الكتب،
وليس مهما أن يكون داخل/ خارج الوطن، فنحن جميعا كنا في منفى حتى في منازلنا.
هذا هو سر دهشة هذا المثقف المهجور والمبعد والمقصي والواهم
وهو يشاهد اليوم علامات الكارثة في الوطن، لأنه أصلا كان يعيش ليس في منفى مكاني
فحسب، بل في منفى عقلي، أو بتعبير علم النفس اغتراب عقلي:كنا نعيش في وطن بودلير،
وماركس، وكافكا، وبريتون، وفرويد، وجيفارا الى اخر سلالات المنافي.
هذا المثقف الذي كتب ما كتب طوال سنوات لم يكن يساوره أدنى شك
في فحص فرضياته أو مراجعة منهجه في التفكير(إذا كانت هذه الفوضى الذهنية لها علاقة
بالمنهج)، بل انساق خلف أجنحة خيال مبتور، وخلف صورة مرتبكة أو متصورة أو متخيلة
عن واقع عراقي مفترض يتطابق تماما، كما يظن، مع تصوراته الذهنية،فوقع، اليوم في
ورطة أو صدمة ترويع أخرى حين رأى(إذا كان قد رأى جيدا كل الصورة، لأن من طبيعة هذا
العقل الاختزال الرغبوي، أي رؤية ما يحب وما يرغب) الصورة المضطربة للمجتمع
وللإنسان العراقي في ضوء هذا الخراب الجديد، أو الذي بدا جديدا له مع انه خراب
تاريخ مغلق وثقافة منهارة.
كتب هذا الصنف من (المثقفين) طوال سنوات بلغة جازمة حازمة
يقينية لا تحتمل الشك أو التأويل أو البحث أو القلق المعرفي. في تفكير هذا الصنف
من المثقفين يعتبر القلق المعرفي، وهو مصدر الحداثة الفكرية، مرضا، وحساسية مرضية.
لو كانت المسألة قد توقفت عند حدود التفكير الفردي ورسم صورة شخصية عن مجتمع لهان
الأمر، بل أنه حوّل هذه التصورات والأوهام إلى قرارات، ودفع جمهوره بلغة قهرية
حادة باترة إلى تحويل قناعاته الفردية إلى قناعات عامة تصلح، كما آمن، أن تكون
مشروعا وطنيا للتغيير.
مع الخراب القديم،كان موقفه هو الأخطر، لأنه كان يتكلم باسم
المستقبل، وتحت عناوين براقة، ويتحدث بأحلام وردية، ويخاطب جمهورا متخيلا، متصورا،
اكتشف في النهاية أنه ليس ذاك الجمهور الذي كان يحلم به، وجيش الجيوش من أجله، أو
هكذا كان يدعي، بل ان هذا الجمهور، كما تشهد كتابات هذا الصنف هذه الأيام، هو
جمهور "مزدوج" أو تجمع "لصوص" أو من أصحاب الأفكار
"الظلامية" كما لو ان هذا الجمهور خرج الان من التاريخ الى الواقع.وحسب
أردأ النماذج:(الشعب العراقي يحب القذارة لكن الجندي الأمريكي الشجاع ينظف خلفه ثم
يوسخ العراقيون من جديد)كما كتب احد أحفاد الاسخريوطي .ولا ندري لماذا يقوم هذا الجندي المحتل
بتنظيف الشارع ولا يقوم به جيش من العاطلين العراقيين الذين يتكئون على الحيطان
ويضعون أقدامهم عليها طوال النهار في انتظار ممل حتى ينطبق عليهم الوصف الجزائري
للعاطلين: الحاطيست.
يبدو هذا الصنف من الكتبة
كما لو انه أخذ على حين غرة، أو أفاق من نوم طويل، أو على وطن آخر لم يكن يعرفه.
وفي هذه النقطة يتساوى مع الطاغية:فكلاهما عاشا في وطن يجهلانه تماما، وهذه واحدة
من مفارقات الحالة العراقية المليئة بالمفارقات.
وهؤلاء هم خليط من يساريين تائبين من الطبقة والثورة
والاشتراكية أو أنصاف مقاولين، او من عدميين بسبب الانتظار والسأم وتفسخ الخلايا،
او من ابرياء صرعهم الحنين والذكرى وطول الأمل، أو من مجتهدين وقعوا في أخطاء
التفكير ولهم مع ذلك اجر من الحزب او السلطة رغم نزيف الدم.لكن أهم هؤلاء واكثرهم جدية هو عدو الإمبريالية القديم،
الذي دار بنا سنوات، ومراحل، وصرنا في كتاباته قطع شطرنج، وجرب علينا كل أنواع
الويلات والبرامج،جاء ليقول لنا اليوم ان الواقع هو غير ما تصوره، وان الحقيقة على
الأرض تختلف عن الحقيقة على الورق. ولسنا نعرف هل نحن شعب أم أرانب اختبار؟
لكن تبقى شهادة هذا المثقف(الاختزالي) ناقصة ومشوشة، ومضطربة،
وملتوية،فهو لا يزال يظن، عن قناعة أو جهل، ان هذا التخريب في البنية النفسية هو
نتاج سلطة الأمس فحسب، لا شريك لها في الجرم العلني(الاحتلال) الذي رآه الناس عبر
الصور وعلى الأرض وفي الوقائع والشهادات العلنية والمفتوحة، ولا في تاريخ التخريب
عبر قرون، وكنا نردد عبر سنوات كالنشيد الوطني:ان الطاغية ليس سلطة فحسب، بل عقلية
وذهنية، وطريقة تفكير، ووجهة نظر..الخ.
هل هو منطق اختزال الحقيقة في مشهد أو رمز أو صورة أو موقف أو
حقبة أو حالة عابرة، الذي أدمن عليه ومارس تفكيره من خلاله عبر مراحل طويلة، أم هو
الغرام الجديد بالرأسمالية الأمريكية في طورها المتوحش؟ وقد يبدو هذا الموقف لمن
يحسن الظن أو يقرأ قراءة عاجلة هو نتاج موقف فكري، وفي واقع الحال ليس كذلك، لأن
من طبيعة الفكر أن يترك النهايات مفتوحة ولا يغلق حقل الاحتمال أو المقاربة بحيث
يظل كل شيء قابلا للإضافة والنمو والتطور والشك.
إنه موقف سياسي من مثقف
مهزوم خانته الأحداث، وخانته الايديولوجيا، وخانته الجماهير لأنها تجاوزت وعيه،
سلبا أم إيجابا، وخانته ثقافته السطحية التي لم تسعفه في أية قراءة لا للحاضر
المليء بالشواهد والشهود، وهو لا يرى إلا شهوده، ولا للمستقبل الذي هو خطواتنا
الآن.كيف يحسن قراءة الزمنين
إذا كان يعاني من هول غربة عقلية قد لا تسعفه في الاهتداء حتى على صورته في المرآة
أو التعرف على المكان الذي يتواجد فيه يوميا؟ هذا المنفى العقلي هو أخطر المنافي
لأنه الوحيد الذي لا فكاك منه، أو خروج منه، وكل المنافي تشيخ أو تهرم .
يقدم هذا الصنف نفسه، أو يعرف رأسماله الرمزي، أو مقالاته، على
انها بحث عن المستقبل أو قراءة للواقع، وهو في واقع الحال لا يبحث إلا في وهم ،
ولا يقرأ إلا في سراب وكل همه هو الركض خلف الاخبار اليومية والتعليق عليها وهي
كما نعرف غزيرة ومتناقضة ولا تحتاج الى تعليق بل تفكيك، وهذا ليس من أهدافه، بل
ليس واردا في عقله لأن هذه مهمة المثقف النقدي المعرفي الذي يشكل وجوده في هذه
الفوضى كوجود كلب في جامع بدون حفظ الفارق أبدا. وهذا المثقف النقدي ان لم يسكت،
فإن مؤسسة التشغيل لا تتركه عاطلا عن العمل: فهو إما انه عميل أو جاسوس أو يتحرك
بقوى من الخارج، وان لم يكن كذلك فهو إذن أو "اقلا " خصي، أو مجنون لكي
يصمت نهائيا حفاظا على ما تبقى من كرامة جريحة.
من هنا تأتي دهشة(المثقف)العائد من صورة الواقع العراقي اليوم
لتعكس غربتين:ـ غربته هو عن نفسه، وعن عقله، أي الاغتراب العقلي.ـ وغربته عن
واقعه، وهي غربة سياسية وفصام ذهني بلبوس الوعي السياسي. هذه الغربة يختلط فيها
الذهني بالمكاني في مزيج غريب لينتج "المثقف"الحائر في صحراء لم تعد
تنتج أنبياء بل امتلأت بالجيوش وفرق المرتزقة والارهابيين والمقاومين والضحايا وكل
تناقضات التاريخ والجغرافية .
الذهان العقلي هو أخطر أنواع الذهان أو الاغتراب حين تتحول
الصور الذهنية المتخيلة إلى مقالات وكتابات ودعوات وحروب ومشاريع وورط ومآزق
وويلات وطاولات تتطاير من مقهى عزاوي لأن المدلل زعلان. وهو، وهنا الفظاعة، يجد
مخرجا لورطته بعد كل فشل وفي كل مرة يمارس تجربته على جمهور منهك ومغتصب وحزين،
كما لو كان يشتغل في حقل تجارب للفئران وليس على جماهير معذبة. صحيح اننا جميعا
لسنا ملائكة، ومن يعيش في ظروف ناقصة لا يمكن أن يكون مثاليا بتعبير ماركس، لكن
اعادة انتاج الأخطاء بالصورة والصوت واللون والرائحة ليس خطأ انما منهج في التفكير.
لم لا؟ واللغة العربية قادرة على إيجاد كل المخارج وأبواب
الطوارئ الخلفية لمن يريد الهرب من غفلته أو التنصل من مسؤوليته خاصة في مجتمع
عراقي لم يتعلم بعد محاسبة سياسي في السلطة أم خارجها على أخطاء مصيرية كبرى أهدرت
فيها ثروات ودماء وأحلام لكنه قادر مثلا على محاسبة راعي غنم لأنه لم يهرب خارج
الوطن في زمن عراقي صار فيه الهرب بطولة وعلى قول انسي الحاج:نريد ان نهرب وان نسمى أبطالا، ونخون ونسمى منقذين.
عن هذا الصنف من(المثقفين)
يقول الاستاذ عبد الإله بلقزيز في كتابه الهام(نهاية الداعية):(نحن في الحالين ـ
إذا ـ إزاء صنفين من المثقفين: إزاء مثقف شعبوي، يقدس الجمهور، ويمحضه الولاء، ولا
يتصور التاريخ، والتطور، والتغيير، إلا مقترنة به.ثم إزاء مثقف نخبوي يحتقر
"العامة" ويمارس التشنيع على وعيها"المتخلف" ولا يتصور التاريخ
إلا فاعلا "عاقلا" تمارسه بالنيابة نخبة "ملهمة"!. الفوارق
بين الصنفين وافرة: يتتلمذ الشعبوي على الشعب، فيما يتعالى النخبوي عليه...) الخ.
لكنهما في النهاية
المنطقية يحلمان بدور( رسالي، سياسي، خلاصي) ويلعبان دور وكيل الجمهور أو ما تبقى
منه أحياء أو عقلاء بعد أن مارسا عليه كل أنواع الشناعات في كل الحقب. يذهب هذا
النصف من " المثقفين" العائدين إلى الوطن، عودة رمزية، أو فعلية، إلى حد
تصوير هذه "العودة" على أنها عودة كلكامش إلى الأرض الأم. وهنا تبدو
صورة الانتفاخ المرضي، وإهانة الجمهور(الجمهور المعذب والمغيب والمكابر والمهان)
واضحة جلية علنية مفتوحة. فكلكامش كان باحثا عن معنى الموت والحياة والمصير وكل
الأسئلة الوجودية الكبرى، ولم يكن ساذجا على هذا النحو المؤلم ويخطئ في قراءة الأحداث. كما ان زمن نضال(النخبة
الملهمة) انقرض حتى في العراق حين تساوى الجميع(بما في ذلك الجلادين) في عدد القبور
والموتى والصواريخ والامراض والخيبة والمجهول.
هل هي صورة ساخرة مضحكة حين يصور مثقف مهزوم بلا دور حقيقي أو
مشاركة أو فاعلية نفسه على أنه أسطورة؟ وماذا كان سيعرّف نفسه لو أنه فعلا حارب
واسقط هذه السلطة بنفسه، والعالم رأى كيف بدأت وانتهت الأمور؟. تنعدم كل أشكال
المرونة العقلية عند هذا الصنف من"المثقفين" المقهورين،لأن الخصاء
العقلي، حسب علماء النفس، يلغي المسافات بين الألوان والاحتمالات والمواقف والصور،
ويتحول كل شيء من خلال الرمز أو المعنى أو الزاوية التي أعطيت له، فهو لا يرى إلا
ما يريد أن يرى. وهذا هو العمى الفكري بأدق صوره.
هذا المثقف الخلاصي النبوئي الرسالي المنقذ يُصدم، وهو يرى،
لأول مرة، مجتمعا يعج باللصوص، والبغايا لأنه كان يعيش في اليوتوبيا الفردية، أو
في حالة العمى العقلي.انه يرى ضحاياه، بصورة من الصور، الذين كان قد اعد البرامج
لخلاصهم وظهر انه يجهلهم عبر سنوات
طويلة من تأملهم وهو يتأمل الفراغ والوهم والسراب والضباب.
نعم، هناك اليوم لصوص وبغايا وبورديلات(لا يتحدث هذا الصنف عن
جرائم المحتل كأن الوطن صار وطن البغايا واللصوص العراقيين فقط وهذه طبيعة العقل
الاختزالي) وأسواق حريم يقف فيه طابور من النساء للبيع كما وقف طابور من المثقفين
لبيع أنفسهم وقيمهم الرمزية،رأسمالهم الفكري والثقافي لأجهزة دولية مقابل ثمن هو
أقل بكثير من سعر الحريم اليوم.
من هو الضحية هنا؟ الفتاة القاصرة التي تبيع جسدها لكي تعيش،
أم المثقف الذي أجر خياله الوطني وتركها وحيدة أمام جيش من العزاب والمثليين
والفقراء الذين هم ايضا ضحايا ضربوا بضحايا، أي ان الدولة الغول تصارع بأدوات
القهر لمنفعة الشركات العابرة للقارات ؟ وكيف نستنكر سوق الحريم، إذا كان هذا
السوق قد تأسس مثله في عالم الثقافة؟
وكيف نحاسب صبية تبيع جسدها في سوق النخاسة، إذا كان صانع
أحلامها الفكرية والرمزية ومنتج المعاني والقيم الفكرية، مناضلها ومثقفها الذي
انتظرته طويلا، باع موقفه السياسي في سوق نخاسة دولي؟!وهل يتطلب كره طاغية الوقوع
في غرام آخر؟ لماذا ندين امرأة تبيع جسدها من اجل الخبز، ولا ندين مثقفا يبيع
رأسماله الفكري من أجل المنصب أو المال الذي لا يحتاجه حاجة ملحة؟
لماذا إذن نحاسب مثقفين كتبوا في العراق تحت فوهات المسدسات
وتهديد الموت أو العيش في قبو رطب مظلم مدى الحياة اذا صار خصومهم يكتبون اليوم
في(منتهى) الحرية وامامهم شعب يموت في الشوارع من الارهاب والطائرات التي تقتل
خطأ؟!الم يكن هؤلاء ضحايا ومغتصبين مثلهم مثل كل الضحايا ماعدا زمرة منتفعة
ومعروفة؟
العلاقة عضوية ومتينة بين هذين السوقين: سوق النخاسة الثقافي
هو الذي أسس سوق الأجساد. وإذا كانت هذه الأجساد تئن تحت ثقل المشتري المحلي، فإن
أجساد زمرة من أهل القلم تئن تحت ثقل المشتري الأجنبي لكن على ثقافة ووجهة نظر.
هل الفارق هو في السعر؟ أم في هوية المشتري؟ أم في مكان السوق؟
أم في ان الحريم تغتصب بصمت وكتمان على وسادة مطرزة بالزهور البيض دون قدرة لغوية
على تبرير هذا الاغتصاب وتحويله إلى ممارسة "نضالية" من أجل التغيير؟
فمن أين نأتي بشرشف أحمر لسرير المدلل؟!
2
البطل الضحية
كان عنوان هذا المقال الأصلي هو(عودة البطل المهزوم) لكن
المؤلف السري أو المؤلف الآخر الخفي هو الذي وضع عنوانا مقترحا(البطل الضحية)وتصرف
الروائي على حساب الكاتب وفرض شروطه. وأعترف بأن هذا العنوان هو الأدق لأنه يحمل
تلك الثنائية التاريخية التي تقسم العالم إلى أضداد، وتعجز، عجزا عقليا صلبا عن اكتشاف تلك المساحات الشاسعة
من الألوان التي تخلق جسورا بين الأضداد، وتبني علائق منطقية بين المتناقضات.
والمثقف العائد إلى الوطن
عودة فعلية أو رمزية، أو في الطريق إليه، هو نموذج لثنائية البطل أو الضحية،أي
الكائن الذي لا يقبل أن يكون شخصا ثالثا، لأن(الشخص الثالث) خارج حلقة التفكير
الذاتي المفرغة.
إن تاريخ هذا المثقف(البطل أو الضحية) هو تاريخ السياسة
العراقية، أو تاريخ الفكر السياسي الذي رسخ هذا النموذج المعياري في الثقافة
السياسية، وصار تقليدا اجتماعيا وأخلاقيا وثقافيا لا يرقى إليه الشك، وغير قابل
للفحص كأنه ولد معنا أو أنه ظاهرة طبيعية كالمطر أو الريح أو الظل.فنحن، في عرف
هذا التقليد القبلي، البدائي، إما أن نكون أبطالا أو نكون ضحايا، وليس هناك أي
خيار بين هذه الثنائيات، لأن العقل الثنائي لا يحمل صورة مغايرة مختلفة عن هذه
الحدود الذهنية المرسومة.
وتقليد البطل أو الضحية هو تقليد قديم في حضارة بلاد النهرين
أو في الحضارات الأخرى يوم كانت الآلهة، قبل الرئيس الأمريكي، تقسم الناس إلى
أخيار وأشرار، أو أبطال أو قرابين:في التقليد الموسوي كان الكاهن يطلب ماعزين واحد
للذبح الطقسي والآخر لكي يطلق في البرية حاملا خطايا المدينة. وكان الاغريق يطوفون
برجل وامرأة في الشوارع وهم يضربونهما بالحجارة والأغصان ثم يطردان خارج المدينة،
وبهذا تكون المدينة قد غسلت خطاياها. وفي التقليد البابلي والسومري كان القربان
شخصا أو حيوانا، وقد أشار القرآن إلى ذلك من خلال حادثة محاولة النبي إبراهيم ذبح
ابنه كقربان للرب فعوض في كبش.
وتقليد( كبش الفداء) أو الأضحية أو القربان لا يزال سائدا في
مناطق عراقية واسعة على شكل ذبيحة أو صحن شموع عائم في النهر في مناسبات دينية
محددة(انتظار الخضر، مثلا، لأن تقليد الانتظار على ضفاف الأنهار هو عادة عراقية
قديمة).لكن الأخطر هو أن يتحول كبش الفداء من تقليد للذبح الطقسي الديني إلى تقليد
للذبح السياسي، وتاريخ القرن السابق هو شاهد حقيقي على ذلك.
لقد أنجزت الحداثة الغربية أكبر مكتسباتها الفكرية حين دخل
الفكر البشري في المناطق المحرمة أو المعتمة وتم توسيع دائرة البحث العقلي والشك
المنهجي وسلطت الأضواء لأول مرة على الطيفية والتعددية والوفرة والثراء في الألوان
والمواقف والأفكار والعقول واكتشف العلماء التعدد الهائل في الجينات الوراثية
الأمر الذي أعاد الجدل العريق عن حرية الإنسان الحقيقية أو المقيدة بفعل عوامل
وراثية. لم تعد، بكلام أدق، ثنائيات البطل والضحية، الوطني وغير الوطني، الكافر
والمؤمن، ثم الرجال وأشباه الرجال ثم انصافهم ..والخ.. هي السائدة في فكر الحداثة،
بل حل بدلها التعدد واللونية والثراء والقزحية ولا نهائية المتناقضات والألوان
الرمادية.
لكن هل استطاع العقل
السياسي العراقي تجاوز سجنه التاريخي والخروج إلى فضاءات التفكير الحر، أي إلى
ساحة الحرية والخيال الإبداعي، أم أنه ظل أسير تلك الثنائيات التافهة التي لم تعد
قادرة على تفسير أية ظاهرة بشرية أو طبيعية أو تاريخية، ومتابعة نشرات الأخبار
ومطاردة الوقائع اليومية دون القدرة على ضبط القوانين الأساسية المحركة لقوى
المجتمع؟
إن الجواب الدقيق هو أن هذا العقل لا يزال أسير أوهامه القديمة
التي حفرت داخله أنفاقا وعادات صار من المتعذر في الظرف الراهن الخروج منها إلا
على نحو فردي. هذا العقل أدمن هذا النمط من التفكير ولم يعد قادرا، حتى لو أراد
على الخروج من هذا الحبس العقلي، فهذا القيد غير المرئي هو شبكة صلبة من عادات
وتقاليد فكرية عضوية صارمة وقد يكون جواب انشتاين هو الأدق حين سئل عن سر إبداعه
المتواصل فأجاب:ـ تخلصت من العادات العقلية.
هذا العقل الثنائي السياسي
لم يعد قادرا مثلا على التفكير إلا من خلال ثنائيات محددة كالسلطة والمجتمع، أو
الوطن والمنفى، أو الحرية والقيد، أو الجنة والنار، أو العقاب والثواب، أو الآخر
وأنا ...الخ... وعلى هذه الصورة تحذف كل المناطق الهائلة التنوع في الحياة. إن هذه
الطريقة في التفكير هي رؤية دينية في الأصل والمنشأ. فلا يحتمل العقل الديني مساحات أخرى للتناقض غير الثنائيات
المعروفة.
نحن في هذا التقليد إما
أبطالا أو ضحايا، أو إما أبطالا أو جلادين، ولا فراغات أو مساحات أو فضاءات أخرى.
ومن أين تأتي المساحات الأخرى إذا كان العقل عاطلا، وجهاز الرؤية مشوشا، والنظر
الفكري مثبتا على منطقة واحدة تعرض لنا ثنائية الأسود والأبيض وتحذف كل الألوان؟إن
ثنائية البطل أو الضحية يجسدها نموذج المثقف السياسي العراقي الذي عاصرنا
طوال نصف القرن الأخير وهو النموذج
الحزبي، حتى لو لجأ يوما أو مرة إلى الأدب للفرار من بقايا الدور بما تبقى من عمر،
فكتب حكاية بوليسية هنا بصبغة سياسية أو رسم لوحة بائسة هناك تصلح لأن تكون واجهة
متجر للعلف، فالكذب في الأدب عمره قصير من حسن الحظ، وعمره طويل مع الأسف في
السياسة.
هذا النموذج الذي عاش وترعرع وتربى على الثقافة السياسية
والحزبية على مدى أكثر من نصف قرن كان يجد في كل حقبة مبررا لكل إخفاقاته السياسية
الجدية أو انهياراته الشخصية ويخرج من كل الهزائم الشنيعة التي يدفع الجمهور ثمنها
دما وثروة وتشردا، بطلا بلغة حزبية تبرر كل شيء.
حتى وهو يتقمص دور الضحية المهزوم فهو يصوّر نفسه أو يعرف نفسه
على أنه الضحية/ البطل. فهو لا يتخلى عن صفة(البطولة) حتى في أشنع الهزائم التي
تكفي في دول متحضرة فيها تقاليد سياسية أن تقدمه إلى القضاء بتهمة التسبب في جرائم
سياسية أزهقت فيها أرواح الأبرياء حتى لو كانت هذه الأخطاء السياسية، كما يعرفها
هو أو يتنصل منها، هي:ـ أخطاء المرحلة ـ أو أخطاء التاريخ ـ أو أخطاء الاجتهاد ـ
أو أخطاء الحزب.ـ أو أخطاء
الآيديولوجيا... الخ وهلم جرا.
حتى حين يهرب هذا النموذج فهو يصور هذا الهروب على انه بطولة،
حتى حين يعجز عن التفكير فهو يفسر هذا العجز على انه إنهاك من سنوات النضال(نضال
ضد من؟) التي أرهقته، وحين يطرح في كل حقبة مشروعا (حضاريا) أو (تاريخيا) حسب فهمه
الهزيل للحضارة أو التاريخ، ويفشل المشروع ويذهب الناس بسببه إلى السجون أو المنافي
أو المقابر، فهو يخرج مثل الشعرة من العجينة من الأبواب الخلفية ويعود لنا بطلا أو
ضحية في حقبة تالية بدون حياء أو خجل، حتى حين يصاب بكل أنواع الانحرافات فهذه
المساوئ تصور على أنها أخطاء سنوات النضال السلبي ونسيان الجسد لصالح القضية، حتى
حين يعود مع جنود الاحتلال فهو يعود منقذا. هو دائما يبرع في خلق العنوان المناسب
في أحلك الظروف وفي أقسى الهزائم، وكل شيء يغسل باللغة.
بعض هذه النماذج، وهي
كثيرة، سكت طوال فترة وجوده في المنفى عن السلطة، وكرس حياته لمطاردة الناس
بالثنائيات التافهة المعروفة، لكنه نشط فقط بعد سقوطها فاندفع بأقصى سرعة ليتصدر
الواجهة كأننا بلا ذاكرة. هذا النموذج المتقلب وغيره كلفنا كثيرا من الأرواح
والأثمان الباهظة التي لا تعوض أبدا. لكن المشكلة الكبرى أو الطامة الكبرى هي أن
هذا النموذج الذي يعرف نفسه في كل مرحلة على أنه(سياسي أو مثقف) لا يصمت أو يعتزل
بعد كل جريمة سياسية أو تقدير مدمر أنتج مصائب مهلكة(كما هو الأمر في تقاليد شعوب
الأرض وبأخطاء عابرة أحيانا كانهيار جسر أو سقوط عمارة مثلا)، بل يخرج علينا في
نهاية كل حقبة، كأن شيئا لم يكن، ليتزعم مرحلة جديدة ورهانه في كل مرة هو أننا بلا
ذاكرة، أو أن تقاليدنا السياسية والفكرية والأخلاقية تغفر عودته الجديدة التي يختار هو عنوانها بنفسه.
وهو لا يقبل بتوزيع الألقاب على نفسه فحسب بل يوزعها على
الآخرين، لأنه هو مصدر الحقيقة، والعارف الوحيد في مملكة الذاهلين، والناس حسب تقسيمه الثنائي السطحي العتيد: إما
أبطالا أو ضحايا أو خونة أو جلادين...الخ..فهو دائما في المكان الصواب، وخصومه
دائما في المكان الخطأ، وهذا قدره لأن الآلهة أو الأقدار أو التاريخ قد أعطاه هذه
المهمة الربانية كمنقذ لشعب ينتظره منذ عشرات القرون فعاد هذه المرة مسيح العصر
ليزوج بنات شعبه من جنود الاحتلال. هكذا صارت لغة الايديولوجيا ترقص كأفعى الكوبرا
على انغام العازف.
حتى في الخطأ المهلك فهو خطأ الملاك، وأخطاء الخصوم هي أخطاء
الشياطين. إن ابن الرب العراقي هذا آن الأوان لطرده من حقل الممارسة السياسية
والفكرية ولو بالأحذية. ومن أمثلة مساخره التي مرت بلا حساب أو مراجعة أو توقف أو
إعادة نظر نذكر بعضها وليس كلها فهي معروفة للجميع:ـ في الخمسينات والستينات
والسبعينات اقترح علينا هذا النموذج الفكر الاشتراكي القومي أو الماركسي، وحين
انتهى وهمه إلى حمام دم، كما حصل في نهاية السبعينات، هرب من الوطن، ودمغ الجمهور
بالتراخي وعدم النجدة أو في الأقل عدم الهروب معه لأنه(المعيار) في كل شيء، في
التحالف، وفي الهروب، وفي العودة، وفي الحياة، وفي استجلاب الجيوش الخ. الخ.
وهكذا تناسلت الثنائية التافهة مرة أخرى وكالعادة وفي كل حقبة:
صار الناس بين صنفين الذين هربوا، وهم طبعا من الأبطال، والذين لم يهربوا من الوطن
وهم من صنف آخر، وحتى هؤلاء تم تصنيفهم إلى أصناف: الذين هربوا في السبعينات، أو
الذين هربوا في الثمانينات، أو التسعينات ...الخ.. ولكل صنف تسمية خاصة به وطريقة
تعامل وبطاقة سفر في قطار السياسة حسب تاريخ الهروب. وبدل مراجعة النفس والفكر على
هذه الأخطاء خرج من أبواب الطوارئ الخلفية وصار بطلا حتى في هروبه، أو ضحية في
فراره من معركة التاريخ الكبرى أو منقذا في عودته مع جنود الاحتلال(أو دور الخبير
والمروج) الذي ظهر أنه لا يعرف عن وطنه هو أكثر مما يعرفون هم.
ـ وفي حقبة تاريخية أخرى اقترح علينا هذا النموذج مشروعا جديدا
هو التعاون مع السلطة الفاشية بأمل أن تكون(تقدمية) فصارت أكثر كلبية ووحشية ولم
تنتقل من فكر( البرجوازية الصغيرة) إلى مواقع(الثورة الوطنية الديمقراطية) كما
توهم، فتحالف معها، وخانته، وفر، فصار هذا الفرار بطولة تاريخية كتب عنها الكثير
وصوّر لنا قدرته الخارقة على التملص من رجال الشرطة أو الهرب عبر المطارات وهو
يرتدي طاقية إخفاء، ونسى الجموع التي تركها تنزف خلفه في السجون والطعن والحروب
والجوع والاذلال...الخ..والويل كل الويل لمن يقول له على عينك حاجب يا ملك .صار،
كالعادة، هو البطل الوحيد في مقبرة التاريخ الكبرى.
ـ وفي حقبة أخرى اقترح علينا الكفاح المسلح، لكنه حين فشل
والقي عليه القبض أنهار وساوم وخضع لكل شروط الخوف، وصار داعية متجولا للسلطة التي
هشمته وأخذ يسبح باسمها في المحافل الدولية أو في الصحف وفي غيرها. أما الذين
قتلوا في السجون، والذين قتلوا من التشويه، ضحايا مشروعه السياسي الصبياني، فلقد
لحس عليهم أصابعه ولا من شاف ولا من سمع.
ـ تحول ، في الحقبة الجديدة، إلى مفكر
جديد، أو داعية جديد، حامل مشروع جديد: هذه المرة خرج علينا بثوب الطوباوي أو
الكاهن أو المصلح أو الثوري والليبرالي ودعانا لاحترام الاحتلال، وكما كان يكتب
على الحيطان شعاراته السابقة على غرار( أوقفوا الإرهاب) صار يكتب اليوم بذات
العناوين الآمرة:(أوقفوا الوافدة الطالبانية) أو:(استفيدوا من فرصة الاحتلال
التاريخية)...الخ.
وفكر السرايا أو الأوامر ليس فكرا، بل هو النقيض للعقل المعرفي
القائم على البحث والشك والسؤال والقلق الفكري. إنها شعارات حيطان لا أكثر ولا
أقل. وفي كل مرة أو حقبة يحمل
الألقاب الكبيرة والضخمة. وهذا التقليد الكهنوتي في الألقاب الذي يمنح للخطاة حتى
في الأخطاء الكبرى، أو الذين دافعوا عن حريتهم الشخصية، هو تقليد سياسي عراقي صرف.
أمامي كتاب ـ غير مترجم ـ
هو يوميات للصحافي النرويجي بيتر مونيس وهو كاتب وصحافي القي عليه القبض خلال الاحتلال النازي ووضع في زنزانة وفي ظروف
مميتة وفي 6 سبتمر سنة 1944 حملته باخرة إلى ألمانيا وغرقت الباخرة في الطريق فمات
بيتر.بعد التحرير وجدوا أن بيتر مونيس كان قد كتب، حفر، يوميات رائعة ومدهشة
وحزينة وممتعة بعود ثقاب وعلى ورق مراحيض وخبأها تحت خشب الزنزانة. ولو سالت
مواطنا هنا عن رايه ببيتر لكان جوابه:ـ بيتر مونيس دافع عن حريته ونحن لا نصفق لكل
طائر يطير أو شجرة تثمر أو غيمة تمطر.
لا بطولة في الأمر، لا ألقاب(المجاهد الكبير، المناضل الكبير..
الخ)، يوجد فهم متحضر للسياسة ومعنى دقيق للبطولة. لكننا نصفق حتى للذين مارسوا
رياضة التزحلق على أجسادنا في كل الحقب، لأن السياسي العراقي، هو البطل أو الضحية،
أو البطل في الحالتين. هذا السياسي المدلل، الملائكي في الأخطاء الكبرى والصغرى،
هذا المشرّع الوحيد في معبد الكهنة أو معبد التاريخ، هذا الطوباوي أو المهرج، هذا
البطل الأبدي، والضحية الأبدية، البطل في فراره، أو في مشاريعه التاريخية
والحضارية، هو الضحية حين يهرب أو يفلت أو يدعو مرة أخرى لمشروع جديد، وهو البطل الوحيد في تاريخ لا ينتج
غيره، هذا الكائن لا يمكن أن يمارس أحلامه ونزواته وأوهامه القاتلة في أي مجتمع
متمدن فيه تقاليد سياسية رصينة وفيه بشر عقلاء. هذا النموذج لا يزدهر إلا في مناخ
سياسي وثقافي عراقي جاهز ومعد وغير متوفر في أي مجتمع آخر.ليس فقط الحاكم المستبد
هو من يمارس كل مشاريعه القاتلة على الجمهور كما لو كان أرانب اختبار دونما حساب،
بل السياسي الذي يعرّف نفسه وصورته ووظيفته على أنه النقيض، هو أيضا مارس ويمارس
اليوم كل نرجسيته السياسية بلا حساب كذلك. في الحالتين المؤسسة الوطنية
غائبة.والمصدات الفكرية والقانونية غائبة.والثقافة الوقائية غائبة.
الحاضر الوحيد في كل حقبة هو:ـ فكر الحراسة.ـ فكر الوصاية.ـ
فكر البطل أو الضحية أو فكر الثنائيات.ـ فكر النخبة الملهمة التي لا ترتكب إلا
الأخطاء المقدسة ولو كان الثمن هو الدم والوطن والمستقبل.
لا عصمة من الخطأ أبدا خاصة في السياسة لأنها نشاط بشري في
ظروف ناقصة، لكن أخطاء الفرد الشخصية تختلف عن أخطاء السياسي التي تصيب الجموع،
كما أن هناك فرقا بين أخطاء الإكراه أو الضغط، وبين أخطاء الرغبة والإرادة، بين
أخطاء الغفلة، وبين أخطاء الاستهتار.فلا عجب أن يحلم الدكتاتور في العودة اليوم، كما حلم مثقفنا الملهم هو
الآخر في العودة، وهو الذي مهد له الطريق سابقا، عبر الأخطاء والممارسات"
الملائكية"، وهو الذي سيمهد له الطريق، مرة أخرى، للعودة ولو على صورة أخرى،
عبر التجربة والخطأ، وعلى جماهير كتب عليها أن تعيش في مختبر تجارب أقل احتراما من فئران التجارب، أما الأخطاء
الكبرى، فكل شيء تغسله اللغة قبل الصابون.
3
مكتشفو السراب
في شهادات كثير من العائدين من الوطن صدمة تنطوي على ذهول كبير
حتى ان أحدهم كتب أمس يقول انه في الطريق إلى المنفى الجميل وانه يحلم في الوصول
إلى ثلوج النرويج البيضاء النقية الآمنة هربا من الوطن المنفى.
لا شك ان أحلام هؤلاء صادقة ونظيفة وعادلة ونقية بل أكثر نقاوة
من الثلج،وشهاداتهم هي شهادة مخلوقات فجعت بأحلامها وأيامها وانتظارها الطويل.لكن
أين كان هؤلاء الذين يبدو انهم اكتشفوا القمر اليوم أو اكتشفوا السراب يوم كنا
نقول على مدى سنوات طويلة، بل نصرخ بلا تعب ولا ملل ولا كلل، ونحن نواجه بالزعيق
والرفس والدخان والدفوف، كنا نقول ان هذا الوطن خرابه الداخلي أكبر من خرابه
الخارجي؟ وكنا نقول ان التحرر الداخلي أولا. وكنا نقول ان بعض هذه الأحزاب هي
شركات لصوص.وكنا نقول ان :الوسط الثقافي والسياسي يضم أكثر نماذج العالم جهلا بأوضاع بلدهم.
وكنا نقول ان حقبة ما بعد سقوط الوحش ستشهد سرقة كل شيء في
الوطن بما في ذلك أشجار وأضرحة وقبور وثروة وحقول وقناطر وشهداء وجبال وسهول وخيول
الوطن الخ ..الخ(صفحة 238 من رواية" عزلة أورستا" الصادرة سنة 2001).
وكنا نقول في مقالات كثيرة وعلى نحو متواصل، وسط الضجيج، والجهل، والغطرسة،
والأمية، ان هؤلاء سيعيدون (فتح أبواب السجون بدل فتح أبواب الأمل مرة أخرى) وإذا
كنتم أنتم(تمثلون المستقبل فستكون جلودنا أحذية لجنرال قادم) ."رواية سنوات
الحريق".. الصادرة عام 2000. وكنا نقول:(هؤلاء سيعيدون كتابة التاريخ مرة
أخرى بل سيصنعونه. لقد أخذ التاريخ شكل البورديل) ـ رواية عزلة اورستا في الصفحة
245.
اليوم أقرأ مندهشا كتابات المراجعة وإعادة النظر وفتح سجلات
المسكوت عنه ونقد العقل العراقي ونقد المجتمع والأحزاب حتى من بين أولئك الذين كانوا يصرخون خلفنا كي لا يسمعنا
أحد، ويقذفون الرماد في وجوهنا كي لا نرى بوضوح، ويضربون الطبول في كل مكان كي لا
أحد يصغي إلى أحد ومن بين هؤلاء زميل وكاتب كان يكتب معي في صحيفة(الوفاق) لمدة
سنوات زاوية ثابتة شرع هذه الأيام، هو الذي كان يتطير من كتاباتنا، بفتح النار
(بعد خراب البصرة) على المجتمع والثقافة والتاريخ والذاكرة والهوية والأحزاب وصار،
مثل غيره، يطالب بمراجعة أعمق.
لماذا يطالب هؤلاء اليوم بعد كل هذا الدم والموت والذل والخراب
والأخطار القادمة الرهيبة بإعادة النظر في كل شيء بعد ان اكتشفوا ـ مسحورين
ومندهشين ـ ان هذا المجتمع لا يشبه المجتمع الذي كتبوا عنه أبدا؟ هل هذا الشعب
الجريح مختبر تجارب لسياسيين أبالسة وكتاب جهلة؟
وبدل ان يبدأ هؤلاء بنقد الذات ونقد أدوات المعرفة ذاتها شرعوا
بعقلية مقاول مرة أخرى في نقد سطحي لمجتمع وتراث وبنية سياسية أسسوها هم بأنفسهم
على مدى سنوات. مكتشفو السراب هؤلاء هم تحفة هذا الزمان العراقي ويحتاجون إلى متحف
خاص بهم. مفكرو زمن الخراب يحتاجون إلى أوسمة على هذا الذكاء الفاقع. هؤلاء أسرع موجة انقلابية في
العالم حتى على صاحب القارب إذا تطلب الأمر. هؤلاء الذين أسسوا هذا الخراب بحاجة
إلى جائزة جديدة تعطى للكتاب الذين "يكتشفون" أنهم كانوا يتحدثون عن
مجتمعات ليست مجتمعاتهم، ويكتبون عن عالم (سياسي) مصنوع من الكلمات القادمة من
الكتب أو من مرجعية سياسية مستعارة.
مكتشفو السراب هؤلاء لا يصدقون أنفسهم لأنهم يعرفون جيدا انهم
عاشوا غرباء في وطن غريب وهذه هي المرة الأولى يلتقون فيها بوطنهم صدفة في منعطف
طريق كما يعثر المرء فجأة على صورة طفولته داخل ركام من الأحذية والجثث والأنقاض.
هؤلاء لا وطن لهم غير الكلمات. هؤلاء لهم دهشة اكتشاف الوطن ولنا مسيرات تشييع الموتى الذين قتلتهم
الكلمات التجريبية قبل الرصاص في مختبر الشعب الفأر.
4
سلطة المثقف وسلطة الفقيه
تشكل ظاهرة احتجاجات المثقف على الفقيه اليوم ظاهرة ملفتة
للنظر كما لو ان المثقف العربي يكتشف لأول مرة ان هناك طرفا يمتلك سلطة الكلام او
الخطاب وفي بعض الاحيان يمتلك السلطة المتعددة الأشكال سواء سلطة اللغة أو سلطة
التشريع أو سلطة سياسية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وكما تلفت ظاهرة الاحتجاج هذه النظر، الا انها ايضا مؤشر على
خاتمة حزينة لسلطة المثقف الذي هو عكس الفقيه لم يعد، كما لم يكن يوما، يملك لا
سلطة اللغة ولا سلطة الخطاب ولا سلطة سياسية بصورة مباشرة أو غير مباشرة ايضا.
فلكي يكون الخطاب "سلطة" يجب ان يكون مقروءا ومؤثرا وعدا ذلك يبقى بضاعة
بلا سوق مثل أي خطاب متروك.
ومثل أي انبهار يبدو المثقف العربي وكأنه فجع بمخلوق غريب يقرر
في شؤون الموت والحياة والدنيا والآخرة، مع ان هذا "المخلوق" كان عبر كل
القرون يقرر في هذه الامور وفي غيرها سواء كان ذلك من خلال اندماج سلطته الدينية
بسلطة سياسية أو من خلال التسويات التي يبرع في اقامتها مع كافة انواع السلط وهي
كثيرة ومتنوعة.
هذه التسويات(الصفقات) مستمرة حتى اليوم وهي تقوم على هذه
القاعدة: تضمن السلطة أمن الفقيه وحمايته، على أن يقوم هو بدوره بالسكوت عنها
أحيانا، أو تسويغ افعالها أحيانا اخرى على أن تترك له بعض الثقوب لاثبات الوجود أو
في الاقل كونه حيا: لأن السكوت الدائم موت كما انه يعني شيئا أهم قد يكون الاحتجاج
وهذا ما لا تريده السلطة لأن من مصلحتها أن يتحرك الفقيه في بعض مساحات الهوامش كي
لا يقطع صلته بالجمهور، وهذا الجمهور قد يحرن يوما فتستعين به على هذا العصيان.
لذلك يشكل كلام الفقيه في الهوامش اليومية ضرورة لكلام قادم في
قضايا ملحة تهدد السلطة . من هذه المنطقة يُترك للفقيه سلطة الحركة والقول في
قضايا كبيرة احيانا لكنها لا تشكل تهديدا للنظام السياسي كما وانها لا تنفعه الان.
هذا الحضور الدائم للفقيه هو حضور في قضايا خارجية، وغياب عن قضايا داخلية: هذه هي
صفقة المغبون بين السلطة وبين الفقيه اليوم كما كانت بالامس. وسكوت الفقيه ليس هو
نفسه سكوت المثقف: سكوت الأول هو خطاب وليس سهوا، لأن هذا السكوت يتضمن الموافقه
خاصة وان جمهوره يعرف قيمة كلامه في هذه المنعطفات. الوجه الآخر لهذا السكوت يعني
عدم الممانعة وان تضمن احتجاجا خافتا لكنه احتجاج لا يرقى الى مستوى اللغة، لان
الجمهور تعود على ان يكون كلام أو فتوى الفقيه بواسطة لغة، خطاب.
اذاً هو حين يصمت يسوغ أولا، أو يتظاهر بالسهو ثانيا، وهو ليس
بريئا في الحالتين. وكما انه ليس بريئا في السكوت، فهو ليس بريئا في التواري. هو
حين يتوارى عن الانظار لا يتوقف عن ممارسة السلطة ـ بالمعنى المعرفي للسلطة. كما
السكوت موقف، التواري موقف. انه نوع من الاعتكاف وهو مختلف تماما عن عزلة المثقف
التي لا تعني احدا غيره.
أما صمت المثقف العربي فهو مثل كلامه غير مؤثر في الحالتين حين
يكون خارج السلطة، وخارج سوق الخطاب: ليس هناك مثقف ، بتعبير ميشيل فوكو، خارج
السلطة، كما ليس هناك ثقافة بدون سلطة. الثقافة تنتج بالضد من سلطة أو من خلالها.
كل كلام عن ثقافة خارج السلطة هو
لغو. هذا هو تاريخ البشر والثقافة والصراع.
الغريب في الامر ان المثقف العربي والمسلم حين يحتج على
الفقيه، وهذا حقه ينسى السلطة المنتجة له. وهذا النسيان هو الاخر ليس سهوا، بل
يأسا من دور ومن قضية. انه هزيمة.
لماذا تشكل ظاهرة الاحتجاج
على الفقيه هزيمة للمثقف العربي؟ لأسباب كثيرة منها: ان تخفيض احلام المثقف العربي
الى هذا المستوى، بعد كل ذلك الدوي العاصف وحتى قبل سنوات عن تغيير العالم(جذريا)
وتحويل العالم، وصناعة العالم، وتفسير العالم، وبناء ممالك ويوتوبيات والخ وهلم
جرا، هذا التخفيض المنحدر نحو مستوى هذا الاحتجاج هو بشكل ما بيان نعي علني وخطاب
مفتوح لا يتضمن احتجاج المثقف ضد الفقيه فحسب، بل نعي المثقف لسلطته التي بالغ
كثيرا بها دورا ومكانة ومنزلة وقيمة. ولا يريد المثقف التسليم بهذه الهزيمة لأنها
تمس كامل وجوده ودوره ومكانته وسلطته التي تأسست ايضا على اللغة والخطاب حتى بعد
هزيمة الفكر الايديولوجي الذي تبناه عشرات السنوات وصار وكيل الجمهور ونائب
المستقبل والمتحدث الوحيد باسم الأمطار القادمة والغيوم التي لم تأت بعد.
اذا كان الفقيه قد وجد تسوية مع السلطة كي يستمر دورا وخطابا،
فإن شريحة من المثقفين لم يجدوا مثل هذه التسوية بل هم صراع مع السلطة أو في
اندماج بها.
من داخل هذه الثقوب والفراغات المحشوة بالتسويات استطاع الفقيه
ان يواصل سلطته، والادهى من ذلك انه وضع المثقف صاحب مشاريع التغيير الجذري
والثورة الثقافية وغير ذلك، في حالة دفاع عن النفس بدل طرح المشروع وهنا تكمن
الهزيمة الساحقة للمثقف التي يكون عنوانها الاحتجاج على فتاوى الفقيه، وهو في
الحقيقة احتجاج على دور حاضر مقابل دور غائب لا يملك غير الصراخ.
ويبدو أمر الاحتجاج المتصاعد هذه الايام على سلطة الفقيه كما لو ان هذا الأخير قد خرج من
الفراغ أو العدم وتدل على ذلك طبيعة احتجاجات المثقف التي تأخذ شكل الصدمة أو
الرجة أو الانبهار وكأنه يكتشف لأول مرة سلطة خطاب آخر قادرة على أن تكون سلطة
سياسة.
تقاطع خطاب الفقيه مع خطاب المثقف قاد الى اشكالية الاختلاف
على كل شيء بما في ذلك الحق في الحياة الذي لا خلاف حوله. فعنصرية الدم لدى الأول
ورطت الثاني، المثقف، في عنصرية الدم أيضا: كلاهما يسكت عن موت، ويحتج ضد موت آخر.
ومع ان هذا الاختلاف ليس جديدا، لكن الجديد فيه هو ان يكون في زمن يسمى زمن
الحداثة. كان هارون الرشيد قد اقام مئذنة من جماجم(الاعداء) المسلمين والذين بنوها
هم من المسلمين أيضا. لذلك فليس بغريب عندنا اليوم كما بالأمس في ان يصبح حق
الحياة ـ ليس حق الحياة مكتسبا بل هو حرية الكائن في ان يوجد ويعيش ويموت ويختار
كل أشكال العيش ـ موضوعا للنقاش بل وحتى الجدل الساخن كما لو اصبحنا، ونحن كذلك
بالفعل، فرقاً تتخاصم حتى على الثوابت ومنها الحرية والاستقلال والثروة وحق الحياة.
ليس في الفكر السياسي عندنا أي تعريف محدد وواضح للمفاهيم بما
في ذلك مفهوم المجزرة. كما لا يوجد أيضا أي تعريف لمفهوم الحرية والوطن والسيادة
وكل الحقوق والحريات الانسانية والسياسية وحتى الحقوق الفردية التي نصت وتنص عليها
القوانين القديمة والجديدة والاديان والدساتير شرقا وغربا.
كل شعوب العالم، بما في ذلك القبائل البدائية المتوحشة والتي
تعود في تكويناتها الى التقاليد الأولى للمجتمعات البشرية، حددت وفصّلت في مفاهيم
جوهرية ومنها الحق في الحياة.اليوم لا نرى في أمكنة كثيرة، مثلا، غير صورة واحدة
لمجزرة بحق عمال أجانب فقراء غرر بهم كي يحلوا محل عمال عراقيين فقراء، كي يذهبوا
ضحية حرب مع جنود فقراء من كل أنحاء العالم، في حين تنعم شركات المال والسلاح
والنفط وغيرها بعوائد هذا الدم المسفوك علنا وفي وضح النهار.
لكن صورة أخرى للمجزرة، صورة هجوم جوي وحشي متكرر وحصار وقتل
وتطويق لمدن كثيرة، تختفي من أماكن ومن عقول: هذه هي عنصرية الدم. المثقف يحتج على
فتاوى القتل للفقيه، لكنه يسكت عن مجازر أخرى. وسكوت المثقف في هذه الحالة مثل
سكوت الفقيه ليس بريئا ابدا. ليس سهوا. انه قبول.
ماذا تعني هذه الثنائية؟ وهل هي ظاهرة جديدة على حياتنا
السياسية والانسانية؟ لا. ليست جديدة. ان هذه الثنائية والاختلاف الوحشي على كل
شيء، بما في ذلك الحق المقدس في الحياة بصرف النظر عن نوعية البشر الذين تسكن فيهم
هذه الحياة، هو ما يشكل صميم الشرخ والعطب والعطل الفكري والسياسي والذي يقودنا من
وضعية مأساوية الى أخرى أسوأ كثيرا، كما سيفعل في المستقبل المنظور.
متى نشأت هذه الثنائية، ثنائية الاختلاف الوحشي، على الحق في
الحياة؟ وما هو الفكر السياسي أو الديني الذي شرعن لها وكيف؟ . تاريخ الفكر السياسي العربي والاسلامي وتاريخ
المثقف العربي والاسلامي الحديث اليوم هو تطور لسيرة الفقيه الأول، وهي نشأة تختلف
كثيرا عن ظاهرة نشوء المثقف الأوروبي على نحو خاص. واذا كان هناك من يختلف من المفكرين على هذه
النشأة، فهذا الاختلاف لا يمس الأصل، أصل النشأة، لأن المثقف العربي تاريخيا هو
الفقيه الأول، وهذه حقيقة تاريخية مؤكدة، لكن هذا الاختلاف يمس تفاصيل النشأة
وظروفها دون أن يمس جوهر التكوين الأول للمثقف العربي في أصوله الاولى وهي دينية
بلا شك.
من بين الذين درسوا ظاهرة نشوء المثقف العربي والاسلامي دراسة
منهجية هو البروفسور علي اومليل(دكتوراة فلسفة من جامعة السوربون) وخاصة في
كتابه(السلطة الثقافية والسلطة السياسية) وهي دراسة معمقة في ظاهرة نشوء المثقف
العربي الاسلامي تاريخا، وفكرا، وسلوكا، من القرن الهجري الأول وحتى اليوم.
الدكتور علي أومليل رغم انه يشترك مع كثيرين في هذا الرأي، الا
انه ركز على المكون الديني لظاهرة تعرف اليوم بظاهرة المثقف العربي والمسلم: ان
هذا (المثقف) وهو مفهوم حديث هو ، حسب رأي أومليل،من سلالة ( حفظة القرآن) الأوائل
في مجتمع أمي ثم تطوروا مع نشوء الدولة الاسلامية وصاروا يعرفون بـ(الكتّاب) أي
كتاب القرآن خوفا عليه من التلف والتزوير، ثم صاروا من بعد في عصور الخلفاء
يسمون(كتاب الدواوين) بعد توسع مهام الدولة الادارية ومعهم بالتوازي نشأة
ظاهرة(الفقيه) أو العالِم (بالدين طبعا) وهذا الأخير وكي لا يهمش حاول علنا وسرا
ان يحافظ على سلطته المعنوية والمادية على أساس انه هو العارف بأسرار الكتاب
المقدس وربط سلطته بسلطة اللغة وظل يرفض على مدى قرون وحتى اليوم أي تغيير بقواعد
اللغة لأن ذلك مفسدة تصل حد الكفر الأمر الذي حوّل اللغة العربية الى جثة محنطة في
المدارس. وهذه اللغة/ الجثة تخدم الفقيه لانها تنتمي الى زمنه هو، الماضي، الذي
أسس سلطته عليه وصار يتكلم وكالة عنه. تمسك الفقيه بقواعد اللغة ليس تمسكا عفويا،
انما هو من ضمن مخطط قديم يحفظ له سلطته كعاِلم وصاحب شأن في الحياة وفي النزاعات.
اللغة لدى الفقيه هي الجسر بين الماضي ـ ليس كل الماضي قطعا ـ ماضي الفقهاء
وبين الحاضر الذي بدأ يفسد لأنه لا يشبه الماضي الذهبي. أي قطع للجسر، جسر اللغة
الأولى، يعني فقدان الروابط وهذا يعني فقدان السلطة ومعها الجاه والهيبة، خاصة وان
الفقيه لم يعد في هذا العصر حامل(العلم) الوحيد بعد ان صار له الكثير من المنافسين
الذي يهددون سلطته(العلمية) السياسية بل كيانه كله ويحاول عبثا ضبط العلاقة بينه وبينهم حسب(الشريعة) لكنه لا يفلح في كل الأوقات.من هم هؤلاء؟
انهم على سبيل المثال لا الحصر، الخبير الجوي،رائد الفضاء، علماء الأجناس،
والجينات، المثقفون، السياسيون، الاطباء، المهندسون، خبراء الكومبيوتر الخ!...أما
كيف تدار العلاقة بينه وبينهم فهذا موضوع آخر. لكن جوهر المسألة هنا هي ان ظاهرة
نشوء المثقف العربي والمسلم هي النشأة الدينية، وكل نشأة دينية هي انحياز. وكل
انحياز هو تثبيت لطرف وحذف لطرف آخر. من قلب هذه الاشكالية تصدر ثنائية المواقف
اليوم ومعها كل ثنائيات الوطني والخائن /والعميل والمناضل/ والملحد والمؤمن/الذين
يستحقون الحياة والذين لا يستحقونها/ والشريف وغيره / والخ وهلم جرا. لماذا لا
نمارس ثنائيات أكثر تحضرا وتطورا مثل شعوب الأرض المتمدنة مثل الكفوء وغير الكفوء، والمبدع وغير
المبدع ، الحساس والجلف، المرهف وغيره؟
الثنائية عمّقها أكثر وزادها بؤسا الفكر السياسي الشمولي بكافة
ألوانه. الفكر الشمولي بصرف النظر عن التسميات هو فكر تثبيت وحذف: يثبت (حقائقه)
ويحذف غيرها. الايديولوجيا حسب بول ريكورد هي نفي وحذف ودمج. الكل أو لا شيء.
كما يتمسك الفقيه باللغة على أساس المحافظة على النص الديني
المقدس، يتمسك الرفيق بالمحافظة على لغة أو خطاب الايديولوجيا من اجل المحافظة على
النص الفكري والسياسي أو البرنامج المقدس: كلاهما فقيه. كلاهما يؤسس سلطته على نص
"مقدس" في حين تصبح الحياة موضوعا ثانويا، وفي بعض الاحيان هامشيا. كل حياة لا تدخل في صلب النص هي مفسدة: مفسدة للنص
ومفسدة للايديولوجيا.
لذلك سنظل نختلف على مجازر كثيرة، ندين واحدة، ونسكت عن أخرى،
والسكوت ليس سهوا، انما هو ما لم يقله الخطاب، أي ما لم يصرح به وصمت عنه، وهو،
حسب علم النص، أخطر ما في الخطاب.
5
إذا مت فدعوا الشرفة مفتوحة
إلى عبد الرحمن منيف:
الذي حكم علينا بالأمل.
دخل رجل، سعيدا، منتشيا، بعواطف دافئة خاصة عنيفة إلى محل لبيع
باقات الزهور وانتقى بكل سرور،كطفل، باقة ورد تتلاءم مع المناسبة، ومد يده في جيبه
ليدفع ثمن الأزهار، غير أنه ،فجأة، وضع يده على قلبه، وسقط.
هذا النوع، النوع الأول، من الموت الغادر، في نظري أخطر من
الاغتيال، وأخشاه أكثر من كل أنواع الموت الأخرى. إنه يقطع الاسترسال الخلاق
البريء والعفوي والجميل والحار بين المخلوقات ويضع خاتمة عبثية في لحظة يكون فيها
القلب ممتلئا بالجمال والحبور حتى يكاد هذا الموت أن يكون سقوطا للبهجة أو إعداما
عاجلا مباغتا: إنه خيانة القلب وانكساره المفاجئ كقدح زجاج رقيق لأن القلب والزجاج
سينكسران يوما كما تقول الأغنية. لكن لنتابع ما حل بهذا الموت الهابط، فجأة، على
محل بيع الزهور وفي قصيدة (عند بائعة الزهور)للشاعر الفرنسي الغنائي الرائع جاك بريفير :(رجل يدخل عند
بائعة الأزهار/ينتقي أزهارا/البائعة تغلفها/الرجل يضع يده في جيبه/بحثا عن النقود
لدفع ثمن الأزهار/غير انه فجأة وفي نفس اللحظة/ يضع يده على قلبه/ويسقط/ وفي
اللحظة التي يسقط فيها/ تدور النقود على الأرض/ وتسقط الأزهار/ في اللحظة التي/
يسقط فيها الرجل/ في اللحظة التي تدور فيها النقود/بينما تبقى البائعة هناك/ مع
النقود التي تدور/ والأزهار التي تسقط/ والرجل الذي يموت/ بلا شك كل هذا حزين جدا/
وينبغي لبائعة الأزهار عمل شيء ما/ غير أنها لا تعرف كيف تتصرف/ لا تعرف من أين
تبدأ/ ثمة أشياء كثيرة يمكن عملها/ حيال هذا الرجل الذي يموت/ وهذه الأزهار التي
تسقط/ وهذه النقود التي تدور/ والتي لن تتوقف عن الدوران).
لا نقدم هنا تعريفا للموت
على طريقة فرويد الذي وضع غريزة الموت انطلاقا من تجرب الانا النرجسي، إنما نقدم
وصفا للموت الذي رأى فيه فيلسوف الاختلاف جيل دولوز في كتابه(الاختلاف والتكرار)
عكس فرويد على أنه: (اختراق الحضور الحي للكائن على شكل تجربة ذاتية. هو المظهر
الأخير للتساؤل الفاجع دون أن يجد راحة في الجواب عن نقطة استفهامه المؤرقة). طبعا
المعني بالاختلاف، وفلاسفته جاك ديريدا، وجيل دولوز، وميشيل فوكو، وجون فرانسوا
ليوتار، مع كتاب مثل موريس بلانشو وكلوسوفكسي، ليس الاختلاف السياسي والفكري فحسب
كما يذهب كثيرون لدى سماع هذه الكلمة، بل المقصود هو نسق المتعدد والتنوع
والاختلاف في كل شيء بما في ذلك طبقات النص أو الخطاب، على الضد من وحدة العالم
وتماسكه.
النوع الثاني من الموت الذي لا يسمى هو ما تحدث عنه غورغي لويس
بورخيس في قصة أو حكاية في مجموعته(الصانع) بعنوان: الشاهد.ومن لم يقرأ بورخس
جيدا، ويعرف لغته جيدا، سيكون صعبا عليه فهم المعنى المخفي خلف بساطة الكلمات، ولا
الطريقة الساحرة الخلابة الاعجازية التي تطبع اسلوب هذا الاعمى، المعري العربي،
وهو يشعل في الظلام عود ثقاب لكي يكون العالم اكثر جمالا، أكثر وضوحا، أكثر براءة،
أكثر حساسية.
لكننا من فرط التفكير بالخلود(تركنا الغسق يطبق) دون ان نشعل
المصباح. بل لا يتذكر(ان كنا قد انتحرنا تلك الليلة أم لا). هذا الارجنتيني
المعجزة، الصوفي، الاشراقي، يستطيع أن يرى في الموت، في لحظة الفصل الدقيقة، ان
الشخص الذي يقرأ على وجهه الفاتحة هو وجهه هو، وأنه لا يعرف من يكون الميت منهما؟
الموت الذي تحدث عنه بورخيس في(الشاهد) عن كاهن أو قس ضاق ذرعا بالأردية الكهنوتية
الثقيلة و قرابين الخيول والكلاب والأسرى، فقرر أن يموت قبل طلوع الفجر كآخر شاهد
عيان لتلك الطقوس الوثنية. فكيف قرر أن يموت الرجل؟ لن يدخل محل بيع زهور بريفير بلا شك، لكنه، بلغة بورخس
الملائكية المعجزة المكثفة التي تلمح أكثر مما تقول، وتشير أكثر مما تصرح، وتوحي
أكثر مما تعلن، يدخل إلى إسطبل يقع تقريبا في ظل كنيسة حجرية جديدة، لكن الرجل
الرمادي العينين أشيب اللحية،يتمدد بين رائحة الحيوانات، باحثا بتواضع عن
الموت(مثلما يبحث الإنسان عن النوم). في الخارج حقول محروثة، وآثار أقدام ذئب عابر
في الوحل الأسود على حافة الغابة. ينام الرجل ويحلم ناسيا كل شيء. هل حلم أنه مات؟
هل مات فعلا؟ لكن لماذا وضعه بورخيس الصانع الماهر لكي يحلم بالموت في إسطبل وقرب
جدار كنيسة جديدة؟ لماذا ليس في الكنيسة نفسها؟ وماذا سيموت معنا، يتساءل، حين نموت؟
ما الشكل التافه الهش الذي سيفقده العالم؟ صورة جواد أغبر فوق قطعة أرض مهجورة؟
قضيب كبريتي في درج منضدة خشبية؟
النوع الثالث من الموت هو موت الاندلسي الشاب الحي الشاعر
الجميل العذب الغجري فيدريكو غارسيا لوركا(وهو الاسم المستعار للشاعر الذي اشتهر
به). وهذا النوع من الموت هو جريمة. لا أحد يعرف على وجه التحديد كيف جرت وقائع
تلك الليلة المقيتة رغم ان ما قيل كان كثيرا جدا حتى ان رواية(فيلالونغا) كما يذكر
محمود درويش في كتابه( عابرون في كلام عابر) تذهب إلى تقديم شهادة حقيقية أو متخيلة للقاتل الحقيقي لمغني البلور
والعشب إلى حد أنه تم استدعاء الشاعر بعد منتصف الليل وكان ينتظرهم ولم يقل لهم
أكثر من انه لا يريد لذلك(الموت) أن يحدث في المقبرة(إنها فقط للصمت والأزهار) ولكنهم في طريق مجاور لمجرى
ساقية حين ظهر الأفق أمامه وسلسلة جبال لاسييرا وقد غطاها الضباب الليلي الأزرق
وقربها غابة حور سوداء،هناك طلبوا من الشاعر أن يركض(ركض ويداه تهتزان، ورأسه
يتداعى) وانطلقت الرصاصات فسقط على وجهه معفرا بالتراب الأحمر. في اللحظة نفسها
فزت حمامات غرناطة وبدا لون الطيور والحدائق والعيون متشحا بالسواد. غير ان
القتلة، كما في أي زمان ومكان، كانوا يرقصون على موت بائع زهور البنفسج الغجري
وفرحوا بانتصارهم على غسق متوهج وعشب حي. قلت كان ينتظرهم لكنهم تأخروا عليه
طويلا، ولا أدري لماذا تأخروا عليه، مع ان القتلة ليس عندهم الكثير من الوقت، ولأن
هناك ضحايا دائما عبر العصور وبألوان مختلفة، تختلف اداة القتل، لكن في النهاية
يتم اغتيال البنفسج، جسدا، أو رمزا؟
يذكر الروائي المتماوت (لا أحب كثيرا في الوقت الحاضر تسميته
بالمرحوم فلا أحد يعرف مكر هؤلاء أكثر مني) عبد الرحمن منيف ان لوركا كان قد توقع
هذه النهاية قبل سنوات وكتب قصيدة عن هذا الانتظار:
عرفت أني قتيل
فتشوا المقاهي والمقابر والكنائس
فتحوا البراميل والخزائن
سرقوا ثلاثة هياكل عظمية لينتزعوا أسنانها الذهبية
ولم يعثروا علي
الم يعثروا عليّ؟
نعم لم يعثروا عليّ!.
أوه!.. يا للانتظار الممل!... إنهم دائما يتأخرون ويتشمسون
كسالى تحت الشمس ككلاب هرمة تحت جدار يطن فوقه الذباب. ومع ذلك لا أحد يتعظ بأن
قتل المغني مستحيل، لأن الجسد ينتهي يوما كالزجاج، لكن الصوت؟ طبعا هناك موت تافه
معروف في الحياة وهو أقبح موت، حيث يتواصل الجسد حيا متنقلا كجيفة متجولة، لكن
الضمير يكون قد مات. يقول درويش عن
لوركا:(غن أكثر، أيها الكاهن الحي، لنصدق أن على مثل هذه الأرض المجبولة بالجريمة،
شيئاً ما يستحق الحياة. انهم يذبحون الشاعر كالأرنب. وحين يعجزون عن ذبح الأغنية
يحيلون هذه المهمة إلى شعراء آخرين يحيلونها بدورهم إلى نقاد آخرين. وحين ينتابنا الخوف من قمر أو خنجر
نتحسس قلوبنا، وبقدر ما نجد لوركا نواصل البحث عن الروح في الغناء والبحث عن
الغناء في الروح).
الموت الآخر، أو النوع الرابع، هو موت الشاعر نزار قباني وهو
موت يتكرر. قال عنه المتماوت عبد الرحمن منيف: (لكن الموت كان بالمرصاد، وكان
له(الموت) حسابه الآخر، فقد انقض عليه، كما تنقض الصاعقة، دون أن يمكنه من قول
أشياء كثيرة).
هذا النوع من الموت المنقض الذي لا يترك المغني أو الشاعر او
الانسان من قول ما يريد قوله في النهاية هو موت مرتجل، أو هو كبسة رجل بوليس، أو
اغتيال.
إنه لا يشبه موت سعد الله ونوس(النوع الخامس) الذي ظل يصارع
الموت والمرض القاتل وواجهه واستعد له وتحداه بمواصلة الكتابة حتى اللحظات الأخيرة
فترك خلفه نصوصا خالدة، ونجا منه، حتى قرر في ايامه الأخيرة أن يكتب عن الموت وهو
يحدق به، بعد أن نزع الدنيا وهمومها
الصغيرة والكبيرة، فأنتج أروع تحديق في وجه الموت هو عمله الخالد الأخير(رحلة في
مجاهل موت عابر). لنسمع هذا النشيج، النشيد لونوّس في كتاب التحديق هذا:(كنت اعلم
أني أحمل موتي في داخلي. وكم حاولت عبر المكابدة والتجربة أن أتعلم الحب وأعرف
سره) حتى يقول في الخاتمة:(من الظلام جئنا، وإلى الظلام نعود، وتلك هي الحكاية).
نعم تلك هي الحكاية.
هذا النوع من الموت قال عنه المتماوت عبد الرحمن منيف في
كتابه(لوعة الغياب):(من ملامسة الموت،أو حتى الابحار ببعض شطآنه، ثم العودة، مرة
أخرى من هناك، عاش سعد الله ونوس تجربة نادرة. إذا تم تجاوز الخوف من الموت، أو
اعتباره نهاية منطقية لحياة الانسان، فعندئذ يمكن النظر اليه أو التعامل معه
برباطة جأش).
هل تعامل المتماوت عبد الرحمن منيف مع الموت برباطة جاش لأنه
خاتمة منطقية؟ هل حاوره؟ وماذا عن الموت الصاعق الذي لا يترك الآخر يقول كل ما
عنده مثل موت الكاتب محمد الباهي(الموت السادس) الذي كتب منيف كتابا عنه، وعن
موته:(عروة الزمان الباهي)الذي كان يؤجل موته وأعماله وروايته الوحيدة حتى انقض
عليه هادم اللذات وهو في ذروة نضجه وحيويته وفرحه بالحياة وازدحام مشاريعه.
يصر منيف على ان محمد
الباهي(غير قابل للموت) ولأنه كذلك كان يؤجل كل الامور الى الغد بطمأنينة تخلقها
الرتابة والشعور الزائف بأن كل شيء على ما يرام غدا حتى تمتد الأصابع الخفية إلى
العنق، في ساعة نشوة أو نوم، أو حلم، أو شراب، أو ضحك، فينقطع الخيط الرقيق مع العالم.
ولا أحد يسمع صرخات الاستغاثة. لا أحد يستطيع المساعدة.
وما دمنا في مناخ موت منيف هل يحلم اليوم أن تظل شرفته مفتوحة؟
وهل حقا ستغلق شرفة صاحب مدن الملح وتلك الأعمال الكبيرة الحية والخالدة؟ كتب منيف
يقول عن موت لوركا:( لا يمكن اكتشاف
الحياة بغناها وتنوعها، وما فيها من متع وجمال، وبالتالي على الانسان ان يشربها
حتى الثمالة، إلا من خلال النقيض الذي يقابلها، أي الموت).في واحدة من قصائد
الاندلسي المقتول تحت قمر غرناطي ضبابي وفوق عشب أحمر متوحش يقول لوركا:إذا
مت/دعوا الشرفة مفتوحة/الطفل يأكل البرتقالة/(من شرفتي أراه)/الفلاح يحصد
القمح/(من شرفتي اسمعه)/إذا مت فدعوا الشرفة مفتوحة.
6
أفراح الزمن القادم
من بركات الاحتلال أننا تخلصنا من المناسبات الوطنية والقومية
والدينية والتاريخية، وأعياد الميلاد الرسمية، وأعراس الاحتفال بالنجاة من حوادث
الاغتيال، أو محاولات خنق الرئيس على الطريقة العباسية تحت الوسادة، بدافع الغرام
أو الغيرة أو المنافسة أو الحقد السياسي أو الحزبي أو التاريخي أو العشائري. لكن
هذه المناسبات صارت أكثر هذه الأيام
على أي مقياس حتى ان المواطن
العراقي الجديد الخارج من المرعى هذه الأيام لا يجد فرصة واحدة للعمل أو التفكير أو النوم من كثرة أعياد
ومناسبات وأفراح وذكريات هذه السنوات الغريبة.
بعد ان تخلصنا من عيد ميلاد الطاغية، وعيد ميلاد الابن الأول
والثاني والثالث، وعيد ميلاد زوجته الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة،
حتى الرقم 25 مليون زوجة وعشيقة وأسيرة وسبية، وعيد ميلاد فرسه الصحراوية، وأسده
الحجازي، ونمره الهندي، وكلابه الألمانية، ومشانقه الأمريكية، وثاليومه البريطاني،
و مسدسه الروسي، وطائرات تجسسه الفرنسية، ومفاعله الباريسي، وحزامه الكشميري
وكلابه الأكثر أصالة من كل سلالات التاريخ،وأعياد النصر في معاركه القومية،
والعاطفية، والجنسية، والحزبية، والأسطورية، وأعياد التزحلق على صدورنا،
وانتصاراته المذهلة حتى على الجن،وأعداء الأمة، وهزيمته جنود الصحون واللاقطات،
ويوم النصر على محطات التخريب الإذاعية، ومحطات البث الفضائي المعادية، وتحديه
لتلسكوب هافل في العثور على أي أسير أو سجين أو جرثومة، وأعياد نصره في مؤامرة
الرفاق في الحزب، وأعداء الجبهة الوطنية،وأعداء الوحدة الوطنية، والذين فجروا بيان
11 آذار التاريخي الذي جعل متوسط عمر العراقي خمسة شهور كي يتخلص من أوجاع المراهقة، ومشاكل الإيجار، والمواصلات،
ويتخلص من حروب الإخوة الأهلية، ومزقوا اتفاقية الجزائر، وخانوا الجبهة الوطنية،
بعد كل هذه الأعياد وغيرها دخلنا هذه الأيام في التقويم الجديد الذي حول المواطن
من كائن لا يرى بالمجهر من الجوع والنحافة والخوف والأناشيد الوطنية وحفلات
الإعدام العلنية في الشوارع، إلى كائن تنبل ضخم الجثة من الأكل والفرح والكسل
والنوم والضحك والأمان والضمان والكرزات والموسيقى وكثرة العطل والمناسبات التي
تجاوزت أيام السنة الواحدة .
ان وجه المواطن العراقي
المليء بالأخاديد والرعب والذبول من سنوات الخوف، تحول هذه الأيام إلى وجه رخو،
هش، متهدل، مثل مخلوق رخوي بحري، غاطس بالنعيم.وقائمة المناسبات الجديدة كما هي
مثبتة في التقويم الوطني الجديد هي:يوم ضرب الهدف الفرصة. يوم ضرب العاصمة كلها
بأكثر من ألفي صاروخ كروز. يوم الهجوم البري والهجوم الجوي الشامل والهجوم
البحري.يوم القصف العنقودي والذكي والحراري والليزيري والانشطاري . يوم الغارات
على الطرق والجسور والصوامع والمنائر والمعامل والحدائق وأوكار الطاغية.يوم ضرب
عقل الطاغية.يوم ضرب نوبة الحر. يوم ضرب روح الطاغية المعنوية بأكثر من ثلاثة آلاف
غارة على بغداد وإجهاض أحلامه في الصمود والتماسك وتشتيت قيادته كقوم موسى في
الصحراء، وإجهاض عشرات الحوامل، وعشرات القبل، وعشرات القصائد، واللوحات،
والمواعيد البريئة، وعشرات المحاولات الانقلابية(ظهر ان المخابرات الأمريكية تنسق
قبل الحرب مع الحلقة الضيقة للطاغية، ويبدو أنها خافت من الحل الوطني، فاستعجلت الحرب).يوم
ضرب الجامعة المستنصرية وكر الشر والعلم والمختبرات وبعوض الحزب.يوم ضرب الأسواق
الشعبية كي يتعلم المواطن العراقي الموجود في المرعي يومذاك كيف يشتري مع البطيخ
شظايا قنابل التحالف.يوم قتل الأطفال تحت سن الخامسة كي لا يصلوا إلى سن الشيخوخة
بدون ضمان صحي أو أمني وبلا نفط في الحقب القادمة.يوم ضرب محطات
الإذاعة،والمواصلات،والبريد،كي يتخلص المواطن من الأغاني الثورية، ومن أجرة
الهاتف، ومن أخبار العالم الخارجي وجرائم الشرف وهذا خطأ شنيع لأن المواطن العراقي لم ير على
الشاشة مراسيم منح الرئيس الأمريكي شهادة دكتوراة في القانون على أطروحته الشهيرة
(السطو على أوطان الآخرين بالقنابل العنقودية) كما جاء في حيثيات قرار جامعة
كولمبيا.يوم قصف المطار،يوم ضربه بقنابل شبحية. ضبابية.يوم اختفاء الجيش المهاجم،
وتحوله إلى دخان أو غيم أو سراب أو وهم أو فحم أو ريح.يوم قصف المدارس،وأماكن تجمع
الفدائيين والذباب وأسراب النمل الثوري وجراد الحزب .يوم ضرب صالونات تجميل الحزب
الحاكم وصالونات حلاقة نساء الأحزمة الناسفة.يوم قتل قائد فرقة في الحرس الجمهوري، يوم قتل قائد فرقة
موسيقية شعبية.يوم السطو على أدوات استحمام الريس،وصابون الثورة، ومعجون أسنان
الحزب القائد. يوم سرقة خيمة الحزب الثوري.يوم نبش قبور الموتى والمختفين ويوم
البحث عن السجناء وأبواب التعذيب. يوم حرق ونهب وسلب الدولة المارقة وأجهزة
المخابرات وأجهزة تنظيم ضربات القلب وسجلات الأحوال المدنية، كركوك مثلا. يوم سرقة
الأسلحة الثقيلة وتهريبها للأحزاب الوحدوية من أجل الإخوة والوحدة الوطنية ومن أجل يوم فيدرالي
قادم .يوم سرقة المتاحف ويوم حرق المكتبات ويوم نهب البنوك ويوم جعل المواطن
العراقي يجلس على عتبة داره في
انتظار تابوت شاغر أو سيارة إسعاف أو نجدة أو حكومة انقاذ أو رغيف خبز أو استمارة انتماء أو ورقة استفتاء
لكي يوقع عليها بيده أو رجله أو، إذا كان قد قلصته القنابل، بمؤخرته أو أي حذاء
قديم. يوم مجزرة الزعفرانية .يوم مجزرة الفلوجة، تلعفر، سامراء، النجف والخ..يوم مظاهرات ساحة الفردوس.يوم سقوط نصب
الطاغية.يوم هروبه. يوم القبض عليه، يوم محاكمته، يوم اعدامه الوشيك،يوم توقف البث
الإذاعي، يوم توقف البث التلفزيوني،يوم
سرقة حديقة الحيوانات وهرب الطيور، يوم عودة الجلبي،
ويوم اغتيال الخوئي ،يوم تعيين مدير شرطة جديد، يوم استقالته
بتهمة السطو على بنك، يوم وصول المعارض الثوري إلى بغداد ،يوم جلوسه في نادي
الصيد،يوم مصادرة كل مؤسسات الدولة، يوم مصادرة الأندية، يوم تنزيل صور الطاغية،يوم وضع صور الرفيق،
يوم وصول خبير الإرهاب بول بريمر،يوم الحزن العراقي،يوم المخاط الوطني،يوم موت العلامة الفلاني،يوم
قتل السيد الفلاني، يوم هدم هذه المؤسسة،أو تخريب ذاك المقر،يوم ظهور الراقصة
الفلانية على مسرح الجماهير الجديد، يوم استيراد النفط من الكويت،والعازل الجنسي من السعودية،يوم ظهور الموت الخلوي،والحب الخلوي،والأمل
الخلوي.
يوم مظاهرات الوحدة والتضامن بين الشرطة والأمن والاستخبارات
والأمن الخاص والعاطلين عن العمل
والسجناء القدامى والفارين من الأقبية والعائدين بالمايو من المنافي أو الهاربين
من الأقبية أو مراكز الإصلاح والسجون
للحصول على آخر ما تبقى من شروال وطني أو طاقية للجواهري أو مزق من معطف
الرصافي أو قصيدة لحسين مردان أو رباط حذاء للسياب أو نتف لحية النحات جواد سليم
أو ما تبقى من حمامات فائق حسن.
يوم التعاقد السري مع
شركات نفط أمريكية،ومع معامل صابون، وأحذية، ومعجنات، ومع شركات بناء مباول عصرية
على الهاتف الخلوي،ومحطات تلفزة ما بعد الحداثة، وما بعد الركبة، أدوات عصرية
لدورات المياه تجعل المواطن القادم من المرعي يبول ذهبا، ويخرج بكتاب فلسفي قبل
نزول الحاجة من إسهال الوعي، مكاتب بيع نساء من المطاط بالشعر الأشقر، والأسود،
والأبيض، وبكل اللغات، حتى بلغة البلابل.
مراهم لدهن البشرة من التصحر،والرأس من الجفاف والضمير من حب
الشباب،مساحيق عجيبة للتخلص من الأصلع، واستنبات اللحى في المناسبات الدينية،يوم
خروج آخر سجين سياسي، يوم الاحتفال بآخر أمي، آخر فاشي، يوم موت آخر شرطي
تعذيب،يوم بناء أول سجن عصري مجهز بمعدات الصيد، ومعدات الرؤية الليلية للكواكب،
وقنوات الري والتلفزة، ومجهز بسجانين مهرة درسوا في أمريكا أو لندن ويجعلون المجرم
أو المتآمر يعترف بعد أول سيمفونية لموازات أو تشايكوفسي، وبعد أول رشفة ويسكي
هولندي معتق،وأول دغدغة، وبعد أول عناق حار مع حسناء من مصلحة السجون العراقية
متخصصة في التدليك.
يوم الاحتفال بموت آخر زعيم حزب سياسي ولد في القرن التاسع عشر
وعاش قرنين متواصلين في خدمة الشعب، حتى آخر مواطن، وآخر بدل اشتراك،يوم الصحافة
الوطنية حيث لا يتدخل رئيس التحرير، كما في السابق، حتى لو قرر المحرر أو الكاتب
التبول على الافتتاحية أو على صورة عضو مجلس الأمة الجديد أو قضاء الحاجة خلال
جلسات مناقشة الميزانية في دبابة أو ملهى ليلي أو نادي الصيد الجمهوري، يوم وفاة
آخر جريح، وآخر أسير.
يوم وصول قافلة من الشرطة الدنماركية، والبولندية، والايطالية،
كأننا بحاجة إلى خبراء جدد في المافيا بعد السطو على ثكنات الجيش وتحول هؤلاء إلى
قوة سياسية واقتصادية مفروضة بقوة السلاح والاغتيالات القادمة.
يوم فتح مكاتب علنية للاغتيالات في عيادات أو فنادق أو مسابح
أو صالات حلاقة أو مواخير تحت الشمس
والبرق والضوء، وتحت آذان الشرطة والتاريخ والحكومة وقبة البرلمان، يوم عودة
العشائر.
يوم عودة قانون العشائر في قتل المرتد والخارج والعاشق
والعاشقة، وطرد الخليع ،يوم عودة الطرد الملغوم،ورسالة الثاليوم،يوم الدستور، يوم
عودة السنونو المهاجر،يوم تحطيم الكراسي القيادية،يوم القيادة الجماعية،يوم كنس
الشوارع من الغبار والورق والجثث،يوم ظهور أول دبابة على جسر الجمهورية، يوم أول
قتيل أمريكي على يد قناص بغدادي، أول صيف عراقي تحت الاحتلال،وأول رحلة قطار نحو
الجنوب،أول علاقة حب شعرية مع جندي
مارينز،أول فشل كلوي أثناء خطاب
لزعيم كتلة أرباب السوابق، ظهور أول سكرتيرة حزب بثياب الضباب في قاعة المجلس البلدي،أول قذف كلامي في مجلس
الوزراء،وأول تراشق في مجلس الحكماء وأهل الحل،أول مشادة ديمقراطية تحت قبة
البرلمان بين شيوخ العشائر،وأول عقال يتمزق في حوار وطني،يوم عودة الجنازات من
المنافي، يوم عودة الطيور إلى الهور، يوم عودة القضاة إلى الكراسي، يوم عودة أدوات
التعذيب إلى المتاحف، يوم الاحتفال بآخر مشنوق، يوم عودة المسلسلات العربية
والهندية والأمريكية، يوم جرح فلان، وعرس فلان، وفرح فلان.
7
الاجتثاث السياسي أم الفكري؟
يتوهم من يعتقد ان الحزب الحاكم السابق في العراق هو عبارة عن حزب سياسي، بل هو منظومة واسعة
من القيم الأخلاقية وأنساق من المفاهيم الثقافية المشوهة عن الحياة، وهو تشكيلة
وحشية من أنماط السلوك التي تقوم على الحيلة والشطارة والبلطجة والخداع وعقلية
الغريم والثأر.وفكرة الاجتثاث بالصيغة المطروحة هي صيغة عسكرية بوليسية ساذجة لا
تقوم على معرفة دقيقة بحجم الخراب النفسي والأخلاقي والاجتماعي الذي قام به هذا الحزب في تلك الفترة المشؤومة.
لقد تغلغلت في
النفوس بالقوة والتكرار والتربية والتنظيم مبادئ سلوكية منحطة وتداخلت على نحو فوضوي وسري مع قيم
شخصية وعائلية وثقافية ومع تقاليد تاريخية عريقة حتى صار من الصعب الفصل بين كل
هذه المكونات والعناصر. ولذلك فإن فكرة(الاجتثاث) من فوق عبر البتر الحربي أو
القرارات الفوقية هي فكرة تأسست على تجارب النظام البائد الذي عمل بكل الوسائل
الوحشية بنفس الطريقة على فرض قواعد حياة أخرى عن طريق القوة.
إن الاجتثاث الحقيقي لحزب السلطة يأتي من خلال برنامج معرفي
وثقافي وفكري بديل يحتوي على نسق جديد من المفاهيم يقوم على النقيض من نسق أحادي
تصفوي قبلي. وهذه مهمة لا يقوم بها الساسة وحدهم بل النخب العلمية والفكرية
والثقافية لأن حجم الخراب في النفوس هو أخطر بكثير من حجم الخراب في المؤسسات
والأشياء: والأهم هو الخروج من "ثقافة" الصمت على سلوك الحذف ومنطق
المحو وعقلية تصفية الحسابات ووضعها ،بالحيلة، على أنها ثقافة وطنية.
و(ثقافة) الحيلة
والشطارة لا تنتج معرفة أبدا، بل تنتج سلطة قمعية حتى عبر خطاب: إن كل سلطة في
العالم موجودة داخل خطاب سواء كانت سلطة حاكمة أو محكومة.وسلطة الخطاب تعكس
مصدرها. فالخطاب النبوي مثلا هو خطاب توقع ونبوءة وأمل حسب علم اللسانيات، وخطاب السياسي هو خطاب إقناع، وخطاب
الفيلسوف هو خطاب الشك والسؤال، وخطاب العاشق هو خطاب عاطفة، وكل خطاب(حسب المفكر
بورديو) هو لغة واللغة تظهر هذه السلطة وترمز إليها، كما أن اللغة تستمد سلطتها من
خارجها ـ حسب بورديو أيضا ـ فالصولجان هو رمز هذه اللغة حين يلوح به. وحسب ميشل
فوكو في(نظام الخطاب) فإن الخطاب هو ما نصارع من أجله، وما نصارع به، وهو السلطة
التي نحاول الاستيلاء عليها.
إذن فإن الخطاب ليس لغة فحسب، بل هو مصدر وسلطة سواء كانت هذه
السلطة فردا أم دولة أم مؤسسة: فلا يمكن مثلا أن يتكلم الفيلسوف بخطاب سياسي
مأجور، ولا يمكن لهذا أن يستعير خطاب المفكر أو الشاعر... وهكذا تتعدد الخطابات
حسب نوع السلطة.
إن الحزب السابق ليس حزبا فحسب، بل عقلية وذهنية وطريقة تصرف
ومعرفة دونية بالحياة والآخر وهو خطاب تأسس على الموت وذهنية الحيازة. وكل حيازة
هي مصادرة. وكل مصادرة من طرف هي
نفي أو موت لطرف آخر: وهنا لا تكون اللغة بريئة كما تحب أن تظهر بل متورطة في نقل
سلطة والتلويح بها. وحسب المفكر ميرولوبونتي لا يوجد هناك فكر بدون لغة حتى الصمت
هو لغة(لأنه يضج بالكلام) وهذه اللغة هي(لغة باطنية).هذه الخطابات المتنوعة لا
تظهر فجأة ولا تختفي فجأة بل هي تولد عبر أزمنة، وتضمحل عبر أزمنة.
بناء على ذلك ليس مهما إعلان البراءة من الحزب الفاشي فحسب، بل
المهم هو البناء المنهجي والعلمي الطويل الأمد لانسان خُربت فيه صورة الانسان
ويحتاج لكي يعود الى صورته الاصلية إلى سنوات من العمل المضني والشاق.
إن الثورة الفرنسية مثلا قامت بأول عمل تاريخي وهو تغيير
القاموس الفرنسي القديم على يد نخبة من المفكرين والعلماء والمثقفين والحكماء
وأزيلت من القاموس السابق كل مفردات الغطرسة والإلغاء التي تدخل في الوعي الجماعي
وتعمل كتقاليد فكرية عادية.
لكي نخلق جيلا يتمتع بحس أخلاقي وقانوني رفيع يجب إشاعة
مفردات القانون وحس العدالة ورفض
أساليب النظام السابق القائمة على المزاجية
والكراهية التي صارت اليوم قيما عادية طبيعية مثل ظواهر الطبيعة الأخرى.
هذه المهمة الشاقة تنهض بها مؤسسات تربوية وثقافية وإعلامية وسياسية وليس من خلال
السلوك البوليسي الضار في كل الحقب.
واحدة من ممهدات الطريق لتلك الفاشية كانت غياب المصدات
القانونية وغياب المؤسسات الخاصة بالمجتمع المدني وغياب المؤسسة الاعلامية الشريفة
والحرة التي تقوم في كل الدول على الرقابة وعلى وضع هذه المؤسسات بيد أمينة لا
تعاني من عقد وجروح وتقاليد الشوارع الخلفية لكي لا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام غول جديد ودم جديد.
فهذا الشعب الجريح ليس فأر تجارب لكي يجرب عليه كل من هب ودب
تقاليد البلطجة وأخلاق الرعاع لكي نجد أنفسنا مرة أخرى في تيه جديد ونحن لم نخرج
بعد من عالم الانقاض العام في الاجساد والأرواح والمؤسسات.
إننا في الطريق إلى مرحلة صعبة ومريرة وهي مرحلة حبلى بأحداث
عاصفة وزلزالية تتطلب أقصى حالات الوعي النجيب واليقظة قبل أن تسحقنا عجلات وقوى
وحوافر خيل جاهزة ومتحفزة.
أما الذين يراهنون، عن جهل أو مكر، على اللحظة الراهنة، والعبث
مرة أخرى بكياننا الوطني، فهؤلاء، بوعي أو بدون وعي، هم رمز لسلطة فاشية قائمة أو مستترة لا شك ستظهر الى ضوء النهار
على نحو صارخ في لحظة ما وهي تتغذى من نوم الجمهور وقصور النخب.
البراءة من سلطة الوحش لا تعني شتمها علنا وممارسة سلوكها سرا
بل تعني البراءة بأدق معانيها رفض أفكار وسلوكيات وأخلاقيات خرج منها الجميع
خاسرين وتم تسليم البلد إلى هاوية لا أحد يعرف إلى أين ستقود لأن طغاة جددا يرقدون
في الذاكرة بالتعليم والتربية والممارسة والعقلية ولا يحتاجون إلى الظهور سوى غفلة
مرة أخرى لكي نجد أنفسنا في ذات المأزق الذي أكل الأخضر واليابس. نحن على عتبة
مرحلة تحول صعبة وهي مرحلة يمكن القول بكل قلق وثقة أنها مرحلة انفجار وشيك. فهل
سنترك اللحى مرة أخرى بيد عابثة كي
تصادر حتى ما تبقى من أنقاض وجثث وخرائب؟
8
الاحتلال والخرطات التسع
داخل مكتبه الفخم كان المدير والمقاول وزعيم الحزب ورئيس
التحرير في آن واحد منفوخا كطاووس حين دخل عليه، مبتسما، المحرر الوحيد للنشرة أو
الجريدة وهو يحمل السجل الصباحي اليومي، وهو المحرر الذي يكتب عن نفسه: المحرر
السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي والعاطفي ومحرر زاوية نجوم الحظ ونجوم
السينما ونجوم الظهر بعد الاحتلال.
المحرر: يسعد صباحك أستاذ.
المقاول: وصباحك أنت. تبدو مسرورا هذا الصباح. هل من شيء؟ كيف
تمشي الامور في الخارج؟
المحرر: أمور الجريدة؟ امور الحزب؟ امور التجارة؟
المقاول: كما تشاء. ضع أنت التسلسل.
المحرر مسرورا: طيب أستاذ. نبدأ بامور الحزب أفضل لأن الوضع
العراقي حساس جدا والجماهير لا تنظر إلا نحو مكتبك وصورتك في عبادة جديدة للشخصية
بدأت تخيف علماء النفس والباراسيكولوجيا، وعلماء الطقس، وعلماء الجص.
على مستوى العلاقات الخارجية هناك تواصل مع القوى
التقدمية في تل اللحم، وتل محمد،
وتل أبو شعير، وحتى تل أبيب. التنسيق على قدم وساق(ضاحكا) والجماهير تنام وتصحو
وهي تدعو لك بالخير والعافية والازدهار.
المقاول:هل صارت الجماهير آمنة على أعراضها؟
المحرر: إلى أبعد حد ما عدا بعض الحالات العابرة مثل اغتصاب
مقدم برنامج ثقافي مباشرة بعد نهاية البرنامج وعودته إلى المنزل بعد منتصف الليل.
المقاول: فقط؟
المحرر: لا. وهناك حادثة أخرى هي اغتصاب شيخ جامع بعد عودته من
صلاة الفجر. يبدو مزاجك قد تعكر .لن أواصل فهذه الحوادث تقع حتى في الدول المتطورة
جدا.على مستوى التنظيم الحزبي هناك إقبال متزايد في طلب الانتماء خاصة بعد أن وصلت
هدايا حضرتكم من رز وبصل وثوم ومشمش. بالمناسبة أريدك أن تضحك الآن على هذه الحداثة الواقعية بعد
توزيع المشمش على تلاميذ الجنوب من حضرتكم. نظم احد الشعراء الجدد قصيدة تعكس دهشة التلاميذ وهم يرون المشمش لأول
مرة في حياتهم. يقول: سئل الفقراء عن المشمش/ قالوا حيوانا نأكله!
المقاول مسرورا: هذه من نعم الله. ظهر عندنا لأول مرة شعراء
مشمش وغدا بطيخ. ومن يدري ماذا سيحدث في السنوات القادمة؟ ربما يظهر كتاب صابون،
وهاتف جوال، ومباول مذهبة.
المحرر مستدركا: على ذكر المباول المذهبة هناك طلب من محافظات
الشمال على هذا النوع من المباول وحين سألت مستشار الشركة النفسي قال:إن الإخوة في
المنطقة شعروا بقيمة تحالفهم مع الحلفاء فظهر عندهم نوع من داء يسمى داء البول
الذهبي وهو فصيلة جديدة من داء العظمة فقرروا أن لا يذهب بولهم سدى.
المقاول: وماذا سيفعلون به؟
المحرر هامسا كما لو يخشى أحدا من خلف الحيطان أو من الحيطان
نفسها: سيكتبون به وثيقة الأخوة الجديدة. فليس الدم وحده هو الغالي بل هذا السائل
الذهبي العجيب الذي بدأ يدر عليهم رحمة من الله.
المقاول هامسا: أترك الموضوع أرجوك. نحن هنا مثل سن بلا جذور
وأنت تعلم أن هناك تصفيات سرية لكل من يعرف سرا أو كان يقوم وسيطا بين النظام
السابق وبين زعماء هنا وهناك قبل أن يلفقوا علينا وثيقة مزعومة . حدثني عن أخبار
الجريدة؟ ماشي الحال؟
المحرر سعيدا بهذا السؤال: الجريدة وخاصة موقعها على الانترنت
يجلب كل يوم قراءً من كل أنحاء العالم حتى وصل لنا طلب من الصين بترجمتها إلى
الصينية. هل يخطر ببالك أن شقيق سياد بري الرئيس الصومالي المخلوع والهارب بالدخل
والمتوفى قبل فترة يلح علي بنسخة خاصة له مكتوبة بذلك السائل الذهبي الذي لا أريد
أن أذكر أسمه؟
المقاول منتشيا: هل أرسلتم له نسخة كما يريد؟
المحرر: مع الأسف حضرة الأستاذ لأن الأخوة في المنطقة بعد
قرار الاحتلال بنصف حكم ذاتي قرروا
مقاطعتنا على كل الأصعدة وطبقوا حسب الشريعة قاعدة (الخرطات التسع!). لم نحصل سوى
على قطرة واحدة أرسلت للتحليل المختبري خشية أن تكون مزورة.
المقاول منبهرا: إلى هذا الحد؟ هل ضبطت حالات تزوير(هامسا)
للبول الشمالي؟!
المحرر هامسا: نعم. الأغرب من ذلك والبول(هامسا) الجنوبي أيضا.
يوجد تنافس شريف على التعددية في كل شيء حتى(هامسا) في هذا السائل الذهبي.
المقاول مسرورا: يعني نحن في الطريق إلى الليبرالية والاقتصاد
الحر والثورة الفكرية الجديدة؟
المحرر ضاحكا بفخر: وكذلك نحن في الطريق نحو بناء مجمعات
للحيوانات السائبة لكي لا يشوه منظرها السائح الاجنبي.
المقاول متبرما فجأة: لو وضعنا كل الحيوانات السائبة في مكان
واحد فمن الذي يحكم البلد؟ هذه فكرة سخيفة لاشك وتخل بالأمن الوطني ولا يقبل عليها
الرفاق في الحويجة وأبو صخير أو
واشنطن. حدثني عن نوعية قراء موقعنا؟
المحرر: يتراوح بين كتاب يكتبون في القانون والبصل والشعر
والتتن والحضارة والبطيخ والاشتراكية والنقد، أي(بتاع كله) كما يقول المصري، وبين
كتاب الثورة الجنسية الجديدة المنطلقة من اسكندنافيا.
المقاول مرتاحا: هل تصلكم تقارير صحفية من هناك؟
المحرر: وتصلنا تقارير حزبية وأمنية وجنسية. تصور أن احدهم كتب
لنا والبلد يحترق يقول أن مؤخرته لم تمس حتى هذه اللحظة وهو شاعر وروائي ومترجم
وناقد وباحث ومناضل سياسي ومن يدري قد يدعي غدا انه موسيقي. يقول انه مطارد لانه
مبدع.
المقاول ضاحكا: مبدع؟ هل نسيت ما كنت تقوله عنه في لحظات خمرك
يا عزيزي محرر زاوية الحب المثلي؟ دعك من هذا. هل هناك تواصل مع شعراء التغيير
الجدد؟
المحرر: طبعا، طبعا. إنهم معتكفون من الستينات وحتى اليوم في
نقاش حول .....
المقاول مقاطعا: الفيدرالية؟!
المحرر: لا. حول الريادة الشعرية. هذا الجدل تواصل والبواخر متجهة نحو الخليج العربي حتى أن
احدهم أعلن والبارجة الحربية
المدمرة واشنطن أبحرت من
البحار بأنه" هو الذي حرك
الساكن وسكن المتحرك". هؤلاء حكايتهم خاصة ونحن لا نفهمهم جيدا. عالم شعري
ونفسي خاص. لكن هناك صنفا آخر من القراء يطلبون منا مقالات عن الأكل العراقي الجديد المفضل
بعد التحرير.
المقاول ساخرا: وماذا سنقول لهم؟
المطرقة الحديدية على بصل؟ الأفعى
المتحرجة على بطيخ؟ الأفعى الرشيقة على فجل؟ ثعلب الصحراء على فاصوليا؟ أترك هذا الموضوع للتاريخ. قل لي بروح
جدك: هل هناك معجبات برئيس التحرير؟
المحرر رافعا حاجبيه بنشوة: حدث ولا حرج. واحدة تذكرك بأيامك
معها في باريس. الأخرى تتحدث بسعادة عن فضائلك التاريخية في تعليمها فن العوم في
الحمام التركي على صور نساء عاريات في الحمام منقوشة على الجدران. ثالثة تتحدث
باكية عن زمن الحنين إليك بعد أن ودعتها قبل ليلة واحدة من الحرب وأنت بعدة القتال.
المقاول مقاطعا: أي عدة
قتال جربوع؟ تضحك علي؟!هل من المعقول أنها لم تقل لك ماذا وضعت في جيبي على عجل؟
المحرر محرجا: قالت أنك وضعت في جيبك علبة عازل جنسي قد
تستخدمه في حرب ثورية ربما تطول سنوات. هذا أمر طبيعي في الحروب الثورية حضرة
الأستاذ. لا ضرورة للحرج.
المقاول: هل كتبت الافتتاحية باسمي ليوم غدا؟ بيان تهنئة
للرفاق في حزب التجول الحر في الشارع؟ برقية تعزية لجماعة الاتحاد الوطني لأبي
"الجعل" لمناسبة فقدان الرفيق..؟ كتاب شكر إلى جماعة الرفق بالصرصور؟
المحرر جادا: بكل يقين. رغم أنك لم تطلب ذلك لكني أعرف رغباتك
وأعرف مناسبات غد. يقولون عنا نحن الأدباء والشعراء نعمل في خدمة السياسي والزعيم؟
لم لا؟ إذا كان هذا السياسي ثوريا مثل حضرتكم؟
المقاول بخبث ملمحا إلى شيء خاص: تقول هذا أمامي؟ ولكنك نافقت
ضدي عند كل الأشخاص الذين عرفتك بهم؟ هل نسيت؟ وحين عرضنا حالتك على الخبير النفسي
في الشركة قال ان هذا هو سلوك السيد والعبد: إن "العبد" يكره سيده ولكنه
لا يواجهه بهذه الكراهية فيغتابه، ينافق عليه، يحرض ضده خلسة كنوع من رد الاعتبار
لكرامته الجريحة. على أية حال حدثني عن التجارة؟
المحرر حزينا: طلب صفقة فجل مع شركة بكتل. طلب من مؤسسة
بريطانية لتدريب شرطة. مؤسسة
يابانية لتدريب سواق "شختورة" في الهور. عرض مغر من شركة كبرى
هندية لبناء مجمع للحمير وتصدرها للخارج خاصة دول شمال أوربا لأن هذا الحيوان نادر
هناك. وهذه فرصة جيدة لكي نتخلص من هذه الحيوانات التي دخلت في المقاومة وصارت تسبب أرقا للحلفاء الأعزاء.
المقاول ضاحكا: ألا يكفيهم ما عندهم من حمير أرسلهم النظام الفاشي
للتجسس على أخوتهم؟
المحرر: وهناك عرض طيب من شركة فرنسية لبناء مدينة سياحية في
الحبانية. وعرض لبناء مراكز شرطة من شركة ألمانية. ورسالة من المدير التنفيذي
لشركة سويدية طبية متخصصة في إعادة البكارة...
المقاول مندهشا: لمن؟ لمتضرري النظام السابق؟ أم في السجون الصديقة اليوم؟
المحرر حائرا: لم يذكر التقرير تفاصيل القضية. هي شركة عامة لا
تفرق بين قديم وجديد. وهناك عرض فلبيني لاستنبات الشوارب الطبيعية لمن هو (ضاحكا
بخجل) مثل حضرتك " أملط".
المقاول الذي يبدو أنه كان
يشرب خلسة طوال الوقت في المكتب وقد ثمل وقف على قدميه وهو يسأل المحرر ضاحكا: وهل
هناك عرض لزراعة الشروج الاصطناعية بعد أن تمزقت القديمة في زمن التحرير؟
9
اغتيال البراءة المبكر
لا يعرف المرء هذه الأيام هل هو حزين أم مسرور أم مسروق أم
معتوه أم عبقري أم مكبل؟ فقد اختلطت حدود الحزن بحدود الفرح كما تختلط أغصان
الأشجار، أو كما تختلط الدموع في الصرع وفي الأعراس وفي الجوائز وفي النوبات
المفاجئة وفي صدمات الحب أو صدمات الكهرباء أو صدمات الحرب أو صدمات المباغتات
الليلية أو صدمات التعرية الإجبارية في معتقلات السلطة أو صدمات التواقيع
الإجبارية لسجناء معصوبي الأعين لا يعرفون على أية ورقة أو هاوية أو حزب أو اعتراف
أو جريمة يوقعون.
كل منتصف ليل أفكر في عدد الأشخاص والقوى والمؤسسات والدول
والأحزاب والمواسم والظروف والتقاليد والمصادفات التي حاولت بعمد أو بدون عمد
تحويل العراقي من إنسان إلى وحش أو قاطع طريق أو لص أو مجرم أو أمي أو متسول،
فأكتشف عجبا: إن المؤامرة على العراقي تبدأ في زمن الطفولة وعلى نحو مبكر
خاصة لأبناء الفقراء الذين ولدوا
على كدس تبن في تاريخ مجهول كحشرات البرية أو أزهارها بدون ملعقة ذهب أو فرقة
موسيقية أو حفل أو شموع.
لا تبدأ المؤامرة على حياتنا، نحن الأطفال الفقراء، من هذه
النقطة وحدها التي تبدو استثنائية، بل من مواقف وحالات وأوضاع أخرى أكثر عنفا
وشراسة ومأساوية. لمن نغفر اليوم؟
لشمس الظهيرة التي كانت
تدور على رؤوسنا في البراري المشتعلة، المحرقة، الملتهبة، فنحتمي تحت ظلال
القطعان،أو تحت الشوك ونضع ثيابنا المبللة على شكل مظلة ونقضي نصف النهار في
الترعة أو النهر لكي لا نحترق في تلك الظهيرة المهلكة؟أم نغفر للرغيف المر؟
لمن نغفر؟ للجار الغني الذي ينصح طفله بأن لا يمشي مع هؤلاء
الأطفال الفقراء ؟ كيف نتصالح مع هذه الجروح النفسية العميقة التي حفرت في الروح
مغارات وأوكارا وثقوبا سود؟
لمن نغفر؟ لمدير المدرسة الابتدائية الذي كان يقف أمام الباب
الرئيس كما يقف ملاك الموت وفي يده عصا تكفي لإسقاط ثورة أو قارة أو سفينة أو
طائرة أو براءة طفل؟لمن نغفر؟ لمعلم الدين الذي كان يأخذنا عنوة في المساء، وقت
اللعب، إلى الجامع بالقوة،كي تتهشم هذه البراءة الغضة على صخرة التهديد والوعيد والرعب من الأفاعي والوحوش
والنيران والمذنبين الذين يسبحون في جهنم بدون رحمة أو أمل، حتى صارت صورة الله
الجميل الرحيم في نظرنا هي صورة شرطي لا يرحم؟
أم نغفر لمعلم الرياضة الذي كان يجلدنا في زاوية الدرس حتى
نتساقط في سلة المهملات من الألم ويطلب من بعض تلاميذه المجيء في المساء لأغراض
دنيئة لا يدركها عقل وخيال الطفل؟
هل نغفر للتربية المزدوجة والمنافقة التي جعلت العراقي اليوم يقوم بكل الأفعال
المتناقضة من الصلاة إلى السرقة، ومن الدفاع عن الحرية إلى السطو على مصرف، ومن الشعر
إلى الشذوذ، ومن الدعوة إلى الديمقراطية إلى الدعوة للممارسة حكم الإعدام؟ كل
الأفعال المتناقضة والمتقاطعة والشنيعة في السلوك النمطي المعياري العراقي هي
مقبولة ومفهومة ومبررة وممكنة لأن نظام المعايير، أي نظام القيم، معطوب ومتغير
ومزدوج من شخصية تعاني من تصدع
وتشوه علني حتى صار عاديا وطبيعيا كظاهرة يومية مألوفة.
معلم الرياضة قومي، معلم التاريخ شيوعي،مدير المدرسة مستقل،وكل
واحد يقول لك لا تصدق بالمعلم الأخر.والمناهج متناقضة.والأسرة تعلم عكس
المدرسة.والحزب الحاكم أو المعارض يعلم عكس الأسرة والمدرسة والمجتمع
والتاريخ.فكيف يتوازن طفل في مؤسسة تربية منحطة بدون معايير منسجمة أو موحدة أو
منسقة؟ بمن نصدق؟ ولمن نغفر اليوم؟ نكبر قليلا ويكبر معنا شجر الحزن والتشوه
والتناقض.
كل ثلاث أو أربع سنوات نمزق صورة رئيس الدولة من الكتب
المدرسية بعد كل انقلاب، وهذه ليست صورا فحسب، بل في نظرنا نحن الأطفال
الصغار،نمزق مجموعة قيم ومعارف وذاكرة وتقاليد يقال لنا مرة،بالقوة،والإكراه،
والضرب، انها صحيحة وعادلة وخالدة، ثم في وقت آخر يقال لنا بالقوة والضرب والإكراه
انها عكس ذلك.
على أي شيء، مبادئ، أو قيم، أو معايير، أو مرجعيات، أو أعراف،
سيتعكز هذا المجتمع الذي تأسس على هذه القيم المنحرفة والمرفوضة والمتغيرة؟ لاشك
ان مثل هذا المجتمع سينتج الشخص المختل والمتناقض والمهرج. قد تجد شخصا، مثلا، لا
يكذب لو قتل، لكنه ينافق، وقد تجد
شخصا لا يأكل مالا حراما لكنه مصاب بهوس الكذب، وقد تجد شخصا كريما ولكنه صفيق
الخ. الخ. هذه الأفعال المزدوجة
نتاج معايير مزدوجة في الدولة، والمجتمع، والأسرة، والثقافة.
ليس غريبا ولا نادرا أن يأتي صديق ليحدثنا عن أبشع الافعال قام
بها ضد انسان آخر ونحن نضحك لأننا نؤمن عن قناعة عميقة ان نظام القيم والأخلاق
ونسق المقاييس لا ينطبق على الآخرين بل على الحلقة الضيقة فقط، وهذا هو اللغز
الدفين الذي يجعل اختلاف وتقاطع وتناقض وجهات النظر عند تقييم شخصية ما، لأن من
طبيعة هذه الشخصية هي أنها تعطي انطباعات متباينة حسب الناس الذي تلتقي بهم ومدى
قربهم من الحلقة المشمولة بالتطبيق الأخلاقي: فهو مثالي في حلقة الأصدقاء الأقرب،
لكنه محتال مع آخرين، وهو صادق مع الحلقة الأولى، لكنه خسيس مع من لا يعرفهم...الخ.. وحين تلتقي كل هذه
الدوائر والحلقات المتقاطعة من
الناس في تقييم هذا الشخص يجدون صعوبة في ضبط ملامح شخصيته ليس لأنها شخصية قوية
وعميقة وغامضة بل لأنها شخصية مهزوزة منهارة متصدعة ذهنيا وأخلاقيا وفكريا وبنيويا
رغم كل الاستعراضات العلنية. وهذا التصدع، وتعدد الوجوه، ليس جريمة فردية بل هو
جريمة سياسية اجتماعية تاريخية لأن الذات تبنى خلال قرون.
الفرق كبير بين خطأ
السياسي ورجل الحزب والدولة وبين خطأ الفرد العادي خارج المؤسسة ودائرة القرار
المصيري. الأول يقلب مصائر الناس، والثاني قد لا يؤذي إلا نفسه أو الوسط القريب.
ومن غير المنطق وضع أخطاء الفريقين في منزلة واحدة والقول من
كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر على أساس أن الناس كلهم خطاة .
لكنه التاريخ يمشي على رأسه في هذه الفاصلة الصعبة من الزمن
حين تتغير المعايير وتنقلب الأدوار في لحظات المنعطف لأنه لا القديم يموت ولا
الجديد يولد بتعبير غرامشي فتظهر سلسلة طويلة من التشوهات المرضية والاجتماعية
والسلوكية فينحط الضمير ويرتفع مستوى الذكاء وهذه من علامات انحطاط الامم. الفاشية خرجت من منازلنا ومدارسنا
وقيمنا قبل كل شيء وآن الأوان كي نعترف ونصحح ونحذر.لمن نغفر؟ ثقافة المراجل امتدت للسياسة. صارت ثقافة الموت هي
الغاية والهدف والشجاعة: ليس شجاعا من لا يموت تحت حذاء أو هراوة أو مطحنة ولو كان
لا يملك سر ثورة.دعم ثقافة الموت تحت الأحذية. من يتألم أو يصرخ أمام الجلاد
جبان.الشجاع هو من يموت بلا صرخة أو هزة جفن أو رعشة. ان جسد المناضل، يقولون،
مفرغ من المشاعر، ومعبأ بالمبادئ.هو ليس جسدا، بل حشوة تبن أو كيس ملاكمة. حين
اقتربنا من هؤلاء اصحاب هذه الشعارات في المنافي صدمنا بأجساد محشوة برغبات صدئة وحشية منحلة وان
شعارات الموت مخصصة للفقراء والمهمشين والمنسيين. مدرسة صنع الحجر هذه وموت
المشاعر يجب أن تزول ونعلم الأطفال كيف يتألمون، ويصرخون من الألم، وكيف يحزنون من
الإهانة وكيف يعبرون عن الألم علانية، ونعلم الأطفال ان السجن السياسي عار،
التعذيب عار، ونزع جلود الناس أو أفكارهم أو أرواحهم أو مشاعرهم عار وجسد الإنسان
مقدس.
الإنسان يبكي.يتألم.يحزن. يخاف. يقلق. هذه مشاعر إنسانية
وعادية وطبيعية ولا علاقة لها بالبطولة أبدا. إن الأبطال والبطلات
يبكون ويبكين كما في كل أساطير التاريخ. والذين علمونا على ثقافة الموت هم الجبناء
السريين الذين يهربون من المواجهات ويعودون في نهاية كل مجزرة كزعماء ومنتصرين
.مقياس الصمود في السجن ليس في عدد دورات الفلقة أو عدد نوبات التعذيب أو عدد الأحذية
التي تمزقت فوق رؤوسنا، بل في الكراهية الداخلية والعميقة للجلاد وسلطته، في الرقة
الانسانية، وفي العذوبة، واللطف، و في الجمال البشري الدافئ والداخلي المشع لأن الجمال أناقة داخلية هادئة سرية
كالينابيع، كالصلاة، كالنشوة، كالحب، كنعاس الصوفي.كل قوانين العالم ترفض قبول
مواقف فرضت على الناس وهم تحت التعذيب أو تحت الضغط أو تحت الترهيب أو تحت
الابتزاز.لا يمكن إجبار الناس على الكلام أو إجبارهم على الصمت أو الانتماء تحت الأحذية و التوقيع تحت فوهات
المسدسات ولا يجوز محاسبتهم على ذلك أبدا لأنهم ضحايا. الذين يعاملون الضحايا بناء
على قوانين وأخلاق وشروط ومعايير السلطة، هم أكثر حقارة من السلطة نفسها.
لذلك ليس خطأ فادحا، بل
انه جزء من منهج وعقلية حزب عراقي يساري أنه كان يقابل الفارين من جحيم السلطة من
جنود وعمال وأطباء وفلاحين ومهندسين وكتاب وضباط وباعة طرق على أنهم كانوا في الحزب الفاشي الحاكم،
ولا أعتقد أن هذه السياسة الغبية التي تفتقد لبعد النظر والحكمة ستتوقف لأنها صارت
من صميم التكوين الفكري والسياسي
والتنظيمي والذهني لهذا الحزب، مع الأسف الشديد، حتى أنه صار مدرسة في هذا المجال يعرفها حتى
الصبيان لكنه لا يجد حرجا من أن يكون حذاءً لجنرال محتل. ان لغة التبرير قادرة على
تحويل كل شيء الى ضده.
لمن يغفر الأطفال الفقراء؟طفولة هشة غضة تصدم بمئات الحفر
والفخاخ والكمائن.جارك على اليسار يريدك أن تصير ماركسيا.على اليمين يريدك أن تكون
قوميا. الجار الثالث يريدك أن تكون شرطيا.الجار الرابع يريدك أو تكون
منحرفا.الخامس يريدك أن تكون قاطع طريق.السادس يريدك أن تكون عضوا أو شهيدا في حزب ديني.السابع يريدك أن تكون
قوادا.الثامن يريدك أن تكون عاقلا ولا تتدخل في شأن.التاسع يريدك أن تكون مهتما
الغرام والموسيقى والمسلسلات وتنسى الدنيا وما فيها.العاشر يريدك أن تكون ساحرا أو
مشعوذا أو دجالا.الطفل غض وهش وقابل للكسر.كيف يتجاوز كل هذه القوى والمؤسسات دون
أن يتهشم الطفل والطفولة من الداخل،أو يتشوه أو ينكسر في داخله اليقين الضروري
بقيمة الإنسان؟ ورغم كل هذه السنوات المجنونة والداعرة والقاسية والتي تصيب قارة
بالألم والجنون وفقدان التوازن، لا يحق للعراقي فيها أن يمرض أو يصاب بكآبة أو
ذهول.لمن يغفر الأطفال الفقراء؟هم وحدهم عزل في مدنهم. عزل في المنافي. الفقير لا
وطن له.هم سلع وعناوين عريضة في صحف اليسار واليمين. هم الموتى في السجون وحطب
الحروب وعلف المدافع.المؤامرة على حياتنا بدأت في عمر الطفولة، وان الفاشية خرجت
من المنازل والمدارس والأحزاب والعقول والتاريخ وصارت مؤسسة شرسة. بدأت من ضرب
الطفل على لعبة أو رغبة أو شهية أو
زلة لسان أو علاقة أو كلمة أو وجع. هنا يتم تنمية الكبت والكذب والخوف وزرع عقدة
الشعور بالدونية ومخاوف من الآخر، وحذف المغامرة الفكرية، والتركيز على مغامرة
القوة والجسد:أي تنمية الثور في داخل جسد الطفل.
تبدأ الفاشية من سلوك العزل: لا تلعبوا مع الأطفال الفقراء
لأنهم نجس وقذارة. لا تقتربوا منهم لأنهم بلا أخلاق. لصوص. وحوش. تبدأ حين تفرض على
الطفل مقاييس ضخمة لا يدركها أبدا: حين يتم إخضاع سلوك الطفل العفوي البريء
لتفسيرات وهمية، أكبر من إدراك الطفل ويحرم من اللعب مع ان علم النفس الحديث يؤكد
على دور اللعب في تنمية شخصية الطفل، وعلى ان اللعب الطفولي علم وفلسفة وذوق.
تبدأ الفاشية أو بذور الدولة الفاسدة حين يتحول معلم الدين إلى
جلاد يزرع في ذهن الأطفال صورة الإله الشرطي الذي يطارد الناس في الشوارع ويحاسبهم
على ما في قلوبهم في الاماكن العامة مع ان وقت الحساب مشروط بنهاية عمره على الأرض.
تبدأ حين يغيب في المدرسة والحزب والمجتمع حس العدالة، ويصبح
كل تافه قاضيا، وكل فرد متهما، بدون مناقشة أو دليل أو وثيقة أو شاهد نفي أو أثبات
أو فرصة المتهم أو المحامي أو قاعة أو جمهور وحين يصبح كل شخص يحكم بناءً على
معاييره الشخصية حتى لو كانت معاييره مبتذلة. تبدأ الفاشية حين يشتم المدير معلميه أمام التلاميذ ويعانقهم في
الطريق،وهنا يتعلم الطفل عاهة الازدواجية والانفصام والسلوك الملتبس والمشوه. حين
يشتم رب البيت ضيوفه أمام الأطفال بعد خروجهم. والزوجة خلف زوجها أمام الأطفال.
حين نحبس الإنسان في خزانة واحدة، وفي موقف واحد، ولا نسمح له بالخروج أبدا، مع ان الإنسان موجة
تحولات مستمرة متواصلة لا شاطئ لها من الولادة وحتى الموت.
تبدأ الدولة القهرية من تناقض المرجعيات والقيم والقواعد
والأعراف والتصورات الأخلاقية. من هذه اللحظة تبدأ المؤامرة على حياة الطفل ويصبح
القيام بكل الأفعال المتناقضة عاديا لأن نظام المعايير مزدوج ومعطوب والذات
متصدعة، و من هذه الشرائح، لا من غيرها،يتشكل النظام السياسي القادم.
هذه القيم المتناقضة،والتربية المزدوجة، في الأسرة، والمدرسة،
والحزب، والمؤسسة، والدولة، والثقافة،والدين،والأخلاق، ستخلق المواطن الهش،
المواطن غير المتوازن، المواطن الخائف، المعوج.الإنسان لا يعيش ويتوازن على نصائح
أخلاقية أو سياسية مهما كانت صحيحة، بل على
وضع اجتماعي واقتصادي ثقافي مستقر. الخائف لا يمكن أن يكون نقيا وعادلا
ونزيها. المجروح في ضميره لا يرى الأشياء في حجمها الحقيقي، لأن الجرح النفسي يضخم
أو يصغر من أحجام الأشياء والمواقف. الجائع، كما أفتى بذلك أبو حنيفة، لا يصلح أن
يكون شاهدا في محكمة لأنه لا يرى بوضوح.الجوع كفر(لو كان الفقر رجلا لقتلته) كما
يقول علي بن أبي طالب. الجوع عتمة. الجائع أعمى. كيف يتوازن العراقي وهو يعبر من
الطفولة إلى القبر على هذا الحبل الدقيق بين الهاوية وبين الحبل؟ حتى إيقاع المشي
للمقموع يصبح مختلا. أية مقارنة بين
مشية العراقي ومشية المواطن السويدي مثلا أو السويسري أو الفرنسي، نجد أن العراقي
يتعثر في مشيته بالحذاء أو البنطلون أو الرصيف أو المارة أو يتعثر بأحزانه.القمع
يشوه. الذين قالوا ان القمع يشوه الحياة، لم يكونوا حكماء أو فلاسفة أو مفكرين
فحسب، بل كانوا علماءً وأطباءً وأصحاب مختبرات طبية وعلمية.يتعارض الخوف مع
الإبداع. يتعارض الخوف، مهما كان شكله ومصدره،مع الفرح البشري ومع المشي المتوازن
لأن الايقاع الجسدي هو ايقاع ثقافي ونفسي ومعرفي.الخوف يؤدي الى خصاء عقلي أو شلل
وتجمد. حين أتأمل حياتي بدقة وهدوء أشعر بالدهشة كيف أني لم أصبح قاطع طريق أو نشالا أو جلادا أو وحشا.
ان تنجو من كل هذه الفخاخ، وتكون إنسانا سويا، فهذه مفخرة
عظيمة. لكن أن تنجو من كل هذه الفخاخ
وتصير كاتبا تتحدث عن الجمال
والبراءة والأمل والسعادة والحب والوضوح والخير والخلق والرواية، فهذه معجزة.ان
تأتي من المرعي، أو بيوت الطين، وتكوّن وجودا خاصا مختلفا ومستقلا فأنت مهيار الذي تحدث عنه أدونيس:(إنه الريح
لا ترجع القهقري والماء لا يعود إلى منبعه/يخلق نوعه بدءا من نفسه ـ لا أسلاف له
وفي خطواته جذوره.يمشي في الهاوية وله قامة الريح). إنه الأعزل الذي لا أشباه له ولا أسلاف ولا بداية عدا
خطواته.
10
الإمام المسلح
في السجون الإيرانية التي يقال لها بيوت الضيوف عام1988 وهي
مأوى للفارين، كنت أقيم في المكتبة التي وجدتها في السجن الاهوازي في سرداب يعود
إلى مسؤول هارب من النظام السابق قد يكون من رجال السافاك أي البوليس السري ولا
يخلو الأمر من مفارقة حين أكون أنا الروائي الهارب من الحرب(حرب الخليج الأولى)
مقيما في منزل لرجل تعذيب هارب هو الآخر .
الأمر يشبه واحدة من
حكايات الكاتب بورخيس، حيث الزمن يدور، والمشاهد تتكرر، والوجوه تمحي، ثم تظهر،
ويكتشف الميت قبل موته بلحظات ان الشخص الذي يقرأ على وجهه الفاتحة يشبه وجهه هو،
فيصاب بالذهول ولا يعرف من هو المشرف على الموت، وفي غمرة الذهول ينقطع الخيط،
ويغرق أحدهم في العتمة.
في هذا السرداب، المكتبة، عثرت على الوجه الآخر للتاريخ
المخفي، والملغي، والمحذوف، والمنسي، والذي يراد طمسه بالقوة والسجن والموت والنفي
والحرق والتشويه، أي تاريخ التمرد الاسلامي.
إن السجن في مكتبة بالنسبة لروائي هو نوع من الولادة للمخيلة، خاصة إذا كان هذا الروائي قادما
من ساحة حرب لا مجال فيها لحظة واحدة للتفكير أو التأمل.
أتذكر اليوم الأول في هذا السجن حيث تعرفت لأول مرة على الهواء
الصافي والزرقة العميقة والشفافة للسماء، والهدوء المثير لأزهار حديقة هذا السجن
الأجمل من حرية الأمس في ساحة موت، وفي السجن بدأت أتعرف على عناصر الطبيعة لأول
مرة ايضا وأشاهد تفتح الأزهار قرب الحيطان أمامي ، ولا يقطع الهدوء فيه غير صخب
العصافير المشاكسة، الأمر الذي نسيناه كل تلك السنوات القاسية، سنوات الجمر. في
هذا السجن وجدت هاشم .م. ـ فنلندة اليوم ـ وحميد البغدادي ـ كندا ـ واسماعيل
الشيخلي ـ هولندة ـ وغيرهم الكثير).
لكن أكثر ما أثارني، إثارة عميقة، هو تاريخ التمرد الشيعي،
والسجن، والنقاء الصوفي، بمعنى صفاء القلب، ونزعة الموت من أجل قضية عادلة، وترقب
القتل على أنه جزء من طقوس حفل تتويج الإمام.
كنت أبحث في المكتبة ليل نهار كما كان بورخيس يبحث في مكتبة بوينس
آيريس، عن تاريخ الحضارات، وعن مجلدات الف ليلة وليلة، ومنطق الطير لفريد الدين
العطار الذي سيستخدمه في حكاياته الخالدة.
لم تظل تلك المكتبة الفريدة، وكل كتاب فيها عبارة عن متاهة
جديدة، على صورتها الأصلية، بل أخذت تتغير كل يوم، في الأقل بالنسبة لي: فكل كتاب
اسحبه من المكتبة هو حشد من الشهداء والمشنوقين، والمنفيين، والمقتولين بالسم أو
العنب أو العسل، وحكاية" جنود العسل" ستتكرر في كل زمان وحتى
زمن الثاليوم.
كنت بحاجة إلى من ينظم لي هذا القتل العلني، وهذا الجرح
المفتوح، النازف، فكان المفكر المرحوم مطهري الذي قتل علنا في الشارع بعد الثورة
حين ناداه شخص من بعيد باسمه، وحين استدار
انهالت عليه ذخيرة الموت، تحت القمر، مثل الشاعر الاسباني لوركا، ليتحول من
بعد، مثل كل هذه الأشياء في هذه المكتبة العجيبة، إلى كاتب وقتيل وجثة في رف من
هذه الرفوف في سرداب التاريخ، وغير مطهري من قام بتنظيم هذا الجرح وسد الفجوات
والثغرات ومناطق العتمة في التفكير.
هذه ليست المرة الأولى أجد كتبا في سرداب، بل بعد الخروج من
هذا السجن، حين صرت طليقا في طهران، وجدت نفسي يوما في سرداب آخر، هو طابق سكني
لمجموعة من الأصدقاء، ومن الفارين، في عمارة في شارع " ولي عصر" الكبير،
أكبر شارع في إيران، والمضاء بملايين الأضواء، ولا تنقصه غير الموسيقى الممنوعة،
وفي هذا السرداب رأيت لأول مرة السيد عز الدين سليم أبو ياسين(آخر رئيس لمجلس
الحكم الانتقالي الذي اغتيل) وزعيم
حركة الدعوة الإسلامية.
ذاك السرداب عاش في مخيلتي
سنوات طويلة حتى كتبت عنه في سيرة روائية(الأعزل) فصلا مختصرا، لأن الظروف غير
مهيأة وقتها للحديث عنه بصورة أوسع خاصة وأن رجال السرداب كانوا من أصحاب المهمات
الخطرة، وتقتضي الأمانة، حتى وأنا على حافة القطب الشمالي، تجنب وصف المكان، أو
الأسماء الحقيقية، أو طبيعة العمل في الداخل، أو نوع الحياة، أو الأشواق الإنسانية
الحارة من رغبات ومشاعر، وكل ذلك أفقدني قدرة الكتابة بلغة روائية عارية، ورسم
الشخوص كمخلوقات تعشق وتتألم وتشتاق وتموت أيضا في سبيل قضايا كبرى تستحق الموت
وأحاول اليوم اعادة صياغة شاملة ونهائية لتلك الرواية.
لكن مكتبة السجن كانت أكبر، وكان يمكن التجول فيها عبر
التاريخ، والمعارك، وقراءة الوجه الآخر للتاريخ المنسي، والمحرف، والمطمور،
والمشوه، والمسكوت عنه. الفارق بين سرداب السجن وسرداب شارع ولي عصر هو
في كون الأول يتضمن كتبا عن تاريخ مضى، والسرداب الثاني يتضمن رجالا يصنعون التاريخ .
كنت أستطيع في مكتبة السجن شم رائحة عطر، عبر الصمت وغبار
الكتب، تلك العمائم الباسلة وهي تخوض، على الخيل والليل والرمل والخطر، معارك
التاريخ الكبرى بدون كاميرات ولا أضواء، حتى وقعت في حب هذا السجن المحرر من حرية كريهة.
من خلال كتب المرحوم مطهري تعرفت على الوجه الآخر للإمام
المهدي المنتظر، القادم، والمختفي، حيث كان هذا المفكر يتحدث عن الظهور والعودة
بلغة لم أجدها في مكان آخر.صحيح ان فكرة انتظار المخلص والمنقذ هي فكرة قديمة جاءت
في الكتب السماوية وغير السماوية(كل شعوب العالم في حالة انتظار) بل ان فكرة
الانتظار موجودة في التقليد اليهودي، والمسيحي، والسومري، والصابئي، والبوذي، وفي
حكايات قراصنة الفيكنغ الاسكندنافيين، لكن الانتظار الشيعي مشروط بعودة الحرية عن
طريق الإمام المسلح.
يسمي مطهري هذا الانتظار بـ (الانتظار الإيجابي) أي الانتظار
القائم على فكرة العمل والحركة والتغيير وعلى الأمل الإنساني المشع نقيض الياس
والقنوط والقعود والانتظار اليائس والسلبي.
إن شرط (ظهور) الإمام المسلح هو إعداد الأرض، أرض المعركة،
معركة الحرية، وهذا هو جوهر فكرة
الثورة القادمة، أي بلغة أهل السياسة اليوم، توفر الشروط الموضوعية لكنها ليست
شروط الثورة كما فهمها الفكر اليساري العربي على يد (الرفاق) الذين أسسوا مستشفيات
أو(سجون نفسية) وهو تعبير دارج في الإتحاد السوفيتي سابقا، والسجون النفسية، أو
(مرضى رغم أنوفهم) وهو عنوان كتاب مخيف للعالم النفسي أناتولي كوياجين كان طبيبا
في تلك السجون النفسية، هي مصحات إجبارية للمنشقين، يتم وضعهم تحت العلاج القسري،
وبالاتفاق مع الأطباء، على أن يشعر المنشق، وهو عادة كاتب أو شاعر أو روائي أو
رسام أو مثقف، بأنه مريض بالفعل، ولا يوجد أتفاق مع الأطباء عنه، ويتم التشهير به
على هذا الأساس في كل مكان، وقد تم تحطيم حياة مئات الكتاب والمثقفين بهذه الطريقة
القذرة، أي طريقة التشهير بالمخالفين على أنهم(مرضى
ومعقدين) وهي ذات الطريقة التي سيستخدمها بعد ذلك أيتام ستالين في العالم
الثالث في مطاردة المنشقين، أو المخالفين، أو المحتجين على سلوك أو نهج أو ممارسة
أو أفكار. لمن يريد المزيد عن هذه الاساليب بتهمة"المرض النفسي"عليه
العودة إلى مجلة" نزوى"www.nizwa.com العدد التاسع عشر، كي يطلع على مقالة أناتولي كوياجين
عن "السجون النفسية" التي صارت منهجا وعقيدة وسلوكا سياسيا شائعا في
تقاليد الأحزاب الشيوعية الرسمية.
إن فكرة الانتظار ووعد
الخلاص والأمل هي مشاعر مشتركة بين شعوب الأرض وهي تقوم على تقنية روحية ونفسية
لمقاومة الياس والقنوط والموت والخوف، وتنشط هذه الفكرة على نحو ملح في ظروف القهر
السياسي والإنساني البشع.
إلى اليوم أشم رائحة تلك الكتب في ذلك السجن المنقذ الذي حررني
من كثير من السجون العقلية ومن أفق ضيق كان يرى في طقوس الموت والميلاد
والانتظار حزنا على سقوط(قمر بني
هاشم) مضرجا بالحرية. اليوم نجلس
على مشارف الطرق ومشارف التاريخ وننتظر، على نار، مثل كل المقهورين، ظهور هذا
الامام المسلح من بين الضباب والعتمة واليأس واكواخ الطين.
11
الوطن الصديق والوطن الاسطبل
كما تشتاق خنفساء لزيارة ثقبها، وكما يشتاق جلاد متقاعد إلى
قبوه القديم، وكما يشتاق مجرم إلى مكان جريمته، ونملة إلى جحرها، وطائر إلى عشه،
وجثة إلى نبضها، وشفة يابسة إلى قبلة، ونهر إلى مجراه، وشحاذ إلى رصيف، وسكير إلى
حانة، وكلكامش إلى الخلود، وكما يشتاق الطاغية إلى قصره القديم، وسنونوة مهاجرة
إلى كنيسة جبلية منعزلة، أشتاق لزيارة وطني.
فزيارة الوطن حق مثل الهواء، والحب، والصداقة،والموت، والاحتضار، والجنون، والطعام،والعشق،والانتحار،والكتابة،
والنوم، والسكن، والعقيدة. لكن الوطن الذي يستحق الزيارة هو الوطن الصديق، الوطن
القانون، الوطن العادل، الوطن الحر، المسالم، الجميل، الكريم، العذب، الوطن الذي
يكون فيه القاضي صديقك في المقهى والشارع والمنزل وقاضيك في المحكمة كأنكم
غرباء.والوطن الصديق هو الذي يكون فيه صالون الحلاقة هو صالون حلاقة فعلا لا وكر
مخابرات.والمقهى مقهى ولا توجد فيه غرفة تعذيب خلفية ملحقة.
الوطن هو رصيف تمشي عليه وأنت تغني بكل طمأنينة الأغنية التي
تريد، وليس رصيفا عليه عشرات من علامات المنع والزجر والخوف من ممنوع الوقوف إلى
احذر توقف العجلات هنا إلى مكان خاص إلى منطقة محرمة... الخ.
الوطن هو حديقة
تستلقي فوقها مع صديق أو عائلة دون أن تخاف من سيارة تتوقف فجأة لتجد نفسك
معلقا دون أن تدري على شجرة مجاورة كي ترى الغزالة.
الوطن هو ديوان شعر تحبه أو ترفضه ورواية تكتبها دون رقيب
وامرأة تعشقها حتى الموت دون وصاية من الحزب والعشيرة والعائلة والجيران والأصدقاء
والأقارب وزملاء المهنة وزملاء المقهى، وأصدقاء المحلة، وشيخ الجامع، ومفتى الطرف،
ومسؤول البلدة الحزبي، ونسوان الحارة، وآمر الثكنة، ومختار الحي، وكتاب الخواطر
التافهة والخ ..
الوطن هو خروف عيد تشتريه متى تشاء كي تمارس طقسك الديني أو
العائلي أو الاجتماعي، لا أن تتحول أنت إلى خروف بيد دولة قهرية تذبحك متى تشاء
وبدون الحاجة إلى قواعد الذبح على الطريقة الإسلامية أو غيرها.
الوطن هو رئيس جمهورية تكتب له غاضبا أو تصافحه في الشارع دون
أن تجد نفسك في قبو سري مظلم أو في حاوية زبل على أطراف البلدة أو مشحونا في قطار
وقد كتب عليك (كيس بطاطة تالف).
والوطن هو صديق تزوره
منتصف الليل دون أن تسهر في سرداب تحت الأرض عاريا كقرد نزل توا من الشجرة بتهمة
التآمر على الغيب أو القصر أو المطر أو الخطوط الجوية.
والوطن هو خطأ إنساني تمارسه بكل عفوية وجمال وعذوبة خاصة لأن
هناك اخطاءً انسانية لفرط براءتها
تكاد ان تكون قصيدة حب أجمل من كل الاشياء(رأيك صواب يحتمل الخطأ، ورأيي خطأ يحتمل
الصواب) وجاء على عدة وجوه، كما قال أحد شيوخ الفقه والمنطق والحكمة. ليست هناك
حدود قاطعة بين المواقف وكل شيء نسبي احتمالي تقريبي والفكر طبقات مختلفة وليس
سطحا ظاهرا كالنص، كالبحر، كالحب، كالأمل، كعناق النسيم لنوافذ الصيف كما يقول
فلاسفة الاختلاف الجدد.
والوطن هو جريدة تشتريها من أي كشك أو رصيف متى تشاء دون أن
تجد نفسك بعد الشراء معلقا في مروحة فندق أو في غرفة خلفية في المكتبة نفسها أو في
جامع أو في مجمع للأوساخ أو في كيس كتب عليه : خل فاسد.
والوطن هو فندق تنام فيه وتعترض على صاحبه، مثلا، على وساخة
الوسادة دون أن تجد نفسك مرميا بعد منتصف الليل قرب حاوية الفضلات كما جرى مع كاتب هذه السطور يوما
في فندق في شارع السعدون.الوطن هو شرطي تصافحه في محطة سيارات دون أن تهرب منه أو
يتلصص عليك.
رئيس تحرير صحيفة يغضب عليك أو تغضب عليه في الصحيفة نفسها في
النهار، وتذهب معه في الليل إلى أقرب مشرب
أو جامع أو ضريح أو كازينو
أو كنيسة كأصدقاء.
الوطن هو ناقد أدبي يكتب عنك دون أن يعرفك، لا أن يكتب عنك
بناء على توصية أو تزكية أو معرفة أو علاقة أو حساب مدفوع.الوطن هو حلم تحلمه
لحسابك الخاص دون أن يشغلك أحد به
ومكان تقرر وحدك أن تعيش فيه أو تموت فيه دون تدخل من احد. اذا لم يكن من حقنا ان نختار أوطاننا، فمن حقا في
الأقل أن نختار منافينا أو أقلا" أقلا" قبورنا. والوطن هو سجن مكشوف
تدخله حسب القانون، وليس سردابا تحت فندق أو معمل أو مدرسة كتب على بابها، تمويها
من لجان حقوق دولية، إذا كان لها باب: مصنع
طرشي.
هو قصة حب مجنونة تعيشها وحدك تماما بعنف وتطرف كعصفور مخمور
يسبح في الفضاء الأزرق حتى يسقط ميتا للمرة الأخيرة دون بلاغات او بيانات أو تفسير
أو شرح. فالحب كالموسيقى، كالنشوة، كالموت، تعيشه وحدك وتموت به ومعه وحدك.
والوطن هو برلمان تصنعه وتعترض عليه دون أن تتحول إلى برميل
قمامة في ولادتك الثانية بعد الطحن أو الثرم. الوطن هو حمّام سباحة تسبح فيه
منتشيا، وأنت في ثوب السباحة كرضيع ولد توا، دون أن تجد نفسك في فم تمساح أو فهد
أو نمر مُلك لابن مسؤول كبير أو صغير أو خادمه أو سمساره.
أو تجد نفسك بعدها تسبح في حوض خردل أو تيزاب وتتحول إلى ضباب
أو غيب أو ذكرى أو وهم.الوطن هو جواز سفر تسافر فيه كسائح محترم في المطارات دون
ان تعامل كلص او هارب أو إرهابي.الوطن هو كلمة (لا) تقولها دون أن يتحول جلدك إلى
حذاء في مصنع للأحذية أو معطف لجنرال بدوي مخصي.
هو كلمة(نعم) تقولها وأنت مطمئن بأنك ستعود إلى دارك، لا أن
تختفي في نفق أو قبو عشرات السنوات ويقولون لأهلك لم يصل دائرة الأمن حتى اليوم
لأنه لم يمر بالسجن، وشاخ في الطريق وهو في دور المراهقة، وذهب مباشرة إلى المقبرة
اختصارا للروتين.
والوطن هو حوار مع صديق أو حزب أو مسؤول أو وزير أو جريدة في مقهى أو عمل أو شارع أو حافلة أو
مؤسسة وتعود بعده إلى منزلك وأنت بكامل ملابسك الخارجية والداخلية.الوطن هو طبيب
تعترض على غلطته المميتة بحياتك أو حياة غيرك دون أن تجد نفسك بعد هذا الاعتراض في
عيادة تجميل بعد أن تم تقليص أنفك، حاجبك، ذراعك، وزنك إلى مستوى وزن خفاش أو فراشة أو رأس بصل كي لا تعاني من
مشكلة في الزحام أو السكن أو الملابس.
الوطن هو سائق تاكسي تركب معه وأنت في تمام طمأنينتك دون أن
تجد نفسك، بدافع الشك أو النصب أو الحقد، في ضيافة جهاز سري تخرج منه، إذا خرجت،
وقد تعلمت أصوات كل الحيوانات الضارية والداجنة، وحتى سيارات الشحن والقطارات.
الوطن حذاء تشتريه متى شئت
وجواز سفر تستحقه كما تريد،وكأس حليب تشربه في الصباح بكل هناءة كما يقول الشاعر
اليوناني كافافي. هو لباس داخلي تلبسه متى تشاء وتخلعه متى تشاء دون أن يخلع لك في
مديرية الأمن العامة لدواعي السرعة والتهذيب والأمن القومي.
الوطن هو زجاجة بيرة من نوع(لاكر) الذهبي تشربها من فوق، لا من
تحت بسبب موقفك الآيديولوجي أو القومي أو الثقافي لأن أقصر الطرق إلى العقيدة
والحزب والتاريخ تمر من هذا الثقب. الوطن فراش وثير ونظيف تنام فيه متى تريد دون
أن تجد شرطيا تحته يعاتبك على شخيرك بعد منتصف الليل.
الوطن هو فيلم سهرة على الذوق، لا حفلة جلد على شكل خطاب
رئاسي.وهو لعبة بريئة تلعبها برغبتك.وسيارة نجدة تطلبها متى تحتاج وتأتي لنجدتك لا
لتحويلك في لحظات إلى معجون طماطم لأنك تجاوزت على نزهة مسؤول كبير مع كلبه، أو
حتى تجاوزت على كلبه، أو حتى محاولة عض كلبه أو إخافته.
والوطن هو مرآة تجد وجهك فيها في غرفتك، لا أن تجد فيها عشرات
الوجوه تحدق بك من الخلف.الوطن هو مفتاح باب تقفله متى تريد وتفتحه متى تريد لا أن
يفتح في غيابك وفي حضورك وأنت تتفرج جالسا على الأرض ككلب كسرت ساقه الأمامية.
والوطن جار وليس مخبرا سريا.هاتف وليس عصابة إنصات.حبة أسبرين
لا حبة ثاليوم ،والوطن عصير تشربه لا قطرة سم مدسوسة كي تموت على مراحل وببطء مثل
بعير أجرب متروك في البرية.هو رسالة من صديق أو عزيز تصلك في الخارج وليس رسالة
فيروسية. والوطن هو غابة تدخلها وتخرج منها وليس حقل تجارب لحشرات أو أرانب أو
سجناء أو أسرى.
هو سيارة لن تتوقف، فجأة، قربك لتجبرك على الصعود إلى الهاوية
أو المجهول أو وراء الشمس أو وراء الغياب. هو أغنية ترددها علنا لا صرخة ضائعة
ترددها من تحت نفق سري أو قبو تعذيب وانت
تحلق في مروحة على شكل أير باص جوي عراقي ترى فيه نجوم الظهيرة في عتمة الليل.هو راديو تشتريه لا يشتريك
ويحسب أنفاسك وأحاديثك العائلية. ساعة عادية لا وسيلة إنصات.وهو حديقة حيوانات
تدخلها وتخرج منها بسلام، لا أن تدخلها وتجد نفسك في قفص للقرود كما حصل مع صديق
صحافي يوما لأنه سب قردا بطريقة قابلة للتأويل(هل نحتاج إلى قرد إضافي؟).
الوطن هو سماء زرقاء تجلس تحتها وأنت في تمام نشوتك.هو غيمة
بيضاء تناشدها المطر.هو مطر عذب تشرق بعده شمس رمانية متوهجة.هذا هو الوطن الصديق.
لكني فوجئت حين كنت أستعد للذهاب إلى الوطن بالذهاب إلى أقرب نادي رياضي مجاور
لتعلم المصارعة والملاكمة ورفع الأثقال والقتال الفردي.
وفوجئت بأني أتصل بصديق كي يشتري لي مسدسا كاتما للصوت، وحين
سألني: لماذا كاتم صوت؟ قلت: كي أنتحر علنا انتحارا استعراضيا بعد أن أعانق دبابة
أمريكية في عرض شبقي مفتوح .هل هذا هو الوطن الذي كنت أحلم في الذهاب إليه
وتغييره؟
سابقا كنت أتوقع أن أذهب إلى الوطن ومعي عدد من الطيور النادرة
هنا، ومجموعة من الفراشات التي أعشقها، وعدد من الأصدقاء والصديقات الأقرب إلى
حمام الأضرحة أو وداعة رخام مسجد صوفي قديم.كنت أتوقع أن أعود مع أعداد كبيرة من
رواياتي، ومع أعداد من صور المنفى في الثلج والليل والخليج والمحطة والعاصفة والحقيبة واللوعة والأمل
ونسيت حكمة علي بن أبي طالب :(الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن) والغنى
هو الحرية كذلك.
وحين كنت اعد الحقيبة للعودة إلى وطن كنت كما يعود مهرب مخدرات أو زعيم عصابة
أو ملاكم شرير لأعض هذه المرة لا أذن منافسي، بل سأعض أذن التاريخ على هذه الحماقة
الكبرى.
12
التضامن القبلي
قد يكون غريبا ان اكتب عن موقع الكتروني سياسي وكنت من اوائل
من انتفض عليه(واخرهم) لكن من غير الصحيح اعتبار الموقع هو نفسه في كل الأحوال او
حتى في كل الاعداد كما وان من غير الصحيح ايضا ان نكون نحن لم نتغير بعد الحرب
وحتى العالم تغير والوطن تغيير ودولة زالت وفاشية اختفت واخرى تنمو بهدوء وسرية
وصمت وبنعومة كما حدث مع صعود الأولى وهي أقذر فاشية في التاريخ.
لماذا لا يحق لي العودة الى هذا الموقع والكتابة عنه وفيه في
الوقت الذي عاد الاسرائيلي الى العراق وهو يحمل وثيقة السبي البابلي كجواز سفر
وهوية ويفتح مكتبا في بغداد وفي غيرها؟
لماذا لا يحق لي الكتابة عنه او فيه اذا كان رجل الدين والصوفي
والشيوعي والليبرالي والثُور..ي، وداعية الكفاح المسلح وغيرهم من الوان يلتقون مع
الغازي ورجل السي أي ايه والموساد والرأسمالي والمقاول والمصرفي وبقال القضية
وصانع العرائس الاممي وخبير السيارات المفخخة في دور العبادة ودور النشر، ودور
البغاء، ودور السينما، ودور الحضانة، ودور العجزة؟
ان وصف السياسي العراقي:
هذا يساري او ذاك يميني وهذا ليبرالي وذاك ثوري لم يعد له معنى اليوم، كما لم يكن
له معنى في أي يوم مضي، فهذا الوصف لا يتفق مع الوقائع الحقيقية، وهذا الوصف ينطبق
على المثقف أو السياسي الاوروبي: فحين نصف هذا المثقف باليساري او اليميني فنحن
نصف تشكيلة محددة الملامح والقسمات من انماط الوعي والسلوك والفلسفة. اما في
الحالة العراقية فلا تأخذ الاشياء صفاتها من العناوين، رغم انها كذلك حتى اليوم،
وما ان ينام الوعي قليلا حتى يظهر الاجداد وهم في حالة نوم في الظلام الغريزي
يتدافعون حاملين المشاعل والسيوف على هتافات الابادة والثأر، لأن قطيعة
بنيوية مع الماضي لم تحصل، ولن تحصل
في المدى القادم المنظور مادام السياسي العراقي بكل ما عرف عنه من سطحية
وبلادة هو سيد كل المراحل.
امس قرأت نداءً على الموقع موقعا من عدد من الاخوة وبعضهم
تربطني به علاقات طيبة يحتج على ما ورد من كلمات بحق احدهم. ومع اننا لا نعرف ما
هي القضية رغم التخمين، وليس مهما ذلك، لكن من الواضح انها قضية اساءة وتجريح.انه
عمل رائع ان يحتج المثقف العراقي على اساءة او تجريح ويتضامن مع زميل يعرفه او لا
يعرفه لكن للقضية وجوها اخرى كثيرة منها:
اولا: كما فهمت ان الكلمات التي ازعجت الكاتب قد تم رفعها حال
وصول التنبيه الى مسؤول الموقع وهذا يعني انه قد استجاب فورا للطلب عن قناعة او عن
احترام وهذا بحد ذاته يستحق الدعم والمؤازرة وليس توسيع نطاق المسالة.
ثانيا: انني شخصيا غير راض عن ما يكتبه
البعض هنا، وبعضه تجاوز كل الحدود، كما لو كنا في مسلخ او ميدان رمي ولا نحتاج سوى
استبدال الكلمات بالرصاص لكي ننتحر جميعا. ومرة كتب الشاعر عبد الرزاق الربيعي
شاعر وصديق له تعرض لنوبة قلبية دون
المزيد حتى انهالت عليه المقالات وبالعناوين العريضة كما لو انه ارتكب جرما، كما
لو اننا نريد من كل كاتب ان يفكر مثلنا، ويحب مثلنا، ويكره مثلنا، ويؤمن بالفكر
السياسي والديني والقومي والمذهبي مثلنا، لأننا لسنا بشرا أو كتابا في نظر البعض
انما احجار تتراكم في الطرق. وحسنا فعل الاخ الربيعي الذي لم يرد ولا بكلمة على
هؤلاء حتى سكتوا ولو انه فتح فمه بسطر واحد لما انتهت القضية حتى فناء الارض، فنحن
نلصق حبا او عداوة، وهذه هي من خصائص الذهن المتخلف الذي تنعدم فيه كل اشكال
المرونة العقلية ويعيش في حالة الحجر وتنعدم فيه كل مساحة لبناء اختلاف بناء ومثمر.
ثالثا: ان مبدأ التضامن مع كاتب او شاعر او
مثقف هو مبدأ موحد منسجم لا يخضع لمبدأ الاخوانيات والرفقة والزمالة والعشرة
والشاي والمحلة والمدرسة بل يخضع لمبدأ
اخلاق التضامن التجريدي مع المثقف بصرف النظر عن موقعه السياسي والديني
والفكري، وحتى مع المثقف المختلف. فليس من المعقول ان نتضامن مع كاتب ونغلق البصر والبصيرة على جرائم يومية
تستباح فيها اعراض وتنتهك حرمات، على يد كتبة تخصصوا بذلك، وعلى مواقع في غاية
الرداءة والابتذال مثل موقع (…) الذي فتح على وضاعته صفحة سوداء في تاريخ الاعلام
العراقي قبل الحرب واليوم، وتعرض هذا الموقع لكتاب بكل انواع الافتراءات العلنية
وحتى اسرهم وطراز عيشهم وبالأسماء الحقيقية ومنهم كاتب هذه السطور بطريقة صبيان
شوارع يتعايرون في الدروب، ومع ذلك لم يفتح احد من الاخوة الموقعين على البيان ولا
من غيرهم فمه محتجا كي توقف هذه الظاهرة القذرة التي لا تستهدف اشخاصا بل ثقافة وتروج لهذا النوع من الابتذال الذي
تجاوز حتى حدود الدعارة.
ولا يقل عن هذا الموقع سوءا ورخصا وابتذالا موقع اخر يطلق على
نفسه(الحالم بغد افضل) وعلى هذا الموقع خرجت كما يعرف هؤلاء جميعا فرية ان حمزة الحسن هو الذي طرد الشاعر الصيني
احمد جان من دمشق،(وغيرها العشرات) وتمت هذه الفرية الصبيانية بالتعاون مع شخص
منتحل بكل انواع الانتحال من انتحال لقب عائلي إلى لقب شاعر وروائي ومترجم وناقد
وسياسي(طبعا خريج حملة محو الأمية) حتى صار يعرف في الوسط الثقافي بخلف الأحمر
تذكيرا بالدعي الشهير مع حفظ الفارق في ان الأحمر الأول كان موسوعيا، والثاني دعي
وعمل (كمنظف) في منزل الشاعر المرحوم البياتي بأجر شهري والكل يعرف ذلك بما فيهم
بعض كتاب نداء الامس، ويعرفون أكثر مما لا يمكن الحديث عنه، وكان الاخ الشاعر كمال
سبتي على علم بتفاصيل القضية كاملة مني ومن غيري(وعن غيرها) ومع ذلك لم يفتح فمه
لا عن هذه ولا عن غيرها وكنت اطلعه عليها سابقا حتى وجدت من غير المجدي ذلك. ان الشاعر كمال سبتي، وهو شاعر مبدع، وانسان طموح، لا يستحق
الاساءة والتجريح، وهو الشخص المقصود ببيان الاخوة التضامني، لكن لماذا يصمت أمام
التجريح السوقي بآخرين؟
الكاتب أحمد عبد الحسين قد يكون الحاضر الوحيد في كل حملات
التضامن مع من يعرف او لا يعرف، مع الموتى والاحياء والمعتقلين والذين في الطريق،
ومع ذلك فإن اعراضا تنتهك وقيما ثقافية واخلاقية وعائلية وشخصية تستباح لكتاب
اخرين على مرمى حجر منه دون ان يحرك ساكنا وهذه نظرة انتقائية قبلية خاصية العقل الجامد الذي لا يرى غير
الألوان الصارخة وينسى الظلال العميقة، كما انه احد الذين عرفوا بما صار يعرف من
باب السخرية بقضية جان والقبوط تخليدا لذكرى
صاحب الموقع (القفطان)الذي نشر بحماس وتواطؤ ورغبة ومعرفة تلك الفرية باسم مستعار
لذلك الشخص المنتحل على موقعه بعد ان تحول الى كراج وتم نقل كل مفردات الكراج الى
الادب في تطور خطير في اعلام اليوم، وصاحب هذا الموقع اشتهر بهذا الاسلوب في كل
الدول التي مر فيها واستعمل نفس الطرق مع جميع الذين اختلف معهم وهو صورة نمطية
للسياسي الساذج والأمي الباحث عن دور في هذا الفراغ العام مع انه سائق تاكسي في
ديترويت. انه نموذج لجيل جديد من سياسيين أميين يعيد انتاج نفسه في كل مرحلة بعد جيل الرعاة الذي
حكم في النظام البربري السابق.
رابعا: ان ثقافة واخلاق التضامن
تقليد بشري معروف، ومع الاسف الشديد،لا يعرفه غالبية الكتاب عندنا، الا حين يتعلق
الامر بشخص قريب، مع انه شعور كشعور المحبة والسعادة والالم والعدالة لا يمكن ان
يكون مع احد ويسكت عن احد. انه كالوطنية لا يمكن ان تتقاطع مع الحرية. فليس من
المعقول ان نكون وطنيين وارهابيين. ليس من المعقول ولا من غير المعقول ان نتضامن
مع احد ونسكت عن اخر. هذا التضامن
مثل مواقف السياسي العراقي نوع جديد من القبلية. وقد يرى فيه البعض شيئا افضل من
لا شيء يمكن ان ينمو، الا انني ارى فيه عكس ذلك تماما لانه سيشرع لتقليد مضاد لثقافة تضامن حقيقية يصبح مع
الوقت عرفا وعادة قد نحتاج الى وقت طويل مقطوع من حرائق اليوم وغدا للتخلص منه،
لأن أخطاء التأسيس في منتهى الخطورة وخاصة التأسيس الثقافي.
خامسا: من المهم ان أذكر هنا، ونحن في باب
التضامن، الشاعر احمد جان الصيني: اختلفت معه بطريقة ودية في نقاش ممتع، وحين طرد،
وسمع بفرية منتحل اللقب والشعر والمهن والسياسة، كتب لي رسالة رغم محنته وهو في
تركيا يعتذر بنفسه عن هذا السلوك الذي وصفه قائلا:(ان رجل الامن اكثر تحضرا من ان
يفعله) ونشرت الرسالة.
بما ان اخلاق التضامن الحقيقية غائبة فمن حقنا ان نعاقب هؤلاء،
وبتعبير شكسبير في(كوميديا الأخطاء):ان الذين يجرحون أحاسيس الناس، ويعذبونهم،
عليهم أن يعذبوا بمثل ذلك وأكثر، كي يعرفوا معنى جرح الاحساس.
السيكوباتي الصفيق لا يخجل
وليست لديه مشاعر ذنب ابدا، ولا شفاء له، لأن السيكوباتية ليست مرضا نفسيا انما
عاهة اخلاقية تقوم على الكذب حتى حين يكون الصدق مفيدا، ولا يردعه غير الشعور
بالاحباط كما يجمع كل علماء النفس. صاحب فرية(القبوط)
ذهب الى بغداد قبل فترة وطلب من حزب عراقي مقيم في القصر الجمهوري العمل في صحيفته
فرفض الطلب، وحين استغرب أخذه كاتب عراقي طريف ومهرج يعرفه جيدا ولا يستطيع ان
يتشاطر عليه، اخذه الى جانب وهمس له ضاحكا: خويه انت باب دبرك ما حميته، فكيف تحمي
باب القصر الجمهوري؟!
13
الحروب السعيدة
هذا عنوان قصيدة للشاعر الراحل الصديق رعد عبد القادر في
ديوانه الرائع(دع البلبل يتعجب) الذي صدر في بغداد عام 1996 يوم كانت السلطة
مشغولة بترقيع ثقوبها المتكاثرة غير عابئة بأقوال الشعراء، ومن المصادفات السعيدة
أن يكون مسؤول لجنة الفحص في تلك الفترة هو روائي صديق أيضا قرر أن
"يتواطأ" مع هذا النص المتمرد لكي يوبخ بعد ذلك على هذا"
السهو" الجميل.وغناء الشاعر في فم الوحش ليس جديدا في التاريخ: كان ناظم حكمت
يقرأ قصائده وهو غاطس في مرحاض السجن. ليس هنا مجال الحديث عن هذا الديوان
المدهش لكن لحديث هو عن الحروب
السعيدة التي لم يستطع الشاعر أن يعطيها غير هذا الاسم زيادة في التباس المعنى
ولخلق فوضى في ذهن الرقيب الذي لم يكن غائبا وعيه تلك اللحظة عن مقاصد الشاعر ولا
عن جنون القصيدة.
حين يقال اليوم ان العراقيين لا يبالون بالموت ولا بالانفجارات
ولا بالسعادة الهاربة ولا بالقصف ولا بكل الأشياء المخيفة فليس لأنهم الشعب البطل
كما حاولت السلطة الوحشية خلق تلك الميثولوجيا البربرية، بل لأنهم عاشوا جوار
الموت، وعاشروه، وحدقوا في وجهه الكريه الذي كان يزورهم كل يوم بل كل لحظة على
صورة جديدة.
الحروب السعيدة دربتهم على أن الموت ليس أسطورة أو قدرا أو
حكاية تأتي مرة واحدة في العمر بل على ان الموت، لا الحياة، هو ما نعيش له ومن
أجله. هذا هو سبب اللامبالاة اليوم أمام مشاهد الموت. ليس العراقي بطلا وهو يسخر
من الجنون اليومي، بل لأنه أفرغ من شهوة الحياة وعبئ بقبول الموت، والموت هنا ليس قدرا للعراقي، كما لغيره، بل
الإهانة.
هناك أنواع من الموت قد يكون بعضها شرفا وفخرا ومجدا وقدرا أو
بطولة، لكن هذا النوع من الموت هو جريمة لأنه اغتيال للفرح البشري وقنص للسعادة
الإنسانية.قد يكون نزول العراقي إلى الشارع هو النزول الأخير، وقد تكون زيارة
المقهى هي آخر الزيارات، وربما يكون صعود الحافلة رحلة نحو موت مرتجل.
هذا هو السبب أيضا الذي يجعل العراقي اليوم أكثر احتفالا
بالتفاصيل الصغيرة التي لا تلفت نظر غيره كوجود فاكهة طازجة على منضدة أو ضوء فانوس
أو عربة أطفال في شارع أو صوت مؤذن
أو مشهد عرس أو مرور حسناء من خلف زجاج نافذة.حين يحتفل رعد عبد القادر
بهذه الليالي، ساخرا، تلك السخرية التي خطفته على عجل، لأنه تجاوز بها حدود القلب،
فلأن تلك الليالي لا تشبه الحياة في أي مكان آخر.( المجد لك أيتها الليالي، أيتها
الأيام..المجد لك يا بلادي... أنا عبد الحميد، جندي مشاة من سلاح المشاة عشت أخيرا
في مستشفى معسكر الرشيد، بالضبط في قسم الجملة العصبية.أقف كعينة أمام طلاب علم النفس الصغار، يدرسون جنون
عظمتي، يدرسون صلتي بالشمس وزحل والمريخ، أنطق باسم مردوخ وزفس ومثراس،
أخرج لهم أوراقا من محفظتي الصغيرة كأوراق سيبيل
أخرج لهم قرون الاسكندر وعشبة كلكامش
عظيما كأعظم دون كيشوت
سعيدا بمدني الفاضلة
أيها الرعاع
أيها الأتباع
أنا نابليون بموسيقى العودة من المنفى
عودوا معي إلى المسرح
لنمثل أدوارنا في الحياة.
الحياة هنا لا تشبه الحياة هناك). هل صدقتم الآن ان العراقي
ليس بطلا وهو يواجه كل يوم هذا الجنون العاري؟
14
الخروج من الجبة إلى النشوة
رغم البحر والصيف والرمل والضحك والركض على ساحل ذهبي مشع، على
مقربة من صخور مضيئة بالسر والماء والظل، وغابات فاتنة، كانت إغواءً وشهوة لروائي
مسكون بهاجس البحث عن قواقع وأحجار نادرة وقناني يرميها الموج كرسائل قادمة من بشر
مجهولين، إلا أن التراجيديا العراقية لا فكاك منها.
كروائي أرى في المشهد
الإنساني ما قد لا يراه غيري. لذلك لا يحق لأحد أن يطالبنا برؤية مشتركة(ألم ندخل
الزمن الديمقراطي اليوم؟)، كل واحد يرى المشهد من زاويته وعلى قدر الخيال أو على
قدر المنطق، كما ان شرط الحداثة هو النقد.
في المشهد الذي أسعدني حقا(مجلس الحكم الانتقالي) يجلس على
منصة مسرح 22 من الرجال وثلاث نساء (الذكورة والأنوثة هنا حسب الوظيفة البيولوجية
لا حسب المواقف) تتراوح أعمارهم بين الخمسين والثمانين، وتتراوح ملابسهم بين
الفولكلوري والحداثي، وبين الأفندي، والشيخ، وثياب السيدة، وتتقاطع مهنهم بين
الطبيب و"الثوري" والوزير وعالم الدين والعاطل عن العمل، و
المصرفي...الخ..
هؤلاء يجلسون على منصة تنقل حدثا تاريخيا ستراه الأجيال
العراقية القادمة بهدوء أكثر مما نراه اليوم، كما يحدث لنا حين نرى صور تأسيس
الدولة العراقية وملوكها الغاربين، الموتى، موتى الحوادث المشكوك فيها، أو قتلى
العصيان العام، كما سنرى غدا مراحل نمو واستطالت وتسرطن وسقوط الدكتاتور،كما سنرى
ملامح نمونا العقلي، والحيوي، واضمحلال أجسادنا، كما سيرى غيرنا تلاشي وعيه في
مرآة الزمن الذي سيمر سريعا جدا، فنحن لسنا سوى أشباح أو ظلال عابرة.
الصديق المشاكس الذي كان يركض إلى جانبي على الساحل المشمس
والذي كان شرط الخروج معه هو الصمت، سألني بمكر صريح:
ـ ما رأيك؟
ـ بماذا؟
ـ لا تتظاهر بشيء آخر.
قلت:
ـ اليوم كان انقلابا حقيقيا نقيضا لتاريخ الشخص السياسي
العراقي. اليوم رأيت لحظة انتهى فيها تاريخ وولد آخر. اليوم رأيت كوميديا بشرية
تشكل منعطفا في تاريخ الكائن العراقي وسأترك الحكم فيها للأيام لكن من حقي أن أصف
المشهد كما بدا من هذه الزاوية الخاصة جدا.
قال ضجرا وهو يرمي الرمل
في البحر:ـ لا أكاد أفهم شيئا. أنت بدأت تتحدث كما لو أنك تكتب أو تضع مخطط رواية
جديدة. قل صراحة وبلغة سياسية، ما هو هذا الانقلاب الذي بدا لك؟
قلت وأنا أدعوه للجلوس على صخرة مبللة من آخر موجة بحرية:ـ
اسمع جيدا. هل تسمع جيدا؟ سيكتب التاريخ، من بين أشياء كثيرة عن هذا اليوم، أنها
المرة الأولى التي يجلس فيها زعيم حزب شيوعي في العالم تحت مظلة سلطة احتلال
ويختار طواعية أن يكون عضوا في سلطة منتقاة
من سلطة احتلال. هذا ليس حكما بل وصفا، قد يكون الحكم في صالح الرجل أو
الحزب. دعه يجرب مرة أخرى. لقد جربوا كثيرا في تاريخنا المعاصر ونحن هنا أمام
الموج والبحر بفضل تلك التجارب التي حكم عليها الزمن بانها مهلكة.
قال صاحبي وقد فتح عينيه على الحافة الاخيرة من البحر:ـ إنه
أمر محير حقا لكنه ليس غريبا على الشخصية العراقية القادرة على القيام بكل الأدوار
وعكسها وتبريرها في آن. ان هذا الحزب كان قد أقام الدنيا ولم يقعدها لأننا عشنا في
الوطن حفنة سنوات. كان يحب أن يرانا قتلى سجون أو دفن جماعي لكي نصبح، فقط،
أبطالا، في خطابات الزعيم في المؤتمرات. ها هو اليوم يدخل في تحالف تاريخي مع سلطة
احتلال.
قلت:ـ دعه يجرب. من يجرؤ اليوم على أن يقول له أن هذه مغامرة؟
ليست مغامرة سياسية، بل مغامرة تاريخية قد تضع مستقبله في مهب الريح. الذين
اعترضوا على التحالف مع الفاشية صاروا، في تقاليد الحزب الشيوعي العراقي، أشخاصا(يحاولون تخريب الوحدة الوطنية،
وخلق خنادق عداء بين الحزبين الحليفين)، وهو نص منشور تحذيري أصدرته لجنة محلية
بحق المعترضين، وحين صار المعترضون في صفوف الحركة الوطنية وانتقلوا إلى المنافي
تحولوا، في تقاليد الحزب الشيوعي العراقي، إلى (أشخاص يحاولون تخريب وحدة الصف
الوطني).دائما هناك وحدة مهددة ومنتهكة من قبل (عدو) يصنع على عجل مع أن جوهر فكرة
وحدة الرأي ووحدة الصف هي فكرة بوليسية إرهابية ضد التنوع والتعدد والطيفية
والثراء، لذلك أقول لك لا تعترض و إلا ستجد نفسك في يوم لن يطول صاحب مصرف سري،
حسب وثيقة سيعثرون عليها في مبنى احترق كله ولم تحترق هي، أو زعيم عصابة سطو، أو
بوذيا متنكرا في زي إسلامي. هذه أول
مفارقات الحالة الانقلابية الجديدة.
ـ والثانية؟
قلت بعد صمت دهري ربما يكون استغرق عاما أو قرنا أو الأبدية
كلها بعد مرور عاصفة، جسد، إعصار،بدل مصيري في لحظة أكثر من كل الكتب والتجارب، وفضلت
الاحتفاظ برائحة العطر المائي لذلك الجسد البركاني الخاطف كرؤيا مبهرة لنبي أو فرس
تحت ضوء القمر، أطول فترة ممكنة كي أظل حيا:ـ الانقلاب الثاني هو أن ترى حجة إسلام
أو رجل دين متمرد يجلس إلى جانب زعيم شيوعي ويجلس في الظل أمامهما(دائما في الظل!)
السيد بول بريمير المسؤول الحقيقي عن صناعة هذا المشهد...
قاطعني:
ـ هل رأيت في حياتك صانع دمى يقف في واجهة متجر مع بضاعته؟
قلت، محاولا الإمساك ببقايا العطر الهارب:
ـ لا، ليس الأمر على هذه الدرجة من السوء. لكني أتفق معك بأن
هذا الظل المخفي هو الأكثر حضورا من هذه الأجساد العلنية والمشخصة.
هذا الغائب في القاعة، بين
الجمهور، هو الحاضر الوحيد والصانع الحقيقي لهذا المشهد، لكن من المغامرة العقلية
القول الآن أنه سيكون الصانع الحقيقي للتاريخ، ولو حدث ذلك سيكون كلامك عن صناعة
الدمى صحيحا تماما. كما تخلى القائد الشيوعي عن صرامته الحزبية، وتواضع أكثر، وخضع
لشروط المرحلة، وصار براغماتيا، يحسب حساب الربح والخسارة وجسارة الظروف(وهذا ما
كان يشنع به على خصومه ويعتبره جريمة لا تغتفر)، كذلك رجل الدين المتمرد الذي كان
ولا يزال لا يقبل بسلطة أرضية ابدا الا سلطة الله على الأرض.
أما الانقلاب الثالث في الصورة، أو الاهتزاز الثالث، فهو
الأكثر دراماتيكية وهو: هو أن يبدأ حفل المجلس، وفي لحظة تاريخية حاسمة، تتطلب
الرصانة، والعقلانية، والحكمة، والهدوء، بما يشبه محكمة إعلامية واحدة ضد محطة
إنكليزية والأخرى ضد قناة عربية كأننا أمام مشهد عقاب متوقع قادم للحريات.
أما الانقلاب الرابع فهو أن قرنا من كفاح الشعب العراقي في
ترسيخ المواطنية ذهب مع الريح، وعدنا إلى البدايات، إلى القبيلة، والطائفة،
والعائلة، وهذه المؤسسات التقليدية
ترفض كل أشكال الحداثة.
ـ أليس هذا هو التنوع؟
ـ التنوع حين تكون هذه الصور قادرة على المجيء إلى القاعة
بإرادتها الحرة اليوم أو غدا. هذا تراكم يا صاحبي. أما الانقلاب الخامس في الصورة
فهو الأخطر.
صمتُ لحظة بعد أن عاد، مرة أخرى، موكب الملائكة، والأجراس
المخبولة الرنين، وموجة الماء المعطر، وشممت رائحة الخلود بكل حواسي.قلت:ـ الانقلاب
الخامس في الصورة هو انقلاب (غياب). هناك غائب في المشهد التاريخي وهو غياب يشبه
النفي وليس النسيان كما يظن البعض. هذا الغائب دائما، الغائب أبدا، هو غياب المثقف
والمفكر(المقصود هنا المثقف المنتج للرموز والمعاني). هذا الكائن المنقرض في
تقاليد السياسية العراقية لن يحضر لا اليوم ولا غدا، فهو الوحيد خارج المؤسسة ليس
بإرادته، ولا يحق له الدخول إلا كإصبع للسياسي، أو كاتب خطاباته، إنما هو منفي
ومقصي ومقذوف ومطرود، بصريح العبارة، وبلا شك ينظر إليه على أنه كائن مضطرب أو
يستحق الشفقة.
وكان الجسد الاسكندنافي المثير، الأشقر، أو هودج الملائكة، أو
عاصفة الأجراس الضاجة بالحليب والموز والتفاح والنبيذ والموسيقي، قد تمدد أمامنا
مباشرة على الرمل.قلت آخر جملة ربما لم يسمعها صاحبي قبل أن أسجل ذريعة دخول
النار:ـ اليوم إما دخلنا عصر العقلانية السياسية أو خرج هذا العقل من الضريح إلى
التسوية، ومن الوكر الثوري إلى المصالحة مع الجنرال المحتل، ومن أدعاء الحدية إلى
كرسي المساومة، ومن الجبة والثورة إلى النشوة، كما انتقل قبلنا البعض من الماركسية
الى الدروشة بنفس العنف والبلاغة والعقلية.
15
أشباح الماضي
منذ أيام وأنا غارق في أحلام ليلية كابوسية جديدة، بعد ان
تلاشت الكوابيس القديمة، كوابيس مفارز الطرق، والهوية، وجرس الباب الليلي،
والقنبلة، والسلطة، والكبسة، بعد سقوط الصنم من ساحة الفردوس. لكن الأحلام الجديدة
هي الأغرب، حيث بدأ يزورني في المنام موتى أعرفهم جيدا، أو عرفتهم على نحو عابر،
أو صادفتهم في الحرب أو في أماكن العزل المعروفة التي يتواجد عادة فيها العراقي :
في السجن أو في المشرحة أو في الإسطبل أو في غرفة التعذيب أو في شاحنة ذاهبة إلى
الخطوط الأمامية أو في معتقل حدودي آسيوي بعد أن صرنا نقفز من حدود إلى أخرى
كالدجاج أو اللقالق أو الكناغر.
أفظع هذه الأحلام وأكثرها حيرة وقسوة هو حلم زارني فيه يساري
عراقي مات تحت التعذيب في الخمسينات. وظل هذا الشبح يطوف عليّ كل ليلة في استجواب
مرير جعل النوم عندي نوعا من التعذيب وحفلة جلد، حتى أني لم أعد أميز بين شبح هذا
المناضل الميت الذي يتكلم من وراء القبر، وبين مسرحية شاهدتها يوما. اختلطت حدود الحلم مع حدود الواقع،
وتداخل الوهم مع الفن، والسياسة بالكوابيس، والخرافة بالمنطق، في حقبة غريبة
الأطوار تعد هي نفسها كابوسا طويلا لا أصل له ولا بداية ولا نهاية. في زيارته
الأخيرة طرح علي هذا الشبح عدة أسئلة لا أعرف حقا كيف أجيب عليها لأني أنا نفسي
حائر بين صور وأوضاع وأخبار تصلح أن تكون مسلسلا للرعب.
الشبح: أحدثك كما تدري من وراء القبر. هل تفهم ذلك؟
ـ نعم أفهم رغم ان الحدود لم تعد قوية ومتماسكة بين القبر
وخارجه هذه الأيام.
الشبح: ماذا حدث يا ستار؟
ـ ألم تسمع؟
الشبح: لا. ان الزمن عندنا هنا يختلف عن الزمن عندكم.
فالثانية قد تكون ألف سنة.
ـ ألا يوجد عندكم ستالايت؟ قنوات فضائية؟ صحف؟ معارضة؟ مثلا،
مثلا؟
الشبح، ضاحكا: لا. هنا سلام سماوي ما عدا بعض الاضطرابات
خاصة ونحن لم نقدم إلى المحاكمة حتى اليوم بسب مواقفنا الأرضية الفالتة كما
يقولون. ماذا حدث عندكم هذه الأيام لأن غالبية الموتى القادمين منكم يأتون مهروسي
العظام كالطحين؟
ـ حدثت عندنا قبل أيام حرب أخرى.
الشبح: حرب طبقية تقصد؟
ـ لا طبقية ولا بطيخ. داهم الجيش الانكلو أمريكي السلطة هنا
وأسقطها.
الشبح مندهشا: وهل هذه الفاشية باقية عندكم حتى اليوم؟
ـ نعم. مارسنا معها كل ما نستطيع فلم ينفع.
الشبح: هل مارستم معها العصيان المدني؟
ـ مارسنا معها كل أنواع العصيان، حتى العصيان عن التنفس، وعن
الفطور، وعن الصلاة، وعن الطعام، وعن الجنس، وعن السفر، وعن البراز، وعن الضحك،
وعن الحلم، وعن النوم، وعن الإنجاب، وعن الرعي في مزارع الدولة الفكرية فلم ينفع.
قرر بعضنا الانتحار فلم ينفع. هدد بعضنا به فلم ينفع.
الشبح: عجيب. هل
جربتم معها حرب الشوارع؟
ـ كل أنواع الحروب، بما في ذلك الشخير في الخطوط الأمامية،
وعشق جنود العدو، والشرب في غرف الإعدام، والضحك في المشارح، والغناء في الحمام،
والنوم في زمن النهوض العربي، فخابت كل الآمال.
الشبح: يعني انكم الآن تحت الاحتلال؟
ـ نعم. تحت الاحتلال، وتحت اللصوص، وتحت الأحزاب، وتحت الأرض،
وتحت الماء، وتحت رحمة التاريخ، وتحت الأحذية.
الشبح: هذه خيانة تاريخية وقلب للمعايير. كيف يعود التاريخ
مرة أخرى بهذه الصورة؟
ـ هذه واحدة من أخطاء جيلك. قلتم لنا وصدقنا ان التاريخ لا
يعود مرة أخرى إلا على شكل مهزلة. لكنه عاد عشرات المرات على شكل كوارث. العقل
الميكانيكي هو الذي كان يضع مقدمات ساذجة ويضع خواتيم ساذجة. لا يوجد في تفكيركم
منطق البين/ بين. عقلية (إما أو) هي العقلية التي غزتنا قبل هذا الاحتلال. عاد لنا
التاريخ مرات: مرة على شكل حمار، وأخرى بصورة عقيد انقلابي، وثالثة بقطار أمريكي، ورابعة بدبابة أمريكية.
الشبح: هل حقا أنكم تحت الاحتلال اليوم؟
ـ صدقني.
الشبح: أين ذهبت القوى التاريخية الكبرى؟ وماذا تفعل الأحزاب
الثورية هذه الأيام؟
ـ حزب مشغول بسرقة كراسي وزارة الري، وآخر مشغول بنهب أثاث
نادي الصيد، وثالث لا وقت عنده كي يحك رأسه لأنه مشغول بلغف مطبعة في شارع الرشيد،
ورابع مقيم في مقبرة ينادي موتاه، وخامس يصحو وينام في ساحة الفردوس كي ينظف
حنجرته من الصدأ.. وال...
الشبح مقاطعا: هل كل هؤلاء سعداء بالاحتلال؟
ـ بعضهم جاء بالاحتلال وجاء معه. والبعض الآخر يتغزل سرا به،
ويشتمه علنا، كزواج الغش، وفريق يخاف عليه من الرحيل المبكر وعندها تفسد حكومتنا
الجديدة النقية، وفريق يحمد الله ويشكره لأنه خلق المارينز، وشريحة صارت تهتف
بجمال الإمبريالية...
الشبح، غاضبا: معقولة؟ إذن لماذا متنا من أجل الجماهير؟ أين
هي قوى الطليعة؟أين هو الحزب الثوري؟ أين هو المناضل الثوري الذي يشم رائحة الخطر
على بعد سنوات؟ أين؟
ـ قوى الطليعة الآن تعيد النظر في برامجها. الطليعة في المفهوم
الجديد، بعد الاحتلال، تعني طليعة من يدخل البنك المركزي وينهب آخر فلس موجود هناك
حفاظا على أملاك الجماهير من الهدر. المناضل الآن هو من يملك أكبر كمية من الكراسي
الفاخرة، لا من الكتب كما هو الأمر في زمنك، ومن يصادق كولونيلا أمريكا يلتقط معه
صورة أمام الجماهير.
الشبح: والجماهير؟ أين هي؟
ـ الجماهير
مشغولة بتغيير أسماء المدن والصرف الصحي وتنظيف الصواريخ في سوق العورة أو شارع
مريدي. إذا كنت تريد أن تشتري راجمة صواريخ ما عليك سوى الذهاب إلى هناك.
الشبح: الأحزاب؟ أين هي؟
ـ عندنا حتى هذه اللحظة أكثر من مئة حزب والبقية قادمة. للديوك
حزب، واللصوص حزب، وعشرات الاتحادات الوطنية والثورية والشعبية والتاريخية من
إتحاد المؤرخين العرب وحتى إتحاد الصراصير العرب.
الشبح: إذن كيف تحدث هذه الفوضى وعندكم كل هذه الأحزاب؟ أين
ذهب الجيش والشرطة والأمن والاستخبارات؟
ـ كل حزب عنده جيش وشرطة وأمن واستخبارات وقضاة وقانون. في
شارع مريدي يحكمون باسم شريعة الغاب، وفي سوق العورة باسم شريعة الفنطوزي، شيخ
دين، وفي الموصل حسب شريعة قمبيز، حيث أطلقوا النار على متظاهرين، وقتلوا منهم 18 جرذيا(تاريخ
الحدث 2/5/2003) في لحظة واحدة ذهب دمهم كما ذهب دمك مع الريح أو مع المجاري أو مع
ورق الزكام، وفي بابل يحكمون وفق شريعة حمورابي في مكان، وفي الجانب الآخر وفق
شريعة عشيرة ذيل العجل، وهو تقليد قديم تأسس على اثر مذبحة بسبب قطع ذيل عجل بين
قبيلتين، أي العين بالعين، وفي بغداد يحكمون وفق عدة شرائع: في الشورجة حسب شريعة
"الكابوي": لغف، وكاتم صوت، ودسائس، وضحك، وبوس لحى، ومن يتكلم يتم تدبير سيناريو أو وثيقة مزعومة عنه
تم العثور عليها في حريق في قصر رئاسي لم ينج منه شيء عدا هذه الورقة من جراء
القصف، وفي حي المنصور يحكمون وفق شريعة رجال المصارف، وفي شارع السعدون حسب شريعة ليالي الأنس.
الشبح بدهشة: ولماذا كل هذه الأحزاب؟ لماذا كل هذه الأجهزة
الأمنية؟
ـ انها التعددية. فمن يفلت من جماعة العدل والطرب بتهمة الكفر بهذا الزمان، يقع في مفرزة لشرطة
الحزب الطبقي العراقي بتهمة معاداة الرفيق في السويد أو المكسيك أو الصومال، ومن
نجا بجلده من هؤلاء وقع في فخ جماعة حزب التحرير الثوري، وإذا قدر له أن ينجو
بالريش من هذه الجماعة سيقع حتما في مطب شرطة الإتحاد الوطني ، أو الديمقراطي
الكردستاني بتهمة القذف على هؤلاء الزعماء، الأمر الذي عرض الأمن الوطني، والقومي،
والاقتصادي، والسياحي، والثوري، والقانوني، للخطر.
الشبح: والجيش؟ أين الجيش؟
ـ أي جيش؟ ظهر ان عندنا عشرات الجيوش وكلها معارضة ونحن لا
ندري حتى أن الريس المختفي كان ينام على أذنه ولا يعرف أنه كان قاب قوسين أو أدنى من
انقلاب. جنرالات خرجوا من علب
"النفتالين" قالوا انهم كانوا سجناء أو معارضة صامتة، عقداء من كل
الأنواع، عقداء اعاشة، عقداء مدفعية، مقاومة طائرات، عجلات، وقود، أرزاق..الخ..
كلهم كانوا معارضة سرية تحت الأرض، ولم يظهروا إلا في فندق فلسطين ميريديان على
أضواء الكاميرات أو ذبذبات الهاتف الخلوي.
الشبح: لماذا ظهروا في الفندق؟
ـ كي لا يقال عن زملاء لهم في لندن أنهم وحدهم كانوا معارضة
فنادق. هذا تنافس شريف كما تعرف.
الشبح منزعجا: وماذا بعد الفنادق؟
ـ لن يغادروها ورب الكعبة إلا جثثا أو هياكل محروقة على إثر
شحنة تي، أن تي، في اجتماع، حيث يصبح من العسير التعرف عليهم إلا بعد أخذ حامض
الدي،أن،إي.
الشبح: والقانون؟ والقضاة؟ أين ذهبوا؟
ـ بعضهم صار يعرض خدماته على القنوات الفضائية كخبير في
الجريمة في الزمن الماضي، البعض الآخر تحول إلى حزب صنع حديثا في غرف في شارع
السعدون أو الرشيد كي ينجو من تهمة كونه لم يكن قاضيا أصلا بل رجل مخابرات خاصة
وان كل هذه المهن كانت تدار عبر أجهزة سرية.
الشبح: ورجال العهد القديم؟
ـ مثل رجال العهد الجديد. أمس رأيت أحدهم وهو عضو قيادي في
الحزب الحاكم كتب تحته في فضائية هذه العبارة(قومي عربي، محلل سياسي). هكذا تم
تغيير الجلود في أربع وعشرين ساعة كالصيدليات الخفر.
من كان جلادا في العهد القديم أعرب عن ثقته بإعادة الأمن
والهدوء والطمأنينة في عشر دقائق لو(أعطوني صلاحيات) وهذه العبارة الأخيرة تتضمن
كل الرعب.
الشبح بأسى: وأنت في أي حزب الآن؟
ـ قدمت طلبا لكل الأحزاب فرفض الطلب. أحزاب اليسار قالوا لي
انك يميني متطرف، وهؤلاء قالوا انك يساري متطرف، حتى المخابرات الأمريكية رفضت
طلبا لي في العمل معها قائلين لا نحتاج مجانين يسكرون ويكتبون سيرتهم الذاتية
ويفضحوننا بعد الكأس الثالثة في أقرب مشرب، حتى أحزاب "المقاولين الجدد"
رفضوني وأنا حائر الآن ولا يوجد أحد
أعمل معه غيرك. هل عندكم أحزاب؟ هل أنتحر كي أصل حالا؟
الشبح ضاحكا: هنا عدالة مطلقة ماعدا هذه المشكلة وهي تأخير
محاكمتنا حتى اليوم. تصور بعد كل ذاك التعذيب في العالم الأرضي، ننتظر هنا محكمة.
كنت أريد أن أسألك عن الثروة الوطنية، أين صارت؟
ـ آبار النفط
تحت سيطرة تحت الاحتلال...و..
الشبح بغضب: معقولة؟ أين ذهبت اضرابات عمال النفط؟ أين ذهب
شهداء كاورباغي؟ أرى بعض الشهداء حتى هذه اللحظة وهم بالضماد القديم من مستشفى كركوك. أين الحركة النقابية؟ أين
ثقافة أجيال في معاداة الاستعمار والامبريالية؟
ـ اليوم لو شتمت
الاستعمار لقالوا عنك أنك خائن للوطن. ولو طالبت قوات الاحتلال بالرحيل لوضعوا على
رأسك الطربوش السري، وأركبوك على حمار أبتر، وطافوا بك المدن وأنت لا تدري، ويا
غافلين لكم الله.
الشبح: الكتاب الشرفاء؟ الأدباء؟ أين هم؟ والشعراء أين هم؟
ـ بعضهم مشغول بالريادة الشعرية. الآخر مات حزنا. فريق صامت.
وكما اختلطت الأمور في السياسة اختلطت في الشعر: صار الشعر شعيرا .
الشبح: نعم. ليس لدى هؤلاء غير هذه الصرة التافهة يحملونها
في كل مكان حلوا فيه. وماذا تتوقع من هؤلاء غير نقل ثقافة العاهات أينما ارتحلوا؟
ماذا لدى الصرصور من إرث؟
ـ موتكم أنتم كان جهلا في
نظر هؤلاء. أنتم في الوعي الجديد حفنة من المغفلين. صار كل شيء قابلا للتعريف:
الوطن ليس الوطن، بل مقرا حزبيا، والقانون ليس القانون، بل الرغبة والمزاج،
والدولة ليست دولة الخدمات، بل زريبة حزبية. كانت عندنا فاشية واحدة، صارت اليوم
فاشيات. كان عندنا جهاز أمن واحد، صارت أجهزة. كانوا يقتلون الناس سابقا في غرف
وسجون، الآن في الهواء الطلق. كان عندنا زعيم حزب فاشي، الآن صاروا زعماء. كانت
عندنا سلطة لصوص واحدة، الآن سلطات، كان شرطي أمن واحد يقبض عليك بتهمة العداء
للدولة، الآن ألف شرطي يقبض عليك بتهمة: العداء للرفيق، للجريدة، للحزب، للعقيدة،
للافتتاحية، للحوزة، للعمامة، للنشيد، للهتاف، للمسيرة، للطم، للحي، للاسم، لأنك
تشخر في النوم في زمن ثوري، لأنك تمشي على اليمين أو اليسار من الرصيف، لأنك تبحث
في القمامة عن طعام لأطفالك أمام العدسات، لأنك تنكش أسنانك في مظاهرة دون أن تكون
فيها، لأنك تشتم ثقب الأوزون، لأنك لا تحب الكوكا كولا ، لأنك تكره اشتراكية
الطريق الواحد، لأنك تحب المطر، لأنك لا تشبه أحدا، لأنك عاشق في زمن منحرف صار
الشذوذ فيه هو القاعدة، والعشق جريمة، لأنك تضع صحفا لا تحبها في حفاضات الأطفال.
الشبح:الثوار،والمنفيون،والرومانسيون،والعصاميون،والسرياليون،الدادائين،الكلاسيكيو،والمتطرفون،
وعشاق الشهادة والموت في السجون،ورفاق الأمس فوق الجسر والوثبة والرشيد، وجرحى
المظاهرات.. وغيرهم ، وغيرهم، أين صاروا؟
ـ بعضهم مات، كما قال الشاعر البياتي، وبعضهم خان ضياء القمر
الطالع في البسفور بعد الليلة الأولى، وبعضهم مازال يرحل في الأشعار والخمرة
والصلاة. بعضهم باع كتبه من
أجل الرغيف. بعضهم باع شرفه من أجل
بطاقة سفر. بعضهم مات ذلا على رصيف بعيد. بعضهم مازال ينتظر نهاية الحكاية، بزوغ
الأمل، شروق الشمس، أو مطرا يفضح الأصباغ والوجوه، ولادة جيل غضب . لكن لا أحد أو
شيء أو علامة في الأفق عدا القطيع والازدحام والعقم والشحوب. أنتم، لو عدتم يا
سيدي اليوم، لما وجدتم أحدا يعرفكم أو يحتفل بكم .لم يسفر دمكم إلا عن خواء وخدعة
ومحتلين وللأمانة عن حفنة آمال خضراء صغيرة تكافح للخروج من تحت الصخر.
الشبح: هؤلاء هم الأمل. عليهم نراهن. ذكرت لي الشاعر
البياتي. أين هو الآن؟
ـ مات في دمشق.
الشبح: وبلندي الحيدري؟
ـ مات في لندن؟
الشبح: وزكي خيري؟
ـ مات في استوكهولم.
الشبح: وسعدي يوسف؟
ـ مازال معنا يواصل المنفى والبكاء والمطر والنزيف والأمل. كنت
أريد أن أسألك عن هذه الضجة القادمة منك؟
الشبح: هؤلاء شهداء الثورات، الانتفاضات، السجون، المنافي،
الحروب، قتلى الخيانة، التقارير، الوشاية...الخ.. إنهم يبكون الليلة.
ـ على أي شيء؟
الشبح: على ما صلت إليه الامور. على العمر الضائع. على
الموت الرخيص.
ـ وماذا يريدون؟
الشبح: عريضة إلى زعماء الحكم الجدد في بغداد .
ـ هل عندكم ورق في الآخرة ؟
الشبح:لا. عندنا نعل قديمة مهربة معنا من زمن نقرة السلمان
سنكتب عليها عريضة احتجاج.
16
الخطوط الخلفية للدكتاتورية
لم تكن الدكتاتورية في أي يوم من الأيام مجرد طاغية أو كرسي،
بل كانت على مر الأزمنة تعكس ثقافة مشوهة وأقصى حالة احتقان سياسي واجتماعي
واقتصادي ونفسي وهي تعبير عن وضعية مأزومة وجدت في شخص واحد نافذة للمرور أو شرفة
للظهور. فالدكتاتور بهذا المعنى ليس فردا، بل هو عبارة عن تاريخ مغلق ومسدود
وثقافة مأزومة وسلوك وضيع.
لم يكن ميشيل عفلق في أي يوم من الأيام مفكرا بالمعنى العميق
والواسع للمفكر كمنتج للأفكار والرموز والمعاني. فقاموسه لا يتجاوز كلمات معروفة
مدرسية إنشائية سطحية استهلكها الفكر الغربي الديني في عصور النهضة مثل الأمة،
شمس، وخير وعطاء، وفجر يشرق، وقيامة، ونهوض، وحركة، وتاريخ الخ.
وهذا القاموس لم يقنع ثورا أو بدويا في صحراء أو حتى نصف
متعلم، ولو استمرت الأمور على هذه الأفكار الساذجة والتافهة لما وصلت الأحوال إلى
هذا الوضع المأساوي.إن كل كتب عفلق غير كافية لتحويل قط إلى سياسي.لكن خطورة الفكر
العفلقي ليس في ما كتبه هذا الرجل الذي هو خليط من الصوفي والقومي والمحتال وشبه
المفكر، بل خطورته في سلوك"
القديس" الزائف الذي كان ينصبه للناس، خطورته في ما لم يقله علنا، أو ما لم
يصرح به، أو ما سكت عنه، وتركه مفتوحا لمن هم بعده في المسؤولية الحزبية في تفسيره
والعمل به.
عفالقة الفعل، ومنهم الطاغية العراقي، حفنة من تجمع صفات وقيم
دونية تقوم على فكرة ان الوطن، الثورة، التغيير، لا يتأسس إلا بالسطو والنهب
والاستحواذ والحيازة والملكية وفكر المصادرة. وعفالقة اليوم ليسوا بالضرورة من
اتباع عفلق بل من مدرسته ومدرسة طاغيته التي صارت عقيدة من لا عقيدة لهم. فلماذا نستغرب أن يسرق الوطن الان ويباع
في المزاد؟
ليس بالضرورة أن يكون هؤلاء من حزب السلطة بل هؤلاء يتواجدون في كل مكان وليس مهما
الطريقة التي يصفون بها انفسهم . لا يصبح الانسان معارضا لأنه يصف نفسه على هذه
الصورة بل الافعال هي التي تحدد.
يمكن التعرف على اصدقاء
الطاغية في الداخل والخارج لأنهم يحملون نفس علامة المصنع: اصحاب ملكية الحقيقة
والتاريخ والوطنية والشرف وخبراء الردح
وذهنية التشهير وعقلية البيع والشراء رغم كل محاولات التستر على العورة في
الفترة الأخيرة والايحاء للناس بانهم غيروا سلوكهم وصاروا يهتمون (بالمأزق العراقي
الجديد) لكن بعد فوات الأوان وسبق السيف العذل لأن شرف الانسان كقدح الماء لا يرد
من الأرض ان انسكب وهؤلاء تعرف عليهم جمهور الثقافة في العراق مبكرا عن طريق
الانترنت من حسن الحظ وصدموا بهذه العقول التي كانوا يتصورونها حكرا على نماذج
سلطوية ، فلقد سئم الشعب العراقي من خسة مرضى عقدة الشعور بالدونية التي تبحث عن
توازن داخلي من خلال شيطنة الآخر ورسم صورة بشعة له لتجميل صورهم المشوهة ولا أدري
لماذا يختار هؤلاء السياسة أو الثقافة مهنة لهم مع ان في الحياة مهنا لا حصر لها؟
كانت النخب العراقية
المحاصرة في الداخل تنتظر خبرات النخب في الخارج في السياسة والثقافة والمعرفة
فدهشوا من نماذج وقحة أمية بليدة تكتب بلغة كلبية افتراسية شرسة على طريقة المجلات
الخليعة. كمثال على ذلك: انا في حالة اتصال طيب بأصدقاء وزملاء في الداخل وقد لفت
نظري أنهم أكثر تقبلا وتفهما للرأي الآخر وأكثر صبرا على الاختلاف وأفضل استعدادا
لادارة حوار سياسي ثقافي متوازن مما كنا نتصور وان هناك نقاشات بناءة مع كل
الأطياف يجري يوميا على صفحات الجرائد في مناخ من التفاهم رغم تدهور الأوضاع وهذا
أمر كان موجودا حتى في زمن الفاشية في الجلسات الخاصة.
ان شرائح واسعة من النخب الثقافية لم تندمج كلها في النظام السياسي السابق وحافظت على نقاء طيب
في أحلك الظروف لذلك لا يجوز دمج الجميع كتابا وشعراءً ومثقفين في خانة واحدة.
هؤلاء ليسوا صنفا واحدا بل هم عبارة عن أطياف مختلفة تماما.
إن الذين اجبروا على الحرب أو اجبروا على الكلام أو الكتابة
تحت التهديد بالموت والغرف والرطبة والاعدام ليسوا هم الذين أجبروهم على ذلك. لا
يجوز كما يقول فوكو ( محاسبة الناس على أقوال أو كلمات أجبروا عليها، أو على صمت
فرض عليهم). بل هؤلاء ضحايا ومن حقهم مقاضاة جلاديهم.
من عدم الانصاف وضع الجميع
في سلة واحدة. للأمانة كانت المؤسسة الثقافية العراقية حتى في الزمن البربري تضم
نخبا من الكتاب والشعراء والفنانين الشرفاء والطيبين الذين كانوا في المؤسسة
وخارجها في آن وكان كثيرون منهم قد قدموا لنا خدمات كثيرة مثل نقل رسائلنا من وإلى
أسرنا في جو مغامرة قد تطيح بحياتهم حيث النظام يعاني من انفصام مع شبعه ونخبه،
وكانوا يموتون كل لحظة حين يرون مقالاتهم تحور وتشوه عند النشر من قبل هذا المسؤول
أو ذاك ومن هو الذي يعترض؟ طبعا هناك حفنة مرتزقة محترفة وهؤلاء حسابهم مختلف.
شكل الكتاب
الشرفاء في الداخل اليوم البنية التحتية مع زملاء واخوة لهم في الخارج من أجل خلق
تقاليد ثقافية وطنية جديدة على أنقاض جثث وويلات وخراب قرون. من مفارقات العقل
العراقي والحالة العراقية المليئة بكل أنواع الغرائب أن نخب الخارج هي الأقل
استعداد لقبول الاختلاف، وهذا راجع في نظري الى ان نار الفاشية كانت المطهر من
كثير من التشوهات وأنهم فعلا مصممون على أن لا يحدث ذلك ثانية، في حين تحاول نخب هزيلة أن تصدر سلعها ومشاكلها السامة إلى الوطن كبديل عن فكر ناضج او ابداع حقيقي علما ان الوطن يحترق وينهب
علنا.
العراق، في نظر هؤلاء، ليس وطنا بل عقارا، والمواطن فيه ليس
مواطنا، بل راعيا، ونحن لسنا شركاء معهم في الأرض بل أجراء، والوطن في تصورهم:ـ ملكية عقارية.ـ ملكية حزبية.ـ
ملكية شخصية.ـ ملكية عائلية.ـ ملكية تاريخية.ـ ملكية عقائدية. بهذا المعنى فإن
ميشيل عفلق ليس شخصا فحسب، وكذلك الطاغية، بل هو أو هما، وجهة نظر، وأسلوب عمل،
وطريقة تفكير، ورؤية في السياسة والسلطة والقانون والحياة والقمع. إنهم حفنة من
قيم منحطة وهذه موجودة هنا وهناك.
المعارضة ليست صبغا أو زيا أو قناعا بحيث ان من يرتديه صار وطنيا ومعارضا ومعاديا
للطاغية، بل المعارضة صفة تكتسب بالفعل والسلوك والفكر المنتج ، وليست وراثة أو
بطاقة طائرة أو نزهة.
الفكر العفلقي، بهذا المعنى، ليس هو المرتبط فكريا أو حزبيا،
بميشيل عفلق نفسه، بل هو فكر يضع الوطن كـ: ـ كعقار.ـ ملكية شخصية.ـ عائلية.ـ
حزبية.ـ عقائدية.ـ تاريخية. أي
عقلية الحيازة.
على هذا الاساس فإن
نهاية الدكتاتور لا تعني قطعا نهاية الثقافة الفاشية أو الرؤية العفلقية،
رؤية الحيازة، والعقار، والملكية الخاصة، للوطن والناس والثروة والحكم، بل يعني
غياب أحد نماذجها لا أكثر ولا أقل.
موت الدكتاتور العقلي والتاريخي والمعرفي هو في أحداث قطيعة
بنيوية فكرية معه وهذا لن يحصل قريبا.فهذه الرؤية(رؤية الحيازة والعقار والملكية
الوطنية) موجودة اليوم في تقاليد الأحزاب، وفي التقليد اليومي السياسي الذي يصادر
ويعاقب ويلغي ويؤرخ ويحذف ويشهر ويدمج من يشاء بناء على قانون الرؤية الخاصة،
القائمة على الحيازة:ـ حيازة الوطن.ـ حيازة الحقيقة.ـ حيازة الشرف.ـ حيازة الأرض.ـ
حيازة الثروة.فإذا كانت بعض أحزاب اليسار تدعي ملكية التاريخ والحقيقة، فإن الأحزاب
الدينية تدعي ملكية الدنيا والآخرة.نحن،إذن،بين مصادرتين: ـ إما أن نكون مصادرين من التاريخ.
ـ أو نكون مصادرين من الغيب.
أي أننا، في الحالتين، لسنا مواطنين، بل رعايا، ولسنا شركاء في
أرض أو وطن، بل أجراء أو مخطوفين إلى حقيقة تاريخية مشكوك فيها وغير مؤكدة، أو إلى
غيب غامض وسرابي.نحن أقرب إلى الشيء منا إلى البشر.وفي فكر المصادرة والاختطاف
يجلس ، متربعا، فكر الحيازة أو الملكية أو العقار، أي الفكر العفلقي.
ليس موت الطاغية هو الحل فحسب، بل الحل هو التخلص من فكر وهوس ملكية الوطن والتاريخ والحقيقة والناس والغيب والثروة
والسياسة والشرف والوطنية، وفي غياب القانون، وموت حس العدالة، وفي الارتجال،
والسطحية، وهو مرض لا يقل خطورة عن هوس الحرائق.
بدون مجتمع محصن صحي نظيف ومحمي بالقانون والرصانة والجدية
ومؤسسات وقائية وبرلمان وصحافة حرة مسؤولة ، بدون ذلك فإن حجرة صغيرة ستكسر
الزجاج.. ليس لأن الحجرة قوية بل لأن الزجاج هش.
17
الزعيم الغائب
كلام جنرال أمريكي عن غياب الزعيم القوي في العراق في هذه المرحلة، وعلى نحو خاص،
الزعيم على النموذج الافغاني، يعكس بعض أهداف الحرب الأخيرة.فهؤلاء ما زلوا
يتحدثون عن الرجل القوي، وصاحب القبضة الحديدية، والذي يختصر الوطن بالثكنة وقد
جربوا هذا النموذج في تشيلي والفلبين واندونيسيا وكوريا وفيتنام وفي دول أخرى بما في ذلك دول العالم
العربي، بل وحتى في العراق، ونجح هذا النموذج في إلغاء الدولة والناس والقانون.
إن غياب الزعيم العراقي في هذه الحقبة الصعبة هو بالضبط علامة
العافية الوحيدة في هذا الدخان والفوضى والموت، فالعراق لم يعد يحتاج إلى(الرجل
القوي) بل يحتاج إلى حكم المؤسسة
والشورى والبرلمان والأحزاب والقانون. غياب هذا الزعيم بعد مرحلة طويلة من
حكم(الرجل القوي)،هو ظاهرة سياسية صحية إذا لم تنتج هذه الأحزاب اليوم جنرالات في
السياسة يمارسون داخل أحزابهم( موظفيهم أو رعاياهم) نفس دور رجل السلطة القوي.إن
الرجل القوي مفهوم بائد ومتخلف وينتمي إلى عصور الخلاص الفردي والظلم والاستحواذ
وغياب القانون وموت الحكم الجماعي وسيطرة الزعيم الواحد.
ليس في هذا العصر من ينتظر الزعيم المنقذ، لا في العالم
العربي، ولا في العالم الثالث، ولا في مكان آخر، بل ان الجميع في حالة انتظار
حكم المؤسسة.
حكاية الزعيم القوي لم تعد مسلية حتى للأطفال قبل النوم، لكنها
قد تكون مسلية لجنرال عجوز وجد في نهاية خدمة طويلة في صناعة الدمى وأوراق اللعب
ان صورة واحدة غائبة لزعيم مفقود في وطن دمره زعماء أقوياء وجبناء.
18
السجن والطبقة والجنس
إن مفاهيم الذات والسلطة
والحقيقة والمعرفة والجنس والطبقة والحرية والآخر وغيرها تنعكس وتتجسد في نظام
السجن عامة ومؤسسة السجن الآسيوية خاصة. فكل ما هو خارج الأسوار يحضر داخلها على
نحو مباشر أو غير مباشر.ومؤسسة السجن الآسيوية لا تحاول كما هو الأمر في
غيرها(الأوروبية مثلا) أن تموه أو تستر نفسها لأنها من العري بحيث لا تُستر بكل
أنواع الأغطية والمساحيق والأصباغ.
قراءتنا هنا لهذه المؤسسة لا تقوم على البحث النظري الأكاديمي
البحت، بل على تجربة معاشة طويلة ومريرة تنظر إلى السجن من داخله بكل ما فيه من
قسوة وتراتبية وظلم وعالم معقد من العلاقات بين السجناء الذين يؤسسون عالما خاصا
وسريا تحكمه قوانين خاصة داخل السجن العام وله قوة الإلزام والتطبيق.وسيكون
سجن" كويتة" الباكستاني الواقع ضمن حدود إقليم بلوجستان هو المكان الذي تدور حوله هذه القراءة التي
هي محاولة لتفكيك نظام السجن الآسيوي.
هذا السجن ملخص آسيوي لكل علاقات وسياسات وقوانين وتقاليد هذه
القارة الشاحبة الضاجة بالشرطة والإرهاب والتفاوت وميثولوجيا يومية يتجاور فيها
الموتى والأحياء في جوار لا مثيل له في
مكان آخر في العالم إلا أفريقيا.
علقتُ في هذا السجن بعد عبور الحدود الإيرانية/ الباكستانية
منتصف كانون الثاني سنة 89 مشيا على الأقدام وبلا أوراق كمهاجر غير شرعي قادم من
سجون إيران بحثا عن أرض أخرى تمنحنا الحرية والخبز والجواز والأمل، بعد أن هربت من
سجون وحروب الدكتاتور. ثلاث حدود مشيا على الأقدام بحثا عن الحرية ولا تزال بعيدة.لكن "كويتة"
ليس سجنا، بل هو صورة مصغرة لنمط الحياة الآسيوي بكل ما فيه من قوى وتقاليد وطبقات
وعالم يلتقي فيه الديني والسياسي والاقتصادي والروحي في جوار وتعايش وعلاقة تبادلية في غاية الصرامة.
كان هذا السجن يمثل قلعة قديمة يعود تاريخها، كما هو مكتوب على
بوابة السجن، إلى جانب صور محفورة لآلهة ووحوش زمجرت في وجوهنا عبر الحجر ولم نكن
نحتاج إلى هذا الرعب الإضافي، إلى ثلاثينات القرن العشرين ومن المؤكد في الحقبة الاستعمارية الإنكليزية لأن كثيرا
من أنظمة العمل والقوانين والعادات هي إنكليزية الطابع بما في ذلك طرق الاستيقاظ
والنوم والطعام والمراجعة ونظام الحراسة والأبراج والهندسة المعمارية التي تعكس
القوانين الاجتماعية والطبقية القائمة على نظام العزل بين السجين وبين عالمه
الخارجي أولا، وبين السجين وبين الإدارة ثانيا، وبين الإدارة وبين الحراس ثالثا،
وبين الحراس وبعضهم رابعا، وبين كل هذه النماذج وبين بعضها خامسا وعاشرا، بما في
ذلك عزل السجناء عن بعضهم حسب المرتبة والموقع والهوية، ثم وهو الأخطر كما في أي
سجن عزل السجين عن ذاته.
من الصعب في هذا السجن فصل عالم الحراس والشرطة عن عالم
السجناء لأن الحراس يقضون حتى أوقات راحتهم أو أجازاتهم بين السجناء وكثيرا ما
رأيت "ماما عزيز" رئيس عرفاء الشرطة يصطحب أطفاله معه إلى السجن في
أوقات فراغه أو عطلته.
إن عالم الحراس الخارجي مفرغ من المعنى وهم بدون سلطة السجن لا
قيمة اجتماعية لهم. إنهم سجناء أبديون. وبهذه الميزة يشتركون مع السجناء بوعي أو
دون وعي .في الوقت الذي يبحث فيه
الشرطة عن مخدرات عند السجين الجديد، إلا أنهم في الليل يقومون ببيعها للسجناء. بل
ان بعض الشرطة يبيعون أجسادهم للسجين مقابل مال كما يفعل السجين الفقير أو المنبوذ
حين يبيع جسده هو الآخر لأنه لا يملك غيره. كرنفال محزن تختلط فيه صور الضحايا
العلنيين، شرطة وسجناء، مع الجلادين السريين والمكشوفين في مؤسسات الحكم والقضاء
والمال.
ليست صدفة أن يتواجد في هذا السجن في هذه الحقبة سجناء من عدة
دول آسيوية يمثلون شرائح اجتماعية وهويات إنسانية وسياسية مختلفة: فمن الأفغاني
الشيوعي المقبوض عليه لسبب أو آخر، إلى الأفغاني الاسلامي، ومن الإيراني الملكي
إلى الإيراني الجمهوري، ومن العراقي الشيوعي،القومي، المستقل، الشرطي،المنحرف، الجندي، العربي، الكردي، والتركاني(تحدثت
عن ذلك في سيرتي الروائية الذاتية "الأعزل" الصادرة عن دار بيركمان
النرويجية عام 2001) الى اللص والمجرم والبريء طبعا.
كل صراعات هؤلاء في الخارج
تجد صداها في الداخل وأحيانا على شكل معارك دامية تتدخل فيها الشرطة لإنقاذ
السجناء السياسيين أو غيرهم من حوار الدم والتنكيل. وكما في الخارج، يوجد في السجن
أنظمة عقاب خارج سلطة الإدارة وهي:النبذ، الضرب، حرمان من علاقات أو صداقات،
كراهية ونفور، الصمت، طرد السجين إلى قاعة أو غرفة أخرى...الخ...
يقوم نظام السجن على تصنيف هؤلاء السجناء حسب البلد أولا، ثم
الدين ثانيا، ثم الهوية السجنية ثالثا (مجرم، سياسي، لص، مخدرات) ورابعا موقعه
الطبقي أو الاجتماعي وقد تتصدر صفة على أخرى، وأحيانا يتقدم الوضع الاجتماعي على
السياسي، أو يتقدم هذا على الديني...الخ..
إن المرتبة والموقع والمكانة في هذا السجن، الملخص لصورة آسيا،
يحددها في الغالب الموقع الاقتصادي للسجين. فهذا الموقع هو الذي يرسم الحدود
الأخرى الفاصلة ويخلق مستعمرة طبقية إقطاعية تتمتع بنفس نظام الامتيازات خارج
السجن.في هذا السجن يمكن تصنيف الأفراد حسب المكانة الاقتصادية والمنزلة
الاجتماعية والسياسية والجنائية على هذا النحو:
أولا: فئة سجناء أبناء البلد وهؤلاء أصناف بعضهم من الشرائح
المتعلمة والوسطى من تجار ومحامين ومعلمين الخ، وهم يشكلون نسبة ضئيلة جدا لكنها
تتحكم بالنظام السجني كله من خلف ستار وتتمتع بحقوق وامتيازات إضافية حتى في
السجن. ثانيا: وبعضهم الآخر أو الغالبية هم من
الشرائح الفقيرة أو المنبوذة أو المهمشة وهؤلاء سيجدون حتى داخل السجن علاقات
القوة والسيطرة ونظام الخضوع للسجن
وهيمنة قوانين الملكية والجاه والنفوذ. ثالثا:
فئة من السجناء السياسيين الفارين من دول مجاورة وكنا نصنف حسب قوانين السجن على اننا منهم، وفئة
سجنية تقضي أحكاما لجرائم مختلفة من دول محيطة أو أخرى، وشرائح تشكل خليطا من
السجناء وتتعدد الأسباب. رابعا: فئة من
القتلة، وباعة المخدرات، والمهربين..الخ.
داخل هذه القلعة الشاحبة والحجرية (القارة الصغيرة) يتعايش،
حسب نظام صارم، مكتوب أو عرفي، عالم ضخم من البشر والعلاقات والهويات والأواصر
والأفعال العلنية أو السرية.
إن محاميا باكستانيا من أبناء البلد موجود في هذا السجن كقاتل
ويقضي عقوبة سجن طويلة في وسعه الخروج من السجن في النهار والذهاب إلى المحاكم
وتصريف أعماله والدفاع عن موكليه بكل حرية ثم العودة إلى السجن في المساء والنوم
في غرفة خاصة لوحده.سألته مرة عن سبب تواجده في السجن، فكان رده ضاحكا:ـ قتلت موكلي.سألته منبهرا:ـ كيف؟ لم
أفهم؟أجاب باللهجة المرحة نفسها:ـ أنقذته من سجن خمس سنوات لكنه لم يدفع لي أتعابي
فقتلته. قلت له: ـ كان يجب ألا تنقذه من السجن.
وكما تهدم قوة النقود علاقات وأسوار الخارج، تفعل ذلك في
السجن، وليس مهما أن يكون السجين في هذه الحالة مواطنا أو هاربا، لأن النقود لا
وطن حقا. إن السجين الفقير، سواء كان سياسيا أو لصا أو قاتلا أو مهربا، عليه أن
يجد شيئا يقدمه مقابل الحصول على شرعية الوجود الآخر، غير وجوده كسجين لأن هذا
مضمون، والمقصود أن عليه أن يحقق شرعيته كإنسان وليس حشرة يسحقها نظام السجن.
إن السجين المهمش والمضطهد عليه أن يقدم خدمات من نوع ما مقابل
أتعاب تساعده على نظام التبادل من بيع وشراء واستهلاك، وبما أن المهمش والفقير ليس
عنده ما يبيعه للآخرين وهم عادة من الأثرياء أو الأقوياء من أجل المال أو الحماية
أو بدافع الخوف، فإنه يبيع خدماته لهم: تنظيف،كنس غرف، شراء حاجيات،طبخ، تجسس للإدارة، تسلية وتدخل فيها تقديم
الجسد كسلعة لأن بعض هؤلاء ليس لديهم ما يبيعونه في هذا السجن أو السوق المغلق أو
النظام السياسي المختصر غير الجسد.في أقفاص القرود، يستدير القرد الضعيف الخائف
بمؤخرته للقرد القوي سيد القفص ويحل المأزق. يجسد الاستغلال الجنسي في هذه الحالة أقسى صور البشاعة
والجريمة والتراتبية الاجتماعية، ولعله من أغرب الظواهر التي رأيتها في السجن ان هذا الاستغلال يقع على
فئات محرومة ومضطهدة ومهمشة هي
الأخرى.كل جرائم العقل السياسي تنعكس في العقل الجنسي.ليس الاضطهاد قائما في
علاقات الأثرياء والمهمشين والمعوزين والعزل فحسب، بل بين المحرومين أنفسهم. وهو
اضطهاد يتسم بقسوة استثنائية لأن فيه رغبة داخلية في التفريغ وتنفيس الحصر. لكن ما هو مثير وملفت للنظر أن هذه
العلاقات الجنسية المثلية بين الضحايا أنفسهم تتسم، وهنا الغرابة، بنوع من العاطفة
أو الحب المثلي الذي يصل أحيانا إلى مرتبة مبالغ فيها وتصل إلى مستوى العراك
والأزمة النفسية والقتل.
لكن مثل هذا الأمر لا يحصل بين غني وبين مهمش أو فقير. لا يسمح
الحيز الطبقي ببناء علاقات أو مساحات غرام بين الفقراء والأغنياء حتى داخل السجن،
لكن هذا الحيز يسمح، كما هو الأمر خارج السجن، بعلاقة تتأسس على الاستغلال والمتعة
والفوقية.
إن أكثر النماذج عرضة للاستغلال الجنسي، وحتى الاغتصاب(كأن
اغتصاب خارج السجن لا يكفي) هم الفقراء حتى من بين الفارين من دول بوليسية
قمعية.(حدثني قادمون من مخيم رفحا السعودي
عن حالات اغتصاب وقتل بين
الضحايا الفارين!). وربما يكون
الأمر مفارقة حزينة أو ساخرة في آن واحد أن هذا الهارب من مؤسسة القمع بحثا عن
الحرية يجد في السجن عقابه على يد مؤسسة أخرى عقابية مضللة.
إن المشرد والمتسول والمهرب والسياسي الفقير وأمثالهم يجدون
أنفسهم في مستعمرة العقاب هذه في
مواجهة مكثفة لعالم سحقهم في الخارج
وفي داخل السجن.هذه الصور تطرح مسألة معنى العقاب الأخلاقي للسجن الذي يقول عنه
ميشل فوكو في " دروس ميشيل فوكو" إن مزيته هي إنتاج الانحراف وهو جزء من
ممارسة السلطة على الأجساد التي هي عنصر من فيزياء السلطة.كيف يمكن لسلطة لا
أخلاقية أن "تعاقب" أو تربي ضحاياها وهي تعمل حتى في السجن على تقويض ما
تبقى لهم من آدمية؟
وجدت من خلال تجربة مرّة أن نظام السجن الباكستاني أفضل، على
وحشيته، من نظام السجن العراقي، لأن هذا الأخير يقوم على تحويل السجين إلى حشرة
منذ اللحظة الأولى ولا تنفع معه القيمة الاجتماعية أو الثقافية أو المالية أو السياسية
للسجين، بل يسحق من لحظة وصوله، وتغلق في وجهه كل أشكال الاحتجاجات الأخرى الموجودة في أشد السجون
قسوة وقذارة وهو مهدد إما بالموت أو التدجين أو الإذلال.
إذا كان السجن الباكستاني ينزع من الفرد ملكيته لجسده، فإن
السجن العراقي ينزع منه روحه وموقفه وذاكرته وهويته ولا يكتفي بالجسد، ومن يرفض،
إذا كان قادرا على رفض شروط السجن العراقي، فسيتحول إلى جثة أو عاهة. إن نظام
السجن العراقي الفاشي هو نظام مافيوي. وعلاقة السجين لا تنتهي بالخروج منه، إذا
خرج، بل يتبعونه في كل مكان بالوشاية والتشهير والتهم الملفقة كعقاب على صلابة
ضميره. وهذه تقنية بوليسية معروفة في الدول القمعية.
في السجون الإيرانية يتم تحويل السجين العراقي الهارب إلى
إيران إلى عورة من خلال مؤسسة آخروية دينية طقوسية تقوم بمحاولة انتزاع ليس هويته
الفردية وثقافته الخاصة فحسب، بل نزع جوهر آدميته عبر طقوس خارج دينية، ودخيلة،
وزيارات إلى مقابر بعد منتصف الليل، وعمليات غسل دماغ منهجية.مرة كنا، في واحدة من
هذه الطقوس الرهيبة بعد منتصف الليل ، في مقبرة" بهشت زهراء" أي جنة
الزهراء في سجن في إقليم الأهواز حين
اندفع نحونا حصان في جبهته غرة
بيضاء، فاندلق كل المخزون الميثولوجي في الذاكرة وتحت الشعور والأساطير الشائعة عن
خيول المقابر التي في جبهتها غرة
بيضاء.كانت لحظات رأيت فيها عمق محنة إنسانية عميقة على وجوه هؤلاء الضحايا الذين
وجدوا أنفسهم في مقبرة ليلية بدل حلم الحرية الذي قادهم إلى هذه الأمكنة التي لا
حياة فيها أو شيء يتحرك غير خيول بعد منتصف الليل.
وكان أمرا طريفا أن ألتقي ببعضهم بعد سنوات في مرقص نرويجي
صاخب بالموسيقى والجمال الاسكندنافي المطمئن في إثارته. كان تانغو هذه المرة على
وقع حوافر خيل أخرى مستثارة مغوية تفك المصلوب على قول سجين هو زبون على بعض سجون
آسيا الشاحبة والجميلة.
19
الجيل الثلاثيني ومرض الزعامة
من كان يقرأ مسامير السيد جاسم المطير قبل الحرب وخلال فترة
الاعداد لها، كان يلمس يوميا الجحيم الذي كان يصبه على رؤوس الذين لم يحبوا أن
تحتل بلادهم بحجة طاغية ارعن لأن العراق عنوان كبير وضخم وأكبر بما لا يقاس من وحش
جبان عاف قصره وعائلته في النهاية وهرب.
لم يكن المطير يعرض
ـ لا أقول يطرح بعد نصيحة من المرحوم الشاعر الحصيري ـ وجهة نظر ولا يناقش
فكرة، بل كان حرفيا يرقص لرحيل الطائرات وقاذفات الموت وهي في الطريق الى الوطن
مثله مثل أبناء جيله الجيل الثلاثيني اليساري،
الجيل الذي ولد في عام ولادة الطاغية في
الثلاثينات وتلك مفارقة تحتاج الى مؤسسة دراسات كي تستخرج العبر والرموز
والتجارب التي انتهى اليها هؤلاء جميعا. هذا الجيل الثلاثيني ـ أو نخبته السياسية
اليسارية ـ عاش تقلبات وتحولات متناقضة لكن يتم تبريرها في كل حقبة. والمطير واحد
من هؤلاء الذين حلموا بعراق سعيد ونظيف وجميل وراق وعادل ومدهش لنا ولأطفالنا. لكن
مشكلته هي في الاسلوب وهي مثل مشكلة أقرانه الذين تفرقت بينهم السبل بين قتيل
وهارب وشهيد وزمار يبحث عن دور في
أسواق عكاظ الجديدة حيث لا أحد يشتري الماء اليوم في (حارة السقايين) فهناك جموع
من المثقفين والسياسيين الراجلين والراكبين والجالسين ليل نهار في انتظار
(الفَرِج)السياسي.
ليست المشكلة في حلم المطير، ولا في نوع الوسادة وهي لا شك من
الحرير النظيف، ولا في طريقة النوم، وأنا لا اظنه ينام على طريقة الأبالسة، بل
المشكلة هي اسلوب الحلم. ولا أحد يلوم المطير أو يحق له أن يلوم غيره على حلم
فردي، لكن حين يصبح هذا الحلم حفلة جلد، ومختبر دواجن للجماهير في كل حقبة، يصبح ارهابا وبيعا وشراءً ومزايدة،
ولا أحب أن أقول خيانة وأنا شخصيا معجب بحياة وتجارب المطير وان كانت انتهت جميعا
الى نهايات ماساوية من حلم الثوري المسلح، إلى حلم الروائي ، القاص، وإلى صاحب محل
لبيع المسامير التي انتهت إلى مسامير في تابوت الوطن والمستقبل كما تقول مساميره الجديدة بعد
الخيبة، وهي لغة لنا معها خبرة طويلة في نهاية كل مأساة.
من يطلع على مسامير المطير الجديدة يعجب من القدرة، ليست قدرته
وحده، بل قدرة جيله الثلاثيني، على سرعة تغيير
الادوار والاستدارة مع أن دماء الناس لم تنشف من الشوارع وهي تسيل كل لحظة. إن
مساميره هذه الايام تدق خيبة وحزنا وأسفا إلى ما انتهت اليه الامور، ليس امور الوطن فحسب، والمطير يحب وطنه لاشك
مثل أي صرصور أو خروف أو سنونوة أو
نملة تعتز بثقبها، وأعطاه الكثير من الحب والذل والعرق، بل هو يرثي ما انتهت اليه أموره هو حين سافر باكرا
الى الوطن من اجل دور وهذا حق وشرف ولكنه انتهى خائبا (مخروعا) وصدم بما رأى فلم
يجد الدور ولا وجد الوطن، فعاد لكي يخترع وطنا بديلا يعيش فيه الباقي من الأمل.
بدل أن يراجع نفسه وأدواته ويعتذر للجماهير أو حقول الدواجن
التي مارس هو وجيله الثلاثيني كل الأدوار عليها، وذبحوها ودمروا قراها في برامجهم
التي لا نهاية لها، وأشبعوها ذلا وعذابا، إلا أنه نسى ـ هو العارف جيدا اننا شعب
بلا ذاكرة ـ دوره في هذه الخاتمة الملهاة.
من حقه أن ينسى، بل هو حقه المقدس أن ينسى، أو يتناسى، لأنه من
سلالة مارست كل أنواع الموت على هذا الوطن دون ان يجرؤ أحد أن يقول لها على عينك
حاجب فلا أحد يغامر بحفلة عري تقام له في كل مكان ويكون هو المخلوق الوحيد الذي لا
يعلم.
اذا كان المطير نموذجا،
فهو ليس الوحيد الذي عاش تقلب الادوار والأحلام ومختبرات الفئران وأدخلوا الجماهير
إلى حقول الدواجن وراحوا في كل حقبة يجربون عليها: فإن أخطأوا وتشرد الناس،
وانتهكت اعراض، وخربت بيوت، تسللوا من النوافذ أو الأبواب الخلفية وظهروا في
النهاية القصوى للأرض بصفة مناضلين ثورين على جماهير تحولت الى جثث.
ولو كان هؤلاء في أي بلد آخر، حتى ماليزيا، مثلا، أو المكسيك،
ولا نقول في السويد، لسيقوا إلى محاكم عادلة كي يواجهوا ضحاياهم الذين دفعوا ثمن
الارتجال والنزق والصبيانية والعمى العقلي والتخلف السياسي والأمية الفكرية.ولو
كانت هذه الأخطاء بلا دم ولا اهدار ثروة لقلنا عفا الله عما سلف، لكن جيل المطير
في كل حقبة له برنامج ورؤية وتصور وفي النهاية يدفعون الناس إلى التهلكة ويفرون
ويصيرون مناضلين في غرف الدخان والعتمة.
ومن بين الرموز أيضا السيد عزيز الحاج كي لا يبدو المطير وحده
في القفص الذي يتسع لنا جميعا حسب الأدوار والمواقف والظروف، فهو توأمه ورفيق
نضاله وصاحب معلقات مثله، ومثل المطير في كل حقبة له مشروع وقضية ومنهج وطريق حتى أننا لم نعد نعرف
بأي رجل نرقص معه ولا مع غيره من المتقاعدين والعاطلين عن العمل والمتخصصين بإنتاج
العطب و إشاعة الوعي المحارب.وليس مفارقة ايضا أن يكون مسؤوله يوما في مشروع
التغيير المسلح، وأن ينتهيا مع الاسف إلى نفس المصير في السجن ويخرجان منه حطاما
وهشيما على أحلام عادلة نظيفة لا شك في ذلك.لكن نظافة الحلم ليست مبررا لدفع
الجموع تموت في الشوارع والمعتقلات ويخرج هؤلاء من المصيدة من خلال مقايضة الجلد
بموقف آخر.
قد يكون الفرار بالجلد حلا فرديا للمواطن العادي الذي لا تكلف
قرارته الناس أثمانا باهظة، لكنه مأزق خطير لرجل الحزب وقائده و"
عضوه" المركزي.
هؤلاء هم صنف من آخر أنماط المثقفين الدعاة. وكنا نعتقد أن
هؤلاء انسحبوا الى الظل من التعب والارهاق والتزحلق على دماء الجماهير لكنهم يظهرون، في نهاية كل حفلة دفن وتاريخ،
ومأتم نقيمه لهم، من صندوق الفرجة بين حرب ومجزرة للقيام بأدوار جديدة لا تليق بهم
من ناحية العمر، ومن ناحية احترام الجموع التي غفرت لهم، حتى نست لفرط طيبتها
(وشعوب غيرها كانت ستحاسبهم بقسوة) كيف انهم دفعوها مرات للتحالف مع الفاشية، ثم
صاروا خدما لها، وانقلبوا عليها،وأعلنوا الكفاح المسلح، ، ثم صاروا من أبطال زمن
التحرير، وانتهى الحلم بولادة فأر، حتى أن أحدهم أحمد النعمان وهو من نفس الجيل أصدر بيان الدراويش بعد كل ذاك
الغرام بالبيان الشيوعي وصار يدافع عن بيانه الجديد بنفس قوة وحمية وشراسة البيان
القديم.
ولكي يضفوا طابع الرصانة والجدية على مواقفهم، ودفعهم الجموع
أو الدواجن في كل حقبة، أو تحويلها إلى حقول تجارب سياسية لمشاريع تجريبية،وبدل
الاعتذار للضحايا(وهو أتفه شيء) أو الصمت في الأقل وحفظ ماء الوجه يلجأون إلى نفس
التقنية التي ادمنوا عليها وهي: اعلان العصيان على النظام الجديد، لا لأنه ليس وطنيا، أو فاشيا، بل لأنه لم يحجز
لهم تذكرة في القطار الجديد.
إنه صراع أدوار واشتباك كلام وليس صراعا عقائديا أو ثقافيا أو
فكريا، على رأي المفكر عبد
الاله بلقزيز وهو يصف هؤلاء في كتابه القيم (نهاية الداعية).لم تعد لهؤلاء شرعية
وجود كما كانت في الخمسينات وحتى نهاية السبعينات لا في الحزب السياسي ولا في
الدولة التي تغولت وصارت غولا. ولو كان يمكن للجموع أن تغفر لهم الأخطاء الكارثية
على أساس أنهم كانوا تحت رحمة سلطة وحشية في الداخل، فكيف يمكن أن تغفر لهم وهم خارج السلطة وخارج الوطن؟
هؤلاء في تلك المراحل المنقرضة كانوا يؤسسون للحزب شرعيته
السياسية في الوسط الجماهيري ويكذبون على الناس من اجل الكسب الحزبي وليس من اجل
الحقيقة فهذه آخر ما يحترمون أو في الأوساط الفكرية الدولية، وكانوا يسوغون برامج
الحزب واخطاء القيادة حتى لو انتهت الى حمام دم كما حصل في كل مراحل بؤسنا في القرن العشرين.
لكن الحزب الثوري والطبقي والتاريخي والاصولي والقومي
والاخواني، على راي بلقزيز كذلك، لم يعد يستمد شرعيته من تسويغ وكتابات هذا المثقف
المهزوم دورا وفكرا وجسدا، بل صار
هذا الحزب في طبعته العلنية الجديدة(بعد تغيير العملة) يستمد هذه الشرعية من
المقاول والتاجر وصاحب المصرف
المتبرع، ومن الجنرال، ومن التحالفات داخلية وخارجية، ومن خانات متواصلة
تقام بعناوين جذابة مراوغة مثل ميزان القوى وعدم تكافؤ المعركة والظرف الحرج
وتفويت الفرصة على الأعداء وهلم جرا والخ والى ما لانهاية .بعض هؤلاء انتهوا خدما
في صحف خليجية وصاروا وشاة لرؤساء
تحرير كانوا يعدونهم أعداء طبقيين قبل ساعات من اليوم.لم تعد في جعبة
المثقف اليساري الحزبي والمهزوم أي
شيء عدا الفراغ والصكوك وكيس التتن وبعضهم لجأ الى الأدب تعويضا عن فشل أو محاولة
بحث عن دور جديد لكنه كما وسخ السياسة وسخ الأدب وبعض هؤلاء لا يحمل إلا البوم الصور القديم عن
الشرطة والسجن يعود إليه، في حنين رمزي عاطفي، كما تعود المهجورة إلى أيام الحجاب
والحج.
لماذا لا يكف هؤلاء عن هذه الأدوار المدمرة ويتركوا الجماهير
تقرر مصيرها وهي أوعى واثقف منهم بلا أدنى شك حيث دفعوها عشرات المرات الى الفتنة
بعد ان خلقوا(وعي الفتنة) من كثرة البرامج والعقائد وعمليات تبديل الجلد لكنها
أثبتت قدرة على ضبط النفس حين تكتشف أن هؤلاء الربابنة هم فزاعات حقول وليسوا
بحارة سفن في العواصف؟
البحار الشريف والشجاع يطلق النار على نفسه لو سبب خطأ واحدا
أدى إلى موت ضحايا، وهؤلاء في كل حقبة يسوقننا إلى مختبرات التجريب لدور جديد كما
لو أننا فئران تجارب، وإلى مجزرة جديدة يخرجون منها في النهاية أبطالا ونخرج منها
خونة أو قتلى أو مغفلين.
ولكي لا يقال أن هذا راينا
نلبسه على هؤلاء المساكين البؤساء لسبب ما أو آخر ، نذهب إلى مثقف ومفكر عربي قرأ
أدوار ونهايات هؤلاء لأنهم ظاهرة عربية وليست حكرا على بلد وليست هي مشكلة شخصية
كما يحب للبعض من هؤلاء أن يتوهم.
بعض هؤلاء، حسب مفكر كتاب(نهاية الداعية) صاروا خدما
(للنفطيين) كما أسلفنا ونسوا اليسار
ومشاكله ونسوا الطبقة وجرذانها، وانخرطوا في نوبة بكاء مرير على التاريخ وصاروا
سلالة جديدة من التائبين عن أي شيء؟ عن الوطنية واليسار والثورة وتخلوا عن "
أوهام!" العروبة والاشتراكية
بعد أن تبين لهم ان الهوية اكذوبة واننا من فصيلة حشرات،وان الصكوك
والمناصب أو انتظارها وحده جعلنا نكتشف أننا كنا عربا بالصدفة أو بالخدعة.
إن فصيلا منهم أدعى أنه من" النبوءيين" وان كل ما
وقع كان واضحا عنده على حيطان البارات وكان يقرأ الممحو في حزب من المغفلين وهو
الديك الوحيد والرائي والاستشرافي والطليعي واليقظ الوحيد في مملكة النائمين على
بطونهم حتى شمس الضحى.بعض هؤلاء" أجّر لسانه" للسلطان أي سلطان جديد حتى
لو كان سلطان احتلال أو سلطان اسطبل أو حقل دواجن أو سلطان الدولة المتغولة لأن
هذه الدولة، كما هو الامر المأساوي مع حزبه التاريخي، هذه الدولة لم تعد تستمد
"شرعيتها" كذلك من دجل المثقف كما هو الامر في السابق بل من القوة
العسكرية، من شرعية العائلة، من الشرعية الدينية فلقد ظهر ان كل هؤلاء الرؤساء هم
من سلالات مقدسة، او من شرعية دستورية مشوهة أو شرعية انتخابات شكلية أو في هذه
الأيام شرعية العدو والخطر الخارجي الى آخر الفزاعة وهي شرعية مقاومة الارهاب.
إنه إذن الافلاس (افلاس دور ولغة) لذلك دخل خطاب هؤلاء(عصر
ترتيل الندامة والتوبة عن كل شيء. كل شيء) أما الذين رفضوا بيع أعراضهم الرمزية ـ
شرف الكلمة ـ رأسمالهم الأخلاقي، فقد انتهوا هم ايضا إلى أنواع: منهم أخذتهم
المصحات العقلية، ومن لم يجن هناك حفلات الردح والوشاية والتخوين وثقافة الافتراس
والكلبية، ومن لم يتب فله المنافي وعليه أن يختار حتى في المنفى منفى وعزلة إضافية
(وصار متهما في العيش في دول الثلج على رأي كاتب) ومن يسبح ضد التيار، مغردا وحده
خارج السرب، مصدقا باحتمال واحد بالمليار أن هذا الوطن وهذه الثقافة وهذه
المرجعيات وهذه النفوس تسمح بوجود ولو برئ واحد أو زهرة واحدة أو حلم نقي واحد فسيجد نفسه في تقاطع نيران وهو
يصرخ مثل راهب رواية(الاخوة الاعداء) لنيكوس كازنتزاكي: المحبة، المحبة.
منذ بدايات القرن الماضي سافرنا مع السياسي العراقي العقائدي
في تحولاته وحروبه الصغيرة والكبيرة وانتهى حلمنا الى خراب.وحين كان يقول لنا اننا
على وشك الوصول للاشتراكية كنا نجد
انفسنا جالسين على الخازوق، سواء في
السجون أو المنافي، واليوم عاش آخر أوهامه المخربة والفتاكة، ولعلها آخر تجاربه على
هذا الشعب ، الفأر، حين استبدل الخازوق بالمسامير بعد أن انهار وهمه ـ لا أقول
حلمه ـ في المحتل عدوه القديم الطبقي والتاريخي والجنسي والفكري والفلسفي والروحي
والنفسي الخ. الخ.إنه الوهم ومواصلة الوهم.ومواصلة الدم وإنتاج العطب.لم لا؟ فهذا الشعب مسكين وذاهل ومطعون
ولا يعرف من يحاسب وعلى أي شيء خاصة وان الرفيق الثوري عاد اليوم إلى الشوارع
والمقاهي والبارات التي هرب منها في زمن الدكتاتور ليروي لجماهير جريحة بطولات
الوهم في ساحات وغى متوهمة تختلط فيها حكايات السياسة بالخبل.
20
العراق نحو الهاوية
لسنا بحاجة إلى شهادة من
أحد تقول ان العراق ينحدر نحو الهاوية، فمثل هذه الشهادة لا تضيف جديدا على ما كنا نعرفه ونقوله منذ
سنوات.ويبدو أن جوقة غناء الفيدرالية لا تقتصر على السيد موفق الربيعي الذي أسند
اليه هذا الدور العلني المبكر في غياب مؤسسات قانونية ودستورية مسؤولة عن تقرير
مصير البلاد والعباد.
إن الذين يتحدثون عن الفيدرالية في الظرف الحرج اليوم يقصدون
تفكيك الكيان الوطني بشعار ملتبس وهو التفاف على وضع معروف، لأن الفيدرالية تحتاج
إلى مقومات تتحكم بها شروط موضوعية
مثل بنية صناعية متينة واقتصاد حر وتعددية حزبية لديها تقاليدها وطبقة سياسية
وثقافة سياسية راسخة وقواعد في العمل السياسي البرلماني ومؤسسات مجتمع مدني وقيم
اجتماعية مستقرة وضمانات عامة للأسرة وصحافة سياسية وثقافية مفتوحة وحريات عامة
وفردية منصوص عليها في دستور وقوانين تضبط السلوك السياسي والاجتماعي والفردي
وخيارات فردية وعامة كثيرة.
الذين يتحدثون في هذه الفوضى العارمة والاحتراب الأهلي
واللادولة عن فيدرالية إنما يريدون حذف الدولة الوطنية بالكامل واختصار الوطن
بطائفة أو قومية أو شريحة وإسقاط مفهوم الدولة الأم، الراعية، لصالح الكيانات. أما
المقارنات السطحية مع أنواع من الفيدراليات الموجودة اليوم في العالم فهو نوع من
إسقاط مفهوم على آخر أو هو نوع من التلبيس القسري للتجارب ونسيان أن الكيانات
الصناعية التي مارست هذه التجربة إنما مارستها بعد أن تأسس كيانها الوطني وترسخت
تقاليدها السياسية ودساتيرها ومنظمات العمل الأهلي فيها.
إن الانتقال الفوري من اللادولة واللاقانون إلى الفيدرالية
يعني بصريح العبارة إعلان حرب على الكيان الوطني العام لأهداف لا علاقة للديمقراطية فيها أبدا، بل هو نوع من التوظيف
السياسي للمفاهيم لأغراض زعزعة الدولة الوطنية الغائبة اصلا، وتعميق للصراعات
العامة المنذرة بكوارث قادمة وتوسيع دائرة الاحتراب.
اليوم تقول الصحف والأخبار والوقائع أن العراق سيقسم إلى تسع
ولايات وكل ولاية تتمتع بالاستقلال الذاتي، وهذا يعني بالعربي الفصيح تحطيم ما
تبقى من الكيان العراقي وتهشيم كل مقومات الدولة الوطنية وإلغاء الهوية وحبس كل
طائفة وشريحة وفرقة داخل طقوسها ورموزها وجلودها. بمعنى أدق تدمير الاندماج الاجتماعي
وتأسيس الوطن، السجن، الغيتو. إنه أحدث أنواع (الابارتيد) العنصري.قبل سنوات كتب
الروائي الروسي المنشق سولجنستين كتابه الشهير(روسيا إلى الهاوية) وسجلت ذلك في
روايتي(سنوات الحريق) توقع موت روسيا بعد سنوات واندثارها هو الذي تنبأ بموت
الامبراطورية السوفيتية (
حيث الليالي الدافئة حلت
محل المياه الدافئة. إنها
امبراطورية الليل.لا أحد يكترث الآن بالثلوج. إنها تهطل بعيدا عن الانظار المنهمكة
في أشياء أخرى)..يقول في النهاية:جربت كل انواع الثلوج. الان أشعر بان ثمة ثلوجا في الجحيم في انتظارنا. يا أخوتي
أرجوكم أن لا تموتوا. ابقوا على هذه الأرض. إن موتانا كثيرون.
21
القاموس الوحشي
يبدو اننا وقعنا في فخاخ كثيرة مصنوعة هذه المرة بمهارة بحيث تبدو هذه الفخاخ جميلة ومبهرة
وزاهية وبريئة. ولا أحد في هذا العصر ينجو من شرك منصوب على يد صياد ماهر يعرف كيف
تفكر طريدة سهلة الهضم ومشتعلة بالحماس والأمل.
أكبر هذه الفخاخ اليوم، بعد الاحتلال، فخ القاموس الجديد الذي
اعد من مراكز قوى ومؤسسات ووكالات استخبارات محترفة حتى صرنا على قناعة عمياء وطمأنينة عجيبة نعتقد اليوم
بأننا أحرار في ما نفكر ونكتب ونتصور ونتخيل،وكل شيء يبدو غائبا، بل يبدو الوطن
نفسه غائبا أو مغيبا أو هاربا من قاموس السياسة بعد أن تحول إلى عدة أوطان أو
أختزل بحفنة مفاهيم، حتى صار(العراق) ليس تاريخا وأرضا وشعبا وحضارة بل فكرة قابلة
للنقاش أو كغزال مطروح على طاولة التشريح.
هناك أصابع خفية هذه المرة أكثر مهارة وخبرة وحكمة ودقة
من السلطة الفاشية التي كانت تلجأ ـ من بين وسائل كثيرة ـ
إلى السحق والقتل المباشر دون أن تغفل طبعا وسائل الهيمنة الأخرى ومنها الوسائل
الاستخباراتية. لقد كان قاموس السلطة الفاشية السياسي والثقافي يقوم على مفردات
وثنائيات تم إنزالها للتداول في( أسواق) اللغة والأعلام بمظهر في غاية(البراءة)
وتم إخفاء المصدر والدوافع للترويج السلعي لأن اللغة، القاموس، سلعة لها سوق ولها
مصدر ووسيلة نقل وكل مواصفات السلعة الأخرى كالسعر والزبون والمعمل والمواصفات
والوزن والفائدة الخ.
من قاموس السلطة الوحشية السابق وهو لا يزال معروضا
ومتداولا ومغروسا في عقول كثير من
الضحايا النائمين هو تحويل مفهوم
الوطن ودمجه مع مفهوم السلطة، بحيث يصبح العداء لهذه عداء لتلك، ومن مفردات ذلك
القاموس الجهنمي هو تحويل مفهوم التمرد السياسي والثقافي إلى مفهوم(للخيانة)
الوطنية، وينتقل بموجب قاموس السلطة
المتمرد، في الوعي العام، إلى مفهوم الخائن، وحسب هذا القاموس يصبح الوطن
هو مزرعة، وعقارا، وقصرا، ورمزا، واسما، حتى يصبح المساس بواحد منها مساسا بالأمن
العام، وعليه تم اختصار القانون العراقي(الغائب أصلا) إلى قانون السلطة وهو في
الحقيقة ليس قانونا ولا هي دولة، بل اقرب إلى نموذج العصابة، وفي تصرفات كثيرة
تفتقر إلى أخلاق العصابة.
هذا القاموس اللغوي الخطير لم يكن حكرا على السلطة وحدها، بل تبناه ضحاياها بوعي أو
دون وعي بسبب التكرار والتماهي وتقليد العدو خاصة أن هذا (العدو) يمتلك وسائل
القهر والفرض والغواية والمال ويستطيع تحويل أفكاره إلى قوانين وقواعد سلوك.
صار، حسب هذا القاموس، من يختلف مع هذه الايديولوجيا أو تلك
النظرية هو الآخر(خائنا) للوطن، أي
وطن القاموس وليس وطن التراب والتاريخ، ليس الوطن الحقيقي، وصار المتمرد على فكر
الابادة متمردا على التاريخ والعرف العام، وتحول حسب قاموس السلطة، العقيدة، كل
معترض أو محتج إلى خطر يهدد الأمن
الوطني أو المستقبل. هكذا قامت السلطة بإنتاج قاموسها، كما قام خصومها بإنتاج
قاموسهم وليست هناك مسافة بين القاموسين إلا في الشكل المظهري العام وهو شكل خادع
.لذلك حين تغيرت المواقع، أي حين صارت السلطة ( معارضة) والمعارضة (سلطة) ظهر نفس
القاموس مجددا وعلى نحو فوري ليس لأنه أعد على عجل بل لأنه موجود مسبقا.
بهذه الطريقة قامت(سلطة)
القاموس الجديد بتلقيح نفسها وتجديدها والدخول في منافسة جديدة مع القاموس السلطوي
المتراجع إلى الظل: بمعنى أن تراشق الألفاظ اليوم بين سلطة وخصوم، بين سلطة
ومعارضة يجري بنفس الأدوات اللغوية السابقة وأنا هنا أتحدث عن معارضة سياسية.
إن كل طرف في هذا القاموس يحاول اختزال الوطن على طريقته
الخاصة وحسب القاموس السياسي، فإن
الوطن الحقيقي غائب من كلا
القاموسين.بمفهوم السلطة الوافدة وأدواتها يصبح الوطن هو هذا
الكيان السياسي أو ذاك، هذا الحزب أو ذاك الزعيم، هذا الموقف أو ذاك القرار الخ
..الخ. ومن يخرج عن هذا القاموس فهو ليس(وطنيا) حسب مفهوم المواطنة وحسب القوانين
البشرية لمعنى الوطن.
بموجب سلطة الأمس(ومعارضة اليوم) وأدواتها التي في السر وفي
الظل يصبح الوطن هو هذا الموقف أو ذاك، هذا الزعيم أو ذاك الفكر.نحن إذن أمام صراع
قواميس لا ينتج ثقافة ولا تنمية ولا حوارا ولا مستقبلا طيبا، بل عبارة عن صراع
لغوي هو جوهرا عبارة عن صراع سياسي
يدار بلغة بوليسية متخلفة.
هذا النوع من الصراعات
مغلق ومسدود ولا يحل بغير السلاح كما هو حاصل اليوم وغدا مهما حاولنا
الهروب الى الأمام من معالجة قضايا حساسة باسلوب التسويات والاخوانيات في الغرف
المغلقة. هذا الصراع الذي يجري في الداخل بالسلاح العلني تارة أو التلويح به غدا
أو يجري في الخارج بوسائل الحذف والبتر
والوصم(لغياب السلاح) هو خاتمة منطقية لقاموس يختزل الوطن في مفهوم أو رمز
أو فكرة أو موقف أو عقيدة.إن ما يجري من حوارات سياسية اليوم هو صراع ألفاظ،
واشتباك كلام، وتصادم مفردات، وتقاطع عقائد وليس صراعا وطنيا.
إن من اولويات الصراع الوطني هو تحديد المفاهيم الأساسية في
الدولة والمجتمع ومن أهم هذه المفاهيم هو مفهوم الوطن.ما هو (الوطن) العراقي
اليوم؟ نحن أول شعب في العالم وأخره ربما نختلف في تحديد هذا المفهوم الذي حددته
كل مخلوقات الأرض التي تضع حدودا (لوطنها) لا يجوز التجاوز عليه: إن الأسد والفهد
والضبع وغيرها تحدد محيطها الخاص عن طريق الرائحة أو البول دون أن تقرأ كتابا في
السياسة أو تسمع نشيدا وطنيا أو تقرأ كتابا واحدا في الوطنية. مفهوم(الوطن)
العراقي صار مشكلة ضخمة تتناسل كل يوم: حتى لم نعد نعرف ما هي (الهوية) الوطنية
للعراقي الذي ظهر حسب وجهات نظر جديدة، قاموس جديد، انه ليس عربيا، وليس إسلاميا
أيضا.
مفهوم( الهوية) ليس مفهوما سياسيا فحسب أو فكريا، بل هو أحد
أهم العناصر الطبيعية في تكوين الشخصية الوطنية، فالإنسان لا يختار هويته الوطنية
كالذاكرة والتاريخ والتراث واللغة ونسق القيم بل هو يجدها في الكيان الاجتماعي وفي
الفطرة. ومفهوم الهوية خاضع للتجديد الدائم لأن شرط الهوية هو: الثبات
والاستمرارية. بمعنى ان الهوية ليست مفهوما جامدا بل يتجدد في عوامله الثقافية
مع(ثبات) مكوناته الأصلية. هذا الثبات ليس قرارا شخصيا أو سياسيا بل هو حرفيا: جينات
وذاكرة وتاريخ ودم.لذلك فإن نفي الهوية الأصلية يعني نفي مفهوم الوطن، يعني تفكيك
الوطن، يعني تقسيم الوطن. وهذا هو خطر القاموس الجديد الذي يقدم على أطباق ذهبية
قاتلة.
وفي صراع القاموس الجديد يختزل الوطن(كما في قاموس السلطة)
بمفهوم سياسي للوطني والمواطن والوطن: إن هذه المفاهيم السابقة ليست حقوقا سياسية
تعطى وتؤخذ بل هي عبارة عن حقوق (طبيعية) يتمتع بها المواطن مهما كان موقفه
السياسي. إنها حقوق تكتسب بالولادة، بل قبل الولادة. فلا تنتزع المواطنة بالسياسة
ولا حتى بقانون بل هي حق أبدي.ولكن اليوم يستطيع أي فرد من هذا الفريق أو ذاك أن
ينزع هذه الحقوق الطبيعية من على شاشة تلفاز أو جريدة ويصبح هو مصدر التشريع ومصدر
الوطنية: الوطنية هنا ليست حقا أبديا تكفله قوانين بشرية وتاريخية بل (يختزل) في موقف سياسي. ونحن نعرف جيدا
ان المواطنة لا تسقط في كل القوانين المتحضرة بناء على مواقف سياسية بل حتى لا
تسقط بعد جرائم فظيعة.
إنه القاموس القديم/ الجديد/ الذي له قدرة الساحر والمهرج
والمشعوذ في تحويل البشر والجبال والبحار إلى بخار بحفنة ألفاظ.على هذا الخط،
دخل القاموس الانكلو/أمريكي الجديد
وهو الأخطر من كل تلك القواميس المتخلفة. هذا القاموس طرح للتداول قبل الحرب
وخلالها ويطرح اليوم على نحو متزايد. وقد نعجب يوما أننا كل هذه الفترة من
الاحتلال وحتى اليوم كنا نتحدث بقاموس معد سلفا بعناية فائقة من مراكز أبحاث
وخبراء في علم النفس وفي اللسانيات وفي الأساطير وغيرها من العلوم.
إن أي خبير أبحاث أمريكي / بريطاني يسمع أو يقرأ ما نكتب اليوم
يشعر بالنشوة والزهو وبالاحتقار أيضا: إن الذين دخلوا العراق ليسوا كلهم جنودا، بل
مئات العلماء في كل حقول المعرفة خاصة وأن العراق هو مفتاح العالم العربي وأجزاء
واسعة من آسيا وهو تجربة اختبار للهيمنة الجديدة على العالم تحت (غطاء) الحرية
وسقوط هذا المشروع في العراق يعني سقوط الامبراطورية التي هي مزيج من الإمبريالية
والأصولية الدينية( التي أنتجت أصولية مضادة) ومن الشركات ما فوق القومية. إن
الذين نجوا من قاموس التخلف السابق، لا بد أنهم وقعوا بفخ محكم هذه المرة بقاموس
جديد رغم كل الموقف العلني الرافض للحرب والاحتلال.
طبعا يجب أن نشير إلى أن هناك من يتبنى هذا القاموس عن عمد
وقصد ودوافع ومصالح وحتى عن طريق شراء الذمم تحت(غطاء) الوطنية التي تحدثنا عنها،
فما دامت المعايير العامة غائبة فيستطيع أي فرد أن ينسب لنفسه أي شيء ويفسره على
نحو فردي. أي سيادة المعايير الشخصية التي تؤول كل شيء وتبرر كل شيء ما دام
القاموس قادرا على الحركة والنشاط مثل أي مخلوق أخر.
إن أخطر ما في القاموس الانكلو/ أمريكي الجديد هو نشر مفاهيم
جديدة (بريئة) عادية، وجهات نظر، ملاحظات، انطباعات وزجها في سوق التداول العراقي
خاصة. مع الوقت تصبح هذه(القطرات) قاموسا ضخما من غير الممكن أن لا يفكر (فيه) أو من(خلاله) المواطن أو الكاتب
العراقي. بمعنى أدق مع الوقت سنغرق، ونحن الآن في البدايات، في الفخ الضخم هذه
المرة الذي نصب لنا بدقة من علماء لغة وعلماء نفس واجتماع وادباء وكتاب وشعراء
وخبراء جاؤوا في رحلة أخرى بدون دبابات ولا قنابل. كل ما يحملونه هو ترسانة هائلة
من خبرة تهديم البنى التحتية
الذهنية واللغوية والقيم المحلية والذاكرة والهوية من خلال قاموس جديد يبدو بريئا
جدا. بهذا القاموس نتكلم اليوم دون أن ندري. أي أننا وقعنا في الشرك، الفخ،
المصيدة. نحن، حسب هذا القاموس أو نسق القيم الجديد لم نعد شيعة كما كنا من قبل،
بل صرنا شيعة معتدلين، ومتطرفين، وإرهابيين، وقابضين، وشرفاء، وحكماء، ومخلصين،
ومنعزلين، وأصوليين الخ.وحسب هذا القاموس أيضا تم تقسيم السنة/ مثلث سني مع
الطاغية، فريق مسالم، فريق يتحفز، جماعة أصولية، حفنة من الارهابيين الخ. بموجب هذا القاموس (وهو شبكة كاملة
من القيم) يتحول مفهوم بل فعل(النهب) إلى (اعادة أعمار) ومن يقف في طريق إعاقة
الأعمار هو (مخرب) حتى لو كشف عن سرقات وتجاوزات، حتى لو لم يتجاوز موقفه موقف
النقد العلني المسموح به حتى في ظل أنظمة تتمتع بديمقراطية شكلية مزورة.
إن تفكيك(المصانع) وسرقتها يصبح في القاموس الجديد(من بقايا
النظام) كما أن الاحتجاجات السلمية على حاجات أساسية يومية ملحة يتحول إلى(تحريض) من قوى لا تحب(الاستقرار)
للعراق الجديد. ولو رجعنا إلى اصل مفهوم(الاستقرار) حسب هذا القاموس لوجدناه يعني
النهب حرفيا.
وتبعا لهذا القاموس يتحول كل نقد اليوم إلى نقد موجه ضد(الوطن). وهنا يتداخل القاموس الجديد مع
القديم. لم لا؟ إن الرصاصة قد تخطيء
الغزال لكن قد يصبه رمح.
كتاب قيم أثار نشره ضجة كبيرة في الأوساط العالمية
السياسية والثقافية لم تهدأ . الكتاب هو للمؤلفة فرانسيس ستونر خريجة جامعة
اكسفورد ونشر عام 999. اسم الكتاب(من دفع أجرة العازف؟). هذا الكتاب الفضيحة
يتناول بالوثائق والأسماء الصريحة اساليب عمل المخابرات الغربية والأمريكية في دعم
وتمويل(عبر ستار) أنشطة ثقافية وسياسية في كل أنحاء العالم دون أن يعرف غالبية
المخدوعين. أحد كبار رجلا المخابرات الأمريكية قال ضاحكا للمؤلفة أنهم مولوا يوما
مؤتمرا لحزب شيوعي رسمي ودفعوا لأحد أقطابه دون أن يعرف. يقول هذا الرجل ساخرا من
الزعيم الشيوعي(فلان تقلب في قبرك. فقد دفعت لك المخابرات الأمريكية). وتذكر
المؤلفة بالأرقام والأيام كيف تم عقد ندوات واجتماعات وتمويل مؤسسات عالمية من قبل
المخابرات الأمريكية وفي الغالب لا يعرف أصحابها لأنهم يستعملون ما يسمى في اللغة
المخابراتية(غطاء) أي حجة علنية للتمويل.
يشير الدكتور عبد العزيز حمودة في كتابه القيم(المرايا
المقعرة) وهو يعرض مؤلف (من دفع أجرة العازف)كيف ان المخابرات الأمريكية كانت تركز
على البحوث اللغوية تحت مظلة الحداثة والغرض ليس الحداثة بل تدمير البنى التقليدية
وعناصر المجتمعات المحلية لغرض تدميرها، وكانت منظمة(حرية الثقافة) الامريكية هي
غطاء التمويل وحسب المؤلفة فرانسيس فإن من النادر أن يكون كاتبا أو شاعرا أو عالما في أي مجال في العالم لم يقع في
فخاخ هذا التمويل الذي أمتد إلى مؤسسات وجامعات ومجلات بما فيها مجلات عربية دون
علم اصحابها ومعروفة القصة المريرة لمجلتي (حوار ومجلة مواقف) والفضيحة التي لم
يتخلص منها الشاعر يوسف الخال الذي جرح في وجدانه لأن مجلته ممولة وهو رئيس
تحريرها دون أن يدري.
كانت واحدة من اساليب التجنيد هو عدم الاقتراب المباشر وتقوم
على(كسب ثقة المتمردين)على أوطانهم وبعد بلع الطعم (تبدأ عملية التدخل المخابراتي
الذي يسمى التدخل والسيطرة). تقول فرانسيس حرفيا. وتضيف نقلا عن مسؤول مخابراتي
كبير:(لم يكن الهدف هم التدمير أو الهيمنة على هذه الجماعات بل تحقيق اقتراب ذكي
وغير محسوس من تفكير هذه الجماعات ومراقبته وتوفير أداة لهم يستطيعون من خلالها
التنفيس. ثم ممارسة حق الاعتراض على مطبوعاتهم أو أفكارهم إذا فكروا أن يصبحوا
تقدميين أكثر من اللازم). أي التحكم عبر ستار وواجهة وتركهم يتصورون أنهم يتخذون
قرارتهم(بحرية) ودون تدخل مع أنهم تحت السيطرة النهائية والتحكم المطلق غير
المباشر. وتذكر المؤلفة الدور الذي لعبته المخابرات الامريكية في تمويل جامعات
أمريكية في حقل الدراسات اللغوية
للوافدين من العالم الثالث وتشجيعهم على كتابة دراسات جامعية عن لغاتهم ولهجاتهم
المحلية.وكانت هذه الدراسة ترسل حالا إلى وكالة المخابرات لتحليلها من أجل السيطرة
والتحكم حتى وقعت الفضيحة فتوقف التمويل الذي لم تكن حتى إدارات الجامعات على علم
به وكان يصل بطرق محايدة مثل منظمات
ثقافية أو كنائس أو جمعيات خيرية الخ..لكن لماذا الدراسات اللغوية؟من أجل إنتاج
قاموس نفكر (به) ومن خلاله ونتصور أنفسنا أحرارا ونحن في قلب المصيدة.
22
المنشق والقطيع
واحدة من أسوأ الصور التي رسختها الايديولوجيا في الحقل
الثقافي، هي صورة المثقف المندمج، القنوع،الطيب، المتماسك، العقائدي، والرفيق، و
صاحب الرؤية الواحدة، غير المختلف، المنصهر مع المؤسسة، والعرف، والعادة،
والمتصالح مع الجميع، العاقل، الذي يعيش على فكرة ويموت عليها، بلا تبديل، ولا مراجعة ولا إعادة نظر، وغير مسموح له في
أن يرى في الأفكار على انها فرضيات قد تكون صحيحة اليوم وغير صحيحة غدا، بل يدمج
الأفكار في نسق القيم الأخلاقية وعلى انها من منظومة الشرف.
وحين تتحول الثقافة إلى سياسة، أي عند تسييس الثقافة، تصبح
الثقافة شطارة وحيلة وممارسة سياسية ولا تصبح السياسة ممارسة ثقافية، أي يتم حجر
الفكر، وتصادر المعرفة، ويتحول المثقف إلى مخلوق مدجن، ويلغى البحث والسؤال
المعرفي، وندخل في حلقة القيم الاجتماعية التي تكرر وتعيد وتصقل، ويشطب القلق
الفكري، بل يصبح هذا القلق (مرضا نفسيا!) من وجهة نظر المثقف المروّض، مع أن من
طبيعة الثقافة هي القلق والشك في المسلمات والصراع والاختلاف، ومن طبيعة المثقف
أيضا هو التعارض، بل التقاطع مع نسق الأفكار السائدة، وقد يقتضي الأمر التعارض الحاد مع السياسة كلها، ومع الثقافة
كلها، ومع المجتمع كله، وحتى مع حضارة كاملة في زمان ما، كما يؤكد تاريخ الفكر
وتاريخ الثقافة والأدب وتاريخ الإنسان.
ولسنا بحاجة إلى أمثلة لا نهاية لها عن تاريخ المثقف
المنشق، أو المفكر، أو الفنان أو الأديب، فتاريخ الثقافة الإنسانية هو تاريخ
انشقاق وليس تصالحا، لأن هذا موجود فقط بين الأشباه، والنسخ، والعابرين سريعا، بلا
أثر، والذين لا يعرفون شيئا لا في تاريخ الثقافة، ولا في التاريخ أيضا ولا حتى في
الجغرافية، لأن هذه ليست مكانا فحسب إنما هي رؤية وطريقة تفكير ونسق معرفي وبناء
قيمي عميق وذاكرة وهوية.
وقد يكون أحد الأمثلة الحية اليوم هو الشاعر سعدي يوسف والموقف
الملتبس منه والذي وصل إلى حد إعلان البعض الخيبة من موقف هذا الشاعر والمثقف من
الاحتلال الذي لم يكن( عند حسن ظن البعض!) بل خلق لهم صدمة شخصية، ولأنه كما كتب
بعضهم لم يعد يتذكر من الشاعر سوى مواقفه القديمة يوم كان(يحب الفقراء!) وكأن سعدي يوسف اليوم لم يعد
يحبهم، وأنه موجود في منتبذه الجليدي، في عزلة الشفق، أو عزلة جرح متوحد، كسائح
فقط.
هؤلاء الذين رأوا في الشاعر والمثقف سعدي يوسف، وفي غيره أيضا،
خيبة الأحلام، لا يعرفون شيئا لا عن
الشاعر، ولا عن المثقف المنشق، والمختلف، غير المتماثل، ولا يعرفون كذلك
شيئا عن الأحلام البشرية، فهذه الأحلام ليست مصنعة، كما في السرديات الكبرى،
والعقائد الكبرى، كأسنان المشط، أو مثل عيون
الصينيين، ولا مثل ملاعق المطاعم لأن المثقف عبر العصور لم يكن في أي يوم على وئام
مع أحد، لا مع المجتمع ولا مع القبيلة، ولا مع الثقافة ولا مع التاريخ المدون، ولا
مع نفسه أيضا: بمعنى أنه ليس صنما يترك أبدا الدهر بلا تطور، ولا تغيير، لأن الهاجس المعرفي يدفعه دائما نحو
التخطي والتجاوز والمغايرة والعبور والكشف والسؤال والبحث والقلق، وهذا الهاجس
يضعه كل يوم في مواجهة مفتوحة مع الجميع.
المجتمعات الغربية حلت إشكالية المثقف المختلف، غير الشبيه،
غير المتصالح، الذي يفكر لحسابه الخاص، ويقلق لحسابه الخاص، ويحلم لحسابه الخاص
رغم أن هذا الحلم الفردي قد يكون حلم الجميع، وأمل الجميع، وكثيرا ما تحققت
أحلام هذا المثقف المنشق وصارت
أحلاما عامة، وهذا الحل(من خلال حريات عامة منها الحق في الشك وفي الاختلاف وفي المراجعة وفي
الرفض وفي الفردية) لم يكن سهلا، ولم يكن سريعا، بل عبر صراع طويل لم يكن سارا ولا
نهاياته سعيدة في أحوال كثيرة، وفي محطات تاريخية انتهى بالموت أو النفي أو السجن
وحتى الحرق، حيا، من سقراط، وجان جاك روسو، (وليس انتهاء بالحلاج المسلم) مرورا
اليوم بما صار يعرف في الثقافة الغربية بمفكري الاختلاف: جيل دولوز، ميشيل فوكو،
جاك دريدا، فرانسوا ليتوار، موريس بلانشو، وكلوسفوسكي، وغيرهم الذين شرعوا في حفر
وتفكيك ما كان مقدسا في الفكر وفي الثقافة وفي السلوك والفلسفة، وأعادوا تفسير
الحقائق الكبرى، وتدمير السرديات التفسيرية التي وصلت في عقول الشعوب إلى قناعات
نهائية، بل إلى محرمات، ونقلوا الفكر من حقل "الوحدة" والتماسك، إلى حقل
"المتعدد" والمختلف، من دون أن يكونوا بحاجة إلى الذهاب إلى مصحات
عقلية، كما في الذهنية المشرقية المتخلفة،أو أن هؤلاء(مساكين لا يستطيعون العيش
بدون مشاكل!) وهو قول ينطوي على سخف وجهل وبلادة عقلية وفكرية.
يقول فليب مانغ في
كتابه(جيل دولوز أو نسق المتعدد) ان فلسفة دولوز هي الاختلاف، وليس في المماثل، في
التنوع، وليست في الوحدة(الكائن ليس هو "المماثل". والتفكير ليس رد في
ما هو متعدد واختزاله في المماثل.إذن ثمة تركيز على أهمية "المختلف"
وليس على "المتجانس"). وهذا هو نقد ميشيل فوكو للفكر التقليدي الذي كان
كما يقول في كتابه الكلمات والأشياء:(كان محكوما شكلا ومضمونا، عمقا وسطحا،
بالعودة وبالرجوع إلى المكان ذاته، ليكرر المماثل)، وعلى يد جاك ديريدا مثلا تم
تهشيم التصور عن التناقض الذي كان حجر الأساس في الفلسفة الماركسية، ورده ديريدا
إلى الاختلاف، وحل المفهوم الأخير محل التناقض، لأن الاختلاف أوسع من التناقض
ويحتويه، وقلب مقولة ماركس الشهيرة: علينا الآن تغيير العالم لا تفسيره، وردها إلى
الوضع الصحيح حين قال: علينا الآن تفسير العالم أولا، قبل تغييره، لأن التغيير
القسري يتضمن معنى فكرة العنف كما أن التفسير يتضمن التغيير ولا يختلف معه.
من خلال هذه الأمثلة السريعة نرى كيف تم تفكيك التصورات
الكبرى، مثل الوحدة والهوية والتناقض والتماسك والمعنى التي بقيت محروسة، حسب جيل
دولوز، لقرون، في الفكر والسياسة والفلسفة والسلوك، بتصورات الفكر التقليدي.
ومصيبة الثقافة والسياسة عندنا هي حين يتحول الجهل بالأشياء
إلى نوع من" الفكر"
وتتحول الأمية الثقافية إلى "علم نفس" وفي هذه الحالة يتحول الوصف
الأخرق للمثقف إلى وصف " أخلاقي" سطحي بمعنى: ان على المثقف كي يكون
مقبولا، وطيبا، وعاقلا، ووطنيا، وسالما، أن يكون في آن واحد مصنوعا على نسق أخلاقي
مسبق، أو وفق معايير "شخصية" وحسب التقليد المتخلف هذا أن يكون متفقا
ومتصالحا مع "الجميع". في هذه الحالة ماذا يبقى للحرية والفردية والخلق
والتخطي والتجاوز والمغايرة، بل أين نضع الحياة في اختلافها وتعددها الهائلين؟ هذا
حذف وإلغاء، بل بكل اختصار، موت الفكر وتفسخ الحضارة.
اذا عرفنا ان الفكر الحديث قد تجاوز السرديات والحقائق
والأوهام الكبرى، بجهود المثقف المختلف، وليس المماثل، نكون قد وقفنا على فاجعة
سياسية وثقافية في حياتنا ونشاطنا السياسي والثقافي أو ما يسمى كذلك لأن السياسة
هي في الأصل فن البحث عن الخيارات الارقى، وليست فن الشطارة كما تمارس عندنا.
في كتابه(الوضع ما بعد الحداثي) يؤكد جان فرانسوا ليتوار، على
أنه أستخدم ( مصطلح" حديث" كيما أصف كل علم يستقي مشروعيته باللجوء
صراحة إلى هذه السرديات الكبرى أو تلك، من قبيل جدل الروح، أو تأويل المعنى، أو
تحرير الذات العاقلة، أو خلق الثروة... كانت هذه حكاية التنوير، التي عمل فيها بطل
المعرفة لبلوغ غاية أخلاقية ـ سياسية، هي السلام الشامل.. ومع التبسيط إلى آخر
مدى، فإنني أعرّف ما بعد الحداثي بأنه التشكك في السرديات الكبرى). ورغم ان هذا
الكلام موضع اختلاف ايضا، بل نقاش وجدل، وقد رد عليه كثيرون مثل تيري إيغلتون في كتابه(أوهام ما بعد الحداثة) والمفكر
الأخير نفسه أحد الذين صبوا غضبهم على فكر ما بعد الحداثة(وتقليده الشكل السلعي
للسوق، والمجتمع القائم على قصة الاعتماد المصرفي، وارتيابها حيال القانون،
وايمانها باللذة والاسلوب والخ) إلا أن هذا الجدل المعرفي يعكس إلى أي مدى وصل
إليه الفكر البشري وطبيعة المفاهيم "المقدسة" التي تجري مراجعتها في
مناخ الحرية والسؤال المتحضر والشك في المسلمات بل والاختلاف على قناعات كانت
رائجة وسائدة ومحترمة في قوانين.
وعودة إلى قضية الشاعر سعدي يوسف التي تخطت ليس فقط الحدود
السياسية والثقافية بل وابسط القيم الأخلاقية المتعارف
عليها في الجدل، ومنها الحق في أن يكون المثقف ما يريد أن يكون
عليه لا ما يراد له أن يكون حتى لو كان في منتبذ في أقاصي الأرض، وهذه حقا فضيحة
مدوية لا تحصل إلا في سلطة القطيع.
أضع الشاعر سعدي يوسف
كمثال للمثقف المختلف، أي الذي خرج من نسله هو، من صلبه هو، ومن نسل التاريخ
الثقافي الحي، تاريخ العصيان والتمرد والفردية الصحية، ولا يريد ان يكون غير ما
يريده هو، لا أن يكون صورة جاهزة راسخة مقيمة في الوعي العام وأي
"تغيير" في هذه الصورة يجرح ذاكرة وخيال الذين وضعوه داخل إطار متماسك
كذكرى عطرة أو لقية ثمينة لا يجوز
لها أن تتزحزح من مكانها ابدا.
هذا ليس عدوانا على المثقف فحسب إنما هو معايشة للوهم، وعدوان
على وعي القارئ نفسه، وعلى طبيعة دور المثقف، وعلى سلطة الثقافة، خاصة إذا كان هذا
المثقف يعيش في مناخ من الحرية ويستطيع ممارسة دوره في جو من القبول يسمح له في أن
يكون هو نفسه، وصاحب رؤية فردية في قضايا حساسة كالحرية والوطن والاستقلال والثروة
والسلطة والدولة وفي الثقافة، وفي الوقت نفسه يستطيع الآخرون ممارسة تفكيرهم
وحريتهم دون أن يكون فكر وحرية هذا المثقف مشكلة حقيقية كبرى لهم.
إن "تموضع" الفكر في حقل واحد، لا يسمح
"بتحرير" القوى الخلاقة في الإنسان ولا في المجتمع، فليس من المعقول ولا
حتى اللامعقول، في أن نكون جميعا طبعة واحدة من بعض، ونسخة واحدة من بعض، وأن يكون
رد فعلنا إزاء الحوادث والأفكار والسلطة والحرية وفي غيرها، هو الموقف نفسه،
والاستجابة نفسها، لأن مثل هذا الموقف القطيعي
المتماثل الموحد المنسجم، هو عدوان علني ليس فقط على الحرية والفردية وكل القيم
الانسانية الاخرى، إنما هو عدوان على الجسد أيضا لأن هذا كما أثبت العلم الحديث
يمتلك شفرة خاصة به وحده .
ان التفكير النمطي الجماعي
هو من نتائج الايديولوجيات القمعية، وليس حتما أن تكون هذه العقائد حاكمة كي تكون
قمعية، بل هي كذلك بحكم سلطة اللغة، وسلطة الرأي وسلطة الخطاب الذي عادة ما يعطي
المتكلم الحق في تشكيل صورة للآخرين غير صورتهم،أو بالعكس من صورتهم، مرتكزا على
دعائم من قيم أخلاقية مزعومة أو سياسية لا ترى الآخر في حريته، وفي فرديته، بل في حريته هو (الخطاب)، أو ما يرغب في
أن يكون عليه المثقف الآخر غير الشبيه.
حين لا يكون المثقف كذلك، عندها يكون قد خيب الأمل، وأحبط
الجمهور، كأن هذا الجمهور من(المثقفين) يعيش في فردوس أرضي، وفي عالم مصنوع من
الشعر والخيال والتفتح والحرية والعدالة، لكن مثقفا واحدا أعزل لا يمتلك غير سلطة
الكلام، قد أفسد رغد العيش، وعكر صفو الماء كما في حكاية الثعلب والعنز التي كنا نستمتع بها يوم كنا أطفالا في
الوطن المنفي ننشد لوطن لا وجود له إلا في الكتب وفي الأناشيد التي تختفي مثل
الناس بين حقبة وأخرى كالطوابع والأعلام وصور الزعماء والمناهج المدرسية والقوانين
في تحولات دراماتيكية، ومع ذلك على هذا الإنسان أن يظل "متوازنا" لأن
التوازن في هذا النوع السخيف من
أنواع التفكير هو عبارة عن نصيحة أو موعظة، مع ان التوازن الحقيقي هو وضع
مستقر، وعدالة،وأرض راسخة يقف فوقها الإنسان، وقانون، وضمان، وخبز، وضوء، وعلاج،
وآسرة آمنة، وحريات عامة وخاصة منصوص عليها في تشريعات يحترمها الجميع.
لكن كل شيء في فكر(السرايا) والأوامر، وعقلية (يجب وينبغي وعلى
الشعب أن يكون كذا وكذا.. والخ هلم جرا) كل شيء في هذا "الفكر" مكتوب
ومنطوق به بلغة السحر: لم لا؟ يقول الساحر، مثلا، ضع يدك في جيبك، أو أغمض
عينيك،كي تجد الجبل المفقود، أو حين تدخل هذه الغرفة ستجد بحيرة واسعة، أو حين
تنام ستعثر على الحل. إنها لغة الآيديولوجيا التي لخصها الفيلسوف بول ريكور في
مقاله الايديولوجيا واليوتوبيا:التشويه،الدمج،التبرير والحذف....
لكن لغة السحر تتفوق على
لغة الآيديولوجيا في كون لغة السحر
لغة مغايرة وتجاوز وعبور. التشويه، لأن هذه اللغة ترفض كل نسق فكري آخر من موقع
التعدد والمغايرة، ولا تقبل بغير التماثل، والتبرير فكل شيء قابل للتبرير، بما في
ذلك الجريمة والمصادرة والحجر، والدمج لأنها لا تسمح بالخروج وتقبل بالبقاء داخل
نسق فكري أو تشكيلة قيم بصرف النظر
عن صورتها،وملعون من يحلّق خارج السرب، أو يتخلى عن فكرة سائدة، أو يحلم لحسابه
الخاص، كي لا يحبط الآخرين "السعداء" ويعكر مباهج الفضاء الجماعي المتفق
عليه وينتج خطابا خاصا به وبذلك يكون هذا الخطاب سلطة، بالمعنى المعرفي للسلطة،
تهدد تماسك الجماعة ووحدتها الشكلية وتسوغ للخروج من مملكة القطيع إلى مملكة
الفردية، من القناعة إلى التمرد، من الوحدة إلى التعدد، من القبول إلى السؤال، إلى
الحرية، إلى الأمل، إلى البراءة.
23
نقي كصحراء وشرس كفراشة
قدم من الصحراء السعودية،
من قلب الصحراء، كما يقول أنسي الحاج، نبت ضد الطبيعة. في الصحراء فجأة، وفيما
الجميع لا يترقبون هناك أحدا. نبت كالشوكة، كالفاجعة. وحيث مشى في الصحراء صارت كل
حبة رمل بطلة. وصار في الصحراء شجرة عظيمة.
إنه المفكر والكاتب عبد
الله القصيمي القادم من الصحراء، والعائد اليها سرا بعد عمر أكثر من ثمانين سنة
ليموت ميتة مجهولة، بعد نفي وتشرد ومطاردة في كل مكان ذهب اليه، حتى انه طرد من
لبنان في الستينات يوم كان لبنان
ملجأ للهاربين من الانظمة، وكازينو للمغامرين، وعصابات المال والاحزاب،
ووكرا للطائفية، ومرتعا للراقصات والمخابرات الدولية والعربية. لبنان هذا ضاقت
مساحته بهذا الصوت البدوي القادم من الصحراء، فقررت سلطاته في ذلك الوقت طرد
القصيمي منه، لكن لبنان الاخر، لبنان أدونيس ويوسف الخال وانسي الحاج وغيرهم هم
الذين حموا حفنة قيم ثقافية
واخلاقية وسياسية من الهدر والابتذال وجنون الانتقام، رغم طرد القصيمي الى القاهرة.
الموقف الباسل للراحل كمال
جنبلاط الذي كان يومها وزيرا للداخلية هو احد المواقف التي تشهد على شجاعة المثقف
والمفكر جنبلاط وانتصار رجل الحرية على رجل البوليس. في الوقت الذي كانت شرطة
الوزير جنبلاط تبحث عن القصيمي، كان جنبلاط المفكر والشاعر والصوفي يجلس مع المفكر
عبد الله القصيمي ويحاوره كشريك في الحرية وفي الكتابة وفي المصير. يومها أطلق
ادونيس نداءً شهيرا دعا فيه الكتاب والشعراء والمفكرين لكي يكونوا دروعا بشرية من
اجل عبد الله القصيمي، سواء الذين يتفقون معه أو الذين لا يتفقون، لأن الحرية
نفسها في خطر، ولأن عبد الله القصيمي هو اختبار لجدارة الكتاب وامتحان لكل الذين
يجعرون من اجل الحرية....
كتب يومها انسي الحاج محتجا بقوة قائلا:( لم يفعل القصيمي
شيئا. افكاره موضوعة في كتب، والكتب يجاوب عليها بكتب. معاملة الكاتب بالتدابير
البوليسية تصرف جبان ). هذا في منتصف الستينات حيث كانت لا تزال حفنة قيم ادبية
وثقافية وسياسية باقية، ولا يعرف ، وربما يعرف انسي الحاج اليوم، ان هذه التدابير
البوليسية التي كان يخجل منها رجال الشرطة العرب يومذاك، صارت في التقاليد الجديدة
مفخرة في السلوك الثقافي الجديد. لكن من هو عبد القصيمي؟
من هو هذا الرجل الذي ملأ الصحراء العربية، حتى في شققها
الاسمنتية، وعماراتها الحجرية التي هي تحوير للخيمة، وعاد الى بلده خلسة كما يعود
لص في أعوامه الاخيرة ليموت كما تموت نباتات الصحراء بصمت وسكوت في براري الفجيعة
والنفط والقواعد العسكرية؟
يذكر كتاب " لئلا يعود هارون الرشيد" الصادر عن دار
الجمل، في مبادرة جريئة، ان القصيمي هو اول رجل دين وهابي نزع ثوبه الديني بعد
ممارسة طويلة في الوهابية، ثم اعلن طلاقه منها مما عرض نفسه الى لعنة النظام ورجال
الدين منذ عام 46 حتى وفاته سنة 95.ومنذ الخمسينات وحتى نهاية السبعينات الف
القصيمي كتبه العديدة والضخمة ذات البعد الساخط على العالم، والتي استحق عنها حكم
الاعدام الصادر بحقه غيابيا حتى وفاته الغامضة حين عبر الصحراء سرا كي يموت فيها
كاشواك أو طيور البرية بعد أن حمل معوله الصحراوي النظيف وأراد تحطيم أصنام
الجزيرة العربية التي لا تنتج غير الاصنام فتُرك وحده للجوارح والانظمة والوحدة
والرمل مثل كل عظماء التاريخ.
أهم هذه الكتب:
1 العالم ليس عقلا ـ 1964
2 أيها العقل، من رآك؟ 64
3 عاشق لعار التاريخ ـ 65
4 كبرياء التاريخ في مأزق ـ
66
5 هذا الكون ما ضميره ؟ ـ 66
6 صحراء بلا أبعاد.
7 فرعون يكتب سفر الخروج.
8 العرب ظاهرة صوتية.
9 ايها العار المجد لك.
وكتب عديدة اخرى.
في مقدمة الحوار الذي أجراه معه الشاعر ادونيس في مجلة" لسان الحال ـ سنة
65" وتحت عنوان... الخرافة، الغباء، الطغيان، كتب أدونيس: ( لا تستطيع أن تمسك به ـ بالقصيمي ـ فهو
صراخ يقول كل شيء ولا يقول شيئا.
يخاطب الجميع ولا يخاطب أحدا. انه الوجه والقفا: ثائر ومتلائم، ملتزم وغير ملتزم،
بريء وفتاك. وانت عاجز عن وصفه. فهو
بركان يتفجر، والحمم كلمات تحرق، لكن فيما تزرع العشب. فهو تيار جامح مهيب من المد
والجزر، من الانقراض والانبعاث، مسكون بشحنة الاحتجاج، متناقض ومنطقي، معتم وصاف:
كأنه الرمل وقطرة المطر. هكذا تتقاطع في صوته اصداء كثيرة: من هيراقليطس، وحتى
العبثية مرورا بنيتشة وماركس،. لكنه يبقى غريبا اصيل النبرة والبعد،حتى ليصعب ان
يوصف العربي الذي لايقرؤه بأنه مثقف أو بانه يحيا على هذه الارض.... عبد الله
القصيمي في الفكر العربي حدث ومجيء: حدث لأن صوت هذا البدوي الاتي من تحت سماء المدينة ومكة، صوت هائل فريد. ومجيء لأن في هذا الصوت غضب
الرؤيا والنبوءة...)
في هذه المقابلة يسأله أدونيس عن تهمة الهدم، فيرد عليه
القصيمي:
ـ ان ما يقوله بعضهم من انني هدام ، فإنني اقول لهؤلاء: عندما
تتهمونني بالهدم، وتقولون لي قف لا تهدم، فأنتم حينئذ تشبهون من يطلبون من الذين يقتلون الحشرات
وجراثيم المرض ومنظفي المدينة، أن توقفوا عن أعمالكم، لأنها اعمال هدمية. أنا
هدام،نعم، هدام. أهدم الخرافة،والغباء، والطغيان والقبح وتاريخ الألم.أعني بكلمة اهدم هنا احتج واصيح.
عن هذا البدوي المار العابر في السماء العربية كنجمة تومض في عراء مفتوح، قال انسي الحاج:
(اقرأوا القصيمي. لا تقرأوا الان الا القصيمي. يا ما حلمنا ان نكتب بهذه
الشجاعة!.. يا ما هربنا من قول ما يقول!.. يا ما روضنا انفسنا على النفاق،
وتكيفنا، وحطمنا في انفسنا الحقيقة، لكي نتقي شر جزء مما لم يحاول القصيمي أن يتقي شر قوله. يهجم على
الكلمة هجوم البائع الدنيا، وتقتحمك كلماته التي لا تتوقف اقتحام الحريق ضد كل شيء ).
حياة وموت هذا المفكر الذي قيل عنه الكثير هي حياة وموت كل
الاصوات المغردة خارج السرب أو المؤسسة العربية وزعانفها التي عرفت بعد طول خبرة
كيف تحمي نفسها من هذا المتمرد وأمثاله وكل سلالات العصيان إما بالاغتيال المادي،
تصفية الجسد، أو بالاغتيال الرمزي اي تصفية الصوت، أو بالتشنيع الاخلاقي، وهذا
الاخير ـ حسب المفكر ميشيل فوكو ـ هو شكل قديم من اشكال العقاب الاجتماعي الذي
يقوم لا على اخفاء الجسد ولا اخفاء الصوت، بل على التلويث والوصم، لكي يدخل في
نسيج البشاعة العام.
مات عبد الله القصيمي ودفن سرا في الصحراء.سرا جاء بدون توقع
وسرا عاد بدون توقع. ترك لنا الدهشة والانتظار.انتظار ان يعود لنا يوما دون توقع
من حافة هذه الصحراء،ومن قلب السراب، حيث لا شيء في الأفق سوى الرمل.
24
بائع الأوهام
لمحاولة توصيف أزمة أو محنة المثقف الحزبي في العراق والمصير
الذي انتهى إليه، سواء مصيره الشخصي، أو مصير الخطاب الذي كان يبشر به، علنا وسرا،
عبر تلك الشخصية الأسطورية التي نسج عنها وحولها الخيال الشعبي الكثير، وضخمها
كثيرا كصورة ودور، وشاركت السلطات سواء من خلال السجن أو النفي أو السحق في تلميع
تلك الصورة، وإسباغ المعنى على تلك الشخصية الشائكة والملتبسة، يقتضي الأمر وضع
صورة هذا الكائن ودوره في إطار تلك المرحلة
الزمنية الممتدة إلى بدايات القرن الماضي.
إن ظهور المثقف الحزبي جاء مع ظهور الحزب السياسي، ومع ظهور
الايديولوجيا في منتصف ثلاثينات القرن العشرين، وشكل كسرا للشخصيات السياسية
النمطية الرسمية، سواء بخطابه السياسي، أو في أدواره في الحياة العامة. ومع مرور
الوقت وشيوع العقائد السياسية" الثورية" ظهر على نحو بارز هذا (المثقف) سواء في الساحات العامة أو السجون أو في
المقاهي أو المنافي وحتى غرف الموت. حتى ان الأدب السياسي قد جسد بعض معالم هذا
الدور مدحا أو قدحا أو براءة أو نقدا أو تشويها. ودخلت هذه الشخصية الوافدة في
مجال الحياة العامة ولعبت أدوارا أخطرها المصير المنطقي والحتمي، عبر الحروب
والكوارث، الذي انتهت إليه هذه الشخصية بعد سقوط الحزب الحاكم في الحرب الأخيرة.
لكن شخصية المثقف الحزبي تتعدى ظاهرة الرفيق أو المثقف في حزب
السلطة إلى أدوار ومواقف وعقائد كثيرة انتهت هي الأخرى بخاتمة مغايرة وإن لم تكن علنية،
وتم التكتم على شهادة الوفاة، لأن
هذا الرفيق لا يريد أن يتخلى عن أدوار أدمن عليها، ولا عن صورة خلقت له منزلة وجاهاً في أوساط الناس
وخاصة البسطاء منهم وفي مجتمع كان
إلى عهد قريب يؤمن بقلم الأفندي الذي يذبح الطير.
إن هذا المثقف الحزبي الذي
يسميه الكاتب عبد الإله بلقزيز في كتابه القيم(نهاية الداعية) بالداعية، لم يستطع
مواصلة دوره القديم في بيع الأوهام، ولا في الترويج لمشروعه السابق في عالم جديد،
حر، بدون رؤية واضحة لهذا العالم غير خطاب إنشائي سطحي مغلف بنزعة دعوية عارضة عن
حب الفقراء والغرام بالجماهير، حتى أن ظهور هذا المثقف ـ المعطر وصاحب الحذاء الذي
يلمع تحت الشمس والضوء والشوارب المهيبة التي تزينها في بعض النماذج خصلات من
الشيب الأبيض تعطي مهابة وقوة وسحرا لصاحبها ـ في الشوارع والأماكن العامة كان يعتبر، في يوم ما ليس بعيدا، هدية غير متوقعة جاد بها
الزمان على شعب يعيش في حالة انتظار ظهور المنقذ منذ الأساطير الأولى، ومنذ أن
أشرقت الشمس على هذه الأرض، وفتحت السجون، وانقسم الناس والأرض والمال بين مالك
وزعيم ورعية.
اليوم ليس لدى بائع الوهم القديم ما يقوله أو يفعله خاصة وهو
يرى مشروعه السياسي وقد انهار، وخابت آمال الناس بما في ذلك البسطاء بمنقذهم
القديم، صاحب الشوارب، والسبحة، والمشية المتمهلة، كما أن دوره القديم الهامس أو
العلني في التوعية لم يعد له ما يبرره بعد تطور وسائل الإعلام والمعلومات ولم تعد افتتاحية الجريدة المركزية
للحزب قادرة على أن تفعل الأعاجيب وتلغي وتحذف وتحذر وتحرض وتدفع وتساند وتقدم،
عبر تلك المساحة البائسة، صورة للمجتمع والأعداء الحقيقيين أو المتخيلين، أو
للمستقبل، على هواها ولأسباب تتعلق لا بالحقيقة أو المشروع السياسي بل بالكسب، سواء كسب الولاء أو كسب مواقف
سياسية من هذا الطرف أو ذاك.
وإذا أخذنا بتوصيف صاحب كتاب "نهاية الداعية" عن
أدوار المثقفين عبر التاريخ ومنها دورهم المركزي في إنتاج المعرفة وصراع السلطة
والعلاقة مع الجمهور، وهي محطات لا زمت تاريخ المثقفين، وتاريخ الداعية الحزبي
أيضا، نجد اليوم ان هذه الأدوار لا وجود لها على مستوى التيار وان وجدت في حالات
وأفراد من المثقفين يعيشون، وهذه مفارقة، خارج السلطة، وخارج المجتمع بلا دور سواء
في منفى أو وطن نفسه صار منفى للمثقف المعرفي.
لا توجد اليوم سلطة محددة الملامح
يمكن أن يعيش المثقف "الداعية" كمروج لها لأن هذه السلطة الغريبة الشكل والجوهر
والمتعددة المراكز والقوى والخطابات، تمتلك أكثر من مشروع سياسي وأكثر من خطاب
وأكثر من عقيدة وترتكز على نفوذ لا علاقة للمثقف الداعية المروّج به ولا حتى
للمثقف المعرفي المنفي في الوطن أو في المنفى علاقة به لأن هذا المشروع يتخطى
أدوار المثقفين كافة، فهو مشروع التاجر والزعيم والمقاول والرأسمالي والجنرال
والسياسي الأجنبي، ومصالح دولية كبرى وصغرى، وبالتالي ليس على مثقفنا القديم صاحب
الشوارب التاريخية سوى انتظار تعليمات الحزب مؤيدة أو مراوغة أو معلقة على هذه
الخطوة أو تلك، وهو غير قادر على بيع هذه التعليقات اليوم على جمهور الأمس الذي
صار على تماس مباشر بوسائل الإعلام الخارجية التي دخلت بيته وصارت تصنع له الرأي
أو تدفعه إليه.
لذلك لم تعد المواهب القديمة لمثقفنا ـ الرفيق الحزبي ـ قادرة
على إعطاء المعنى على ما لا معنى له، ولا على توقع واستباق الأحداث الصغيرة والكبيرة،
فهذا دور تقوم به وسائل اعلام كثيرة منزلية، ولم يعد يملك حتى قدرته القديمة في
تحريك الشارع الذي صارت تحركه قوى أخرى كانت غاطسة تحت الأرض أو منتظرة، وضاع منه
كذلك منبره القديم فوق جسور التظاهرات أو في الساحات العامة لأنه ببساطة أفلس صورة
ودورا وايديولوجيا ولم يعد لديه من الوقت والرغبة سوى في العودة الى صور الألبوم
القديم وكتابة سيرة حياته الحزبية.
كما أن حزبه السياسي لم يعد يحتاجه هو الآخر لتحريض الجماهير
أو للكسب أو في معارك السياسة
وتقلباتها، لأن هذا الحزب نفسه، يمينا ويسارا، يحتاج المقاول والتاجر والمصرفي
والمتبرع والرأسمالي" الصديق" وهذا الحزب لم يعد يمتلك مشروعا غير
الأوهام القديمة التي لا يجد من يشتريها في (حارة السقاءين) بل صار هو موظفا كحزب وعقيدة ودور في مشاريع
الآخرين بل صار مروجا لها ونسى، كالعادة، خطاباته السابقة التي دفع فيها الناس إلى
الموت أو المنافي أو التشرد أو السجون.
فماذا يفعل هذا الرفيق، الشخصية الأسطورية التي كانت تسحرنا
نحن الصغار حتى حين تجاوزنا مرحلة الطفولة، ولم نبلغ سن النضج، والذي كنا نقلد
شواربه عبر الفحم الأسود مستعجلين لموت بطولي بلا معنى أو منفى أو حفلة تعذيب نخرج
بعدها أبطالا الى المقاهي؟
هؤلاء( الرفاق) لم ينتهوا كلهم نهاية واحدة على رأي أكثر من
مفكر، بل تعددت خواتمهم وإن كانت
جميعا مأساوية ومثيرة للشفقة والحيرة: منهم من أجر نفسه ـ تعبير بلقزيز ـ للعدو
الطبقي القديم الذي كان يلهج ليل نهار بهزيمته، واليوم صار خادما في صحيفته أو
حزبه أو مصرفه أو كاتب خطاباته أو منظم مواعيده أو المدافع عنه بنفس حماس العداوة
القديم(نزع الجلد)، أو صار خادما مطيعا بعد أن نزع (الثورية) وانتمى لمؤسسة
إعلامية خليجية تدر ربحا أكثر من الجماهير التي لم يحصل منها غير وجع الرأس،
والبعض الآخر فضل العزلة لكي لا يهان في ظل غياب الأدوار وكثرة الراقصين، وفريق فر
بجلده بعد أن أطلق ساقيه للريح بحثا عن مأوى أو وثيقة تساعده على الحياة أو الموت.
أما الجماهير نفسها فقد انتهت هي الأخرى على صور مأساوية وليس
على صورة واحدة: فريق من الجمهور، بعد السأم والانتظار والخيبة من أوهام الرفيق،
صار يبحث عن مشعوذ ليقرأ له الطالع والحظ والبخت والمستقبل الذي فشل المشروع
السياسي لا في تحقيقه ولا في رسمه ولا في توقعه ولا في تصوره.
وفريق آخر، من كثرة اليأس أيضا والفراغ وضياع اليقين، صار
مستعدا للعمل مع أي حزب أو شريحة أو طائفة، خاصة بعد أن تحولت الأحزاب"
الثورية" هي الأخرى إلى طوائف وانطوت تلوك رموزها بمناسبة وبدون مناسبة، على
غرار الطوائف، وهو سلوك اجتنابي هروبي من مواجهة اللحظة التاريخية العاصفة بالعودة
الى الماضي وزمان العز في اندلس متوهمة أو ذكريات سجن مع ان الشعب العراقي كله كان
يعيش في سجن كبير.
وهناك جماهير غفيرة حائرة بين نهايات الوطن ونهايات العقائد
ونهايات الدولة والسلطة تحاول أن تفهم(لا أن تشبع فحسب)ما يجري بعد ضياع الفواصل
بين الوطن والمواطن والدولة والسيادة والثروة والحرية والقانون،والمقاومة
والإرهاب، بين العقل والسحر، بين المنطق والشعوذة، وبين نهاية الرفيق الحزبي
القديم بائع الأوهام وزبون السجن والبطولة، والقادر على الفرار عبر كل الحواجز
بقدرة هائلة، وبين تحوله إلى بائع حكايات للكبار والصغار على طول السنة في عاشوراء
سياسية لا تنتهي، حيث لم يظل منه على قيد الحياة غير مسبحة وشوارب تاريخية كان يبهرنا بها يوم كنا صغارا في العمر
وفي الوعي ولا تصلح الان الا لمسابقات شوارب القطط والصور التاريخية التي تذكر
بزمن العز، رغم ان بعض هؤلاء استبدل الشوارب الطبقية باللحية، بل ان فريقا منهم،
وهو غير قليل، كنس الاثنين، وصار كاتب خطابات ما كان يسميه " العدو
الطبقي" مع مناحة "ندامة" طويلة عن أيام النضال والسجن والمنفى
والثورة والاشتراكية واليسار، والحسرة، كل الحسرة، على الزمن العقاري الجديد.
25
شعرية النتانة
لفتت رسالة من صديق نظري على نحو قوي هذه المرة نحو الجيل الشعري الخارج في السنوات الأخيرة، ليس كل هذا الجيل
حتما، ولأنه أيضا ليس جيلا واحدا، بل عدة أجيال، مع الاختلاف حول مفهوم الجيلية
الذي صار يطلق كل ربع ساعة، مع انه
مشروط بتحولات بنيوية في المجتمع، أقول لفتت نظري إلى ان بعض هؤلاء عند موت صديق
لهم أو قرب موته أو دخوله مصح أو تعرضه لحادث يشرعون حالا في تذكر فقط عدد الكؤوس
التي شربها في المشارب، وعدد المرات التي راوغ فيها صاحب البار، وكم مرة لم يدفع هو، لأن الشجاعة الشعرية هي أن
لا تدفع، بل كم عدد المرات التي وجد فيها يتبول على حائط، أو كم الساعات التي قضاها نائما في مراحيض
عامة وكم عدد البناطيل المرقعة من
كثرة الجلوس على المصاطب عكس مقولة رامبو(من العبث أن تبلى سراويلنا على مقاعد
الدرس) مع ان هذا الشاعر الرائي كان يشم الضوء بجلده ويقيس المسافات بحدوساته وكشوفاته وكان يجوس الطرقات منبهرا
بكل شيء بدارجة هوائية مرمية في العشب أو ارجوحة قديمة أو مطرقة باب أو جدار عتيق
نما عليه العشب حسب تجاربه في تشوش الحواس أي قلب الوظيفة الطبيعية للحاسة حيث
تصير الأذن تشم والشم يسمع الخ.
ليس في الأمر قطعا خطأ فرديا، ولا يمكن إدانة هؤلاء الذين لا
شك كانوا يتمنون لو أن أرواحهم وأجسادهم نمت بصورة طبيعية وكانت لديهم ذكريات غير
هذه البائسة التي يعتقدون انها أساطير نادرة وحكايات خارقة وبطولات
لا يقوى عليها غيرهم.ولو رجعنا إلى ذكريات أقرانهم من جيل سابق من الشعراء والكتاب والمثقفين لوجدنا صورة مختلفة
نوعا ما.
السبب هو ان هؤلاء حصلوا في الهامش السريع والوقت الفائض والهدنة بين سلطة وبناء
ثكنة ومؤسسة قوية، على فرصة طيبة للبناء العائلي والكتابة والسفر والحوارات
الثقافية والتعرف على احوال الكتاب العرب من خلال زيارات ولقاءات ومهرجانات. ورغم
ضيق هذا الهامش، وكونه بين سقوط سلطة ضعيفة وصعود فاشية
وحشية، الا ان هذا الجيل تمكن من بناء ذاكرة عامرة بذكريات كثيرة غير حكاية البار
والبنطال المبقع والمصاطب وعدد الكؤوس أو عدد زوغان هذا الشاعر أو ذاك من الدفع
الخ وهلم جرا.. من أمجاد مثيرة
للشفقة. لذلك فإن موت أحد من
الجيل الشعري والأدبي الجديد
حتى لو كان من السكر سيؤدي إلى بناء
أسطورة غريبة عن حياته حتى يظن القارئ البسيط ان عليه لكي يكون شاعرا أو كاتبا أو
مثقفا جديا يحسب له الحساب فعليه أن يموت في بار أو على رصيف كي تخلق له تراجيديا
مؤلمة وحكايات عجيبة.
بالمقابل تتلاشى عند هؤلاء كل البطولات الحقيقية التي قام بها
عراقيون بسطاء في عبور بحار وقارات وحدود على قدمين أو في سفن وشاحنات أو العيش في
مدن من الصفيح أو في مستوطنات للجرذان كما شاهدتهم في ايران او في أحياء راولبندي
في الباكستان وفي غيرها بل حتى لا يتوقفون
عندها وبعضها تجاوز الاسطورة فعلا، كأن ذاكرة هذا الجيل معطوبة ومنكمشة على سلوك
البار كما تنطوي ذاكرة عسكري متقاعد على أحداث الثكنة.
إن عراقين مجهولين، جنودا وعمالا وباعة، ومثقفين، اضطروا للنوم
تحت شاحنات عبرت بهم اوروبا كلها تحت جحيم
من النار، أو اختبأوا في بواخر وفي أقبية وغرف وعنابر رطبة حارة بلا ماء أو
شمس ولا يعرفون أين هم وبعضهم خرج هيكلا عظميا وبعضهم لم يخرج ووجد طعاما لجرذان
الباخرة أو غرق مع المركب وصار هو وعائلته وليمة لأعشاب البحر.
بصمت وبلا مراسيم ولا ادعاء ولا مباهاة ولا قدرة على الكتابة
ولا حتى يعرفونها عبروا البحار والجبال والحدود الشاحبة والملغومة وناموا على
الأرصفة الاسيوية أو كل أرصفة العالم المهلكة والمغبرة بلا مال ولا أمل.
لا أحد يتذكر هؤلاء، لأن البطولة ، بطولة الجيل الشعري الخارج
بعد الخليج الثانية، وأكرر ليس كلهم، هي بطولة ناقصة ما لم يكن البطل مخمورا، وما
لم يكن الشاعر الميت قد استهلك كثيرا من البناطيل على الأرصفة كي يكون شاعرا،
بلغتهم، تتبعه أجراس الملائكة وأحذية الشرطة.
شرط البطولة عند هؤلاء هو ان الشاعر حين يسقط، ان يسقط ليس
مضرجا بدمه من أجل الحرية، فلم يحدث هذا أبدا في التاريخ الشعري العراقي في ربع
قرن الأخير كما أعرف، بل أن يسقط مبقعا بقطرات من الماء الحار من داخل بنطلون عليه
غيمة تتسع كلما غرق في النعاس الشعري النتن.
26
عقلية المخبأ السري
هذا المقال دعوة للبحث في مخلفات تاريخ القمع المتواصل في
العقول والنفوس والأرواح والضمائر، فلا يفيد بعد اليوم شتم القمع، فهذا الأمر سهل
بسيط، ولا يحتاج موهبة أو مؤهلات، بل من الضروري تفكيك الخراب السري الذي أحدثه في
العقول والنفوس والابدان وهو التخريب الأخطر، فليس من المعقول والمجدي أن نظل أسرى
ثقافة الدكتاتور ومعاييره الوحشية إلى ما لا نهاية.
يحفر الخائف في أعماقه الداخلية العميقة متراسا أو حصنا أو
مخبأ أو وكرا أو حفرة أو نفقا
ويختبئ فيه بحثا عن الستر والأمان والطمأنينة. وسلوك الحفر أو المخبأ هذا
هو سلوك دفاعي وقائي بدائي كان يلجأ إليه الإنسان البدائي خوفا من المداهمة أو تجنب مواجهة صراع غير قادر عليه.لكن المخبأ البدائي كان ماديا ملموسا ـ قبل أن يتحول
إلى مخبأ أسطوري تقوم فيها الحكاية بوظيفة الطمأنة ـ لذلك فإن فرصة وإمكانية
الخروج منه ممكنة وسهلة، أما المخبأ الجديد، مخبأ الخوف، مخبأ القمع، فهو مخبأ سري
داخلي، أو بتعبير أدق هو مأزق سري.كيف يتم حفر هذه الأنفاق؟ إن ذهنية وعقلية المخبأ ذهنية معقدة ومركبة
وتعكس تعقد الوضع أو الحالة خارج
المخبأ النفسي أو الوكر الذهني. فذهنية المخبأ تقوم على نوع من الترضية الداخلية
أو التسوية ولا نقول المصالحة أو الحل مع الخارج، لأن الحل يتطلب إمكانيات لا
تتوفر لأصحاب ذهنية المخبأ.
هذه التسوية في الوقت الذي تؤمن فيه للمختبئ طمأنينة وأمنا
نفسيا، لأنها تجعله يبني عالمه السري والنفقي والداخلي والباطني بما يخلق نوعا من
التوازن واليسر الذهني ويبعده مؤقتا عن المخاطر الجدية، إلا أن هذه التسوية تنفيه
تماما عن ذاته وعن عالمه.
تسوية الحفر والنفق الباطني، تؤمن له بصورة عابرة مشاعر أمان
بحجم ما، وتجعله يمارس أحلامه أو أوهامه أو غرائزه أو سلطته على ذاته أو على جسده
أو على الآخرين، لكن هذه التسوية المؤقتة تنفيه وتجعله يعيش في حالة الاغتراب
العقلي أو في حالة المنفى العقلي عن ذاته وعن عالمه، بل أن هذا النموذج وهو النموذج المعياري والنمطي في
الدول البوليسية رغم التنكر والاختباء خلف واجهات مزيفة متقنة الصنع هي شكل محسن
ومطور للمخابئ المتطورة، لا يستطيع أن يتعرف في بعض حالات الاغتراب حتى على ملامحه
الجسدية أو التعرف على صورته في حشد من الناس أو التعرف على المكان الذي يتواجد
فيه يوميا، أي لا يتعرف حتى على المحيط الشخصي والاجتماعي، وغير قادر على التعرف
على صورته في المرآة في مراحل تقدم الحالة لأن جهاز الرؤية الذاتية عاطل أو مشوش.
إن انقسام أو انشطار الذات هو نفي للرؤية السليمة وهذا هو
المنفى. نظام المخبأ لا يقوم على
التجنب والهرب من مواجهة الآخر فحسب، سواء كان هذا الآخر سلطة أو شريحة أو حالة أو
موقفا، بل يقوم نظام المخبأ على الهرب من مواجهة الذات خاصة حين تتحول هذه الذات
إلى ذات هجينة أو ذات مغتربة مصنوعة وجاهزة ومعدة سلفا من عدة ذوات أو قوى أو مجمع
أرواح. الذات الجاهزة هي نفي وإثبات. نفي، أولا، للذات الحقيقية المطمورة، وإثبات،
ثانيا، لذات أخرى بديلة اجتماعية وسياسية ودينية أو ايديولوجية..الخ..
المخبأ، إذن، هو نوع من السفر إلى ذات مغيبة ومنفية ومقصية
ومرفوضة. أي الذات التي لا تُرى من الخارج. أي نوع من الهرب نحو الهوية السرية
التي يحفرها الخائف والمقموع لطمر نفسه، وهنا يؤسس الهارب معاييره الشخصية
السردابية على راحته ويريدها أن تصير معيارا لكل شيء، وهذه بداية لتناقض آخر مع العالم الذي لا يراه في واقعه
الموضوعي بل من خلال معاييره الشخصية المختلة. لكن إذا كان الهرب نحو النفق(قد
يكون النفق مقهى أو مهنة أو هواية أو حالة اجترار الخ..) أو المخبأ النفسي السري
هو تسوية مؤقتة للفرار من مأزق عام أو خاص، فكيف يتعامل صاحب هذا النفق أو الوكر
السري مع العالم، أو مع الآخر، أو مع الخارج بكل مكوناته وعناصره؟
تبدأ عملية التدمير النفسي
والاغتراب العقلي من لحظة وضع القدم
على عتبة الدار والشروع في الذهاب إلى الجماعة أو العمل أو المؤسسة أو الآخرين
بصرف النظر عن هويتهم وأحيانا يستمر الوهم في الدار. إن لحظة الخروج من المخبأ
السري أو العالم الفردي تشكل للمغترب العقلي والمنفي في داره ووطنه وشارعه، لحظة
نزع الحماية والأمان، والظهور، أو الخوف من الظهور، بالمظهر الحقيقي المخفي. إنها
تعادل لحظة الخروج من الرحم وفي بعض الاحيان حتى بعد زوال الأسباب المباشرة لأن
الصور المحفورة بقوة وعمق تنام طويلا وعميقا في الذاكرة ويبقى هاجس آذان الحائط
قائما حتى في اماكن أخرى جديدة، كالمنافي الليبرالية.
هكذا يتم الترويج لثقافة
بوليسية قمعية سياسية واجتماعية وأخلاقية لا تترك خيارا إلا حفر النفق أو المخبأ
السري والعيش فيه بل الإقامة فيه لسنوات أو العمر كله حسب الظروف والأحوال رغم
بقاء المظاهر الخارجية سليمة. فالمنفى النفسي لا يرى من الخارج. إنه سجن متجول.
الخارج من المخبأ إلى الآخرين أو الشارع أو العمل يخلع أول ما يخلع عند الخروج من
النفق السري أو القبر الخاص، ينزع
اللغة الشخصية التي يتحاور فيها مع نفسه في الوكر، النفق، ومع الآخرين أيضا في
نفقه كما يحب أن يتكلم أو يتوهم،
عندما يعجز أن يتكلم معهم في الخارج بهذه اللغة، ويصدم حين يجدهم في الخارج يتكلمون معه بغير لغته في النفق
النفسي. هذا هو الاغتراب أو المنفى الآخر: منفى اللغة. هو يتحدث معهم خارج المخبأ
بلغتهم لا بلغته.لغتهم هي لغة
مؤسسة. أي أن هؤلاء خارجون توا مثله
من أنفاقهم ومخابئهم السرية أيضا.إذن فإن الحوار الذي يدور هو حوار مؤسسات وأنفاق
وأوكار ومخابئ وليس حوارا إنسانيا عفويا صادقا وحقيقيا.واللقاء بين هؤلاء ليس لقاء
بشريا، بل هو لقاء أنفاق وأوكار ومخابئ ودهاليز معتمة وسرية. هذا هو أيضا الفارق
بين اللغة وبين اللسان: اللسان عضو اجتماعي مؤسسي، في حين تكون اللغة فردية.
بهذا المعنى تتحول اللغة من وسيلة تفاهم إلى وسيلة نفي. من لغة
للحوار إلى لغة صمت. من لغة تقول شيئا إلى لغة لا تقول، حين تقول، شيئا. والشخصية
الفارة أو الهاربة من مكانها الأصلي إلى مكان جديد(المنفى) تحمل معها نفس ذهنية
المخبأ حتى مع عدم وجود عناصر الحياة القديمة. السبب في ذلك ان الصورة الأصلية
زُرعت في الذهن على نحو حاد وهو أمر يقود، بسبب عمق وطول وشدة التجربة، إلى خلق
"ارتباطات عضوية"في الدماغ لا تزول بزوال المؤثر مهما كانت النصائح طيبة
وحكيمة وصادقة ودقيقة، لأن الأمر صار فوق طاقة صاحب المخبأ الذي يعي أزمته أحيانا
ولا يعي شيئا منها في أحيان أخرى. إذا
كان على وعي بمأزقه فإنه سيعيه على أنه مأزق سياسي. لكن هذا ليس إلا أحد
وجوه المأزق الرئيسة، أما الوجه الآخر المختفي فهو قوة الروابط العضوية التي نشأت
وتكونت وتجذرت في الدماغ نتيجة سنوات من التمرين والخبرات السلبية والتكرار
والاجترار. لذلك نجد أحكام ومقاييس صاحب الوكر أو النفق السري تتسم بعدم الثبات والارتجال والتغير السريع
والهياج والفورية والانقلابات المباغتة والمتناقضة والمتسمة أحيانا بكلبية مفرطة تحت
واجهة أخلاقية أو شعار سياسي ، حتى يبدو الشخص كأنه مهرج في سيرك رغم دقة ومهارة الواجهة الخارجية التي يتفنن في صنعها.
ان صاحب هذا المأزق يحب أن
يعيش مرضه ومأزقه وفضيحته بشكل سري وهو، لطول الوقت، صار يتلذذ بها، لكنه في نفس
الوقت يريد الظهور بمظهر خارجي أخلاقي جذاب قرمزي، ويبرع في صنع واجهات وشعارات
ويخوض معاركه باسم مثل عليا سياسية أو أخلاقية كاذبة. وهذه ليست سوى" صفقة
مغبون" أي تسوية مرضية تحت غطاء سياسي أو ثقافي، بتعبير خبير في علم النفس في
كتبه عن المازوخية. أي نحن أمام واجهتين، وشخصيتين: أولا، واجهة علنية براقة عن
تقوى ومثل عليا وقيم صارمة.ثانيا، ذات سرية منهارة تعيش في مخبأ أو وكر داخلي
وتتمترس بواجهة ملفقة كقناع. مع من نتعامل؟ صاحب المخبأ يميل، بل يقضي العمر كله
أحيانا، في التستر أو الهرب أو حجب أو نفي أو إثبات عكس صورته الداخلية المتصدعة
من خلال تبجح علني مضحك للقوة والثقة والهدوء، وهو بذلك ينفق وقتا ثمينا، بل عمرا،
بلا معنى، لمجرد الحرص على سلامة الواجهة أمام آخرين قد يعانون مثله أو أسوأ.
من هنا تظهر تلك
الاستعراضات والمحاولات التي لا يريد منها صاحب المخبأ في مراحل صعبة خدمة أية
رسالة عامة أو سياسية أو وطنية أو إنسانية بل كل هذه الجهود المضللة المهلكة
والمضنية من أجل تلميع واجهة منخورة
تزداد انكشافا كلما أنفق جهدا في الهرب منها، لأن طبيعة الثقة بالنفس تتسم بالعفوية والجمال والانسيابية دون بذل أي
جهد إرادي، لأن الإرادة تتناقض مع الثقة بالنفس: الإرادة جهد وطاقة، والثقة بالنفس
عفوية.
أصحاب المخابئ أنواع ونماذج وألوان ولا يمكن حصرهم في موقع أو
نموذج واحد. وكل نموذج يحل مأزقه بطريقة مختلفة عن الآخر. ونحن هنا أمام أكثر
النماذج شيوعا.صاحب المخبأ، في مراحل تطور الحالة دون وعيها، قد يصل إلى مرحلة
الهوس العام المغلّف أو المقّنع أو المتستر خلف أقنعة أو واجهات براقة أو سياسية أو أخلاقية، وقيادة معارك أو
حملات تتسم بالعدوانية والشراسة ضد آخر يجري خلقه على عجل وبصورة فورية باسم مبادئ
ومثل أخلاقية منتهكة. الاختلاف حول عقب سيجارة يصبح خلافا عن التاريخ، والاختلاف
حول أجرة دفع الباص يصير، في ذهنية صاحب المخبأ، خلافا حول الأمة، وتقاطع الرأي في
مقهى يتحول إلى صراع من أجل الحقيقة، والجماهير، والمستقبل، والأبدية. في كل
الأحوال، حتى في أسوأ نماذج تدهور المنفي النفسي، الا انه يحافظ على المظهر العام
والواجهة التي يحرص عليها أكثر من غيرها لكي لا تثقب، وهو يخوض دائما مواجهة مع قوى كبرى من أجل التاريخ أو الحزب أو الطبقة أو
الأمة أو الله أو الشرف، وهي حالة تقترب من الجنون أو من خبل العظمة.
صاحب عقل النفق أو المخبأ السري، في مراحل تدهوره، بما انه بلا
مثل مستقرة، وبما انه عاش تربية مزدوجة ومتناقضة ومهشمة وبشخصية تعاني من تصدع سري
على مستوى بنيوي عميق جدا، فإنه قادر على القيام بالشيء وبنقيضه في آن واحد، من
رمي الورد على المارة إلى رمي الوساخة في لحظة تالية، والتبول على أي نصب تذكاري
في لحظة أخرى، وفي كل الأحوال يبرع في خلق العناوين لكل هذه المهازل، وعادة تكون
هذه العناوين ضخمة وكبيرة ومقدسة . بل قد يقوم في لحظة واحد بكل أنواع التناقضات
دون التنبه إلى مواقفه السابقة التي لا يتذكرها أصلا لأنها في الأساس لم تكن مواقف
حقيقية بالمعنى العميق للموقف بل هي نزوات لتجميل واجهة أكثر من أي شيء آخر لا
يتذكرها بالمرة.
مع شخصية مهتزة تعاني من تصدع وعدم توازن ونضج لا يعرف المرء
كما يقول عالم النفس الفرنسي بيير داكو بأي رجل يرقص.كل أشكال الانفجارات والمواقف
متوقعة وأكثرها غرابة لأن عوامل ضبط الشخصية في الأساس متوقفة أو معطوبة من شدة
سنوات التمثيل واللعب وصنع المظهر وبناء واجهة سرعان ما تنكشف بعد حرب استنزاف
نفسية طويلة ومجهدة ومحيرة.
على المستوى الثقافي، هذه الثقافة تقول الشيء وعكسه في آن
واحد. لماذا؟ لأن لغة الكتابة أو لغة القول فيها من خارج البنية النفسية أو من
خارج ذات عميقة حقيقية، بل هي لغة كتب ومن منظومة فكرية من خارج ذات متصدعة.
ينسى صاحب المخبأ أقواله اليوم التي كتبها أمس عن الحرية
والاختلاف والعصافير والأطفال والفراشات والعطور، لأنها في الأساس ليست لغته بل
لغة مستعارة مجلوبة تم اقتراضها على عجل من منطقة تفكير أخرى أو من مرجعية مغايرة.
صاحب المخبأ يكتب عن مساوئ الفاشية من جهة ويدعو إلى إزالتها، لكنه ونتيجة فقدان
التوازن، وانشطار اللغة، والازدواجية، يهرج على ضحاياها بكونهم مرضى نفسيا كما لو
ان ذلك هو خيارهم الطبيعي وليس لأن الواقع المر هو السبب. ان ثلث جنود الاحتلال
يعانون من أمراض نفسية تطلبت تدخلا طبيا وهم في تجربة عابرة، فكيف بشعب حبس في
جحيم حقيقي أكثر من 34 سنة؟
صاحب المخبأ ديمقراطي إذا تذكر كتب الديمقراطية أو ذكّره أحد
بها، لكنه ليس كذلك إذا نسي، وكثيرا ما ينسى. لا بد هنا أن نذكّره في كل مرة. إن
عليه أن يعمل" الإرادة" كي يكون ديمقراطيا، وعليه أن يبذل جهدا لكي
يتذكر قيمه لأنها لا تعيش معه دائما. فهذه القيم لا تنتمي إلى نظام المخبأ، ولم
تتعكز عليها بنيته الذهنية.
ذهنية المخبأ السري تتعارض كليا مع عالم الوضوح والقانون
والعلنية والصراحة. لذلك تستدعي عالمها القديم ومعاييرها القديمة، معايير المخبأ
أو الوكر، لأنها ترتكز عليها، حتى في مكان جديد مفتوح وصريح وعلني. حين كنت امشي
مع صديق في شوارع كوبنهاكن فوجئت به
عدة مرات ينعطف بي بطريقة خاطفة وسريعة هامسا بأن نبتعد من هذا المكان أو تلك السيارة
أو هذه الحديقة أو ذاك الشخص.كنا لا نمشي في هذه المدينة الدنماركية الحالمة، بل
نمشي في أنفاقنا السرية التي لم وربما لن نخرج منها أبدا إلى ضوء النهار بعد أن
أدمنا العتمة.
27
السنجاب المحاصر
كثيرون يحلمون على أبواب راس السنة وعيد ميلاد المسيح ببدايات
جديدة وهذا حق، فلا حدود للحلم البشري ومن حق أي إنسان أن يحلم حلما شخصيا في أن
يكون ما يشاء: هناك من يحلم بتغيير العالم، وهناك من يحلم بتغيير منزله، أو تغيير
قميصه، بل هناك من يحلم بتغيير حزبه أو زوجته وحتى لون عينيه، أو حقه في مواصلة
الحياة أو في التوقف عن العمل أو الكتابة .
مقياس آدمية الآخر في احترامه للحلم الشخصي والفردي للآخرين،
أما إذا وصلت مساحات الفضول إلى أحلام الآخرين الفردية فهذا يعني أعلى درجات
الانحطاط البشري التي لا تنفع معها كل مقالات الأرض وكل حروبها وكل فلسفاتها بل كل
حرائقها. الحل الوحيد والأوحد لهذا النوع من الموت(موت الحساسية) هو أن
تستدير كما في محطة قطار وتعطي ظهرك. من حق أي إنسان أن يبدأ من النقطة التي يحب ويريد ويرغب ويشتهي دون
تصريح أو تدخل أو اعتراض من احد وعلينا أن نحترم أحلام الآخر، غير الشبيه،
المختلف، أو في الأقل أحلامه البدائية(وليست السياسية لأن هذا صعب جدا على بعض النماذج) وهذه الأحلام تشمل الحق في السكن
وفي الزواج وفي الإنجاب وفي العقيدة وفي الرأي وفي الكتابة وفي التوقف وفي نوع
الطعام ونوع الصديق ونوع المكان الذي يسكن ونوع الدواء الذي يعالج به ونوع الطبيب
ونوع المقبرة واسم الدفان وأسم
المجلة أو الجريدة التي يكتب أو لا يكتب، يعمل أو لا يعمل، يحب أو لا
يحب....الخ... كما يفعل باقي خلق الله في هذا العالم.
وهناك حقوق كثيرة شرعتها الدساتير والأديان منها حق التفكير،
وحق الحياة، وحق المعتقد، والحقوق الاقتصادية والسياسية والدينية والحماية من
التعذيب وحق الفرد في حماية سمعته وعرضه من منتهكي أعراض الناس على وسائل الأعلام
وفي غيرها(كما حددها البيان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان، في مقر اليونسكو بباريس سنة 81) والحق في العدل
والمحاكمة وفي الصمت وفي الكلام وفي النوم وفي الشخير وفي البراز وفي السفر وحماية الملكية والحق في حماية
خصوصياته.. الخ .. الحقوق الطبيعية والمكتسبة.
لكن ماذا نفعل إذا كان هناك من لا يزال حتى في هذه الحرائق
والموت والحروب والتجارب المهلكة من يعتبر حتى الخصوصيات الفردية في مستوى الجرائم
وتستدعي بيانات ومقالات مع ان شعوب العالم المتحضر أوغلت في الحقوق الفردية حتى
وصل الأمر إلى الحق الشخصي في سلب الحياة الخاصة أو الحق في الانتحار وفي تأسيس
مطبوعات من داخل المنزل وحتى محطات إذاعية أو تلفزيونية تصدر من مؤسسات وصيدليات
محلية أو من كنائس أو حتى من أسواق شخصية.
مرة سئلت لماذا تصر بعض
منابر سياسية على وضع صور لأناس محترمين ثم تمارس كل هذا السلوك الهابط
والمخزي خلفه، فكان جوابي الوحيد هو ان الأمر يشبه أن يضع صاحب ماخور صورا لأولياء
صالحين على الباب الأمامي لتغطية الحفل الداعر خلف الأبواب.
اليوم لم تعد هذه المحطات والصحف والمواقع وحيدة في الساحة بل
هناك بدائل للقارئ والكاتب لا حصر لها وهناك منافسة. المنبر الإعلامي، مثل شرف
الإنسان، مصنوع من الزجاج الرقيق جدا، تسقط هيبته مرة واحدة ويهمل بدون رجعة خاصة
ونحن ننفتح اليوم على قراء الداخل وهم جمهور واسع من النخب الثقافية والسياسية ومن
الأكاديميين والطلاب ومن الكتاب
أيضا. أما حالة(السنجاب المحاصر) في قفص وهو تعبير عالم النفس الفرنسي الشهير بيير
داكو عن المحبوسين داخل جلودهم، فهي حالة لا شفاء لها على الإطلاق إلا بعلاج طويل
ربما: أنها نوع من( الحصر) النفسي، والاجترار العصبي، والتصدع الداخلي للشخصية
الذي يحاول ترميم واجهة متداعية على حساب (شيطنة الآخر) وهو نوع مؤلم ومثير للشفقة
من الأفكار الثابتة التي لا يقوى على مغادرتها هذا السنجاب لأنه أسيرها وسجينها
ولا يغادرها حتى يعود إلى نفس الموضوعات فهي بالنسبة له تشكل نوعا من الأمن
الداخلي نتيجة الخوف وتآكل سري رهيب في الشخصية لذلك فهو في حالة دوران داخل
القفص ولا منقذ من هذا التداعي سوى الارتطام.
28
تاريخ المسوخ
في كثير من الأحيان
نقرأ أو نسمع من وسائل اعلام ومن حوارات خاصة ان العنف دخيل على العراقيين
وانهم لم يعرفوه في تاريخهم الطويل والعريق والمجيد وفي مثل هذه الحالة يختلط
التمني بالامل بالوهم، ويضطر كل مدقق وفاحص في تاريخ بلاد الرافدين الى الصمت
والسكوت لكي لا يجرح مرة أماني الاخرين ومرة اخرى لانه يعرف ان نقاشا مثل هذا يحتاج الى
منبره المناسب.
ان تاريخ بلاد النهرين هو تاريخ عنف وعنف مؤسسي أي مؤسس على
اساطير أولا ثم على عقائد دينية ثانيا ثم بعد ذلك على عقائد سياسية ثالثا. ومن
غرائب الامور ان هذا العنف في كل هذه الأطوار استعمل قواسم مشتركة سواء في نوع
الاسلحة أو في نهايات الخصوم أو في الحرب الدعائية أو في ظاهرة قلب الخصم مسخا كما
جرى في مراحل الوعي الاسطوري أو الوعي الديني او الوعي السياسي.
بكلام أدق ان العقل
العراقي في كل هذه الأطوار ظل كما هو (عقلا) متعاليا على الزمان والمكان غارقا في
مخيلة ـ ميثولوجية ـ اسطورية وتارة
اخرى دينية وثالثة سياسية.
من غريب ما شاهدته في الأزمة الاخيرة، أي جريمة نسف قبة الامام
علي الهادي والحسن العسكري، وهي جريمة جبانة بكل المقاييس،أن يتم استدعاء1.
الاسطوري،الميثولوجي 2. والديني 3. والسياسي، في حرب الحاضر.
كأن هذا الحاضر يعلن افلاسه في حضرة تاريخ مليء وهذه الظاهرة
يجسدها اكثر من غيرها ظاهرة اختفاء المثقف أو المفكر أو حتى السياسي في اللحظات
العاصفة وسيطرة رجال الدين على المشهد الاعلامي وهو أمر يؤكد أكثر من ظاهرة افلاس
المثقف الدعوي العقائدي الذي شغل الناس وحرث تماسكهم ونهشهم وقادهم الى صراعات(طبعا مقدسة) ثم هاهو
يقف عاريا مهملا مطرودا من معارك التاريخ الكبرى.
مثلا: بعض رايات المحتجين
كانت تحتوي سيوفا نقشت على غرار سيف الامام علي بن ابي طالب، وبعض الصور سواء على
ورق او نقش سجادي كانت ترمز لامام
بجناحي نسر كبيرين لا شك ان التدقيق فيهما يقود الى الجناح الاشوري
المعروف(تختلط في الثقافة الرافدية الاسطورة بالدين بالتقاليد)، كما ان بعض الصور
تعود الى وجه رضيع قتيل وهي تعود بقوة الى الموروث الكربلائي، بل حتى بعض صور
الأئمة كانت أقرب الى صور المسيح
كما تجسدها المخيلة الكنسية الشرقية.
ان الذين درسوا بعمق ظاهرة الوعي الاسطوري وتاريخ الاقوام
البدائية أمثال كلود ليفي شتراوس خاصة
كتابه(الفكر البري) وقد اعاد
قراءتها بصورة خلاقة الكاتب تركي علي ربيعو في كتابه القيم (العنف والمقدس والجنس
في الميثولوجيا الاسلامية) يؤكدون على ان العنف المؤسسي أو المنهجي القائم على
عقائد هو من صميم الحضارة الرافدية والاسلامية. بل يمضي تركي علي بعيدا وبأدلة
بينة على ان مشهد الافتتاح الاول في الحضارة الرافدية قد بدأ وتأسس على عنف
(مقدس):في الزمن الميثولوجي يكون الانسان هو الشاهد الأول على صراع بين
الالهة البابلية(الخير والشر وهذه الثنائية تتكرر حتى
اليوم في وعي لا يزال اسطوريا لان قطيعة معرفية لم تقع) يتم قتل الاله أبسو الذي
يذبح(والذبح هذا له دلالة قديمة أهم من القتل بأدوات أخرى) فهو أول كائن ميثولوجي
يذبح ويقدم قربانا، أي ما عرف على يد فرويد بقتل الأب.
ومن مستلزمات هذا الطقس أو التقليد أن يكون الذبح، كما في حرب
التحريض في الميثولوجيا السياسية اليوم، جماعيا كي يكتسب معنى مقدسا، لاله سابقا،
أو ولي صالح، أو طبقة أو حزب وهلم جرا.لكن أغرب ما يمكن ملاحظته من قراءة تاريخ
الاقوام البدائية وما تلاها وحتى اليوم على نحو مموه ان في نهاية كل صراع سواء:
بين آلهة(على المستوى الميثولوجي الاسطوري) أو بين قوى الكفر والايمان(على المستوى
الديني) أو بين قوى الثورة والثورة المضادة(على المستوى السياسي اليوم) هو انه في
نهاية كل صراع وولادة مرحلة أو زمن جديد هو مسخ الخصم أو تحويل الخصم الى مسخ وبطل.
يثبت هذا الرأي المفكر تركي ربيعو قائلا:(في معظم الثقافات
يكون الممسوخون ابطالا للنظام الثقافي السياسي الكائن. في جميع اساطير الخلق نجد
ان فعل الخلق هو اعادة صياغة وتشكيل لشيء عجيب وجديد. ففي ملحمة الخليقة البابلية
تقوم الالهة باحضار الاله العاصي كنكو، فيقطعون شرايينه ومن دمه(أي مسخ على هيئة
أخرى) يخلق لولو).
أما في التاريخ الاسلامي فمن المعروف ان الصراع مع السماء قاد
الى مسخ ابليس الى شيطان لكي ينفتح المشهد المؤسس على عنف مقدس ومشرّع له.(في هذه
الحالة يصبح العنف بنيويا). أي ليس طارئا ولا فتنة أو اغواءً أو جهلا.
أما ظاهرة تحويل الخصم الى
مسخ في صراعات السياسة وتجريده من
آدميته وجنسه وكل صوره البشرية فهذه وان كانت ترتدي لبوسا عصريا لكنها في الجوهر
جزء عضوي من الوعي الميثولوجي القائم فوق الأزمنة والأمكنة.
ان تاريخ المسخ هو مسخ التاريخ، وكما لكل مرحلة آلهتها فلها
مسوخها أيضا. وفي هذا النوع من الصراعات القديمة والجديدة لا تكون المسافة كبيرة
بين الأشرار والأخيار فلكل طرف رموزه ومبرراته في تبرير العنف الذي يكون(مقدسا)
عند طرف و(مدنسا) عند آخر. لكنه في الحالتين جريمة مؤسسة على عقائد تتحرك خارج كل
قانون الا قانون العقيدة، لأن قانون العقيدة لا يخضع للزمان ولا للمكان: انه
المليء حين يفرغ الحاضر، انه الغني حين يفلس الحاضر، انه الأزمنة كلها في منعطفات
التيه. نحن كائنات ميثولوجية تتعامل مع الانترنت والتلفاز والهاتف لكن الجزء الاكبر فينا غارق في أعماق
ذاكرة بدائية حية وتٌنشط يوميا عبر
وعلامات ورايات وصور ورموز.
29
تفكيك صورة الجلاد
الصورة النمطية الشائعة عن الجلاد هي من أكثر الصور غموضا
والتباسا في الوعي العام، لأن هذا النموذج المنتمي للبشر والمتعالي عليهم، لا يعيش
ويعمل إلا في مناخ الكتمان والسر والغموض وأجواء الرهبة والقوة والقسوة
والوحشية.لذلك رسمت المخيلة العامة صورة عنه تصفه بكونه الرجل المكلف بتنفيذ
قرارات السلطة أو رغباتها أو إرادتها. أي صورة الرجل القوي الذي لا حدود لسلطته في
المكان المغلق أو غرفة التعذيب.لكن هذه الصورة ليست هي الصورة التامة عن هذا
الكائن الذي تستنجد به سلطة غاشمة شرسة ووحشية لكي يساعدها في الدخول إلى عقل
المخالف والمعترض والمشبوه والمختلف وغير الشبيه.
إنه أمر ينطوي على مفارقة ساخرة وكبيرة في آن أن السلطة التي
تملك كل شيء من عناصر القوة وقادرة على الدخول إلى كل الأمكنة، وأحيانا تمتلك قدرة
غزو الدول، تجد نفسها عاجزة في الدخول إلى عقل المخالف والمحتج والمشكوك فيه.من
هنا كانت وظيفة هذا الكائن الجلاد هي وظيفة تقوم على مساعدة سلطة قوية وعاجزة في
آن للدخول في المعتم واللغز والسر والمخفي. لكن هل حقا أن الجلاد هو رمز السلطة
المستبدة أم انه أحد ضحاياها المجهولين؟ بكل يقين أن هذا المخلوق هو جلاد ويتقاضى
أجرا على عمله ويحمل هوية رسمية تمنحه صفة "قانونية" لمزاولة مهنته،
لكنه في نفس الوقت أحد ضحايا هذا الاستبداد الوحشي الذي يمارسه هو نفسه على أجساد
ضحاياه سواء كان على دراية بذلك أم لا، لأن العلاقة عضوية بين تشويه جسد الآخر
وبين تشويه جسد الجلاد.
كيف تجد سلطة قوية وعنيفة
نفسها عاجزة عن الدخول في عوالم العقل المغلق للمعارض والمحتج والمختلف وتستنجد
بالجلاد لمساعدتها في كسر الأبواب المقفلة؟ وهل هو قادر فعلا على إنجاز هذه المهمة
بدقة؟ إن الجلاد الذي يمثل رمز قوة السلطة ووحشيتها هو في آن واحد رمز ضعف السلطة
وانهيارها. فلماذا، أصلا، تنشغل هذه السلطة بعالم الأبواب المغلقة وتحاول الدخول
في المخفي والمحصن والشخصي والنائي والبعيد والسري لو لم تكن سلطة خائفة ومرتعشة؟
الجلاد، وهذه مفارقة أخرى،
في الوقت الذي يعمل فيه على كسر أبواب مغلقة للمختلف والمعارض والمحتج وغير
الشبيه، إلا أنه يكسر في داخله هو نفسه أبوابا لا يمكن أن تصلّح، ويهدم في أعماقه
جدرانا لا يمكن أن ترمم.
مرة التقيت بالفنانة
المصرية المعروفة محسنة توفيق بطلة فيلم(العصفور) ليوسف شاهين في فندق في بغداد
سنة 79 وتحدثت محسنة عن مسرحية(دماء على نوافذ السهرة)للكاتب الأسباني أنطونيو
بايخو، وكانت هذه المسرحية قد عرضت في القاهرة يوما ومنع عرضها.
كانت المسرحية، حسب
الفنانة محسنة توفيق، تتعرض لحياة جلاد يقوم بتعذيب سجناء سياسيين وانتزاع
الاعترافات منهم بالقوة. لكنه مع الوقت أصيب بعجز جنسي وعقم فراجع الطبيب وفوجئ أن
الطبيب يركز في أسئلته عن المهنة، وحين أجابه الجلاد بكل وضوح ودقة، كان رد الطبيب
هو الآتي:ـ بما أنك تشوه أجساد وأرواح الآخرين، فأنت في نفس الوقت تتشوه. هذا
العقم الجنسي هو في الأساس عقم أخلاقي.
بهذه الصورة يفسد عقل
السلطة العقل الجنسي ويشوه الكائن. قرر هذا الجلاد أن يتخلى عن مهنته حين اكتشف
أنه كان يدفع ثمنا مع ضحاياه، وحين يعود إلى المنزل تكون الزوجة قد عرفت قبل لحظات
بمهنة زوجها التي تجهلها تماما عن طريق ضحية شاكية، فتقرر أن تضع حدا لحياته،
وعندما يدخل إلى المنزل ليشرح لها كل شيء ويعلن تخليه عن هذه المهنة ، تكون الزوجة
وما أن يدخل إلى المنزل قد أطلقت عليه النار وقبل أن تسمع اعترافه.
إن الجلاد المكلف بكسر
الأقفال المغلقة والحصينة والدخول في الأعماق المظلمة ومناطق السر والتجول في
سراديب اللاشعور وأدغاله ورغباته
وصوره البدائية والجديدة وغرائزه الحيوانية، هذا الكائن غير قادر على الدخول في
أعماقه هو، وفي ضميره هو، وفي لاشعوره هو، إلا حين يأتي هذا الدخول من طرف آخر هو الطبيب.
الطبيب هنا في تصوري يجسد الحل الديمقراطي للدخول إلى أعماق
الإنسان بصورة سلمية هادئة واختيارية ومثمرة. لقد فشل الجلاد في دخول أعماق
ضحاياها،كما فشل في الدخول إلى أعماقه، وجاءت النجدة من طرف آخر كان يمكن أن يكون
ضحية أخرى.
يعمل الجلاد في المكان المغلق لأنه غير قادر ولا مسموح له أن
يعمل في الفضاء العمومي، خاصة وأن السلطة التي دربته على هذه الحرفة تعلن في
الخارج عن هوية أخلاقية وعن مشروع سياسي واقتصادي وثقافي مغاير لما يجري في هذه
الأمكنة المغلقة.بهذا المعنى فإن هذا الجلاد على الرغم من كل شيء هو أكثر الناس وعيا بنفاق وازدواجية وكذب
السلطة وشعاراتها. فهو يعرف ان هذا المكان المغلق الذي يمارس فيه مهنته يتضمن عارا
يجب أن يظل مخفيا عن الأنظار. ليس غير المكان المغلق من يستر هذا العار.وعادة ما
تغلق غرف التعذيب بعوازل خاصة تمنع خروج الصرخات إلى الشارع، أو المكان المفتوح،
وتفضح شعارات الحيطان.
ماذا يخشى الجلاد وهو يمارس مهنته؟ يخشى عين الضحية.إن تقابل
النظر بين الضحية وجلادها في لحظة واحدة يعري المخبوء والمستور والمخفي داخل أعماق
الجلاد. فهذا الكائن يعرف أنه أضعف بكثير من ضحيته، وأنها أقوى منه بحكم لا
أخلاقية الوظيفة. وهذا الشعور بالدونية أمام صلابة وعذاب الضحية هو الذي يدفعه في
الغالب إلى تجاهل نظراتها أو غلق مجال الرؤية، أو غلق عين الضحية عند التعذيب في
السجون السرية.
الحوار الذي يجري بين عين
الضحية وعين الجلاد هو حوار من نوع آخر. إنه حوار البشري مع المنسلخ والهارب
والمتنكر لبشريته. هذا المتنكر لا يريد أن يرى صورته في عين ضحيته مهما كلف الأمر،
لأنه لا يريد أن يرى صورته الأصلية أولا، ولا يريد أن يرى هزيمته ثانيا، وثالثا لا يريد أن يرى قدرة الآخر على العقاب
حتى وهو ملقى على الأرض وأعزل. ليس غير الأعزل من يفضح الجلاد.
لوحة مدهشة رأيتها في قصر(نيافران) في طهران سنة 89 في قصر شاه
إيران الذي تحول إلى متحف، وفي غرفة مكتبه تحديدا واللوحة مهداة كما أتذكر من
الرسام سلفادور دالي عن عصفور يأكل عصفورا وينظر خارج اللوحة بعين شرسة، كأن خروج
هذا المخلوق الرقيق من عذوبته ورقته لا يكون إلا حين التحول من الحيواني والدخول
في البشري حسب تصور هذا الفنان، أي أن البراءة تمحي حين ينتقل طائر بريء من صفته
الأصلية إلى صفة الإنسان. وكانت مفارقة غريبة لا تخلو من معنى أن أتجول أنا المشرد
الذي لا يملك سوى ما يعادل ثلاثة
أرغفة خبز في قصر امبراطور هارب.
مع تغول السلطة، ونمو قوتها، خلقت أنماطا غير معروفة للجلاد
الأصلي، وغيرت من صورته النمطية الشائعة. فلم يعد الجلاد هو المكلف بالتعذيب في
المكان المغلق فحسب، بل صار أكثر أناقة وشاعرية ورقة، وصار قادرا على الخروج إلى
المكان العمومي المفتوح والتحدث مع الجمهور لكن هذه المرة بصفة أخرى، وبدور آخر مع
بقاء الوظيفة الجوهرية على وضعها وهي قمع المحتجين والمختلفين والساخطين لكن هذه
المرة بشكل جديد.
إنه حامل فكر ومثقف ومروّج
مفاهيم يعرضها على جمهور عام بكل أريحية كما يبدو الأمر. لكنه حين يفشل، يتكفل
الآخر، صاحب المكان المغلق، والخبير بكسر اللاشعور، والجسد، بالدخول إلى منطقة
الظلام والذاكرة والدم.الأخطر هو أن السلطة البوليسية سلطة ذات طبيعة وبائية، أي
تنقل عقدها وأمراضها إلى أجساد ضحاياها بدون علم أو علم الضحية، ويكمن هذا الوباء
في عقل الضحية حتى في مكان بعيد، ومختلف، لا يمتلك فيه الجلاد الأصلي سلطة التصرف.
أي أن الضحية تعيد إنتاج سلوك جلادها الأول على ضحية أخرى.هذا التماهي، كما يقول
فرانز فانون، هو أقذر سلوك بشري على وجه الأرض وجده بين الضحايا. إن الضحية تتقمص
دور جلادها دون وعي وتمارسه على نحو خسيس وبتفنن رغم بقاء المظاهر الخارجية،
الواجهة، الشعارات، سليمة في الظاهر، على ضحية هالكة.
إن الجلاد الجديد، المتماهي، المتقمص، المختفي، والمستتر،
الباحث عن التنفيس، لا يحتاج إلا إلى مؤسسة لكي يمارس دوره كجلاد وباسم الحقيقة أو الجماهير أو الوطن أو
التاريخ أو الشرف أو الثورة أو
الذوق أو الأخلاق. وإذا لم يكن يمتلك المؤسسة الآن فهو يمتلك ثقافة الوصم
كتعويض عن إذلال قديم.لكن هذه الضحية المتقمصة دور الجلاد، إعجابا منها بجلادها
الأول، لا تقترب من ضحية قوية لتمارس قهرها عليها، نتيجة الجبن الذي زرعه في
أعماقها جلادها الأصلي، والخوف من القوي، لذلك تختار، في أقذر سلوك بشري انتقائي،
يتصف بالخسة والجبن، تختار ضحية ضعيفة كي تمارس عليها قهرها، أي تمارس لعبة
التنفيس.
إن صورة الجلاد صورة مركبة
من تاريخ عريق من صراع السلطة
والحرية، وهو بشكل ما أحد ضحايا السياسي والمفكر والمثقف الذي ينتج سلطة مشوهة،
يتملص منها الجميع، في لحظة ما، وتلصق كل الجرائم باسمه.فكيف يمكن الانتقال من حرية السلطة إلى سلطة الحرية؟
30
زمن يلوذ به الجميع هربا من الحريق
ليس هناك زمن عراقي يلوذ به الجميع بالفرار اوضح من هذا الزمن
وكثيرون فيه يشعرون بانهم في غير مكانهم الحقيقي ولا اظن ان احدا كان يوما في
مكانه الحقيقي بما في ذلك الحجر والريح والايام، وكما قال الشاعر رامبو"
الحياة الحقيقية غائبة عنا، لست من هذا العالم" وهي العبارة التي قالها السيد
المسيح من قبل: لست من هذا العالم.
الكل يلوذ بالفرار وعلى طريقته الخاصة كقطارات تتصادم في
العتمة،كطيور تشتبك اجنحتها في الهلع والظلام، ويشبه الأمر مجموعة من الأشخاص
حوصروا في بناية احترقت فجأة والكل يبحث عبثا عن باب النجاة في الحريق والدخان
والصراخ والرائحة والموت: السيد علي السيستاني ـ طال عمره ـ انقذته النوبة القلبية الخفيفة فطار الى لندن قاطعا
الطرق الصحراوية دون المرور بالمدن الكبيرة، رافضا استعمال طائرة الهليكوبتر من
خبرة عريقة ودراية عميقة بأفعال هؤلاء. لكن تأمل المرجع الاعلى وهو طريح الفراش
وفي سيارة وفي هذا الصيف المهلك وهو يأخذ الطرق البرية تحسبا من الجميع، من
محتلين، ومن مقاومين، ومن ارهابيين، ومن محتجين، ولصوص، يعكس صورة من تاريخ هذه اللحظة الحرجة.
أعضاء مجلس الحكم الانتقالي فر كثيرون منهم الى مدن ومنتجعات
وبلاد وقرى وقبائل طلبا للماء والكلأ والراحة وصابون لوكس وعطر نغربونتي ودفع
قائمة الهاتف والايجار وتأمل اشرطة الفيديو عن عز لم يدم.
كل اعضاء الحكومة بلا استثناء دخلوا في مرحلة طاقية
الاخفاء ويكون ظهورهم الخاطف في
مؤتمرات معدة على عجل هو من باب نفي
الغياب الذي لا يدل على الحضور لأن الحضور هو حضور فاعلية ومشاركة وصناعة مصير بلد
يتطاير في الريح ويحترق في سنوات حريق بامتياز.
بول بريمر كان يهرع لركوب الطائرة وخلفه مودعه الوحيد لا
يكاد يلحق به حتى انطبق عليه ما قاله العرب القدامى عن سرعة الركض: كجياد من سرعة
الجري ما لهن قوائم.السيد كولن باول يدخل ويخرج من بغداد على طريقة روايات اجاثا
كريستي.
السيد رامزفيلد ينزل من الطائرة دون ان يصافح احدا او يصافحهم
ذاهلا غير عارف من يستلم يده ومن يسلمها للاخر، يركض نحو السيارة المصفحة خائفا من
ارض المطار واشجار المطار ومن المستقبلين والحراس والزجاج المضبب ومن السترة
الواقية من الرصاص ومن نوافذ المنازل القريبة ومن المطر.
السيد رئيس الوزراء لا احد يعرف كيف يظهر وكيف يختفي وكيف
يسافر وكيف يعود بل لا أحد يعرف هل
هو داخل/ خارج العراق.حتى السلام الجمهوري اختفى هو الاخر ولا احد يعرف اين صار
الجديد واين ذهب القديم وعما اذا كنا بحاجة لسلام جمهوري ام نكتفي بوجبة القصف
المسائي. اذا كان الجميع في حالة هرب
متواصل، افرادا، واحزابا، ودولا، ومؤسسات، فمن الذي يؤسس لنا هذه الديمقراطية؟
حتى رئيس أقوى دولة في العالم هي امريكا دخل العراق سرا، مع
ديك رومي من البلاستيك اعد على عجل، وقدمه بنفسه لجنوده في وجبة غش جديدة بعد أن
قدم لهم من قبل ما هو أخطر من معلومات مغشوشة عن العراق الذي قال عنه تومي فرانك
قائد جيوش الحرب في مذكراته :انهم اخطأوا في فهم العراقيين. وليس فرانك وحده من وقع في هذا الخطأ فلا وجود
لعراقي اليوم يفهم عراقيا آخر.
مجانين مستشفى الشماعية اختفوا هم ايضا وظهر بعضهم فجأة في
ساحة التحرير لتنظيم المرور في علامة جديدة على زوال بابل الجديدة، مثلما كانت
العلامة الاولى لزوالها هي ولادة السيد المسيح، ولا أدري لماذا لم يتوقف الكتاب
والعلماء والخبراء والفقهاء عند هذه الظاهرة العجيبة التي تلخص هذا الزمن أدق
تلخيص: العقلاء يحدثون الفوضى والمجانين يحاولون اعادة النظام.
أطرف الذين يظهرون ويختفون(ومشي القطا، لا ريث ولا عجل) وعنده
سيقان كأنها قدت من الريح، هو السيد مستشار الأمن القومي. هذا السيد لا يعرف حتى
الجن الأزرق كيف يصل وكيف يختفي وكيف يغادر
لكنه حاضر في كل مكان وفي اللامكان: يظهر في محكمة، يظهر في مقابلة مع
الدكتاتور، يزوره في برية قاحلة بلا أشجار، يخرج من محطة تلفزة ويظهر في اخرى، ولا
احد يدري كيف يتم ذلك وعما اذا كان قد عثر على الأنفاق السرية القديمة التي تؤمن
حرية التسلل الخلسي.
السيد مقتدى الصدر المطلوب لأكثر من جهة، يظهر يوما في جامع
الكوفة ليصب لعناته على الحكومة وعلى الاحتلال، وبعد ذلك يغوص في السرية في سراديب
النجف التي يضيع فيها جيش الصين
وبلا أثر.
حتى السيد رئيس الدولة الذي كان يستطيع قبل ذلك المشي في
شوارعه الاليفة، وشرب الشاي على رصيف عام، اختفى من الواجهة، وتبدلت عليه الطرق،
والوجوه، والحراس، لا شك يعاني اليوم من رهاب الأماكن المغلقة والحنين الى البراري
المفتوحة.
أكثر الناس صخبا وحيوية في الأيام الماضية السيد أحمد الجلبي هو
الآخر دخل في مرحلة النضال السري وصار يظهر ويمر على الفضائيات مرور الكرام
واستبدل المدن المصرفية بالمدن المقدسة وفي توزيع جديد للقوى يعكس واحدة من أشد
اللحظات حراجة في تاريخ الوطن
وأكثرها سخرية.
السيد وزير الخارجية يظهر فجأة في مؤتمر صحفي في بغداد، وقبل
أن يغادر الصحفيون القاعة، يظهر مبتسما في الكرملين وهو يشد على يد الرئيس الروسي
كأنه يريد أن يأخذه معه الى منتجع صلاح الدين.
أقل هؤلاء حظا هو السيد وزير العدل(يوم كتابة المقال) وكما
يقول المثل العراقي(يقع بها قليل الذنوب) ما ان انتهى يوما من شرح قانون السلامة
الوطنية، وبشرنا بالأمن والطمأنينة والعدالة، حتى تخيلت انني سأعود الى بغداد والى
نفس المصطبة في شارع ابي نؤاس، حتى كانت السيارة المفخخة تنتظره على الطريق لاضافة
آخر التواقيع على قانون السلامة الوطنية، ومن يومها لم يعد احد يسمع شيئا عن
الوزير ولا اذا كان حيا أو ميتا.
على الجانب الآخر ظهرت وجوه كانت مختفية وتثير الذعر لكي تكتمل
لوحة المساخر، وجوه كان مجرد ذكرها يجعل الحامل تجهض، والطفل يكف عن البكاء،
والحمام عن النوح، ويوقف مجرى الانهار، ويغلق الطرق والشرايين ويولد الفزع:من كان
يتصور أن يظهر علي حسن المجيد بعكاز وهو يقف في طابور طويل كديك منتوف الريش، ذليلا، خائفا، هلعا، ومعه كل
تلك السلالة من القتلة في زي موحد كيوم الحشر؟
لو دقق أحد في وجوههم سيرى
انهم جميعا يحاولون التعرف على المكان بما في ذلك الدكتاتور. وهاجس التعرف على
المكان نابع من سببين: العزل الطويل عن العالم الخارجي، والآخر هو ان الخائف
والمذعور يفقد صلته بالأرض والمناخ والمحيط ويصبح صعبا عليه التعرف على صورته داخل مرآة او في صورة تذكارية مع اخرين أو
ما يسميه علماء النفس بالذهان العقلي.
في اللحظة التي حاول هؤلاء فيها التعرف على المكان، كنا نحن
نحاول التعرف عليهم لأن كل شيء اختلط مع بعضه في لحظة ذهول تاريخية تبدلت فيها صور
وانقلبت فيها الذاكرة وزالت فيها لحية برزان مثلا لكي تحل محلها لحية عبد حمود،
واختفت فيها غطرسة ووحشية علي حسن المجيد كي تحل بدلها العكاز، وبدل أن يكون وطبان شاهدا وشريكا وآمرا في
حفلة جلد، صار سجينا كجرذ وقع في
علبة دهن... الخ... المشاهد التي احدثت الفوضى في الخيال العام وقلبت ترتيب
الأشياء والصور والمخاوف.
كان هناك من يتوقع ان يأتي الدكتاتور على فرس كما كان يظهر في
ايام غابرة، لكنه جاء اليوم الى قاعة المحكمة مكبلا بالسلاسل، بلا حماية ـ مصدر
قوته ومصدر شراسته ـ بلا سجائر هافنا، بلا تلك الغطرسة البدائية، بلا وطن، يائسا
حتى من الموت. الكل في حالة اختفاء وهرب:ـ القضاة، الزرقاوي،
الوزراء،
المقاولون،اللصوص،زعماء،الأحزاب،الخطاة،الجناة،الزناة،الزوار،العائدون،المفكرون،المنظرون،المراسلون
،الثوار، التحديات، الأرامل، المخابرات، الغيوم، الصيف، الكهرباء، الراتب،
الحداثة، كلاب الحراسة، الصرخات، البعثات والشركات والأطباء وعلماء الذرة، وخيم
التعازي، الغش،بحيرة البجع لجايكوفسي، ميل الساعة، المجال الجوي، الشعر، البصل،
الأحلام الفارة، هدوء الكنائس، صلاة الجمعة، القلق الفكري،داء العظمة، معارك
المصير، ديك الفجر، التوابيت، المشانق، الرصاص المطاطي، الحوار الثقافي، أخلاقيات
النقاش، مباول الأطفال، دموع اليتامى، الأراجيح، اسبوع النظافة، ريح السموم، العرض
الجوي، التشرد الطفولي الجميل في دروب الريف في الخريف، تشمع الكبد، تمثال
السعدون، طيور النصب، العمالة العربية، وحتى الله من الخوف يحمل هراوة.
حتى الرئيس الأمريكي يبحث هذه الأيام عن مخرج للهرب من هذا
الوحل، بل ان المرشح كيري قال انه وجد هذا "المخرج" لكنه لن يدل عليه
أبدا.
31
الشجاعة الملهمة
رغم كل الدم المسفوح في الشوارع، رغم كل الخراب الهاطل فوق
الرؤوس كالرماد، رغم الموت المنزلي حيث القنابل والجنود والمتفجرات تدخل غرف النوم، رغم تفكيك الوطن، وتفكيك
الشرف، وتفكيك السيادة، وتفكيك المجتمع، رغم النهب الفوري للثروة على عجل قبل
أن تجف الأرض وتنقطع ثروة أجيال
قادمة، رغم كل سطول الماء الآسن التي تسكب فوق رؤوسنا كل يوم من كل من هب ودب، إلا
أننا لا نستطيع حتى أن نقول لهذا المسؤول أو ذاك، لهذا النكرة أو ذاك، على عينك
حاجب يا ملك.
الكاتب البريطاني باتريك سيل الذي لا يحتاج إلى شهادة
شجاعة على محاكمته المستمرة،
والباسلة، لرئيس حكومته، وحكومته، وشعبه أيضا، يعلمنا كل يوم على معنى وصورة وشكل
وجوهر ومعدن الشجاعة الملهمة، شجاعة الكاتب والمثقف الذي يجد نفسه في مواجهة
امتحان الضمير، وشرف الكلمة، فينحاز إلى تقاليد الكتابة الحية والعادلة والباسلة
والصادقة دون أن يجد نفسه أمام طوفان من الأبواب والدفوف والرادحين والمزمرين، ليس
لأن باتريك سيل كاتب شجاع فحسب، بل لأن خصومه كبار، وأبناء تقاليد ثقافية وسياسية،
وهو ابن مؤسسة ديمقراطية عريقة في أخلاقيات الحوار، وقد شرعت لشرعية الاختلاف في
إطار قانون، وهو سليل تراث الفيلسوف البريطاني " برتراند راسل" الذي قال
يوما وهو يتعرض للحريات والحقوق ان
كرامة الإنسان أهم من كل شيء، بل أهم من الحقيقة.باتريك سيل في رسالته المفتوحة
إلى توني بلير يصفه :ـ بالجبن
ـ والكذب ـ والتضليل والغباء، والجهل، وزج دولته في حرب لا معنى لها. ومع ذلك يعود باتريك
إلى منزله دون أن يسمع صيحات داحس والغبراء، يعود إلى منزله معطرا نظيفا، وهو في
تمام ملابسه، ودون أن يتمرغ مع خصم
أو مختلف في الشارع أو على صحيفة.
باتريك سيل لا يحترق وطنه أكثر مما يحترق العراق، ولا يسرق
وطنه أكثر مما يسرق العراق( على العكس) ولا يتحطم مستقبله ومستقبل أجياله وثروته،
كما يتحطم مستقبل وثروة العراق، ومع ذلك فهو يحترق. يحترق لأنه ضمير حي، وغيره ممن
لا تقاليد لهم في الكتابة، ولا في الوطنية، ولا في الحوار، ولا في ضمير الكلمة، ولا في الكتابة، يسكبون الماء الآسن كل
يوم، كل لحظة، على كل من يحب وطنه، ويحب أطفاله، ويحب أشجاره، ويحب ذاكرته، ويحب
وحدته، ويحب ثروته، ويحب مستقبله.
هذا الكاتب البريطاني، صاحب الشجاعة الملهمة، ليس قويا في ذاته
فحسب، إنما هو قوي بتقاليد وقوة ورصانة وحيوية وشرف المثقفين البريطانيين وتماسكهم
الأخلاقي والثقافي وتضامنهم واحترامهم لحق الآخر غير الشبيه والمختلف في أن يقول
رأيه في سياسة بلده حتى لو لم
يكونوا يؤمنون به.
نحن نريد كاتبا واحدا يفكر مثلنا، ومقالة واحدة نشارك جميعا في
كتابتها، وصحيفة أو موقعا نضع عليه كلنا فكرة واحدة متشابهة، ميتة، لا تقول شيئا
غير الصمت.
هو قوي بالديمقراطية المنتزعة بصلابة الضمير، ونحن ضعفاء
بالفاشية الذهنية والقبلية والطائفية والحزبية. هو حر لأنه في مجتمع حر، وحكومة
حرة، ونحن عبيد لأننا نعيش في مجتمع عبيد . هو شجاع لأنه تربى على الحق في
الاختلاف، ونحن نخاف من كلمة لأن أعمقانا هشة مرتعشة، هو آمن حتى من خصم حاكم لأن هذا الخصم شجاع وأصيل مثل باتريك سيل.
هو عظيم بقوة عوالمه الداخلية، ونحن نرتجف من هشاشة هذه
العوالم. هو كاتب حقيقي يقدس شرف الكلمة وشرف الاختلاف، ونحن بضاعة مستخرجة على
عجل لتقوم بدور تنظيف غرف الساسة. أستثني من ذلك النخبة الشجاعة التي يغيب حضورها
في مشهد الردح والغبار لأن العربات الفارغة هي الأكثر ضجيجا.
رسالة هذا الكاتب البريطاني إلى رئيس حكومته اليوم، هي رسالة
لنا جميعا، لكي نتعلم ،إذا كنا نتعلم من الكوارث، لأن الشجاعة الدافئة تلهم كالحب
والموسيقى والغسق الصيفي الهادئ.
32
عبد اللطيف حرز وهتك النقاب
كان يتفتح مثل زهرة قرب جدار المنزل بسرية نوم العصافير، لكن
بصراخ المقبوض عليه من كابوس، ووجع من يسخر كي لا ينهار، يمشي وهو يوزع على العالم شتائمه كما يوزع
الحلوى على يتامى محرومين من العيد والأراجيح وقبلة الصباح والضحك.
هذا الصوت لا يكتب بل يهتك، ولأول مرة أقرأ نصوصا عراقية من
خارج اللغة ومن خارج القاعدة ومن خارج الحفل ومن خارج المأتم ومن خارج الكذب ومن
خارج المؤسسة، لأن المؤسسة ليست سلطة فحسب، إنما قاعدة ومعيار ونظرة وشعور وبنية
تفكير.
ليست هذه كتابة. عبد اللطيف الحرز، يقذف في وجه العالم بكل
ما في يده من زهور وأحذية وأعضاء
وشرطة وبحار وقوارب وأصدقاء، وحين لا يستيقظ أحد، حين لا يدهش احد، حين لا ينهض
احد من رماده، هناك، في هذا النوع من الكتابة، الدبوس والمخرز وحتى البكاء، يتمدد
على أرض الحجر، كما كان يقول رامبو، ويغرز أسنانه فيه. فهذه الأرض النائمة لم
تستيقظ على رقصة زوربا ولا على كل
راقصي العالم المذبوحين من النشوة والضجر والمصدومين ببراءتهم.
هذه البراءة المجروحة لا تستكين بل تملأ الأرض، اينما حطت،
صراخا كي تصير مساحة الجمال أوسع أو في الأقل يصبح العالم اقل قبحا، وتتحول السجون
الى حدائق، والكلمات زهورا، ونخرج من جلودنا مرة واحدة الى البرية، الى الهواء
الطلق، الى الاحاسيس الدافئة.
عبد اللطيف الحرز بعد كل الانتهاك، لم يعد لديه ما يعرف بحرمة لأحد أو شيء أو مقدس، لأن
البراءة المجروحة تحاول تعميم الوجع والصراخ والعقاب وايضا الشتائم والتي هي،
بتعبير سارتر، سلاح الأعزل، والوحيد، والمسلوب، والمسطو عليه، والمشلوح، والمتجول
في شوارع الأقنعة، وهي على حد قول
انسي الحاج وردة حرام والف حرام توضع على رقبة خنزير، فالشتيمة زهرة القلب يجب أن
تعطى لمن يستحق.
قد لا ينجو عبد اللطيف الحرز من فخاخ كثيرة منصوبة في الطريق
واولها، وأخطرها، الصمت والتجاهل، النسيان والاهمال، والقراءات المغرضة، والقراءات
العابرة، وعقلية العارف كل شي، ولا حل الا المشي في حقل النار، دون ان يلتفت الا
الى الهاجس وصوت هدير الدم فهو وحده لا يخون البريء حتى لو تنكرت له الأظافر.
من المخاطر صدمة الأعزل والوحيد والمندهش. ليس هناك أخطر من
الدهشة في عالم فقد حس الدهشة وطراوة الأشياء ونظافة الروح والحساسية خاصة وان
هذه، في التقليد العراقي الشهير، تعد عاهة ومرضا وعقدة نفسية مع انها جوهر الحداثة
وجوهر الانسان، لكنها في الثقافة الذكورية، ثقافة الفحل، تعتبر انوثة، او انحرافا
عن تاريخ الجلافة التي لا تستطيع أن تبنى بيتا من الطين أو الشِعر أو علاقة حقيقية
أو قبلة أو تحية أو فكرة نقية.
قد يكون جاء من البراري حاملا وصايا المتعبين بنهار مختلف، قد
يكون خرج من القرية الى المدينة دون ان يغتسل من طين الارض، على أمل أن يجد
المصافحة والتحية وشاي المساء على رصيف لا يخون اصحابه، قد يكون هرب من الوطن
السجن الى المنفى السجن، قد يكون فر بحلمه بأمل أن يجد بقعة من العشب والدفء والضوء والحرية ليكتب عن ارض الرماد
والاساطير والمشانق، لكن من المؤكد انه وفي كل مكان وصل اليه يزداد حجم الدهشة
ومعها صراخ المكبوس الحنجرة، فيلجأ الى الكلمات كي تكون تعويضا عن عملية بلع
العالم. بطل جان جينيه في روايته(عذراء الزهور) فتح فمه على وسعه، بل أكبر، لكي يبتلع العالم من الغضب ومن
الانتهاك المتواصل، ومن الجنون، ومن العاهة.
عبد اللطيف الحرز ليس صوتا واعدا، بل هو تجاوز الوعد، الى
البشارة، وحسنا فعل حين لم يقترب من عالم الكتاب المحترفين وظل بين أجمل الأصدقاء،
وحتى أقبح هؤلاء هو افضل بكثير من عذابات الضجة وفتنة المسحورين بأنفسهم على بياض،
ولو كنت قد بدأت مثل بدايته المدوية لما أرسلت كتابي الأول الى كاتب(محترف) بل
وحتى نصي الأول للقراءة، لأن هؤلاء لا وقت لديهم للقراءة والكتابة، بل وحتى كتابة
رسالة الى شاعر أو روائي أو كاتب اهداهم كلماته ، فهؤلاء لا يعرفون أن الرد على
هدية أو رسالة هو تقليد كان سائدا في عالم الوحوش والبرابرة كما انه تقليد اخلاقي
متحضر وليس تقليدا ثقافيا فحسب. ومن
خبرة مع هؤلاء صرت لا أقرأ لهم ابدا رغم صورهم الحالمة ورغم شعور بعضهم الطويلة
على طريقة كبار الكتاب والحالمين ورغم القصائد الضاجة بالطنين، ورغم(الشفافية)
الشكلية التي تنضح بخشونة جلد القنفذ.
ومن المخاطر التي تنتظر عبد اللطيف الحرز هي الايغال في لعبة
البراءة. البراءة ورطة حقيقية لأن كل شيء، في عرف هذه الفصيلة الطارئة، يتحول الى
ضده: تصبح البراءة جنونا، والسوية انحرافا وشذوذا، وصراخ المطعون مرضا، وعليك، حسب
وصايا هذه القبيلة، ان تكتب لا كما تريد،بل أن تستعير حناجر غيرك كي تصرخ، لأننا نعيش في عالم عراقي كل شيء فيه غير
حقيقي حتى جنازات الموتى ودموع الاطفال، وليس مسموحا لك أن تغني وتنشج وتعيش نظيفا
وتكتب لحسابك الخاص،فنحن لسنا افرادا كما جاء في انجيل لوقا، بل نحن جوقة.
وأخطاء البراءة تدفع لأخطاء البهجة: حين تتصور في لحظة عري
انساني مشع ان العالم صار حديقة فتقرر الخروج الى الشارع لاحتضان الجميع، وحوشا
وسيارات وبنايات وحدائق، أو تقرر فجأة، في لحظة حب وصداقة، أن تكتب رسالة الى من
تعرف او لا تعرف وتخاطبه كما تخاطب نفسك، لكن يدهشك الخرس، وتدهشك اللامبالاة،
فالكل يكتب عن الزهور والاطفال والفراشات، لكن احدا لا يحتفل، على أرض الواقع،
بنحيب الورد، فنحن نكتب، عزيزي الحرز، قراءتنا، ونمارس على الأرض سلوكنا، وما نكتب
ليس هو ما نمارس، لأن كتاباتنا مجلوبة من منطقة تفكير أخرى ومن بنية فكرية
مستعارة، لذلك ننساها دائما، أو
غالبا، ولا نتذكرها الا على ورق وبمشقة.
كل شعوب الأرض تحتفل بولادة شاعر أو روائي أو رسام أو قرد أو
حتى تمساح كما حصل مؤخرا في حديقة حيوانات في تايلند، الا على أرض الصواعق
والأمطار الحجرية والمذابح، سيكون في انتظارك الشاطر والدعي والهارب بالدخل والمقاول،
وستجد نفسك، اذا استمر هذا الصوت الهاتك ستار الوحل، قد ارتكبت كل جرائم التاريخ،
وليس مهما أن تدري، المهم انهم يدرون ولو كره الكافرون، فنحن لا نعرف انفسنا أكثر
منهم، ولا نعرف اذا كنا احياءً ام موتى اكثر منهم، وليس لنا تاريخنا الفردي الا ما
يكتبه هؤلاء، حتى موتنا لن يكون الا بالاذن، ولا تنكر عدد القتلى الذين ستقتلهم
يوما في رواياتك المنتظرة القادمة، والتي ستكون مبهرة بلا أدنى شك، لأن هؤلاء
يعرفون القاتل فحسب حتى لو لم تكن هناك جثة أبدا.
وأخطاء البراءة والبهجة المباغتة قد تدفع إلى اخطاء الصراخ
المتواصل وقلة العناية بالكلمات ومشاق السهر والقراءة ومتابعة المدارس الادبية
والنقدية والثقافية والعلوم الحديثة، والخوف كل الخوف من ان يصبح حجم الجرح أكبر
من حجم القلم، عندها سيكون النزيف السريع الذي لا يكتب تاريخ الوجع ولا تاريخ
الحب، بل سيكون مصيرك مصير الطائر السويسري الاسطوري الذي يشرب النبيذ من العنب في
ليلته الاخيرة ويرتوي ثم يحلق الى أعلى ما يستطيع ويغني حتى يسقط أخيرا ، ميتا.لكن
لا خوف عليك وانت تحمل (الحرز).
ـ الاسم الحقيقي للكاتب علي نمر، قضاء الزبير في
البصرة، يعيش في استراليا.
33
المتوحشة نادية فارس وصراع الديوك
صارت جزءا من طقوسي الصباحية، هذه المتوحشة، التي تهجم على
الكلمة هجوم فهدة أفريقية ضارية، وتنقض على الورق كما ينقض صقر على فريسة، وتنسحب
في نهاية المعركة مثل زهرة أو فراشة تنام في عتمة الليل وتخلد لأحلامها الطويلة
مثل شعر غجري يفيض عن مساحة الصحراء.
أبحث عنها كل صباح مثل عاشق خلف حبيبته، اتبعها من موقع إلى
أخر، من حافلة إلى قطار، وأتقصى أخبار مقالاتها مثل رجل بوليس سري خلف مطارد، وحين
لا أعثر عليها في مكان أو حديقة أو شارع أو موقع أو مقالة، لا يكون فنجاني الصباحي
قد استكمل شروط المتعة الصافية التي يولدها أمل أخضر أو رسالة حب أو نص مشاكس هارب
من الثوب والعرف والقاعدة والمعيار وسكون الجماعة وتقاليد المقبرة وقواعد أخلاق
الأزقة الخلفية في نماذجها الأكثر رداءة.
صارت جزء من قهوة الصباح، ومن رسائل الأمل والصفاء والعشق،
وحين أعثر عليها في مكان، ينمو في الغرفة، على الحيطان، عشب طويل، وشعر حريري،
وتصدح موسيقى الكلمات الهاربة من الموج، وأتحول من حطب إلى شجر، ومن رماد إلى مصابيح على طول شريط ساحلي، ومن فحم
إلى تنور خبز في نهار صيفي مشتعل.
لا أدري من أين خرجت، وأين تعيش، وما هو أسمها الحقيقي، ولا
أعرف من أي مكان تفتحت مثل وردة في صخر، مثل قافلة أبل في قصيدة، مثل ربابة من
داخل خيمة قديمة، تعزف وخلفها وأمامها رمل وخناجر وبدو وخصيان ومقاصل.
كثيرا ما تساءلت مع نفسي: ماذا تفعل نادية فارس معنا، في هذا
المحفل الغريب، والخشن، وهي بهذا الوجع الأنثوي البريء، وبهذه الرشاقة الصلدة مثل
صنوبرة في مهب الحراب ومعارك الخواء؟ ماذا تفعل معنا هذه النمرة الآسيوية وهي
قادرة أن تخلد لأنوثتها وتقاليد الغابة الطرية البكر، وتراقب المطر، سقوط الأوراق،
وسكون العشب، وهديل الدم الداخلي
لمخلوقات العزلة؟
ولأنه غير مسموح في ثقافة المرعى والقبيلة وتقاليد السوق وبيع
وشراء الأوطان والمقالات التي تصدر من الوحل والحاوية، وتقاليد الغجر الجدد، لأية
ظاهرة صحية أن تولد، ولا لقصيدة
نظيفة أن تكتب، ولا لعلاقة عفوية بريئة أن تتأسس، ولا لأي كاتب، ذكرا كان أم أنثى،
أن يكتب أو يعيش أو يسكن أو يتزوج أو ينجب أو يسافر أو ينتحر أو يطلق أو يمرض أو
يختلف أو يشخر أو يفرح، لذلك طاردوا نادية فارس من موقع لموقع ومن شارع لأخر ومن
مكان إلى مكان، وهي في كل ذلك واقفة مثل شفق على حافة صحراء، مدججة بالأمل
والبسالة التي تتجاوز الشجاعة، وتهجم على "وِلد" الأزقة، تارة بالكلمة،
وحين تعجز فبالحذاء، وهي آسفة.
امراة كاتبة لا تمارس فعلا غير الكلمات، وليس عندها فرقة
مدفعية، ولا تحمل سكينا، وليس عندها غير حمامات تطلقها في فضاء الكتابة، فلماذا
هذا الجعير والنحيب والصراخ والعويل والقذف والشتم والسب والمراجل ؟
هذه الكاتبة، تدري أم لا تدري، عرت وسطا لا يحتاج إلى تعرية ،
لأنه مثل فاشية عريقة في العري، وكشفت عن فضيحة كانت من السطوع والوضوح بحيث تعشي
البصر، وأعلنت، دون قصد أو بقصد، ان هذا الواقع السياسي و"السقافي" في
الخارج، لا ينقصه للتشيع غير جنازة.
كشفت عن رائحة كنا نشمها منذ سنوات طويلة، وكنا نهرب منها منذ
سنوات، ونحذر، لكن، مثل أي شيء أخر، لا أحد يسمع ليس لمرض في السمع، بل لأن قوة
الطبول والدفوف والدوي كانت من القوة بحيث لا أحد يسمع أحدا، وكان هذا مطلوبا
ومدفوع الثمن في فكر عوانس زمن الرداءة العراقي.
كشفت عن صور كانت تضيع في الدخان، دخان معارك الديوك، ودخان
المعارك تقليد عسكري يعرفه الجنود الذين عاشوا حربا، فهو يستعمل عند الانسحاب أو
الهزيمة. وكشفت، إضافة إلى ذلك، ان المرأة الكاتبة تستطيع أن تسرق مجد الموت
البطولي في سبيل قضية أو كلمة، كما تستطيع أن تظل واقفة في الحياة في مواجهة طوفان
التفاهة والغوغأة والسطحية والابتذال والعقم العام.
حاولوا احتواء نادية فارس أول الأمر حين خلعوا عليها برقع
الحنان وكلمات الأبوة وعباءة الكهنة، لأن هؤلاء من خبرة عريقة بكل ما هو دنس،
يخافون ـ لا يحترمون ـ هذا الصوت المتوحش المبهر الآسر الجميل، فقرروا اغتياله
بالحرير وتزوير المشاعر وهي تقنية معروفة في ثقافة الفراغ والخواء والقتل النفسي.
وحين تأكد لهم ان هذه المهرة البابلية عصية على الموت النفسي،
وعلى الألم العابر، غير المجدي، وعلى إغواء المديح، وليس لديها الوقت لتهدره على
رصيف، أو مقهى، أو زقاق، لأنها على موعد مع طفل أو زوج أو حبيب أو وطن أو قضية أو
حديقة أو غسق فوق بحر، أطلقوا عليها النار. وأية نار؟
لم تدهش نادية فارس حين وجدت جسدها ملطخا بالوحل والزبل والتبغ
والكحول، فرقصت، ضاحكة، وقررت النسيان، والذهاب إلى المرآة لتنزع، على ضوء شمعة، كل
ذلك الوسخ الطارئ، وتقلع بدبوس شعرها مخالبهم الهشة الهزيلة التي لا يحلم بها قنفذ.
نادية فارس واحدة من كاتبات قليلات يشاركن في النقاش العام حول
مصير وطنهن، فليس من المعقول ان هذه المرأة ذات الكلمات الطويلة، المخلبية، كأظافر
المطر الصيفي، جاءت من العدم، أو ولدت سهوا في منفى، أو حلم، وليس من المعقول
أنها تدعي انتسابها لوطن لا حق لها
فيه، وليست سائحة مرت بطائرة فوق أرض ليست ملكها، كما أنها ليست شبحا في حكاية، بل
نادية فارس كاتبة ومواطنة، وشجاعة، هي عطرنا، هي أمسيتنا القادمة، حتى لو أنكر ذلك
عليها مهرج أو مشعوذ أو مريض أو خرف أو مسخ.
هذه الكاتبة لا تكتب بالكلمات، بل ترفس لكي تخلع الأبواب،
وتهجم على القضية هجوم من سيموت بعد آخر سطر، وتنتحر على الورق وهي تسرح شعرها
كأنها خالدة، وتنام على وسادتها كل ليلة وهي تحلم،كلبوة، بالغابات المطيرة ومعارك
الأسود وبالليل وبساحات يسقط فوقها المطر والعطر وهتافات الحرية وتخفق فيها أجنحة
الحمام ورايات السلام.
قضية نادية فارس هي قضية عامة، قضية الكتابة في زمن رديء بكل
أنواع الرداءة، وقضية من يكتبون أحاسيسهم ويضعون قلوبهم على النار، وبين ببغاوات
أرخص بكثير من سعر الأقفاص التي دفع ثمنها المصرفي والمقاول واللص وبائع الوطن
والضمير.
هؤلاء البؤساء لا يعرفون ماذا يدور خارج جحورهم، ولا علاقة لهم
بثقافة العصر أو لغته، ولا علومه، ولا يعرفون كيف يفكر جارهم الأجنبي وما هي
محتويات مكتبته، وهم يسندون بعضهم في محفل الصخب ومهرجان الأقنعة، ويتغذون من
الأوهام المشتركة، لذلك يجرحهم منظر طفل أو كاتب نظيف أو رواية أو قصة حب أو شمس في حديقة.
و"مقالاتهم" صارت تقرأ وتدرس وتفحص هذه الأيام من قبل القراء وطلبة
الدراسات العليا في العراق كنماذج لعصر الانحطاط العام في والسياسة والفكر.
أرادوا بالغش والابتزاز ورسائل الإغراء المغلفة أن يحولوها إلى
جارية، أو مطيعة، مقننة، تكتب حسب الطلب، وحسب المصرف، وحسب بورصة السياسة، وأسعار السوق، فهربت إلى
نهايات المطر بلا مظلة غير حصانة القلب، واحتمت بشعرها وعصافيرها وأقراطها
وكلماتها، وهربوا هم إلى الحشيش والعرق والنتانة وأقبية الكراهية.
أطلقوا عليها النار والكلمات القذرة، فسقطت وردة في سريرها،
وجلجلت ضحكتها في الطريق إلى الأمل، وظهر ان الخائن والحزبي القديم المتخلي عن كل شيء، حتى عن الوطن، وأستبدل
الطبقة والثورة واليسار بحلقة دراويش هو عدو نادية فارس.
هذه المتوحشة، الغامضة،عاشقة المطر، قد يكون أسمها نادية، وقد
يكون أسمها السراب، وقد لا تكون موجودة معنا إلا كرسالة حلم تقول أن دهاليز بعضنا
الداخلية المغطاة بطبقة كثيفة من الحقد والتخنث والأمية لا ينبت بين براثنها
الجارحة كمخالب الببغاوات إلا الرصاص والعاهة والغبار وحفلات الردح والتأبين المزورة، لأن نادية قادمة من
زمن عراقي معاكس حيث لا ننتظر قدوم أحد، وليس من صحراء موحشة، أو من مناخ عصابي، أو من فحولة ناقصة،
يداس فيها كل شيء حتى ضوء القمر.
ـ نادية فارس
اسم مستعار للكاتبة.
34
كل شيء تحطم الا اللغة
في لغة السحر والشعوذة ما يبهر حقا حين يقول لك ساحر أو دجال
أن عفريتا في جيبك أو ان بحرا من الضباب في علبة ثقاب أو ان جيشا من الجن داخل
قميصك. ولغة الشعوذة هذه لا تختلف عن اللغة السياسية التي نكتب فيها أمس واليوم.
ورغم أن كل شيء قد تحطم: السلطة، والثروة، والطمأنينة، والخوف، الأسلحة، والسجون،
والدولة، والمجتمع، إلا ان اللغة، لغة الكتابة، ظلت على حالها، حصينة، منيعة،
قوية، متماسكة أكثر من النظام نفسه: لغة مطمئنة واثقة كعيون الأبقار.كأن أحدا،
داخل هذه اللغة، لم يمت، أو جسرا لم ينسف، أو قناعة لم تتبدل، أو وجهة نظر لم
تتغير، أو نهارا جديدا لم يولد، أو مستقبلا مظلما مجهولا يصنع خلف كواليس جديدة لم
يتم في أنفاق أخرى.
هذه الحصانة والمناعة لهذه اللغة لا تنبع من قوتها وحيويتها،
بل من بؤس وموت هذه اللغة وجفافها
وعقمها وهو عقم عقلي وثقافي وفكري. فهذه اللغة لم تكن في أي وقت تقول شيئا
أو تحمل معنى أو تنقل فكرة أو تناقش وضعا أو تحلم بأمل ما، أو تنذر بعاصفة أو
تستشرف مستقبلا، بل كانت ولا تزال لغة إتباع، وذيل، وإخبار، وتعليق. بهذا المعنى،
فإن هذه ليست لغة، بل سلطة. طبيعة لغة السلطة الإعادة والتكرار والاجترار.
سقطت السلطة كمؤسسة، لكن لغتها، هنا أو هناك، لا تزال قائمة
ومتداولة دون أن يعي أحد أن سلطة اللغة أكثر ضراوة وخطورة ووحشية من سلطة المؤسسة.
إن لغة السلطة كانت لغة تعليق
وثنائيات ووصم وحجر وتهميش وإدانة ومصادرة ومحاكمة. بتعبير أضح وأدق: لغة سياسة في
نسخها الأردأ. لغة السياسة هي لغة سوق ومساومة وكسب. لغة تضع هدفها الربح، ربح الجمهور، أو خسارته. ليس في لغة
السياسة، السياسة العراقية خاصة، ما يجعل خطاب الحقيقة هو الهدف، خاصة حين يكون
خطاب تملق وكسب الجمهور هو الغاية، وهو الوسيلة.
هذا هو سر تماسك اللغة هذه
الأيام. وهو تماسك الأشياء الميتة. لم يتوقف كاتب واحد ولو ليوم واحد أو أسبوع كي
يلقي نظرة جديدة، من زاوية أخرى، مختلفة، على أحداث تجاوزت مراكز أبحاث ودول
ومؤسسات وقوى إقليمية أو دولية.
يبدو الأمر، في تقاليد اللغة الميتة، والكتابة السقيمة، كما لو
كنا البارحة داخل مقهى ، وعدنا إليه في اليوم التالي، دون أن يقتل طفل، أو تذبح
عوائل، أو تسرق دولة، أو ينهب متحف، أو تتأسس سلطة احتلال، أو يهرب طاغية ويتحول
إلى شبح في عالم عراقي ضاج بالأشباح الموتى والأحياء ثم يقبض عليه في جحر.
لا يبدو، في تقاليد اللغة/ الصنم/ الحجر/ الذبول/ اليباس/ أن شيئا
قد حدث لا في الشارع، ولا في التاريخ، ولا حقبة انتهت، ولا يبدو أننا على أبواب
مجهول آخر. من أين يستمد الكاتب هذا اليقين بصلابة اللغة وتماسكها الذي يشبه صلابة
التابوت، وتماسك الحجر؟ لا شك ينبع من مجموعة أوهام لن تسقط حتى بعد سقوط السلطة المنتجة، بل قد تمهد هذه الأوهام لسلطة
استبداد أخرى، منقحة، وملونة، ومزيدة، ومحسنة، وحسب آخر أزياء الحكم العصرية. ومثل
سلطة الاستبداد القديمة بدأت تتكون مؤسسات ومراكز قوى وقلاع جديدة من خلال السطو
اليومي على الأملاك العامة تحت هذه الذريعة أو تلك، حتى تحولت مدن العراق إلى مؤسسات
حزبية جديدة، ومقرات مسروقة مسطو عليها في غياب حضور القانون عدا قانون القوة. أي
قانون السلطة الغائبة. أي قانون الغريزة. لأننا عدنا، بفضل هذه الحرب، إلى ما قبل
الدولة، أي إلى القبيلة، لأن الأخيرة تكوين طبيعي. هذه السلطة غابت كنظام، وحضرت
مرة أخرى من خلال رموز جديدة، من خلال لغة .لذلك لم تتغير اللغة: الخطاب الارهابي
نفسه بل أكثر شراسة وهذه المرة يصدر من ضحايا وهذه هي المصيبة الكبرى. صار كل
عراقي يصدر قرارات ويمنح فرصا
للنجاة والمغفرة بدون قانون ولا محاكم ولا شهود ولا قاعة ويدعي انه يحمل أسرار الدولة الجديدة وحامل
أختامها ولم نعد نعرف أين تقع عاصمة العراق في بغداد أم كوبنهاكن أم باريس أم
نيويورك. لغة لا تقل فسادا وقسوة وهمجية
عن لغة السلطة. لن تتغير هذه
اللغة مادام السياسي نفسه من يؤسس ويشرع ويفتي في كل الأمور. مادام السياسي هو من
يقوم بأخطر ممارسة وهي تسييس الفكر. أي تحويل الفكر إلى سياسة وفي هذه الحالة يغلق
مجال التفكير ويتحول الفكر الى مقدس. والمقدس متعال ومكتمل ونهائي. إن تحويل الفكر
السياسي الى مقدس هو غلق لكل خلق أو
بحث أو سؤال أو إبداع أو شك أو أفق.خطأ اليوم، كما هو في الماضي، هو تحويل لغة
الفكر، لغة الثقافة، الى لغة سياسية
مقدسة. لغة الفكر مفتوحة. لغة السياسة مغلقة. لغة الفكر لغة بحث وشك وتجربة. لغة
السياسة لغة قناعة ورسوخ. في لغة السياسة يصبح كل شيء ممكنا. فهي لغة تبرير.لغة
تلفيق. لغة أجوبة جاهزة.كل جواب جاهز هو خيانة جاهزة. لأن الجواب خلق كالسؤال.لغة
السياسة تقتل الجواب لأنه جاهز، وتخنق السؤال لأنها ترفض الأسئلة. لغة السياسة هي
لغة آيديولوجيا تتضمن السؤال ومعه الجواب، فلماذا البحث والكشف والخلق والإبداع؟.
مع السياسي أنضاف الفقيه في السلطة الجديدة، ومعهما ولد من رحم السجلات البريطانية
القديمة الشيخ. كل هؤلاء: السياسي، والفقيه، والشيخ، لا يتحدثون إلا بلغة واحدة،
محافظة، لغة نصوص. فكما يحيلك السياسي إلى نص مكتوب، يحيلك الفقيه إلى نص مماثل،
أما شيخ القبيلة فهو يحيل دائما إلى لغة الأعراف الأكثر رسوخا من الجبال، أي الى
نص شفوي. في كل الأحوال نحن أمام حائط أصم.
ما هي الأوهام التي جعلت
اللغة على هذا النحو من صلابة الحجر، وموت المعنى، وغياب كل قدرة على مراجعة
الذات، وفحص الوقائع من جديد، كأننا ننظر إلى العالم بذات العيون العمياء؟
ـ الوهم الأول: هو وهم سياسي بالدرجة الأولى . يقول
هذا الوهم إن التغيير الحقيقي هو
تغيير المؤسسة، لا تغيير العقلية، وتغيير الشعار، لا تغيير الذهنية، وتغيير
العنوان، لا تغيير المحتوى،وتغيير الاسم، لا تغيير الوضعية.
ـ الوهم الثاني: مصدره فهم مشوش ، مضطرب، وسطحي،
لوظيفة لغة الكتابة. مصدره العميق سياسي أيضا مثل كل مصادر المساوئ الأخرى
القادمة. هذا الوهم يقوم على فكرة خاطئة
تقول إن اللغة أداة محايدة،
وتقع خارج السلطة، مهما كانت، والإطاحة بسلطة ما، لا يتطلب الإطاحة بنظام اللغة كذلك. هذا الوهم
السخيف مرتبط بجهل وظيفة اللغة، وجهل وظيفة السلطة، والذين يفكرون على هذا النحو
لا يرون من السلطة غير الشرطة فحسب، دون رؤية الحجوم المجهرية الهائلة التي تؤسسها
السلطة، حتى في نفوس ضحاياها. السلطة حاضرة في العبارة وفي الكلام وفي النظرة وفي
العقلية وفي وجهة النظر وفي ثقافة حذف الآخر أو شيطنته ، وخلق صورة خاصة له في ذهن
الجمهور تتطابق مع أخلاقية مشوهة. هذه هي ثقافة سلطة. أسوأ ما في السلطة هو نقل
لغتها، بوعي أو دون وعي، داخل أعماق، وداخل لغة ضحاياها، حتى تتحول الضحية إلى
سلطة، أو جيفة متجولة، دون أن تعي ذلك في الغالب، لأن مرض القهر يصيب ضحاياه على
مراحل وبسرية وهدوء كأي مرض فتاك.
ـ الوهم الثالث: هو وهم خطير أيضا . وهذا الوهم أو
الغياب لا يرى في اللغة وسيلة إخضاع. اللغة هي وسيلة قهر وسلطة من نوع ما. وأنا
حين أكتب الآن، فإني أمارس سلطة ما على فرد أو شريحة. اللغة ليست بريئة أبدا.
اللغة شريك. كما تصاب الدولة بالاختناق، والشعب بالرعب، والثروة بالهدر، والسيادة
الوطنية بالعطب، كذلك تصاب اللغة بعاهات كثيرة وخطيرة. فلماذا نطالب بتصليح كل
شيء، حنفيات الماء، ومحطات الكهرباء، وقنوات الصرف الصحي، ولا ندرك، حتى مجرد
إدراك بسيط، أن الأجدر بالإصلاح أولا وقبل كل شيء هو اللغة المصابة بكل أنوع الفقر
والشحوب والابتذال والسطحية والموت؟. كان أول شيء عملته الثورة الفرنسية في وعي
عميق ودقيق ومدهش لوظيفة اللغة هو إعادة النظر في القاموس الفرنسي. إن تبديل
القاموس خطوة على طريق تبديل العقل والمؤسسة والدولة والذهنية. إن مفردات مثل: قوى
مضادة، وثورة مضادة، والعدو، وتوفيقي، وتصالحي، وغير وطني، أو ملحد...الخ... هي مفردات سلطة. هي مفردات
تؤسس لبنية تحتية لحرب أهلية علنية أو مضمرة تحت السطح. أية لغة سياسية لا تتوفر
على شروط الكتابة هي لغة سلطة غاشمة مهما كان موقع صاحبها، فالكلب كلب ولو طوقته
ذهبا، والعقلية ذاتها مهما تغيرت الأحوال، وخير دليل هو ما يكتب هذه الأيام في
الخارج وبأقلام ضحايا يعيشون في دول ديمقراطية ومع ذلك يكتبون بلغة سلطوية زجرية
آمرة ناهية حازمة جازمة قاطعة واصمة حاكمة مطلقة لا مجال فيها للشك والبحث
والسؤال. لغة مغلقة. وكل لغة مغلقة هي لغة سلطة. الكتابة تتناقض مع الحيلة. هناك من يعمل بلا كلل أو تعب على
تحويل البلف إلى ثقافة والحيلة إلى شطارة ويطلق النار من زريبته على كل وردة أو
نجمة أو ضوء أو أمسية جميلة.هذه اللغة التي بها نكتب ونتكلم ليست لغة معرفية، لأن
لغة المعرفة هي لغة بحث وشك منهجي، ومنطق، ولغة عقل، ولغة السؤال الثقافي أو الفكري. اللغة سلطة أيضا أو ما يعرف في
اللسانيات بـ" سلطة اللغة" أو سلطة الخطاب، وهذه السلطة تعكس نوعية
الناس الذين يقفون خلفها وتشرح الطريقة التي يفكرون بها. السلطة ليست الحكومة
فحسب، بل هي كل قوة لها قدرة على فرض خطابها أو فكرها حتى لو كانت سلطة الضحايا،
حتى العيون السود أو الزرق سلطة، حتى الصديق سلطة، حتى الجسد سلطة، والعائلة،
والشارع، والعرف ، والذاكرة..الخ. السياسي حين يتكلم عن الفكر أو الأدب يتكلم بلغة
في غاية البؤس لأنه يخرج من النهر
الذي يجيد السباحة فيه إلى بحر يغرق فيه أو تتعرى قدرته. مثال على ذلك المقال الذي كتبه السيد أمير طاهري وهو
كاتب سياسي محترم منشور
بعنوان" مابعد الحداثي في النجف.." تعرض فيه للنقد للمفكر
الفرنسي الشهير ميشيل فوكو الذي قلب خطاب الحداثة وجدد الفلسفة الغربية، وتعرض
ايضا للروائي البيروي ماريا فارغاس يوسا الذي زار العراق مؤخرا وكتب عن جرائم الدكتاتور وجرائم الاحتلال وتحدث
عن مستقبل قاتم، واغرب ما كتبه طاهري هو وصف ماريا فارغاس بأنه يشعر(بالحنين
للدكتاتور العراقي). هذه ملاحظة لو ترجمت إلى لغات العالم الحية لتحول امير طاهري
إلى اضحوكة خاصة وأن الروائي ماريا هو صاحب رواية شهيرة(حفلة التيس) عرى فيها
الدكتاتورية في أمريكا اللاتينية على نحو غير مسبوق، لكن امير طاهري مثل أي سياسي
شرقي يحوّل جهله بالأشياء إلى قوانين صارمة قطعية جازمة وهذه هي لغة السياسي.
أحاول منذ أشهر تصنيف مئات المقالات التي كتبت في هذه المرحلة قبل الحرب وبعدها كي
تكون سجلا حقيقيا للأجيال القادمة على نوعية العقول التي تخوض في قضايا مصيرية.
أدهشتني لغة الكتابة. فاللغة لا
تختلف عن لغة النظام الحاكم، بل أكثر رداءة:لغة يقينية قاطعة متعالية وثوقية.
ـ الوهم الرابع: هو وهم رهان اللغة كأداة كشف . هذا
وهم الغالبية العظمى من الكتاب الذين يعتقدون خطأ أو صوابا، ان كل ما يكتبونه هو
بحث عن "الحقيقة" من دون أي توصيف لمفهوم الحقيقة الذي دوخ فلاسفة
العالم. الحقيقة هرمية، متعددة، متغيرة، نسبية، غير مطلقة، احتمالية. الحقيقة
الثقافية مثلا، تختلف عن الحقيقة العلمية، وهذه تختلف عن الحقيقة الاجتماعية فهذه
نسبية ومتغيرة من بيئة إلى أخرى ومن زمان إلى آخر.. كما ان " الحقيقة" السياسية هي كذبة
في أحيان كثيرة، لأنها من وجهة نظر أخرى ترويج، أو ترويع، أو وهم، أو تلفيق. إذن
عن أية حقيقة ندافع ونعلن؟
يجب أن نعرّف الحقائق أولا ونصفها قبل الكلام العمومي والإنشائي عنها. إن وهم
الكتابة عن الحقيقة هو وهم مضحك خاصة حين يكتب بلغة السياسة.
ـ الوهم الخامس: هو وهم عزل اللغة من الزمن. أي
بمعنى أوضح وضع اللغة فوق الأزمنة. وبهذا يتم تحويل اللغة من لغة بحث وكشف وخلق،
إلى لغة فقهية تكرارية استعادية. الدليل: نحن الآن نكتب بلغة تقع خارج زمنها. أي
أن شيئا لا يبدو أنه قد وقع ولا تزال اللغة القديمة هي المهيمنة على الخطاب
السياسي وغيره.
حين تصبح اللغة كائنا متعاليا على الزمن، تصبح سلطة، أي تصبح
خرافة ومؤسسة وأداة قمع. تصبح شيئا مقدسا والمقدس خارج البحث والتجربة. المقدس
معطى نهائي. هذا هو معنى اللغة/ السلطة/ المغلقة/ لغة القمع. لماذا أداة قمع؟ كل
حجب هو قمع.
ـ الوهم
السادس: هو
عزل اللغة عن التاريخ والمجتمع والسلطة. وهنا أيضا تتحول اللغة إلى كائن متعال،
فوق اجتماعي، يحلل ويفكر لحسابه الخاص خارج العقل، لأن العقل زمني وتاريخي
واجتماعي.
ـ الوهم السابع: هو وهم سحرية اللغة. وهذا من أطرف
الأوهام وأخطرها في آن. لا يشك أصحاب ثقافة منح صكوك الوطنية أو سحبها، ومنح صكوك
الشرف أو سحبه، لا يشك هؤلاء، وبثقة الأبقار المجترة، أبدا في أن كل كلمة أو عبارة
أو وصف يقولونه سيتطابق مع الفرد الموصوف أو الحالة أو الظاهرة تطابقا تاما لا
يحدث حتى في الصور الفوتوغرافية. فهو وطني إذا قرروا ذلك. هو غير وطني، أو كافر،
أو متمرد، أو زنديق، إذا قرروا ذلك أيضا مع أن الوطنية فطرة وليست سياسة. هذه هي
صفة لغة الشعوذة. حين يقول لك ساحر أو دجال أنك أصبحت فأرا أو جبلا أو نارا أو دخانا عليك أن تصدق أنه يعني ما
يقول. ليس لديه أدنى شك في أنك ستحمل الوصف الذي يريد. لم لا؟ أليس هو سلطة غاشمة؟
أليس هو أو هي ـ سلطة ـ من يمنح حق الحياة أو حق الموت أو حق الحكم على الكائنات؟
إن أية سلطة في العالم تقوم على لغة سلبا أو إيجابا. وهذه السلطة لا تنمو خارج اللغة، بل في صراع معها
أو في انسجام. قد تسقط سلطة ما، لكن لغتها تظل حية في الوعي العام والمخفي عشرات
السنوات أو حتى لقرون عديدة وقد تشكل حاضنة حقبة قمع جديدة.
قبل فترة قصيرة وصلتني
رسالة من دكتور يصنف نفسه على انه فنان وروائي وباحث وناقد والخ... عاش ربع قرن في
موسكو والباقي في انكلترا، أي في أكبر دولتين متناقضتين سياسيا، يهدد فيها بالكشف
ـ نعم الكشف ـ عن اسم أمي، وهي عادة جاهلية حرمها الاسلام ومع ذلك لم تنفع كل هذه القرون، وكل تجارب العالم،
في تلاشي هذه العاهة، مع ان للحشرات
والنجوم والصخور والبهائم والأشجار وكل المخلوقات أمهات. كيف يمكن لذاكرة أن تحتفظ
بهذا الخزين البدائي المتخلف كل هذا الزمن الطويل؟ انها اللغة السلطة/ أي ان قطعا
بنيويا مع الماضي لم يقع وظل الكائن الوحشي راقدا خلف ذاكرة غابية جاهزا للخروج في
لحظة غضب.
ـ
الوهم الثامن: وهم العزل بين اللغة والخيال.ليس هناك خيال بدون لغة. فنحن لا نتخيل بدون
رموز وشفرات وكلمات. لكن حين يتم، في خطاب المعرفة أو خطاب السياسة، وقد يكون
الأدب مستثنى من هذا التصنيف، حين يتم تحويل الخيال كله إلى لغة، أو تحويل اللغة
كلها إلى خيال في مجال معرفي صرف، في هذه الحالة تصير اللغة رطينة تافهة أو هذيانا
لا قيمة له كما هو حاصل الآن في الكتابة السياسية. لغة السياسة، يفترض، أن تشرح أو
تنقل أو تشير أو تحمل حقيقة ما أو مجموعة فرضيات لا أن تصاغ في قالب يقيني قطعي
نهائي سلطوي. ومن المعروف لعلماء النفس واللغة والأسطورة : حيثما وجد صراع بين
اللغة والخيال، أو بين الخيال والإرادة، فإن الخيال هو المنتصر دائما،لأن الخيال
أقدم من اللغة وأقدم من الإرادة. اللغة اختراع حديث، والإرادة طاقة نمت مع الإنسان
ولم تخلق معه، والخيال تقنية بدائية أو نواة العقل التحليلي.
ـ الوهم التاسع: هو وهم فصل المنطق عن اللغة. إن
مفهوم اللوغس الأغريقي يعني التماثل بين اللغة والمنطق. أي تطابق الحكمة مع
العبارة كما يقول ابن عربي. لكن" اللوغس" في العقل السياسي العراقي
السائد يعني الانفصال بين الحكمة وبين اللغة، بين المنطق وبين اللغة. المنتصر في
هذا الصراع هو المصلحة والبراغماتية والتبرير. وهم الانفصال هذا هو من نتائج تسييس
الفكر. أي تحويل الفكر إلى سياسة، ومؤسسة، أو مصلحة، أو منفعة على حساب المعرفة
والحقيقة والفكر.
ـ الوهم العاشر : وهم امتلاك اللغة. ان اللغة ليست
الواقع، بل هي علامة واشارة، وهذا هو السبب الذي جعل نيتشة يقول: بعد فوات الأوان
بدأ الناس يدركون الخطأ الذي أشاعوه بايمانهم باللغة. هذه الجملة وضعتها جوليا
كريستفيا مقدمة لفصل في كتابها: علم النص.
حين يتحول الفكر إلى سياسة، مرة أخرى، تصير اللغة جاهزة
للإجابة على كل شيء، بما في ذلك الغيب والمجهول والضباب ومواسم سقوط المطر
والنيازك. تصير، بمعنى أدق، لغة شعوذة. الأجوبة، حسب هذه اللغة، ليست خلقا، بل في
النص. والأسئلة، حسب هذه اللغة، ليست بحثا، بل إعادة. بهذه الصورة تصير اللغة ورطة. تصير سلطة. دوامة. اجترارا. حلقة مفرغة. لذلك ليس
المهم سقوط الفاشية فحسب، بل الأهم هو سقوط اللسان والمفهوم والعبارة والبيان
والقاعدة والخيال والمنطق الوصفي السطحي الذي جعل من اللغة أكثر صلابة من السلطة.
يا لها من مفارقة مخيفة أن كل هذه الأسلحة التي أسقطت أقوى فاشية في التاريخ، لم
تستطع إسقاط جملة واحدة من لغة نكتب بها كل يوم تاريخا جديدا من الدم. لا أدري لم
أتذكر في نهاية كل حرب قول الروائي الألماني العظيم اريك مارياك صحاب رواية(للحب
وقت، وللموت وقت) حين قال: إن القنابل التي سقطت فوق برلين، سقطت فوق المسرح،
واللغة، والسرير، وعلاقات الأسرة، وقواعد الكتابة. فهل سقطت قنابل
تلك الحروب فوق مقبرة؟
35
غيمة في بنطلون الجنرال
سنحتاج الى وقت طويل قبل أن نفهم، من بين اشياء كثيرة، ضحكة علي حسن المجيد في المحكمة ، وكيف
أعلن عن سعادته لأنه متهم بتهمة واحدة فقط. قال ضاحكا حرفيا: انا سعيد لأنني متهم بتهمة
واحدة.من لا يعرف هذا الرجل قد يظن ان هذه التهمة الواحدة واليتيمة التي جلبت
السرور الى قلبه، هي السطو على بنت الجيران، أو مشاجرة في مشرب، أو الصلاة في لحظة
سكر، أو تكسير زجاج وأدوات مقهى في معركة، أو التدخين في رمضان، أو في الأقل جريمة
قتل واحدة تحت ظروف ملتبسة. لكن ما هي تهمة الرجل الوحيدة؟ انها من كلمة واحدة(الابادة). ألا يحق له أن يضحك في المحكمة ويعبر عن
سعادته ما دام الرقم مهما في هذه الحالة؟ وهل ثقافة الرقم هي خاصية هذا الرجل أم انها جزء من التقليد
السياسي العراقي، ماضيا وحاضرا، ولأمد طويل قادم؟ هل ثقافة الاستباحة السياسية
ودفن الناس، أحياءً أو موتى، هي ملكية شخصية لهذا الرجل الذي قدم الينا، مع من
قدموا، من أعماق الصحراء، واعماق الوعي، واعماق اللاوعي، وأعماق الايديولوجيا،
وأعماق الفكر الالغائي، ومنظومة القيم التي لا ترى في الانسان غير صورة الفريسة،
فتقرر استباحته كما يستبيح جراد حقول الأزهار؟ قبل سنوات سئل المجيد مرة عن كونه
شارك في اخفاء مئتي الف ضحية.
رد ساخرا ومتعجبا: هذا رقم مبالغ فيه. أنهم اقل من مئة الف.
من حقه فعلا أن يكون سعيدا أو لا يكون، فلا يمكن مصادرة مشاعره
تحت أي ظرف مادام الذين يحاكمونه يدعون انهم يقفون على الطرف الاخر من ثقافة
الرقم. لكن من حقنا ان نفحص هذه السعادة لأن هذا الفحص، اذا تم في مناخ من
العقلانية والهدوء والتأمل، سيقود الى معنى جديد مختلف للسعادة أولا، ولمعنى جديد
ومختلف للصفاقة ثانيا، والى الوجه
العام لهذا الوجه الفردي، ثالثا. هذا الانتشاء المرضي بالموت، التشويه، المسوخية،
الابادة، الحفر، الاخفاء، الشطب، الكذب، السطو على الحياة وعلى الآخر، هل هو سلوك
خاص بهذا الرجل وحاشيته؟ خلف قفص هذا الوحش، خلف الصورة والقناع، خطر لي ان وجوها كثيرة تقف معه، ومثله منتشية
وسعيدة أيضا لانها هي الاخرى قامت بدور مماثل لدوره مع الفرق انها لا تمتلك اداة
الابادة ولكنها تمتلك الفكرة والذهنية. ومن يدري ربما كان الرجل يتوقع ان يكرم على
مجمل ما قام به في سبيل الوطن. هل هو الوحيد الذي قتل ويقتل في سبيل الوطن، وهناك
من قتل في سبيل الايديولوجيا، بل ان هارون الرشيد صنع منارة من جماجم أعداء الله،
أي أعداء الخليفة؟
هنا ايضا سنجد انفسنا بحاجة الى تعريف جديد لمفهوم الوطن:
فالوطن عند فريق هو الحزب، وعند اخر هو الضريح، وعند فريق ثالث هو قصيدة النثر،
وعند رابع هو التاريخ، والطبقة، والحتمية، والحقيقة التاريخية أو الامة، بل هناك
من تقلصت حدود الوطن لديه حتى صارت "أنا" يدور حولها العالم. كل واحد من
هؤلاء يحق له القتل الجسدي، او المعنوي أو الفكري، أو السياسي، بناء على معاييره
الشخصية. وكما ضحك المجيد من التهمة الواحدة والوحيدة فان كثيرين ضحكوا يوما او
سيضحكون يوما لأن معايبهم تعد على اصابع اليد الواحدة، حتى لو كانت واحدة منها مثل
تهمة الرجل قد حذفت الاف الأرواح والأشجار والطيور والكائنات الاخرى التي تعيش في
الظل التي لا يراها هذا الرجل القادم من ثقافة الكتلة والحائط والشعار والجملة
والمفرد والرقم العشوائي.ثقافة الكتلة، على سبيل المثال، لا ترى في سقوط الأرواح
بالجملة والمفرد علامة على الاحتراب الاهلي أو حتى على الخطر، ولا على ثقافة
الشرخ. لكن متى يمكن أن يُقرع الجرس؟ يقرع حين يفرق الانسان والمثقف على وجه
الخصوص بين ما يفكر فيه وبين ما يفكر به. حين يخضع عقله للفحص والمساءلة دون هذه
الحاجة الغريبة الى ازاحته بل وتصفيته. ومن يقدر على هذه المهمة؟ وحتى يحصل ذلك
ستكون ثقافة الرقم والكتلة هي المهيمنة، وسيكون الانسان غائبا، لأن حضوره ليس حضور
الشعار والجثة والمقال والصورة، بل الحضور الحقيقي هو حضور فاعلية وحرية ومشاركة. سيحضر
الانسان، سيحضر الوطن، سيحضر القانون، ستحضر الحرية، يوم نفهم اننا شركاء في ارض
لا أجراء، واننا شركاء في الأمل والمصير والارض، ولسنا رعايا، وسيحضر يوم تتلاشى فكرة الانتشاء المرضي بقتل
الاخر،غير الشبيه، المختلف، ماديا او معنويا، ويوم يحل الحياء الانساني النبيل،
ولا نقول الخجل، محل الصفاقة التي تحوّل وجه الكائن الى وجه صفيح. دعوة لكم مني
اذا عُرض مرة اخرى مشهد جلوس الجنرال عبد حمود في القفص لتركيز النظر في بنطلونه
مابين انفراج الفخذين: هناك بقعة تختلف تماما عن لون البنطلون. هي بقعة بول بدون
أدنى شك. لكنها تصلح للتوقيع على: بيانات ومقالات وبرامج وقصائد نثر ومسلسلات
عربية ومناهج حزبية وقرارات وندوات ومؤتمرات ومشاريع ومجالس مقترحة ودكاكين سياسية
ومواقع اعلامية ورسائل غرام طائش وحركات ارهابية وسيارات مفخخة وافلام فنتازية
واستعراضات عسكرية في أيام الهزائم واستقالة حكومات بوليسية ومجلدات عن الماضي
التليد والحاضر المشرق، على الهواء الرطب، على أعمدة المشانق، على ريح السموم، على
الأمل الذي لا يجيء، ولا يذهب، على نوافذ الخوف،على مفاتيح الشقق الجديدة،على
ابواب السجون التي مضت والسجون القادمة، على الدكتاتور القديم والدكتاتور القادم،
على خارطة الطريق القديم والجديد، وعلى الطريق السريع،على مفاوضات الحل المنفرد
والحل الجماعي، على الجدار الفاصل بين اسرائيل وبين الفلسطينيين، والجدار الفاصل
بين الثوري واللاثوري، والجدار الفاصل بين الشمال والجنوب، ما بين جسر الجمهورية
والمنطقة الخضراء، ما بين الطوائف، والعقائد، والجدار الفاصل ما بين الحاكم
والمحكوم، على اليأس، على الرمل، على التريث وانتظار نضج الشروط الموضوعية للثورة،
على التفسير الحرفي لماركس،على حوادث الاغتيال، وعلى القامات الادبية بلا ثقافة
ولا ادب ولا نقد ما عدا اللحية المشعثة والعيون الزائغة، على قائمة البريد
المغشوشة،على بطاقات السفر المزورة، على الشيزوفرينيا، وهوس الكذب، على المحافظين
القدامى والجدد، هنا أو هناك،على مسرح الصدمة والترويع،على البيروسترويكا العراقية
الخارجة من حفاضات الاطفال، على القصف الجوي العشوائي، على أقبية التعذيب القديمة
والجديدة، على العنصرية والخصخصة والبول السكري والضغط النفسي، على الدستور الدائم
والمؤقت، على خاطفي الرهائن، وخاطفي الأوطان، وخاطفي الثروة، وخاطفي الأضواء، على
الدواء المغشوش، على النشوة التي لا تأتي في أوقاتها، على الضجر، على الهواء الملوث،
واليورانيوم المنضب، على التشهير الطبي والحزبي والعقائدي والعاطفي،على مقاولي فرص
انهيار الأوطان، على حبوب منع الحمل، ومنع الحوار، ومنع الفكر، ومنع منظمات حقوق
الانسان من التحقيق في الجرائم، على تصفية الصوت وتصفية الجسد وتصفية الخزينة
وتصفية المختلف وتصفية الدموع من الخمر، على أخبار المعلقين الاستراتيجيين، على
زرع القلوب والشفاه والشروج والانظمة والعراقيل،على قنوات الاتصال الامريكية
والعربية، على قناة الجيش، وقناة أوستاكي، وقناة بنما، وقناة السويس، وقناة
فلوبيان المؤدية الى الرحم، على العزلة غير المثمرة، على الضجيج الأصم، على العطب
العام، على الفراغ الروحي، على السلاح الصدئ، على القبلة الباردة بعد فراق، على
العازل الجنسي، على الرصاص المطاطي، على قنابل الغاز، والانتحار الجماعي، على صمت
خيول البراري، على الثرثرة في الايروتيك، على القوى الرابضة خلف الماسنجر
والبالتوك الذي حوله التخلف الى
صورة خيمة في صحراء، والقوى الرابضة خلف الفاكس،على الضجيج الصناعي والمفتعل،على
الحكم السريع، والقذف السريع، على نوم الأمم في زمن الانتصاب، على وضع ضحية مخطوفة
محطمة عزلاء أمام العدسات وتلاوة بيان القتل،على ملثمي المخابرات، وملثمي الصحف
والمواقع،على الافراط في الأنانية في زمن الحريق، على برنامج النفط مقابل الغذاء،
على مسؤول دولة كبير يسمع القرارات من مقدم البرنامج، على وزير دفاع يسمع أخبار
الوطن من سائقه في الصباح، على تشمع الكبد وتشمع العقل، على الأرض مقابل الأمن،
على برنامج الغذاء العالمي في دارفور، على ثورة الحوثي في اليمن، على براز بدر
شاكر السياب الذي جعلنا نهجر
الوطن ونقيم في القصائد، على لحى جنرالات السلس البولي في الأقفاص. أيها الدكتاتور
:علمت جنرالاتك كيف يبولون في الأقفاص ويهربون في ساحات الحرب، لكن لماذا لم
تعلمنا كيف نبول ونحن في الطريق الى الحداثة؟
36
قبلة الأجرب
عزيزي عبد اللطيف حرز....
علمت انك ترقد
في المستشفى الان، وهذا محزن، لأنك من أول (غزاته باكوا عباته؟) وتركتني ليلة أمس
أتعثر بقبلتك الدافئة المرسلة من عشيقتك الايطالية كمبلي، خاصة وقد استلمت هذه
القبلة بعد منتصف الليل، الساعة التي ينام فيها العقل وتستيقظ شياطين ولا شك تعرف
اننا معشر هذه السلالة تكون قدرة التخيل لدينا تعويضا عن عالم صعب .وحتى تخرج
سالما دعنا نتسلى قليلا. أنا منذ
الليلة الماضية (وهل هي ماضية؟) غارق في حلم تلك القبلة. ولا أكف عن طرح الاسئلة:
قبلة دافئة أولا، ومن ايطالية ثانيا، واسمها كمبلي ثالثا؟ ماذا سيقول حرز لو جاء من المرعى وشاهدك
مع هذا الصليب البابوي المشع كالإكربوس؟ ولا أحذرك إلا من صراع 3 قوى: امرأة حسناء
أو امراة حمقاء، لأنك خاسر في الحالتين، وثانيا من خصومة الأحمق، وثالثا
خصومة الزمن. أما مقالي عنك(هتك
النقاب) فهو مراهنة ومغامرة، فلا تخيب أملي، والا سيكون دمك برقبتي.
لكن ما يوجع القلب انها مرسلة عبر البريد وليس عبر أي شيء آخر،
فقبلاتنا مثل أوطاننا مصنوعة من الوهم، لكن وجود هذه الغادة معك جنبك مشقة العمل
باليد الواحدة في لحظات الضجر واللوعة، فشعارنا السياسي في زمن الحكومات الدائمة
والمؤقتة، كما تعرف ولأجيال مضت واخرى قادمة هو: يد تعمل أو تحارب وأخرى تمارس
العادة (الثورية).
لا تخف من الموت فنحن لا
نموت بهذه البساطة ومن خبرة اقول لك انني اصبت بكل انواع الامراض الفتاكة حتى التي
لم يكتشفها العلم بعد ولا اسم لها و لادواء ومن النادر ان اذهب الى طبيب حتى
اتداعى نهائيا واخرها حمى اصابتني ليلة التاسع من نيسان 2003 . ويوما قال لي
الطبيب الخاص ضاحكا: أنك صرت مرضا متجولا. قال ذلك وهو يغسل يده كما تغسل كمبلي
فمها وهي تعانقني كما لو انها عانقت اجربا.اليس من الافضل لك ان تتمدد في مستشفى
وحولك مثل هذه الحورية التي لا شك
أن صدرها يشبه قباب الفاتيكان؟ اليس هذا افضل بكثير من ان تتمدد على تلك الحصيرة
وانت بين الحمى والهذيان وحولك نساء الثياب السود كطيور أسطورية يبكين ويندبن وانت
تسمع النعي حيا، وحرز يدعك بخصيانه من القلق وقلة التتن وقلة الحيلة وقلة المال؟
قبل أشهر عدة اصبت بنوبة اغماء ومخاط على إثر قصيدة نثر
داهمتني من موقع، ووجدت نفسي في غرفة مليئة بالزهور وكان أول من رأيته هو كمبلي
أخرى تشتهي الموت على صدرها، بل الجلد عشرات المرات، وانت تغني تلك الاغنية التي
لا شك سمعها حرز أو غناها يوما: دار الملوك اظلمت/ بعد الضيا بسروج/ ومن قلة الخيل/ شدوا على الكلاب سروج.
واظن ان جدتك السوداء تونا تورنر بصوتها المبحوح الشبيه بصوت
حرز حين يمسكه حنين معتق في مرعى أو
هور كانت قد غنت هذه الأغنية. وكان
أول سؤال هو: ماذا أفعل هنا؟ وانت تعرف ان هذا السؤال لا يستطيع أي مخلوق في
العالم عنده ذرة وعي وذرة نبيذ وذرة فجل أن يجيب عليه إلا اذا كان غبيا أو مجاملا.
هذا السؤال طرحته في أمكنة كثيرة لأننا غالبا ما نجد انفسنا فيها وتتعدد الاسباب:
تهمة بمضاجعة عنزة في أحلك مراحل النضال العربي كما في (العصفور الأحدب)، شتم
المطر عند مرور الموكب، الضحك
المباغت في مأتم زعيم، البول على حائط بسبب المرض يظهر أنه مقر لحزب ثوري، حلم على
الخط السريع بأنك تشتري حذاء لائقا يدفعك للصراخ والهتاف "يحيا العدل"
ينتهي بك في قبو بتهمة الضوضاء في الظهيرة، وأهون هذه الأسباب هو الغناء في مشرب
في الباب الشرقي دون ان تفطن
للاعلان على الحائط الذي يقول: ممنوع الغناء بأمر مدير الشرطة. هذا يوم كان الغناء
غناءً حقيقيا وليس نحيبا. ويوم كان مدير الشرطة مديرا وليس مكنسة سياسية.
عندي عدة طرق للإفلات من الموت، الموت العاجل طبعا، ساقول لك
بعضها كي لا تُسرق ويطول عمر "
العدو". أولها، اذا شعرت بدنو الأجل أحشد قواك كلها، كما فعل كارل ماركس في
لحظته الأخيرة حين طلب من صديقه الوفي انجلز تركه وحده في الغرفة وحين عاد بعد
دقائق وجده أسلم الروح، ويبدو ان ساعته جاءت فلا تأجيل ولا تأخير، كما ان ماركس لا
يعرف العربية كي يتحدث مع ملاك الموت الذي يسميه الاغريق باخوس، ويسميه حرز
"ملج" الموت والتسمية الأخيرة هي الأصح لانها خلو من كل شاعرية. اين هي
الشاعرية حين يكبس على صدرك ربع عرق على الريق في خرابة؟ وثانيها، اذا اسعفتك قواك
الخائرة احمل جسدك كما حمل المعري جسده الشبيه بخرقة مشدودة الى الأرض، الى
الحمام، وهناك غن بكل ما تستطيع من صوت وقوة وحيوية: (حمدة زعلانة، وماتلبسك يا
لباس، ياوللووو). وثالثها، اذا شعرت بيد باخوس الاغريقي أو ملج حرز قد اطبقت على العنق، ولا من حل أو خلاص، والعالم
صار يتلاشى، قل له ضاحكا:(خويه أنا سياسي عراقي) كي يستنكف ويتركك. ورابعها، اذا
سمعت علوية أو سيدا أو رجل دين يردد عليك وانت بكامل وعيك(وكل نفس ذائقة الموت)
ويبشرك بالجنة كي تجد كمبلي أخرى،بل أكثر، قل له: ما أريدها، ما أريدها، خذها لك.
وحيلة الحيل من الموت العاجل ان تغلق كل الثقوب المتوقع أن تخرج منها الروح، إلا الفم
السفلي لأنه الفم الوحيد الذي يستطيع التفاهم مع هذا العالم، عالم يعشق البابا،
والبيتزا، وبرلسكوني، والمنطقة الخضراء، ويكره الألوية الحمراء، والرواية الجديدة،
وكمبلي.
بالمناسبة لا أنا ولا أنت قبضنا شيئا، ولن نقبض يوما، من هذه
المنطقة التي كانت المنطقة السوداء، وهي اليوم خضراء، وحين نكون أنا وأنت، لا سامح
الله، على راس قوة النفيضة، كما كان يقول حرز في المضيف، ونستلم سلطة سنطلق عليها
المنطقة الحمراء من كثرة الدم الذي سيسيل(وطبعا من أجل الحرية) ثم نتركها لأهل
الخبرة والعلم والفهم ونعود أنا وانت الى
بار سرجون أو ليالي بغداد ونضحك على أهل السياسة وتضحك معنا أكثر من كمبلي
حتى نهلك من الفرح، ويكون شعر كمبلي قد صار سحابة مطر لكن ما تبلل "الماشين".لا
اخفيك أرقي من قبلة الأمس الدافئة، حتى كان انزعاجي واضحا من الحسرة لو لا ان
جارتي الطيبة قدمت لي زجاجتين من نبيذ استرالي في النهار كتب لا أدري هل هما
لمناسبة يوم تسليم السلطة في 1/7/ أم عيد ميلادي الوهمي: واحدهما أتفه من الآخر؟
37
مسيح البنتاغون عجل بظهور المهدي
(لنَسلك أعط هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الأكبر، نهر
الفرات). سفر التكوين:15 ـ 18
في تاريخ الفكر الشيعي لا
يظهر المسيح المنقذ بعد أن تمتلئ الأرض جورا وظلما إلا ومعه المهدي صاحب الزمان،
فظهور الأول هو الذين يمهد لخروج الثاني مع أتباعه لكي تصبح الأرض أكثر عدلا
وجمالا. والمسيح لا يظهر، في العقيدة المسيحية، إلا على إثر معركة شرسة مع الأشرار
يخوضها الأخيار، وبتعبير أدق ان وزارة الدفاع الأمريكية وتحديدا البنتاغون هو الذي
سيمهد الأرض لظهور ابن الرب المنقذ والمخلص على ارض(بابل الزانية) وهي بابل
الحالية التي تقع ما بين النهرين.
يأتي ذكر بابل مقرونا بوصف زانية كثيرا في التوراة في النسخة
التوراتية المنقحة بعد العودة من السبي البابلي بعد سقوط بابل على يد الملك كورش
الفارسي، ويجري ذكر نبوءة " دانيال" الذي عمل في القصر البابلي كعراف
لملوك بابل، وهي نبوءة تشير إلى سقوط بابل قريبا، لكن هذه النبوءة ليست إلا أسطورة
أخرى، لأن دانيال نفسه لم يكن غير جاسوس الملك الفارسي على ملوك بابل، وكونه عرافا
واعيا ودقيقا بحرفته فلقد وضع معلوماته الدقيقة في صيغة نبوءة قادمة.
والمسيحية الصهيونية تؤمن
حرفيا بعودة المسيح الثانية إلى الأرض في صراع سيقع على أرض الأشرار وهي قطعا في
الذهن العنصري الأسطوري المسيحي أرض بابل وليس غريبا أن تقف عجوز نرويجية متصهينة
اسمها "أنا ديوفك" كشاهدة زور ضدي في محكمة انتقاما من حوار حول بابل جرى في بيتي فلم تغفره لي أبدا، بل
هي ذكرته في المحكمة على انه أساس خلافي معها وكان ذلك مدهشا لي جعلني أفيق من
غيبوبة نشوة ترى في هؤلاء مخلوقات سوية لأنها عاشت في مناخ الحرية وتفتحت في فيه.
اختلطت العقيدة الدينية
بالسياسة، وتحول المسيح من نبي أو إنسان أو ملاك منقذ ومخلص أو نصير للحرية حسب
ديستوفيسكي، إلى موظف في شركات النفط والسلاح، وخرج السفر التوراتي من حلم العثور
على الوعد الرباني "والأبوي" إلى الهجوم المسلح بقوات محمولة برا وجوا
وبحرا في عودة أخرى من خلال(العبور
نحو بحر القصب) كما جاء في سفر النزوح، أي الأهوار الحالية.
بهذه الطريقة تقابلت
الاصوليات الدينية المتقاطعة، الاسلام القائم على فكرة الانتظار والمنقذ والمخلص،
انتظار المهدي، والمسيحية الاصولية من خلال فكرة انتظار المسيح المخلّص للعبور إلى
أرض القصب. تقاطع أصوليات ولقاء أحلام
أو أمل الخلاص وفكرة المنقذ.
بهذه الطريقة أحيت الادارة الأمريكية(التي ضج العالم من صراخها
في حرب الإرهاب والاصوليات) الذاكرة الشيعية، وعجلت بدل ظهور المسيح بظهور المهدي
وجيشه القادم من "بحر القصب"حيث هناك سيكون الحسم النهائي للمعركة
القريبة القادمة بزعامة الإمام المسلح. هل كان زعماء البنتاغون يعرفون، وقد حسبوا
حساب الأسلحة، والمواقع، والجيوش، والطقس، وردود فعل الخصم، وطرق الامدادات، وقطع
الغيار، والعتاد، والوقود، والأجواء المشرقة للطيران وغير ذلك، هل كانوا قد وضعوا
في تفكيرهم احتمال أن تؤدي هذه الحرب
إلى ولادة أصولية مضادة منبثقة من الدم والذاكرة والتاريخ والمسجد والشعور
والعاطفة؟ لم يحضر ذلك في تفكيرهم. وقعوا في ذات الورطة التي عصفت بأسلافهم
الإنكليز بما يسمى (بثورة التنباك) بداية القرن الماضي حين خططت شركات النفط
الإنكليزية لتصديركميات هائلة من التبغ إلى العراق وإيران وفكروا بكل شيء، لكنهم، وعند التنفيذ، فوجئوا بفتوى
المرجع السيد الشيرازي حين حرم التنباك، وقد يتكرر هذا الموقف في فترة قادمة.
هناك جوانب في التفكير المحلي والتقليدي والتاريخي عند الشعوب
غير الأوربية يستعصي على الفهم والتحديد، وقد تكون ظاهرة الثورة الإيرانية آخر
مفاجأة للعقل الغربي كما توقعوا، لكن يبدو أنهم لم يتعلموا الكثير، أوان عقولنا
زاخرة بكل ما هو مدهش حيث يختلط الأسطوري
بالثوري، الخرافة مع التمرد، الحلم مع السحر، الرغبة في الموت مع شهوة الحياة..وغير ذلك الكثير من عناصر
تفكير محلية. صحيح هناك إستراتيجيات لوضع الأسطورة الدينية في قالب عصري، والغرف
من قاموس مكافحة الارهاب الدولي، واسلحة الدمار الشامل، والفاشية، لكن الفكر
الاصولي حاضر حضورا قويا في تحويل الميثولوجيا العرقية القائمة على فكرة(التراب
والدم) العنصرية، إلى حقيقة قائمة على الأرض.
المسلمون الشيعة ينتظرون
منذ قرون عودة المهدي وهو انتظار قال عنه المفكر الإيراني المرحوم مطهري (إنه
الانتظار الإيجابي) أي الانتظار القائم على الحركية الايجابية وليس السكون والقعود
وانتظار الفرج.علامات ظهور المسيح معروفة في الفكر المسيحي، وعلامات ظهور المهدي
معروفة في الفكر الشيعي، وفي ذاكرة الفريقين، واهم هذه العلامات وشرطها امتلاء
الأرض بالجور حتى يضج الناس بالصراخ من الألم والظلم.كان مفروضا بالمسيح، حسب
هؤلاء، أن يظهر على جبل في القدس في نهاية القرن العشرين، لكن شارون لم يصلح كممهد
لهذا الظهور لأن خطاياه تجاوزت حدود الممكن، رغم ان الفقيه موشي ديان كان قد
قال:(بما أننا نملك كتاب التوارة، ونحن شعب التوراة، فإن علينا أن نمتلك جميع
الأراضي التوراتية).الجنرال موشي ديان،جيروزاليم بوست،10،أغست،1967.
تنفيذا لهذا الوعد قام الدكتور جولدشتاين في25 شباط94 بتصفية العرب أثناء صلاتهم بالحرم
الإبراهيمي، كما يذكر المفكر روجيه جارودي في كتابه القيم الأساطير التوراتية.
نبوءة العراف والساحر ميشيل دي نوستردام(ولد في الرابع عشر من كانون الأول سنة
1503 في سان ريمي في ايطاليا) تعيش في المخيلة الغربية اليوم عن خراب لبابل قادم
وهو يتحدث عن ظهور سافل أسمر:( سوف يدخل، شرير، بغيض، سيء الصيت، يستبد بأهل ما
بين النهرين. كل الأصدقاء تصنعهم السيدة الزانية، الأرض توقع الرهبة، وسوداء
المظهر). طبعا السيدة الزانية هي بابل رمز بحر القصب، بلاد النهرين.
هل كان(البغيض، وسيء الصيت) الذي استبد بأهل ما بين النهرين هو
الدكتاتور العراقي الهارب اليوم؟ أم ان النبوءات التوراتية لا تتصور مخلوقا غير
شرير يخرج من أرض بابل؟ سواء كانت نبوءة نوستر داموس، أو خطط رامزفيلد أو شركات
النفط والرأسمالية المتوحشة، فإن الشيء المؤكد اليوم ان المهدي ـ عجل الله فرجه ـ على وشك الخروج قبل
ظهور المسيح وعلى مقربة من قوات المارينز. هل هي نهاية أسطورة؟ أم ولادة وهم؟ أم
موت إمبراطورية؟ هكذا أخرج الإرهاب الدولي المارد من القمقم ولم يعد قادرا على
اعادته لا بجنود المارينز ولا بقوات دولية أخرى، كخروج من ورطة بحر القصب الذي
يبدو اليوم ساكنا سكون صحراء تتحرك رمالها التحتية بهدوء مريب. بلغة أوضح فإن هناك
أقداما ضخمة ثقيلة تجوب شوارع العراق، سرا، اليوم هي أقدام المهدي رفيق المسيح في
الخلاص ومعه جيش من الجياع والمحرومين الذين أخرجتهم القوات الأمريكية من بلاد بحر
القصب بعد قرون طويلة من الانتظار الممل.
38
مقتل محارب نظيف
(يا عام شؤم، يا عام فئران،
يا عاما نجسا!/ عاليا كان خطك ومعدنيا/ على ضفاف الأقيانوس/ والهواء مثل سلك/ من
عواصف وتوتر/ ولكنكِ أيضا يا أمريكا/ ليلة زرقاء، ومستنقعية: مستنقع وسماء،
احتضار/ قلوب مسحوقة/ مثل برتقالات سوداء ومهشمة/في صمتك، صمت الاقبية/ الشاعر بابلو نيرودا ـ النشيد الشامل).
حين عاد القتلة من حفلة الدم الوحشية بعد دفن جثة الزعيم عبد
الكريم قاسم في ضواحي ديالى، فوجئوا باختفاء الجثة، وأعلنت يومها حالة الطوارئ من قبل دولة كبرى
بمقاييس البلدان النامية بحثا عن جثة هاربة للزعيم الذي ظل حتى اللحظة الأخيرة من
حياته يرفض حوار السلاح، هو المحارب النظيف، الذي لم ينجب أطفالا بعد منتصف الليل،
ولم يبح بسر صديق، ولم يخن أحدا، كما فعل الشباطيون، و العقداء الغجر، وفرسان
الفصاحة والوصم.
حين ألقوه في النهر كي لا يصير رمزا، لم يكونوا يدركون
لسذاجتهم انهم صنعوا رمزيا أبديا، وان المخيلة العراقية منذ أقدم العصور تربط بين
الزعيم الغائب وبين الأنهار المقدسة، وان أكثر حالات الانتظار قداسة عند العراقيين
تلك التي تتم عند حافات الأنهار في مواكب احتفالية من الشموع والفرح والقداسة
والأمل،وان غياب جثة القائد في الأساطير والحكايات العراقية يجعلها حاضرة أبدا،
ويخلق فكرة الانتظار المثمرة القادمة من الموروث الديني المحتفل بفكرة المنقذ
والتغيير من انتظار المسيح وحتى انتظار المهدي، وهذا "الأمل الايجابي"
بالعودة هو الذي حول الزعيم الغائب إلى رمز، كما تحول قتلته إلى روث في ذاكرة الناس، ولعنة عبر الأجيال كلما
جاع طفل أو ناحت عراقية على ضفاف الفرات من الذل كناقة تائهة.
إن أية محاكمة منصفة تبحث من جديد عن قتلة عبد الكريم قاسم، لا
تستهدف قطعا البحث في تفاصيل قضية جنائية، بل تستهدف إعادة الاعتبار لإنسان انتهكت
حرمته حيا وميتا هو الذي صان حرمات حتى الذين حاولوا قتله، وتستهدف هذه المحاكمة
محاكمة مرحلة، وإنصاف التاريخ قبل الرجل.إن الزعيم عبد الكريم قاسم لم يحكم العراق
لوحده لحظة واحدة، فحين دخل القصر الرئاسي(وكان ينام عند شقيقه حامد مثل أي جندي
في وزارة الدفاع) ليحكم وجد في انتظاره جوقة منفرة من الزعماء والحالمين
والفاشلين، وتحمل بصبر أسطوري تلك المرحلة العجيبة من الضباط الانقلابيين الذين
قتل أغلبهم بعد ذلك على أبواب دار الإذاعة أو سراديب الأمن أو علب الليل في
صراعات حول السلطة، وماتوا وعيونهم
مفتوحة مثل دجاج المزابل على هذا الكرسي المشؤوم الذي صار يلاحقنا ويطاردنا في كل
مكان حتى هذه الساعات العصيبة. وقد يكون الزعيم هو الرئيس الأخير الذي يخاصمه
وزراؤه في الليل، فيزورهم في النهار، وهو المسؤول العراقي الوحيد عبر التاريخ الذي
مات (دونما جاه أو قصور أو أطيان أو حتى ملابس مدنية)، وهو الرئيس الوحيد الذي
حاول عبد السلام عارف أن يغتاله وجها لوجه بعد حوار ساخن في وزارة الدفاع، ورفع في
وجه الزعيم مسدسه بحضور فؤاد عارف الذي اندفع نحو عبد السلام مع الزعيم وجرداه من
مسدسه، وجلس في هذا الوقت معه يعاتبه عتاب صديق لصديق وتوسل إليه أن يقبل مؤقتا
منصب سفير. إذا كان سهلا اغتيال
الرجل بحفنة رصاص على جدار فهل سيكون اغتيال التاريخ بنفس السهولة؟ وإذا طمست جثة
الضحية وألقيت في النهر، فهل سيكون سهلا طمس حقبة من التاريخ؟ ايهما أكثر خطورة:
اغتيال الرجل أم اغتيال العدالة؟ وكيف نفرق، إذا كان لابد من ذلك، بين من يعدم
رجلا وبين من يعدم مرحلة؟وإذا كان قتل الزعيم قد أوقف مرحلة، وأنحرف المسار نحو طرق
جهنمية مهد لصعود أكثر من فاشية متناسلة منذ خروج جدنا آدم من الجنة عاريا إلى هذه
البرية التي تناسل فيها الشرطة والثكنات والسجون وكلاب الليل والنهار، أفلا يؤدي
تشويه مرحلة إلى تشويه التاريخ والبشر والمستقبل كما حصل من بعد؟
هل حقا ان قضية الزعيم هي قضية بحث في ملفات صارت في ذمة
التاريخ أم انها قضية الأمس واليوم والغد؟ وإذا كان كارل ماركس يبحث في انتفاضة
"الرعاة" في أوروبا قبل مئات السنوات، والمؤرخ توينبي يدرس تاريخ
الحضارات، وكلود ليفي شتراوس تاريخ الأقوام البدائية والتشكيلات العرقية الأولى، فلماذا يتحول البحث
عن قضية الزعيم عبد الكريم، وهي قضية حية وشهودها احياء، إلى قضية ملف في ذمة
التاريخ؟
هل التاريخ العراقي على هذه الدرجة من النظافة الأخلاقية بحيث
ان إثارة قضية أو جريمة من هذا النوع ستخدش الصورة النقية لتاريخ تأسس بحفر أنفاق
من الدم حتى اليوم؟ أم ان فتح ملفات
هذه الجريمة ستقود إلى كشف جرائم أكبر مخفية ومنسية ومطمورة ومسكوت عنها؟ وماذا
نقول لأولادنا غدا حين يسألوننا
عن تاريخهم الجديد؟. الذين قالوا
والذين قبلوا دون فحص أو شك أو سؤال أو دليل أو برهان بتهمة جنون الزعيم كانوا قد
صدقوا حقا. هذا الرجل مجنون حقا.والدليل؟ من يحكم وطنا في تلك الحقبة لا يمكن أن
يكون بشرا عاديا أو طبيعيا. من يتحمل أعباء تلك المرحلة التي نهض بها الزعيم، كان
لا بد أن يكون زعيما بمقاييس لا يفهما الرجال الصغار، الرجال الوشاة، الرجال
الجوف/الرجال الدمى .فهل يجوز أن تكتب مزبلة سيرة حياة شرفة؟هل يجوز حقا أن تكتب
جيفة سيرة حياة الورد؟وهل يحق لصرصور أن يكتب تاريخ فراشة؟
ليس من حقنا أبدا، لا في الأمس ولا اليوم ولا غدا، أن نطلب من
الرجل الذي طاردناه حتى في سرير نومه ـ كما يذكر حسن العلوي في كتاب رؤية ما بعد
العشرين ـ وجعلناه يحمل أحذيته وكتبه وينتقل من منزل شقيقه إلى وزارة الدفاع وهو
يحمل سريره العسكري "السفري" بيده كأي مؤجر أعزل ووحيد، ليس من حقنا أن
نحاسبه كيف حكم ولماذا حكم وماذا فعل.لعل حادثة وضع منشورات تحت وسادته من قبل طفل
لوحدها تضع الزعيم في مرتبة المتصوفة الكبار والرهبان الذين لا تتكرر ولادتهم مرة
أخرى.وإذا كان للرجل أخطاء فهي أخطاء التاريخ والأحزاب. وكان الزعيم كبيرا في
ضميره وفي أفعاله وفي أخطائه لأنه ولد وعاش وحكم في حقبة تحول ومنعطف.في أي مكان
في العالم يكون فيه بيت الرئيس مفتوحا كمقهى أو ملعب للأطفال؟ وفي أي زمان يدخل
رئيس دولة إلى غرفة نومه ليجد تحت وسادته منشورات معادية ولا يفتح تحقيقا ويترك
المنزل بهدوء بعد أن يعتذر من الجيران؟وكان لحاكم غيره أن يفتح أنفاقا من الدم على
هتاف أو مزحة أو ظن أو رصاصة أو حلم.
يروي حسن العلوي هذه
الحادثة التي كان شاهدا فيها ومدبرا لها:
(تقرر وضع المناشير في غرفة
عبد الكريم قاسم بواسطة أحد الأطفال الذين اعتادوا الدخول والخروج إلى بيت حامد
قاسم(؟!) ودسها تحت سرير الزعيم. ولدى دخول الزعيم إلى غرفته فوجئ بحزمة مناشير
مخبأة تحت الفراش. لم نلاحظ ردة فعل ضد القائمين بهذا العمل وهم معروفون لديه ولدى عائلته(؟!) ...).
أي نوع من الأعباء والقوى
تحمل عبد الكريم قاسم؟ وما هي حقيقة لعبة التوازنات؟ وما هو السر الخفي وراء عدم
إعلان دستور دائم للبلاد؟ ثم.... من قتل الزعيم؟ لا نريد الدخول في تفاصيل التهم
الكثيرة التي ألصقت بالزعيم والتي لم تصمد أمام امتحان الزمن. لكننا سنتوقف عند
بعض المحطات الرئيسة التي أغفلت عمدا أو سهوا أو جهلا.لكن اسمحوا لي أن أثبت سطورا كتبها الشاعر المرحوم نزار
قباني عن الرئيس الياس سركيس مع
الفارق بين الرجلين والمرحلتين.يقول نزار:(من الظلم أن نطلب من الرئيس سركيس أن
يعطينا حسابا تفصيليا عما فعله خلال عام من رئاسته. لأننا جميعا لم نعطه الفرصة
ليفعل شيئا. ومن الظلم أن نسأله: كيف حكم؟لأننا جميعا تآمرنا عليه حتى لا
يحكم.تظاهرنا بأننا معه ولم نكن في
النهاية إلا مع أنفسنا. هو غني بضميره القومي وقوي بتماسك عوالمه الداخلية، لا
بهشاشة عوالمنا. هو لا يمتلك موهبة التمثيل، ولا يوافق على توظيف أحزانه كراقصات في المسرح الاستعراضي العربي).
وهذه هي بعض خصال الزعيم عبد الكريم وأكبر بما لا يقاس. كان
وحيدا في مواجهة عواصف بدأت تهب عليه من كل مكان ولم يجد إلى جانبه زوجة أو صديقا
لبثه أحزانه التي هي أحزاننا، وحين كان يعود إلى غرفته يجدنا تحت سريره ننغص عليه
نومه ولم نكن نعلم، أو كنا نعلم، اننا كنا نفتح تاريخا من الدم لم ينقطع حتى اللحظة. كنا نريد أن نصنع من
الزعيم قاتلا أو مغرورا أو طاغية وكان يريد أن يحتفظ بحبه للفقراء وتصوفه بهم
وبساطته في العيش التي وصلت مستوى الجمال غير المدرك لنفسه.
يكرر جرجيس فتح الله في تعليقه على كتاب(العراق في عهد قاسم)
تأليف أوريل دان بأن الجماهير تواجه الزعيم أينما حل بصيحات حادة:(ـ عبد الكريم
اعدم، اعدم!). وجرجيس نفسه استعار الاسطورة الصينية التي يتلخص معناها بأن الحكومة
الجائرة أكثر خطورة من النمر في محاولة لوصف حكم عبد الكريم قاسم.وهذا أمر غريب من
رجل قانون يعرف قبل غيره وأفضل من غيره انه لا يحق لأحد في هذا العالم أن يجعل من
نفسه الحاكم والنص والقضية والشاهد الوحيد في النفي والإثبات، وهو القاعة
والجمهور، والقرار، والقانون، والمحامي، دون إعطاء المتهم أو من ينوب عنه فرصة الدفاع عن النفس وشرح
الظروف. لكن الخفة العراقية الشهيرة تجعل من كل من هب ودب قاضيا ولو في مقهى أو
رصيف او حمام أو مشرب. لم لا؟ اذا
صار شهود الزور هم شهود الحقيقة والضحية غائبة او مغيبة، ولا احد يفحص أو يسأل أو
يراجع.
منطق السيد جرجيس هنا ليس
منطق رجل قانون قضى عمره في المحاماة، بل هو يتحدث بعقلية سياسي عراقي قادم من
أزمنة المحاكمات السياسية التي تشطب
وتلغي وتوصم وتدين وتجرم الناس وهم في حالة نوم دونما حاجة إلى دليل أو برهان أو
ملف أو شهود أو دفاع ...الخ... والمسافة كبيرة بين الاتهام السياسي الذي لا قيمة له وبين الاتهام القانوني
القائم على عناصر المحاكمات كما عرفها تاريخ الإنسان في صورها الصحيحة.
هل واجه الزعيم قوى سياسية وأحزابا فقط أم واجه قوانين تاريخية
ومرحلة انهيار قيم وانفلات رغبات في مرحلة تحوّل ومنعطف وتدهور منظومة معايير
اجتماعية وثقافية سائدة وتفسخ اجتماعي سياسي و أخلاقي؟ في مثل هذا النوع من
المراحل العاصفة التي تهب على المجتمعات خلال أو بعد الحروب أو التي تعقب الكوارث
الطبيعية أو الثورات، والهزات الاجتماعية
الكبرى، يحصل ما يسميه علماء الاجتماع بحالة فقدان المعايير Normlessness. كما هو حاصل اليوم.
تؤدي هذه الحالة إلى ضرب من العدمية السياسية والاخلاقية
وانهيار منظومة القيم والمثل والأعراف
وفقدان المقاييس، وفي مثل هذه الظروف الزلزالية لا تتأسس القوانين أو
الدساتير لأن الفورة الاجتماعية في ذروتها ولم تستقر بعد ولأن الدساتير التي توضع
في مثل هذه الأجواء لا تعكس بصورة دقيقة رغبات وقيم وآمال وحقوق الناس ومثلهم
وتقاليدهم التي تكون في حالة إزاحة وتراجع وصراع قيم ومصالح وطبقات جديدة وفئات
تتقدم وأخرى تتراجع ونظام أفكار
وأخلاق يصعد في مشهد عنف تاريخي جبار.
ولقد اثبت الزعيم عبد الكريم بعدم سنه دستور دائم للبلاد في
تلك الظروف العاصفة حكمة وصواب المشرّع، لأننا لا نستطيع أن نقيم حفلا موسيقيا
هادئا وحالما على ظهور التماسيح.كان يريد أن يهدأ التاريخ من عربدته وتتوقف قوى
الردح ويراهن على الأيام ولم يكن يراوغ لأن الدساتير تعكس مرحلة الاستقرار النسبي
لمجتمع ما في حقبة ما، ولا توجد أمة شرعت دستورها في ظروف الاحتراب الاهلي ومناخات
الحرب الاهلية المستترة التي مهدت للخراب القائم اليوم وبعد اليوم.
كان المسرح السياسي يومها ولا يزال هو مسرح دعارة بامتياز.
وكان عبد الكريم قاسم أشبه براهب وجد نفسه، كما في رواية الإخوة الأعداء
لكازنتزاكي، في وسط تقاطع نيران وهو يصرخ المحبة، حتى تحول جسده الى ميدان
رمي. هناك من يعتقد ان إعدامات
مؤامرة الشواف كانت ردة فعل على تحديات وضعها في وجه الزعيم خصمه جمال عبد الناصر. ولكني أتساءل ماذا
كان سيفعله الرئيس الفرنسي أو الرئيس التركي أو الهندي أو الأمريكي اليوم لو أن عقداءً في الجيش أغاروا على قصر
الأليزيه أو البنتاغون مثلا وقصفوه بالصواريخ في تمرد عسكري مكشوف يهدد بحرب أهلية
ضارية، وكان من نتيجته مئات أو آلاف الضحايا؟. الرئيس الامريكي بسبب ذلك، مثلا، شن
حربا كونية.
إن المتهمين في هذه المحاولة حصلوا لأول مرة وآخر مرة في تاريخ
العراق على فرصة نادرة في الدفاع عن أنفسهم علنا أمام الناس من شاشة التلفاز، بل
ان الطبقجلي في دفاعه عن نفسه قد كسب تعاطف قطاعات واسعة من الشعب، وهذا نادر في
ظروف محاكمة علنية فريدة من نوعها في تاريخ العراق حيث تستطيع أسرة المتهم رؤيته
وهو يدافع عن نفسه، في حين ان المتهم اليوم يختفي ليس هو فحسب، بل حتى أسرته وبعض
أفراد عشيرته ومعارفه وجيرانه وكلبه وبقراته وقريته وغليونه وصوره أيام العرس
ومزرعته وقاضيه إذا تعاطف معه ونصف عدد أصدقائه المقربين ومن صادفه في ذلك الصباح
المشؤوم ومن دفع أجرته أو ثمن شايه أو حلق رأسه وحتى من تشاجر معه في لحظة القبض
عليه.
كان أوريل دان منصفا
وحكيما حين قال في كتابه المذكور أن الزعيم مارس الحد الأدنى من العنف في مرحلة
تحتمل الكثير من الاخطاء. تحملها الزعيم بصبر كبير عملاق هو الأعزل والوحيد لأنه
كان يعرف بأنه ذاهب إلى الأبدية، وهم إلى المزبلة كما حدث في كل مكان وفي كل زمان وكما سيحدث.كيف يستطيع رجل مهما
كانت قدرته في مرحلة عاصفة وفي مناخ دولي ملتبس وعدائي، أن يواجه قوانين تاريخية
ومشاكل يعود بعضها إلى مئات السنين ويوقف غليان التاريخ في أعنف لحظاته؟.
لكن هذا الرجل المشتبك في صراع أسطوري كأحد آلهة الإغريق في صمت خرافي، وفي
كبرياء حزين، هو كبرياء رجال التاريخ الكبار، وحزن المآذن المنعزلة، والكاتدرائيات
الكبرى المهجورة في العشب والصخور والصمت والنجوم، حين يعود إلى منزله من معارك
التاريخ وأقداره ليرتاح يجدنا حرمانه حتى من النوم الهادئ على سرير الهاوية وبكاء
الرجال العائدين من أقدار كبيرة.
إن احتلال وسادة رجل بقامة الزعيم وحرمانه من آخر مساحة للدموع
السرية لرجل أعزل وأحد أبطال الملاحم الكبرى هو عمل جبان بكل مقاييس الأرض.
التهم الأخرى التي تهاوت هي لعبة التوازنات:قال له الإسلاميون:
الشيوعية كفر والحاد. أعدمهم يا سيادة الزعيم. هزا رأسه باسما وصمت.قال له
الأكراد: نريد عودة كل العصافير الكردية المشردة وتعيد لنا الخضرة إلى كوردستان
وتعيد لنا موتانا وزرقة السماء.هز رأسه باسما وصمت.قال له القوميون: نريد وحدة
عربية فورية. اعدم الشعوبيين يا سيادة الزعيم.هز رأسه باسما وصمت.قال له
الشيوعيون: ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة. اعدم، اعدم يا كريم.هز رأسه باسما
وصمت.قال له الليبراليون: دستور عاجل الآن، وليس غدا كما كان يصرخ الجادرجي.هزا
رأسه باسما وصمت.قال له كبار السن: أرسلنا يا سيادة الزعيم إلى لندن. اعد إلينا
فحولتنا.هز رأسه باسما وصمت.قال له كبار قادة الجيش: لا برلمان ولا دستور ولا
حريات ولا بطيخ. أعلن الأحكام العرفية حالا يا سيادة الزعيم.هز رأسه باسما وصمت.قال
له شيوخ العشائر: ذهبت القيم والأخلاق ودب الفساد. أنقذنا يا سيادة الزعيم.هز رأسه
باسما وصمت. حين خرجوا جميعا وظل وحيدا بحث عن صديق يبثه أحزانه الخاصة فلم يجد
غير ضميره يعانقه وأجهش في بكاء الآلهة. هل كانت القرارات تنساب عبر قنواتها أم
تعطل في الطريق خلال مرورها بمراكز قوى متعددة ومعادية للرجل؟ وهل كان شركاء
الزعيم صباح يوم الثورة مؤهلين حقا
لقيادة دولة أم أن مهمتهم انتهت في ذلك الصباح؟ وهل كان الرجل يحكم بمفرده؟
صباح يوم الجريمة (8 شباط) يذهب عقيد إلى معسكر الرشيد ويطلب
من آمر اللواء تسليمه اللواء المدرع ويخبره بأن أمرا صدر بذلك من الانقلابيين ولم
يكن ذلك صحيحا.نفس الصباح: يذهب عبد السلام عارف وهو غير مؤهل لقيادة ليس دولة
فحسب، بل قطيع فئران تجارب، إلى العنصري أحمد حسن البكر وكانا متقاعدين، ويذهبان
بكل سهولة إلى معسكر أبو غريب أو الوشاش (لاقتراض) سرية دبابات تندفع بهم إلى
وزارة الدفاع في وليمة الموت الغدر.
من الغريب ان النخب السياسية والثقافية كانت نائمة تلك
الليلة(كما في كل الليالي) ما عدا الملحق العسكري الأمريكي الذي كان يقظا ومنتظرا
حتى ساعة وقوع الانقلاب.هذه الحوادث تدل بوضوح صارخ على ان جريمة قتل الزعيم كانت
علنية ومكشوفة وان أحدا لم يتحرك لمنعها حتى ان راقصة في ملهى في الموصل كانت تعلم بخبر الانقلاب من عشيق
ضابط، جريمة تشبه جريمة قتل في رواية غابريل ماركيز(حكاية موت معلن) التي كانت
علنية معروفة ومتوقعة من البلدة لكن أحدا لم يحذر الضحية حتى قتل أمام الناس الذين
كانوا كلهم يعرفون ساعة القتل وكانت النساء تراقبه من الشرفات يوم خرج ،إلا هو
وحده.
من قتل الزعيم؟ نحن جميعا شركاء في قتله العلني والمكشوف. سواء
الذين أطلقوا عليه الرصاص أو الذين أطلقوا عليه الدموع. أو الذين صمتوا ولم
يتحركوا لمنعها. أو الذين حاولوا أمس واليوم تشويه الرجل والمرحلة.
أيها الزعيم،أنت ترقد قي قاع النهر ممزوجا بطين وأساطير
الأنهار المقدسة. وسنظل ننتظرك نحن الأبناء التعساء، أبناء الصرايف، الذين أحببتهم
كثيرا، على ضفاف الأنهار.وعندما ستخرج علينا يوما من النهر،سنفرش قمصان اليتامى تحت
قدميك،لكي تمر أيها الصديق.
39
أطول ليل عراقي يرويه أصم
"الدكتاتور لا يأتي الا اذا استدعيناه "
الروائي
ماريا فارغاس يوسا
عبد الله رويّد هو المتهم الوحيد في محكمة الدكتاتور الذي لا
يعرف ما يدور حوله، اذا كان هناك داخل القفص أو خارجه من يعرف، لأنه لا يسمع لكبر
السن وقد عبر الثمانين كي يحتفل بشيخوخة مشؤومة أو عيد ميلاد كئيب الى جانب
"الأخ الأكبر" وهذا ما لم يخطط له حتى في كوابيسه الثقيلة أيام كان يسرح
ويمرح في الحقول الخضر التي صارت رمادا حين شملها بعد محاولة الاغتيال عام 1982، المحو
مثل كل الكائنات والاشياء في حياتنا الحافلة بالمباهج الساخرة.
في الجلسة الثامنة وضع عبد الله هذه المرة بجانب الدكتاتور،
ولا شك ان المشرفين على اعادة رسم ديكور المحكمة يتمتعون بحس الفكاهة والشطارة
والدهاء السياسي ايضا لينتزع كرسي رئيس محكمة الثورة سابقا(عواد البندر) الذي كان
يقوم بوظيفتين: الأولى تقديم المشورة القانونية العاجلة للدكتاتور، والثانية كان
صلة الوصل بينه وبين الاخرين المعتقلين في مكان واحد،وعن طريقه كان يجري اطلاعه
على اخر المواقف في المعتقل العام. لذلك فإن (زرع) عبد الله هذه المرة الى جوار
الريس، يشبه الى حد كبير وضع حجر الغرانيت الصلب أو بكلام أدق الحائط الأصم الى
جانبه، فلا عبد الله يعرف ماذا يدور هنا في القفص ولا ماذا يدور في المعتقل ولا في
خارجه، وهو يردد في جلسات سابقة وحتى في الأخيرة جملته التاريخية التي لا تثير
انتباه احد لا في المحكمة ولا خارجها: ـ يا جماعة الخير، انا لم اسمع أي شيء.
وكما تكنس رياح الخماسين الغبار والمناديل والأوراق من
الشوارع، فإن صوت عبد الله المخنوق والمتوسل يذهب مع الريح، مثل تاريخ الفاشية
الذي اختصر بهذا الرجل الأصم، لا لكي لا يعرف عبد الله ما يدور حوله، ولكن لكي لا
نعرف نحن تلك الأسرار الخطيرة التي حولت حياتنا وحياة جيراننا الى جحيم حقيقي،
ولكي تختزل حياتنا ومستقبلنا في مشاهد هي خليط من الجنون والسخرية، عكس ما تفعله
شعوب العالم في مثل هذه الأحوال حين تتم
محاكمة نهج ورؤية وطريقة اداء وعقلية وذهنية وطريقة تفكير واساليب حكم.
غابت من هذه المحكمة، كما غابت من كل محاكم الماضي، محاكمات
النهج التي تقوم بها عادة الطبقة المثقفة والنخب الفكرية والادبية وترك الامر
لقضاة يتناوبون كل مرة على خلفية صراع ديوك السياسة، ولا ندري أين ذهب ضجيج هذه
النخب خلال مرحلة الفاشية عن البديل والحرية والحداثة والثورة الثقافية؟
خارج القفص يبدو الجمهور مستعجلا حفنة رصاص ترش على الدكتاتور
كي نشطب على تاريخ عريق من الذل، كما فعلنا في محاكم سابقة لنكتشف في حقبة أخرى ان
هذا الدكتاتور يتناسل على صورة أخرى لأن الحاضنة، المناخ، العقلية، نجت من الحائط
والرصاص. بربرية المؤسسة لا تموت بالرصاص ولا تذهب مع موت الزعيم الملهم.
مشكلة عبد الله رويد ليست مشكلة شخصية، بل انها فضيحة، فضيحة
عامة، فضيحة الذين في القفص شهودا ومحامين ومتهمين وقضاة، وفضيحة الذين خارجه ، أي جمهور المتفرجين الذين غالبا
ما يبهرهم المشهد العام وينسون الظلال الخفية التي تصنع المشهد والغفلة الملعونة.
دائما تأتي الفاشية من الغفلة: غفلة الأيام، والأحزاب، والتاريخ، والأضواء،
والنسيان، والتساهل المهلك مع التفاصيل المهملة المنسية التي تصنع في كل مرحلة
التاريخ العام وتسحقنا بلا رحمة.
الدكتاتور لا يأتي الا اذا استدعيناه بتعبير الروائي البيروي
ماريا فارغاس يوسا أهم من فكك الدكتاتورية في أمريكا اللاتينية في روايته الشهيرة
ـ حفلة التيس. ونحن كما يقال عادة شعب طيب وقلبه رقيق وصاحب نخوة وننسى ، وعلى
سبيل المثال تكثر هذه الأيام مناشدات
للرئيس الحالي بالتبرع لهذه الاسرة المنكوبة أو ذاك الشخص المفجوع، مع ان
هذا ينمي بحرص وطواعية عقلية المكرمة ونظام الصدقات وذهنية الحاكم فوق القانون
ونطيح بالحاكم الذي لا شك انه يدهش
من هذا الاستسلام الطوعي لجمهور لا يعرف ان يضع حقوقه في قوانين لا في رسائل غرام وتوسل
وان المسالة في السياسة لا تخضع لمنطق التبرع بل منطق الواجب، وان العلاقة بين
الحاكم والمحكوم هي علاقة شراكة في الأرض والثروة والمصير والأمن والمستقبل والأمل وحتى في الوجع، واننا لسنا اجراء
في مزرعة بل شركاء في ثروة وتاريخ
واخوة في الحلم رغما عنا.
لكن عبد الله رويد، وأرجو ان يكون هذا اسمه، فحتى اسمه يغيب عن
الذاكرة ، كما غابت محنته العلنية عن الأبصار التي تتطلع الى هناك خلف الجدران حيث
الذباب والرصاص، عبد الله الأصم في محفل الصراخ، يقول لنا بصمته أكثر مما قاله
غيره بصراخه.
لا أناقش هنا هذا الرجل من زاوية البراءة أو الادانة وهي من
الثنائيات الأسطورية التي غرمنا بها وهي تتجدد كل يوم، لكن ما يلفت النظر في محنة
هذا المتهم ان حقه داخل القفص ـ كحقنا خارج القفص ـ مصادر في عالمنا
العجيب. كيف؟ لا هو يسمع ولا نحن نفهم. هكذا يراد في العقل الاختزالي
العقائدي اختصار ماساة طويلة في صورة هذا الرجل الأصم الذي هو في كل الاحوال ضحية
عقلية بوليسية فاسدة هي نتاج لتاريخ مغلق وثقافة تعاني من قرون من عطب بنيوي وشرخ
معرفي عميق ومن المهازل بل من المهانة اختزال كل تاريخ العذاب على هذا النحو
الساخر.
من حق عبد الله ان يسمع قضايا تتعلق برقبته، وهذا ليس صعبا في
عالم التكنولوجيا اليوم، ومن حقنا أن نعرف اسرار تلك السنوات العجاف التي تركت
اثارها على أجسادنا وأرواحنا ومستقبلنا. عبد الله يردد احيانا حين يسمع نتفا محلقة
من الكلام بين اليقظة والكابوس: يا جماعة الخير، انا متعجب من كل ما يدور .
ومرة أخرى، يا عبد الله، تساوينا هذه الأيام القرمزية: نحن
ايضا نتعجب من كل ما يدور، والأعجب، أنك لا تعرف حين اجلسوك في الصف الأول الى
جانب الدكتاتور انك تؤدي الوظيفة الوحيدة المزعجة لزعيم (مزرعة الحيوانات) أو الأخ
الأكبر بتعبير جورج أورويل، وكالعادة دون أن تدري لماذا أنت هنا، ولماذا نقلوك
هناك، وماذا يتحدثون عنك وما هو الدور الجديد ـ بعد الدور القديم ـ الذي يراد منك
ان تؤديه دون ان تفهم شيئا في
الحالتين.
والغريب ان هذا الوضع لا يلفت نظر من هم في المحكمة ولا من هم خارجها، كما لو ان عبد الله خلق للاعدام، واذا كان لا يسمع فليس هذا
مهما، واذا كان لا يعرف ما يدور فلأن هنا وهناك من يعرف ماذا يدور أكثر منه، حتى
وصل به اليأس ونشاف الريق انه قال مرة كما لو افاق من منام ثقيل أو حلم يقظة مزعج
انهم حقنوه ابرة سم.
وبدا انه يخبرهم بأمر طبيعي مثل شروق الشمس أو نزول المطر أو
صياح ديك الفجر. لم يهتم احد
بالأمر. وفي المرة الأخيرة وضع عبد
الله في حيز مكاني أكبر من طاقته على استيعابه: مضايقة (الرئيس!) لأن الأخير بحاجة
لكي يعرف ماذا يدور في السجن العام، وعبد الله حائط أصم، لا يعرف ماذا يدور في القفص، ولو اضطر الرئيس للحديث معه فسيحتاج الى مكبرة
صوت. وبما ان كل الحكاية تحتاج الى مخيلة جامحة فليس من المستبعد ان عبد الله وضع
لدور اخر قد يتوضح في المقبل من الأيام.
قد يأتي يوم يكون فيه عبد الله هو الراوي الوحيد لهذه المرحلة
الحرجة لجمهور خارج القاعة مشغول بحائط ورصاص ليس الا، وعبد الله يروي الحكاية
الوحيدة في التاريخ التي يرويها هذه المرة أصم لا كما يرويها معتوه على قول
شكسبير، والى جمهور يصرخ هو الأخر بعد سنوات: يا جماعة الخير، هل من أحد فهم
الحكاية؟.
فز عبد الله رويد من اغفاءة قصيرة في قاعة المحكمة على صوت يلهج
باسمه، من خلف ستار، فلم يكن متأكدا من
ذلك، وكان الصوت انثويا الامر الذي عمق من شكوكه من ان ما يسمعه ليس حقيقيا
فقرر ان ينهض مرددا جملته التاريخية: يا جماعة الخير، سمعت اسمي وانا لا افهم
الباقي.
حين طلب منه ان يجلس حدق مليا في كل الوجوه عسى ان يشرح له احد
ما لكن دون جدوى. غرق مرة اخرى في نعاس لذيذ لم يشعر به منذ سنوات الحرب الاخيرة،
وطاف في خاطره ارنب بري صادفه يوما
في الصباح الباكر يوم كان عائدا من البستان في ذلك اليوم المشؤوم الذي سوف يطبع
الباقي من حياته، يوم محاولة اغتيال الزعيم.
في التحقيق الخاص الذي
اجري معه قبل المحاكمة كان عبد الله يردد بافراط حكاية الارنب الابيض الذي صادفه
ذلك الصباح الكريه. كان يقول بنوع من الحكمة الراسخة: عرضة ارنب.
فز مرة أخرى على صوت حاد، فراى الزعيم الذي لم يلتق به في
حياته الا ذاك النهار المزعج، وهو يعلن قراره في الخروج من قاعة المحكمة، فشعر
بالارتياح والحيوية فأعلن لأول مرة انه مع المحكمة قلبا وقالبا، وانه يؤمن بها،
وبمعنى ادق انه يعلن انشقاقه عن الزعيم، وهو أمر لم يكن يخطر بباله حتى في أعمق
حالات النوم المضطرب وهي حالات تصاعدت في السنوات الأخيرة قبل الحرب .
حجر الغرانيت الأصم قرر في واحدة من لحظات الالهام النادرة في
حياته ان يهتف بعدالة المحكمة لكن الرصاص المنهمر في البساتين المجاورة لمنزله ذلك
النهار الملعون منعه من ذلك وفكر مليا في عواقب عشقه المباغت للعدالة فسكت لكنه
غرق في نوبة تذكر ملهمة فراى كما
يرى النائم الارنب البري الابيض يقفز فجاة من الدغل، غير ان وجها من وجوه عوالم
أخرى داخل المحكمة لجمه من الضحك.
انه وجه القاضي الجديد الذي يشعر عبد الله، في نصف الوعي الباقي، انه رآه في واحدة من كوابيسه المتكاثرة قبل
الحرب، أو انه شاهده في فيلم أو مسرحية.
قبل ان يغادر الزعيم القاعة، سمع احدهم يردد عبارة مقتضبة:(يا
حضرة الرئيس!). جفل. لكنه علم بوعي غامض ان احدهم، شقيق الرئيس، ينادي رئيس
المحكمة. فكر حين اراد الهتاف بحياة العدالة: ماذا سيحدث لو انقلبت الامور كما
انقلبت اليوم، فقرر السكوت، لكن صوتا أعاده الى بقايا وعي مشوش: عبد الله رويد حين
جاءته المراة الى منزله قام بتسليمها الى الأمن.
حدث هذا في مرة سابقة، لكن حين تم شرح القضية له، اقسم انه لم
يكن ذلك اليوم في منزله، وحين سألوه اين كان؟ أجاب وهو يلتهم الحضور بنظراته وهي
عادة من لا يسمع: (كنت في مكاني!) لكن : أين مكانك؟ قال:(في البلدة!).. مامن أحد
يتذكر مكانه الحقيقي في ذلك اليوم لا من الشهود ولا من المتهمين كما لو ان ما حدث
كان في مكان متخيل أو في حكاية للأطفال.
روايات الشهود تختلف عن مكان وجود عبد الله في ذلك اليوم،
بعضهم قال انه كان في منزله، اخر قال من خلف ستار انه راه مع حشد مسلح، اخرون
قالوا انه كان واقفا الى جانب الرئيس، وحين مسد لحيته في محاولة اخيرة كي يتذكر
مكانه ذلك اليوم وجد انه لم يكن موجودا في أي مكان وانه لم يقابل المرأة ذلك اليوم واراد ان يعلن بعد ان وقف
مناديا(حضرة القاضي) بدل عبارة(حضرة الرئيس) الذي كان موجودا لحظتها: لم اصادف ذلك
اليوم عدا الارنب.
لكن خرسا أصابه فقرر الاسترخاء مكتفيا بتأمل الوجوة التي كانت ملامحها تتبدل دون ان يفهم ما
يدور. مختار البلدة القديم، عبد الله رويد، ابن الاسرة الاعرق من كل اشجار وسلالات
المدينة، الفلاح، والشيخ، الرفيق السابق، لا يتذكر من حياته السابقة في نسختها
المشؤومة سوى ذلك الأرنب الغريب ونتف من رصاص منهمر وموكب رئاسي يخترق البلدة وقفص
ومع ذلك يراد له، من دون كل الايديولوجيات الحاكمة أو التي عاشت في الظل تتحكم في
وعي الناس، ان يكون أكبر شهود
العذاب المتواصل منذ قرون وحتى
تاريخ مؤجل.
مقطع من روايتنا (عزلة أورستا) الصادرة عام 2000 : (ان تقليد
كبش الفداء عريق في التاريخ. في التقليد الموسوي كان الكاهن يطلب ماعزين من الذكور
واحد للذبح الطقسي والاخر لكي يرسل الى البرية حاملا الخطايا، وكان الاغريق يطوفون
برجل وامراة في ارجاء المدينة وهم يضربون بالاغصان والحجارة ثم يتم طردهما خارج
المدينة، وفي حضارة وادي الرافدين كان يسمى القربان...).
قال احد الشهود: ليس عندي قضية مع عبد الله اذا اعترف.صرخ
كالملسوع:(بماذا اعترف؟انا لاأفهم أي شيء ولا اسمع!). وحين غادر الزعيم المحكمة
حاول ان يهتف بأشياء كثيرة لكن خوفا مبهما وخزه في القلب. لا يضايقه الا هذا القفص
الكريه. اخذته سنة من النوم فراى اشباحا تطوف حوله ووجوها لقرن كامل وانقلابات وشريطا طويلا من حروب ودماء وجثث وحرائق وابادة وتهجير وسحق
وسحل ومشانق ورايات ودبابات وقصور تحاصر ومكبرات صوت تزعق وجموع ترمى بالرصاص
وبيوت مسبية الخ.. الخ.. حتى داهمه صوت كأنه من عالم الغيب: يا عبد الله، اذهب الى
البرية حاملا خطايا الانقلابيين و
القوميين والشيوعيين والثوريين الاخوان والليبراليين القدامى والجدد وكل شعارات
التاريخ، كل خطايا الفكر والسياسة، كل جرائم الماضي والمستقبل، كماعز موسوي، أو
قربان بابلي،لأن تاريخنا لا ينظف الا بقتلك مع زعيم مزرعة الحيوانات كي نعود
ملائكة كما كنا في كل قرون الضحك.
هامش أخير
هذا الكتاب هو الجزء الأول من سلسلة كتب، وهو
مثل كل كتبي لم يشاركني فيه أحد لا قبل ولا بعد الكتابة كتجربة حب أو موت أو
كابوس، لا في الحوار ولا في المراجعة. استفدت من سنوات العزلة الطويلة(أربع عشرة
سنة تقريبا) في التعرف على نفسي أولا، ثم لكي أكتشف تلك البلاد التي ولدت
فيها، ثانيا. قد تتضمن هذه الطبعة بعض الأخطاء المطبعية لأن النصوص لم تخضع
لمراجعة دقيقة لظروف خاصة. الالحاح المتكرر من أكثر من صديق،وخوف داخلي من مفاجآت
الأيام، عجلا بتقديم هذه النسخة. كنت أتمنى تقديم الشكر لأحد فلم أجد غير كلمات
بيوليتا بارَّا، من تشيلي، لأقدم شكري لهذه الحياة(التي منحتني الكثير، البسمة
والنحيب)، ولمسؤول الموقع التقني الأخ عبد الرزاق لمساعدته التي لا تنسى.