|
المتوحشة
نادية فارس
وصراع الديوك
صارت
جزءا من طقوسي
الصباحية،
هذه
المتوحشة،
التي تهجم على
الكلمة هجوم
فهدة أفريقية
ضارية، وتنقض
على الورق كما
ينقض صقر على
فريسة،
وتنسحب في
نهاية
المعركة مثل
زهرة أو فراشة
تنام في عتمة
الليل وتخلد
لأحلامها
الطويلة مثل
شعر غجري يفيض
عن مساحة
الصحراء.
أبحث
عنها كل صباح
مثل عاشق خلف
حبيبته،
اتبعها من
موقع إلى أخر،
من حافلة إلى
قطار، وأتقصى
أخبار
مقالاتها مثل
رجل بوليس سري
خلف مطارد،
وحين لا أعثر
عليها في مكان
أو حديقة أو
شارع أو موقع
أو مقالة، لا
يكون فنجاني
الصباحي قد
استكمل شروط
المتعة
الصافية التي
يولدها أمل
أخضر أو رسالة
حب أو نص مشاكس
هارب من الثوب
والعرف
والقاعدة
والمعيار
وسكون
الجماعة
وتقاليد
المقبرة
وقواعد أخلاق
الأزقة
الخلفية في
نماذجها
الأكثر رداءة.
جزء
من قهوة
الصباح، ومن
رسائل الأمل
والصفاء
والعشق، وحين
أعثر عليها في
مكان، ينمو في
الغرفة، على
الحيطان، عشب
طويل، وشعر
حريري، وتصدح
موسيقى
الكلمات
الهاربة من
الموج،
وأتحول من
حطب إلى شجر،
ومن رماد إلى
مصابيح على
طول شريط
ساحلي، ومن
فحم إلى تنور
خبز في نهار
صيفي مشتعل.
لا
أدري من أين
خرجت، وأين
تعيش، وما هو
أسمها
الحقيقي، ولا
أعرف من أي
مكان تفتحت
مثل وردة في
صخر، مثل
قافلة أبل في
قصيدة، مثل
ربابة من داخل
خيمة قديمة،
تعزف وخلفها
وأمامها رمل
وخناجر وبدو
وخصيان
ومقاصل.
كثيرا
ما تساءلت مع
نفسي: ماذا
تفعل نادية
فارس معنا، في
هذا المحفل
الغريب،
والخشن، وهي
بهذا الوجع
الأنثوي
البريء،
وبهذه
الرشاقة
الصلدة مثل
صنوبرة في مهب
الحراب
ومعارك
الأشباه
والأنصاف؟
ماذا تفعل
معنا هذه
النمرة
الآسيوية وهي
قادرة أن تخلد
لأنوثتها
وتقاليد
الغابة
الطرية
البكر،
وتراقب
المطر، سقوط
الأوراق،
وسكون العشب،
وهديل الدم
الداخلي لمخلوقات
العزلة؟
ولأنه
غير مسموح في
ثقافة المرعى
والقبيلة
وتقاليد
السوق وبيع
وشراء
الأوطان
والمقالات
التي تصدر من
الوحل
والحاوية،
وتقاليد
الغجر الجدد،
لأية ظاهرة
صحية أن
تولد، ولا
لقصيدة نظيفة
أن تكتب، ولا
لعلاقة عفوية
بريئة أن
تتأسس، ولا
لأي كاتب،
ذكرا كان أم
أنثى، أن يكتب
أو يعيش أو
يسكن أو يتزوج
أو ينجب أو
يسافر أو
ينتحر أو يطلق
أو يمرض أو
يختلف أو يشخر
أو يفرح، لذلك
طاردوا نادية
فارس من موقع
لموقع ومن
شارع لأخر ومن
مكان إلى
مكان، وهي في
كل ذلك واقفة
مثل شفق على
حافة صحراء،
مدججة بالأمل
والبسالة
التي تتجاوز
الشجاعة،
وتهجم على "وِلد"
الأزقة، تارة
بالكلمة،
وحين تعجز
فبالحذاء،
وهي آسفة!
امراة
كاتبة لا
تمارس فعلا
غير الكلمات،
وليس عندها
فرقة مدفعية،
ولا تحمل
سكينا، وليس
عندها غير
حمامات
تطلقها في
فضاء
الكتابة،
فلماذا هذا
الجعير
والنحيب
والصراخ
والعويل
والقذف
والشتم والسب
والمراجل ؟
هذه
الكاتبة،
تدري أم لا
تدري، عرت
وسطا لا يحتاج
إلى تعرية ،
لأنه مثل
فاشية عريقة
في العري،
وكشفت عن
فضيحة كانت من
السطوع
والوضوح بحيث
تعشي البصر،
وأعلنت، دون
قصد أو بقصد،
أن هذا (
الواقع)
السياسي و"السقافي!"
لا ينقصه
للتشيع غير
جنازة!
كشفت
عن رائحة كنا
نشمها منذ
سنوات طويلة،
وكنا نهرب
منها منذ
سنوات،
ونحذر، لكن،
مثل أي شيء
أخر، لا أحد
يسمع ليس لمرض
في السمع، بل
لأن قوة
الطبول
والدفوف
والدوي كانت
من القوة بحيث
لا أحد يسمع
أحدا، وكان
هذا مطلوبا
ومدفوع الثمن
في فكر عوانس
زمن الرداءة
العراقي.
كشفت
عن صور كانت
تضيع في
الدخان، دخان
معارك
الديوك،
ودخان
المعارك
تقليد عسكري
يعرفه الجنود
الذين عاشوا
حربا، فهو
يستعمل عند
الانسحاب أو
الهزيمة،
وكشفت، إضافة
إلى ذلك، ان
المرأة
الكاتبة
تستطيع أن
تسرق مجد
الموت
البطولي في
سبيل قضية أو
كلمة، كما
تستطيع أن تظل
واقفة في
الحياة في
مواجهة طوفان
التفاهة
والغوغأة
والسطحية
والابتذال
والعقم العام.
حاولوا
احتواء نادية
فارس أول
الأمر حين
خلعوا عليها
برقع الحنان
وكلمات
الأبوة
وعباءة
الكهنة، لأن
هؤلاء من خبرة
عريقة بكل ما
هو دنس،
يخافون ـ لا
يحترمون ـ هذا
الصوت
المتوحش
المبهر الآسر
الجميل،
فقرروا
اغتياله
بالحرير
وتزوير
المشاعر وهي
تقنية معروفة
في ثقافة
الفراغ
والخواء
والقتل
النفسي.
وحين
تأكد لهم أن
هذه المهرة
البابلية
عصية على
الموت
النفسي، وعلى
الألم
العابر، غير
المجدي، وعلى
إغواء
المديح، وليس
لديها الوقت
لتهدره على
رصيف، أو
مقهى، أو
زقاق، لأنها
على موعد مع
طفل أو زوج أو
حبيب أو وطن أو
قضية أو حديقة
أو غسق فوق
بحر، أطلقوا
عليها النار.
وأية نار؟
لم
تدهش نادية
فارس حين وجدت
جسدها ملطخا
بالوحل
والزبل
والتبغ
والكحول،
فرقصت،
ضاحكة، وقررت
النسيان،
والذهاب إلى
المرآة
لتنزع، على
ضوء شمعة، كل
ذلك الوسخ
الطارئ،
وتقلع بدبوس
شعرها
مخالبهم
الهشة
الهزيلة التي
لا يحلم بها
قنفذ.
نادية
فارس واحدة من
كاتبات
قليلات
يشاركن في
النقاش العام
حول مصير
وطنهن، فليس
من المعقول أن
هذه المراة
ذات الكلمات
الطويلة،
المخلبية،
كأظافر المطر
الصيفي، جاءت
من العدم، أو
ولدت سهوا في
منفى، أو حلم،
وليس من
المعقول أنها
تدعي
انتسابها
لوطن لا حق لها
فيه، وليست
سائحة مرت
بطائرة فوق
أرض ليست
ملكها، كما
أنها ليست
شبحا في حكاية
عراقية، بل
نادية فارس
كاتبة
ومواطنة،
وشجاعة، هي
عطرنا، هي
أمسيتنا
القادمة، حتى
لو أنكر ذلك
عليها مهرج أو
مشعوذ أو مريض
أو خرف أو مسخ.
هذه
الكاتبة لا
تكتب
بالكلمات، بل
ترفس لكي تخلع
الأبواب،
وتهجم على
القضية هجوم
من سيموت بعد
آخر سطر،
وتنتحر على
الورق وهي
تسرح شعرها
كأنها خالدة،
وتنام على
وسادتها كل
ليلة وهي
تحلم،كلبوة،
بالغابات
المطيرة
ومعارك
الأسود
وبالليل
وبساحات يسقط
فوقها المطر
والعطر
وهتافات
الحرية وتخفق
فيها أجنحة
الحمام
ورايات
السلام.
قضية
نادية فارس هي
قضية عامة،
قضية الكتابة
في زمن رديء
بكل أنواع
الرداءة،
وقضية من
يكتبون
أحاسيسهم
ويضعون
قلوبهم على
النار، وبين
ببغاوات أرخص
بكثير من سعر
الأقفاص التي
دفع ثمنها
المصرفي
والمقاول
واللص وبائع
الوطن
والضمير.
هؤلاء
البؤساء لا
يعرفون ماذا
يدور خارج
جحورهم، ولا
علاقة لهم
بثقافة العصر
أو لغته، ولا
علومه، ولا
يعرفون كيف
يفكر جارهم
الأجنبي وما
هي محتويات
مكتبته، وهم
يسندون بعضهم
في محفل الصخب
ومهرجان
الأقنعة،
ويتغذون من
الأوهام
المشتركة،
لذلك يجرحهم
منظر طفل أو
كاتب نظيف أو
رواية أو قصة
حب أو شمس في
حديقة. و"مقالاتهم"
صارت تقرأ
وتدرس وتفحص
هذه الأيام من
قبل القراء
وطلبة
الدراسات
العليا في
العراق
كنماذج لعصر
الانحطاط
العام في
الجسد
والسياسة
والفكر،
وكعيّنات
لثقافة "الشلايتيه"!
أرادوا
بالغش
والابتزاز
ورسائل
الإغراء
المغلفة أن
يحولوها إلى
جارية، أو
مطيعة،
مقننة، تكتب
حسب الطلب،
وحسب المصرف،
وحسب
بورصة
السياسة،
وأسعار
السوق، فهربت
إلى نهايات
المطر بلا
مظلة غير
حصانة القلب،
واحتمت
بشعرها
وعصافيرها
وأقراطها
وكلماتها،
وهربوا هم إلى
الحشيش
والعرق
والنتانة
وأقبية
الكراهية.
أطلقوا
عليها النار
والكلمات
القذرة،
فسقطت وردة في
سريرها،
وجلجلت
ضحكتها في
الطريق إلى
الأمل، وظهر
أن الخائن
والمخبر
والحزبي
القديم
المتخلي عن كل
شيء، والذي
أستبدل
الطبقة
والثورة
واليسار بوكر
مخابرات هو
عدو نادية
فارس!
هذه
المتوحشة،
الغامضة،عاشقة
المطر، قد
يكون أسمها
نادية، وقد
يكون أسمها
السراب، وقد
لا تكون
موجودة معنا
إلا كرسالة
حلم تقول أن دهاليز
بعضنا
الداخلية
المغطاة
بطبقة كثيفة
من الحقد
والتخنث
والأمية لا
ينبت بين
براثنها
الجارحة
كمخالب
الببغاوات
إلا الرصاص
والعاهة
والغبار
وحفلات الردح
والتأبين
المزورة، لأن
نادية قادمة
من زمن عراقي
آخر،
وليس من
صحراء موحشة،
من مناخ
عصابي، من موت
جماعي بطيء،
من فحولة
ناقصة، يداس
فيها كل شيء
حتى ضوء القمر!
|