|
الكاتب
منفي من لحظة
حمل القلم
حين
بدأنا
بالكتابة في
المنفى أواخر
الثمانينات،
كان الأمر
أشبه بدخول
ثعلب في قن
للدجاج
فتعالى
الصراخ هنا
وهناك، وعلت
ضجة كما لو أن
بقرة ولدت
عصفورا، وبدا
الأمر كأن
سلطة الكلمة
الجديدة،
وتجربة
الكتابة من
خارج الأسوار
والحصص
والسائد وفتح
منابع جديدة
للكلمة، قد
شكلت ضربة غير
متوقعة
لمراكز
النفوذ
والقوى ونقاط
الارتكاز
السابقة،
خاصة وأننا
جئنا حقل
السياسة
والثقافة من
خارج الدوائر
المألوفة،
غير مدعومين
من جاه أو نفوذ
أو حزب أو مصرف
ولا حتى
صيدلية، بل
كنا نعلن
بمناسبة أو
بدون مناسبة،
كنشيد وطني
يومي، أننا
جئنا من
بيوت الطين،
وولدنا على حصيرة
قش في يوم
مجهول،
وتاريخ ولادة
أقرب إلى
تاريخ نباتات
البراري، ولم
يكن في المنزل
غير فانوس
وصحن حساء
للجميع،
وغطاء للفراش
لا يليق بيتيم.
كان
كل ما يكتب في
تلك الحقبة في
حقل السياسة
هو لعن
السلطة، وشتم
الإمبريالية( حتى
هذه اختفت
اليوم!) وفضح
جرائم
الدكتاتورية،
كأن تلك
الدكتاتورية
تنتمي إلى زمن العذرية،
والحريم،
والبراءة،
وأنها تمارس
القتل خلف
ستار، وتستحم
في الينابيع
البعيدة
بعيدا عن
الأنظار، في
حين كانت، على
أرض الواقع،
وعلى أرض
الخيال،
سلطة العري
المطلق،
والفضيحة
العامة، ولم
يكن يخجلها
خطاب الفضح
لأنها سلطة
الفضيحة.
ولاشك
أن هناك
استثناءات
قليلة كانت
ولا تزال تكتب
في الاتجاه
الآخر،
باستقلالية
محسوبة
ونسبية رغم
حنينها
الداخلي لدور التابع
أو المرجعية،
وفئة أخرى لا
تكاد ترى في
الضجة
والازدحام
والصراخ
والهتاف،
وتضيع في
المهرجان،
تكتب بحرية
داخلية طليقة
مستندة
ومعززة
بثقافة شخصية
وتجربة خاصة
حية دون أن
تلقي بالا
للافتات
الوصم ومحاكم
الأرصفة،
وزبانية سلطة
الموت والحقد
الأعمى ، لأن
السلطة ليست
جيشا وشرطة
وثكنة فحسب،
بل، كررنا ذلك
مرات لا تحصى،
هي عقلية
وطريقة تفكير
وسلوك وبنية
نفسية متينة
محددة
الملامح تنفي
وتحاكم وتدين
وتصرخ وتهمش
وتلغي وتحذف
ولا تدرس أو
تناقش أو
تحاور أو تترك
مساحات نظيفة
للحوار، ولا
تبني غير
جسور البتر
والسحل
وأخلاق الهمج ـ
مقالات"دكتور!"
موسكو أحمد
النعمان التي
تتسم
بالكلبية
والافتراسية
والوقاحة
كنموذج!
وكان
غريبا أن نبدو
في المشهد
العام كأننا
جئنا من
المجهول،
كتاريخ
الولادة،
كتاريخ الموت
القادم، وكنا
نعزف اللحن
النشاز في
فرقة عامة
شرسة تعزف
لحنا واحدا،
ترتدي زيا
واحدا،
وبأسنان بيض
موحدة كوجوه
الصينيين.
إن
شعوب العالم
تحتفل بولادة
شاعر أو روائي
أو مفكر أو حتى
بقرة أو نعجة
أو تمساح كما
حصل قبل فترة
في حديقة
حيوانات في
جنوب شرق
آسيا، بل هناك
شعوب تحتفل
بالنمر،
وبالزهور،
وبعودة
السنونو إلى
عشها في
الربيع بعد
هجرة طويلة،
وهناك أغنية
أسبانية تقول :
أيتها
السنونوة متى
تعودين إلى
عشك؟!
أما
نحن فليس في
تقاليد الموت
والركاكة
وسلطات
الخراب
المتعددة،
سلطة
الأحزاب،
والمقاييس،
والنظرة
الجامدة
الميتة،
والعرف،
والذهن
المحنط،
الاحتفال
بولادة كاتب
حتى لو كان هذا
الكاتب قد كسب
إعجاب
واحترام
العالم،
والادهى من
ذلك أن أول وسط
يكون مستفزا
من هذه
الولادة هو
الوسط الذي
يعرف بالوسط
الثقافي!
هذا
الوسط بالذات
يحتوي على
أبالسة
محترفين،
وعلى شطّار،
وعيارين،
ومنافقين،
ودجالين،
وأدعياء،
ولصوص تاريخ،
وكتب، وليس
كما كنا ولا
زلنا نظن أن كل
من حمل القلم
انتمى إلى
جوقة
الملائكة!
لكنه،
ومرة أخرى،
يحتوي على
فراشات ملونة
زاهية، وعلى
طيور حب، وعلى
حمامات
مبهرة، لكنها
كلها تضيع في
مشهد الزور،
وحفلات طرب
الكلمة، لأن
الكلمة، مثل
أي شيء آخر،
وحسب الطلب،
صارت راقصة
تعرية مرة،
ومحجبة مرة
أخرى، وقديسة
في الكنيسة،
أو قداس
الجنازة، أو
بائعة هوى على
رصيف ليس فيه
غير حفنة
زبائن
مهجورين من
العافية
والزمن
والأيام
والوعي ومطر
الإبداع
الحقيقي،
فاستعاضوا
عنه بالهتاف
والصراخ
والنداء
والطيش غير
المثمر، طيش
الفارغ، وليس
طيش الأطفال
الكبار الذين
يأتون، كما
كانت
الروائية
الفرنسية
فرانسوا
ساغان، الى
مقاهي
الشيوخ،
والمقعدين
فكريا
وروحيا،
لتقلب
الطاولات ثم
تركب سيارتها
بأقصى سرعة
وتختفي في
الطرق!
إن
هذا العالم لا
يوقظه
الكسيح، ولا
الراقص على كل
الحبال،
والأيام، ولا
القادم من غرف
العتمة
والدخان
والكحول،
والمدجج
بالقبح
الاستثنائي،
بل يحركه
ويهزه القادم
من حقول
البرية،والمدجج
بالبراءة،
والعذوبة،والصفاء،والينابيع،
والمدهش حتى
في الأخطاء
الجميلة
النادرة
كحكايات أخرى
من زمن عذري
تلاشى أو
يكاد.
لا
أدري ماذا
سيخسر هؤلاء
البؤساء، لو
أن فئة أو شخصا
فكر لحسابه
الخاص، وعاش
لحسابه
الخاص، وكتب
بطريقته
الخاصة،
وتعايش مع
الكلمات كما
يتعايش طائر
مع دفء عشه،
دون أن تكون
فرشة أسنانه
أو نوع طعامه
أو طريقة نومه
أو سفره أو وسادته هي
الغاية
والهدف؟!
إن
هؤلاء جزء من
بنية سلطوية
مخربة ، تفتقد
لأخلاق
الإنسان
البدائي
الأول،
ولأخلاق
الإنسان
المتحضر،
الذي يترك
مساحات
الفردية بينه
وبين الآخر
حرة، بعيدة عن
كل ما يدنس أو
يخدش الكرامة
البشرية التي
وضعها
الفيلسوف
الإنكليزي
برتراند راسل
فوق الحقيقة،
بل طالب بحجب
الحقيقة
الفردية
والشخصية إذا
تعارضت مع
الكرامة!
لا
يجدي، مع
هؤلاء شتم
السلطة، أية
سلطة، إنما هو
سخرية، القول
بأن هؤلاء
كانوا
معارضين
لسلطة إكراه،
لأن زوال
السلطة
كمؤسسة(
لا كعقلية)
كشف عن
المستور
والمخبوء في
ذات هي مركّب
سلطة وحشية
متخلفة
وذهنية تتسم
بعنف همجي
نادر، بل من
عدة سلط!
زالت
السلطة
كمؤسسة، وها
نحن نرى في
الهواء
الطلق، على
المكشوف،
وتحت شعارات( دائما
يحدث هذا تحت
شعارات!)
وعناوين
ومقالات،
حفلات هدم لكل
جميل وبرئ
ونظيف ونقي
ومتوحد
ومختلف، لأن
الجمال
والبراءة
والعذوبة
تكشف وتعري
وتخزي وتعطي!
شخصيا(
وهذه تجربة
مهداة للكتاب
الشباب) لولا
ثقة صلبة
واعية
بالنفس، كان
يجب أن أكون
قاطع طريق، أو
سفاحا، أو
جنرالا
مسعورا، أو
قرصانا في
بحر، أو كاتبا
حزينا فاشلا
ميتا، من كثرة
الدعوات
والنداءات
والبيانات
والمقالات
التي تحدثت عن
جرائم وهمية
خرافية، حتى
فكرت يوما من
الأيام أن
أكون ما يريد
هؤلاء، لولا
الحصانة
الداخلية
القادمة من
سنوات الرعي
في البرية مع
الهواء
النظيف
والنسيم
العليل ومع
مخلوقات لا
تعطيك غير
الحب والدفء
والحنان
والحليب
والنوم
السعيد!
أرادوا
أن يخلقوا مني
مجرما أو لصا
أو دعيا أو
تافها على
صورتهم ،فعشت
وكتبت عكس
ذلك، عن
البراءة
والعزلة
والشيخوخة
وجمال
الإنسان
العفوي
الصادق
التلقائي،
وعن البراري
وحزن المحطات
وعذابات
المنفيين على
أرصفة موحشة
حجرية لا تنبت
الأزهار!
أرادوا
أن يخلقوا مني
حاقدا، فوقعت
في الحب، الحب
المتأخر الذي
يقع في الرأس،
لا في القلب،
كما تقول
الأغنية،
وأرادوا أن
يصنعوا مني
وحشا،
فالتففت
بالطفولة كما
يلتف دب قطبي
بفروه من
العاصفة
وينام وهو
يحلم بموسم
ربيع قادم ويعاني
ألم القلب في
مغارة ثلجية، لأن
الكاتب ينتقل
إلى منفى من
اللحظة التي
يحمل فيها
القلم!
الكاتب
الحقيقي لا
يكون ما يريد
له أن يكون ـ
وطبعا لا
نتحدث عن ظروف
أجبار وإكراه
الناس
وتهديدهم
بالموت أو
كلاب برية أو
قبو ثعابين أو
عقارب أو عقاب
الرزق فهذه
حالة ينظر لها
على حدة، فلا
يجوز قانونا
اعتبار
المكرَه
مذنبا حتى في
جرائم جنائية
ـ بل هو يكون،
في ظروف تفتح،
وحرية وهواء
طلق، ما يريد
أن يكون، لأن
الكتابة شهوة
أخرى، فلا
يمكن لأحد أن
يأكل وكالة عن
أحد، ولا أن
يبكي دمعا
نيابة عنه،
ولا أن ينتشي
بدله، ولا أن
يعشق مكانه
ولا أن يستعير
أشواقه
ويمارس الحب
عوضا عنه!
على
الكاتب ـ
كلام للكتاب
الشباب ـ أن
يجرب كل يوم
ألم الموت
الجميل في
الكتابة، في
خلق أساليب
مبتكره، في
قراءة
متنوعة، في
إعادة نظر
مستمرة
للمفاهيم غير
المفحوصة، في
التجريب
والخلق
والابتكار،
في الهدوء
والصمت
والدفء لأن
الينابيع
الهادئة هي
الأكثر عطاءً
وصفاءً،
والعربات
الفارغة هي
الأكثر صخبا،
في التواصل
الدائم مع
الثقافة
الحية،
الجديدة، في
المراجعة
الدائمة، في
الحوار مع
الذات والآخر
غير الشبيه،
في الفحص
الدائم لقيم
مقيمة في الدم
تركت ولها أثر
السم البطيء،
في الكتابة
الجديدة بأفق
مختلف، في فتح
العين على
منابع لا
نهاية لها في
الحياة، في
الخروج من
نظرة السياسي
للحياة،
ورؤية
الجوانب
الهائلة في
الظاهرة
الواحدة، في
الصدق مع
النفس بصرف
النظر عن ما
يقال أو لا
يقال، في
التمسك
بأخلاقيات
التضامن مع
الآخر
المختلف غير
الصديق وهو
تقليد ثقافي
بشري لا يعرفه
مع الأسف (
المسقف!)
العراقي
الداعية
والمبشر
والملقن
وحامل وحده
مفاتيح
الحقيقة
والتاريخ
والشرف
والنبل
والاصالة
والوطنية
والكل، في
نظره، ولدوا
سهوا على ورق
ابيض، في نبذ
احتكار
الكلمة
والحقيقة
والمصادرة
والوطن، وفي
احتقار ذهنية
البذاءة
والكره ودعاة
شيطنة الآخر
وتحويله إلى
شيطان رجيم
على خلفية
خلافات شخصية
تافهة توضع
لها شعارات
ضخمة
للتضليل، في
العمل اليومي
من أجل
المعرفة
الواسعة، في
الإنهاك
اللذيذ، في
العرق
الناعم، في
الأرق
المدهش، في
النعاس
الشبيه بحلم
عذب، دون
النظر إلى
الوراء، إلى
تلك الجوقة
المنفرة
الدعية
الفارغة
المنسية حية
أو ميتة،
الشبيهة
بكلاب تركض
خلف شاحنة طرق
خارجية
متوهمة أنها
هاربة منها!
لأن
من يضحك
أخيرا، يضحك
كثيرا!
|