|
* نص نثري لا علاقة له بالشعر*
رأيتك أمس على شاشة الحرب
فوق العشب بين ناقلات الجنود
بين سرب من حمام الجنوب
وتحت سماء بلون التراب
وأدهشني فيك نبض قلبك
كان ينبض على ساعة حائطي
وكان ينبض تحت قميصي القديم يوم ودعتك خلف الساتر الدموي وقلت
لك أني هارب من هذه الحرب لأنها ضد قلبي
وأنها ليست حربي
وقلت لي:
ـ أتفهم حزنك.
وسكت ولم اسمع غير رشفة الشاي
ولم أر وجهك في الظلام.
وكنت أنتظر قدوم وجبة القصف كي أرى وجهك على لهب الانفجار.
لماذا تعودنا أن نرى بعضنا على لهب الانفجار؟
ونودع بعضنا على لهب الانفجار؟
ونضحك مثل صبايا السواقي على لهب الانفجار؟
( تساءلت في ساعة القصف؟
هل أدركته القذائف
مكبّا على نبأ في جريدة؟
وهل اخطأته القذائف
ليشرب كأسا جديدة!)*
ورأيت خيطا من الدمع يمشي على وجنتيك
هل كنت تبكي غيابي؟
أم كنت تبكي حضورك؟
أم كنت تخشى سؤال أمي عنك وعني
( تقبّل في عنقي قلب أمك
" ورب أخ لك.."
ألقي بهمي على صدر همك
ونبكي ونضحك في غربتين)*
*
ولكنك الأمس فاجأتني حين كنت تنام كما ينام الحمام فوق ضريح
الحسين
وكنت تبدو طليقا في رقدة الموت
وكنت تبدو صديقا جميلا
وكنت تبدو إماما يصلي بين حشود الغزاة
وكنت مسيحا ينام بين الوحوش
ونبيا قتيلا على العشب مرمي
فاجأني موتك.
قل لي:
كيف تعلمت أن تموت وقلبك ينبض على ساعة حائطي؟
هل تذكرت حزني عليك يوم غادرتك نحو المنافي؟
ويوم غادرتني نحو السجون ؟
وأتذكر ضاحكا قبل أن أراك أمس على شاشة الموت حين كنت تقول ساخرا
من نوبة القصف:
ـ غدا ينتهي كل هذا الخراب ونبدأ.
من أين نبدأ؟
وكيف نبدأ؟
وكيف نتصالح مع كل هذا الخراب الدفين؟
كانوا هنا في انتظاري على تخوم القطب
يتشمسون مثل ضباع الجيف.
فكيف نبدأ؟ ومن أين نبدأ؟
لكنك أمس فاجأتني وأنت تنام على عشب مدمى
وقرب رصيف تدنسه عربات الغزاة
وعربات الطغاة
وعربات ستأتي تباعا لتسرق موتك
( هل فاجأته القنابل؟
هل أمهلته القذائف؟
على شاشة التلفزيون
أبصرت وجهك
في ضوء قنبلة مشمسة
وكانت بقربك جثة طفله
وقصفة فلة
وأفواه قتلى...)***
أنت لم تمت برصاص الغزاة
هنا أعدوا وليمة موتك
هنا قرروا قتلك على عشب مدمى
واقتسام ثيابك
وخاتم حبك
وغدا يأتون لطمس قبري
وطمس قبرك.
قلت لي في رسالة:
ـ لماذا رسائلك باردة كثلوج الشمال؟.
وكنت أعرف أنك تسخر
هذه عادتك بين حرب وسجن
أو بين سجن وحرب.
كان الغزاة يتحاشون وجهك
ويخافون عشقك
ورأيت ذراعك ممدودة كنهر الفرات.
وليس غيري من يعرف حزنك وأنت ترى العربات تمر صوب الخصيب
ونحو الزبير
ونحو جيكور
وبيت سعدي ونحو تلك القصيدة:
" هذا الذي ينتهي ما انتهى؟"
فاجأني موتك.
وأجهشت في نوبة من بكاء طويل
وخفت على طفلتي أن تموت بنار دمعي ونار دمعك
وخفت أن تموت بنبض قلبك
هنا أعدوا وليمة قتلك
هنا اقتسموك كضباع الفطايس.
ورأيت كفك مفتوحة كجرح الجنوب
كجرح الحسين.
وقرأت فيها كل بيانات الخيانة
وكل وجوه الجريمة
وتذكرت أسماء من قتلوك واحدا واحدا
وكل الكتابات التي أعدت لقتلك
ورأيت عربات الغزاة تمر قربك
وعربات الزناة
وعربات من أعدوا وليمة ذبحك
كيف تنام وتنسى أن توقف النبض فيك يوقف ساعة حائطي
ويعلن موتي؟
ألست أنت من كان يغني بين نوبة القصف:
ـ أريد أبجي على صدرك مشتهي النوح؟
خوية حمد:
تعال ابجي على صدري
أطش روحي نذر
وأفرش لك الهيل
وعندي سوالف إلك ما يشيلها الريل.
ورأيتك أمس مرة أخرى
على شاشة أخرى
على ضوء قنبلة في الزبير
وفاجأني دمعك على لهب الانفجار.
وكان المصورون حولك لالتقاط الصور.
وعلى لهب الكاميرات رايت دمعك كنهر الفرات حين يفيض .
أنت حيرتني:
ماذا سأقول ل"فدعة" حين تسألني عنك؟
وماذا تقول لها حين تسألك عني؟
وكيف أخبرها بموتك؟
وأنت تعرف فدعة
وتعرف حزن فدعة
كيف أرد لو سألتني:
ـ خوية حمد ما عاد.
وأنت تعرف دمع فدعة
ونواح فدعة
ماذا أقول لها لو ناحت:
ـ خوية حمد ما ريد من جيبك فلوس.وماريد من عندك عبايه.خوية أريدك
هيبة البيت.
ورطني موتك
هذا الصباح حين كنت أشرب الشاي، وجدتك في الكأس تنام كما ينام
حمام الضريح
كإمام شريد.
وكنت أريد دفنك في رشفة الشاي
أضمك سرا
وألحس بلساني رصاصات قتلك.
ماذا أقول لأمك حين ترى فوق قميصي وجهك؟
وكيف سأشرب الشاي بعدك وأنت في داخلي كالسر ؟
وماذا أقول لفدعة حين تنوح على ضفاف الفرات:
خوية حمد ما عاد من ليلة الحربية!
وانت تعرف فدعة حين تنوح
يبكي عليها حتى الحمام المسافر
وماذا اقول لو سمعتها تحدي:
مرينا بيكم حمد واحنه بقطار الليل....
الله ياريحة حمد
ياعيني ياكهوة حمد
يابويه يا دمعة حمد.
وكيف أركب عربات القطار نحو الشعيبة
وأمر بين نقاط الغزاة
نحو قبرك؟
وكيف خنتني بين ثلوج المنافي
وكنا صديقين
وعدين
ألا تموت قبلي
وألا أموت قبلك؟
كيف تميزت عني وتميزت عنك؟
( أليس في النعش متسع لصعلوكين؟
لأغنيتين؟
فكيف مضيت وحدك وتركت صاحبك القتيل)؟****
ــ
**** تناص مع الشاعر سميح القاسم. |