|
رأيت كما يرى الإنسان رؤيا في المنام نفسي ميتا في قبر وأن أحدا
يطرق عليّ باب القبر منتصف الليل حسب توقيت العالم الآخر.
فسألته: من جاء في هذه الساعة لكي ينغص علي موتي بعد أن نغصتم
حياتي في الدنيا؟ نجوت منكم فدعني لوجه الله في ظلمة القبر فهي
أرحم.
الشبح: أنا عضو...
جفلت قائلا: عضو؟ عضو حزبي؟ عضو جنسي؟ عضو عامل؟ عضو في لجنة
العمل المشتركة؟ عضو خلية لصوص، خلية ثورية، خلية نحل؟ من أنت؟
الشبح: أنا عضو في المجلس...
قاطعته برعب: مجلس؟ مجلس الأمن؟ مجلس المؤتمر الإسلامي؟ الجامعة
العربية؟ مجلس الوحدة الأفريقية؟!
الشبح ضاحكا: لا تخف. عضو في المجلس الانتقالي.
صرخت: الانتقالي؟ وهل كلهم أحياء حتى اليوم؟ وماذا تفعل هنا وأنا
خلصت منكم ومن خطاباتكم حتى أن أحد الأعضاء الطيبين واسمه
الدكتور محسن عبد الحميد ممثل طائفة "المثلث!" ينسى اسم المجلس
الانتقالي في كل مرة ويقول" مجلس الأمن"؟
الشبح: أنا جئت لأوجه لك أسئلة في " منتهى الاحترام" عن حياتك
السابقة في الدنيا.
صرخت محتجا: أسئلة؟ قبل قليل كنت عائدا من نوبة استجواب في
الآخرة مهشم العظام والآن جاء دورك؟ أتركني أرجوك أموت بسلام.
الشبح مطمئنا: لا تخف. نحن نعيش في وضع ديمقراطي جدا.
قلت صارخا: كيف؟ قبل ساعة شاهدت ميتا نزل من عندكم مهروس الضلوع،
بلا أنف، ولا أرجل، ولا راس فتذكرت لطمية تلك العراقية على ابنها
الوحيد المقطع الأوصال من الحرب" ماكو راس ولا رجلين حميّد
يُمّه!".
الشبح: هذه تحدث في كل مكان. هل أنت مستعد للإجابة أم نضطر لحفر
القبر عليك؟.
ـ مستعد وأمري إلى وكالة الطاقة الذرية على تقريرها الأخير عن
أسلحة الدمار الشامل. هل محمد البرادعي معك؟
الشبح: لا.
ـ محمد عبده؟
الشبح: لا.
ـ محمد الكحلاوي معك؟
الشبح: لا. معي الرفيق هاشم.
صرخت: هاشم؟ صاحب موقع "مجلس الشيوخ"؟! الله يستر. إلى هنا
ولحقني؟!
الشبح: لا تقلق هذا هاشم آخر .هاشم العاشق الألكتروني كما يسمى.
لا تخف.
ـ كيف لا أخاف .
الشبح: لا تضيع وقتنا بالتسويف والمماطلة والا نبشنا عليك القبر.
ـ نبشتم علي كل شيء بما في ذلك" موقعي" واليوم القبر. تفضل واطرح
الأسئلة.
الشبح مرتاحا: هناك عشرات التهم المنسوبة إليك وتستطيع الإجابة
عليها بكل راحتك.
ـ كيف بكل راحتي وأنت قبل لحظة هددتني بنبش القبر. تفضل. علي
أية حال هذه العبارة سمعتها أول مرة سجنت في مديرية أمن الكوت
عام 70 مع "عدنان اللبان" الشهير "بأبو عجو" في مثل هذا الشهر
الفضيل وفي 22( وبهذه المناسبة السارة ارفع له أحر التبريكات في
"مالمو" الإسلامية!) تحديدا حين قال لي ضياء العلكاوي مدير الأمن
وقد كنت عائدا من نوبة دلع رأيت فيها الغزالة: تستطيع أن تتكلم
براحتك الآن! على أية حال تفضل كي لا يضيع وقتك.
الشبح: التهمة الأولى أنك كنت تنام على بطنك أيام النضال القومي
والوطني والثوري وهذه عادة إبليس. ما هو رأيك؟
ـ أنا في الآخرة ولم يحاسبني أحد على هذا الخطأ الرهيب فكيف
أنتم؟
الشبح: نحن لنا حساباتنا الخاصة. تكلم؟
ـ الحساب الفلكي؟
الشبح: أجب أخيرا.
ـ ثلاث مرات نمت هذه النومة الشيطانية. مرة في الخطوط الأمامية
بعد إنهاك طويل من معركة في أهوار الحويزة، ورأيت كما في منام
أخضر جميل،عذب، حورية تناديني، وحين استيقظت كانت جزمة العقيد
الركن حسن موحان آمر الفوج الثالث لواء ال20 على رأسي. والثانية
بعد نوبة تعذيب في الأمن العامة سنة79 وكنت جالسا إلى جانب
الشاعر عريان السيد خلف حين رفعني أحدهم من الباب كما يرفع حشرة
وعدت ونمت على بطني. والثالثة على حافة القطب الشمالي وكنت عائدا
من مرقص بدون جسد أو صابونة. هذا كل ما في الأمر.
الشبح: جواب جيد. والثانية هو أنك كنت عضوا في الحزب الحاكم؟.
ـ عضو؟ لو قلت لي أنني كنت عضوا جنسيا لكان هذا أفضل وأشرف. والا
لماذا عبرت ثلاثة حدود على قدمي( العراق، إيران، باكستان) مثل
بعير تائه كي أعثر على الحرية فلم أجدها لا هناك ولا هنا.
الشبح: طيب. التهمة الأخرى هي أنك كنت يوما وسط الجثث وتغني"
أخذي..ك...ج... وروحي وأنا ملتهي بروحي!". هل هذا صحيح؟.
ـ نعم صحيح والله. لا أكذب عليك. لكن دعني أشرح لك. مرة كنا في
معركة دموية في منطقة الخفاجية حين طلب مني الرائد" ماهر سفيان
وليس سفيان ماهر كما تقلب الأسماء باللغات الأجنبية" الذي صار
فيما بعد آمر الحرس الجمهوري وسلم مفاتيح بغداد، وكان مساعد آمر
الوحدة، ويعاني من ألم كلوي لأنه يعيش بكلية واحدة، طلب مني أن
أحسب عدد الموتى من وحدتنا تحت القصف والجحيم. يا لهول ما رأيت.
بعض الشهداء وأنا أقرأ لهم الشهادة كانوا يطلبون طلبات غريبة في
تلك اللحظة: واحد يريد أمه، الآخر يريد جدته، ثالث يوصيني بدفع
قائمة الهاتف من فلان، الرابع طلب مني أن أخبر زوجته بأن تعد له
كل خميس على جمعة وجبة دجاج في الفرن، السادس طلب مني أن أبصق في
وجه مسؤول المنطقة الحزبي، السابع قال لي تشفع لي عند الحسين
عليه السلام، الثامن طلب أن اتشفع له عند الرئيس، التاسع كان
يصرخ وهو في نوبة الاحتضار" طالق، طالق، طالق!" العاشر بصق في
وجهي...الخ. الخ.! لكن الأغرب من كل ذلك أني شاهدت أمرا غريبا
أدهشني هو أن بعض هؤلاء قبل الموت في حالة انتصاب!
الشبح مقاطعا: انتصاب فكري؟ جسدي؟ عسكري؟!
ـ لا يا أخي. انتصاب جنسي!. وحين سألت صديقي وهو طبيب مجند في
وحدة ميدان الطبية الحادية عشرة عن السبب قال في منتهى الجدية"
هذا يحدث عند البعض بسبب رعب الموت أو رهاب الموت" لذلك عدت أغني
ذاهلا. هل رأيت؟ نحن حتى في الموت نموت منتصبين!. كيف يقال عنا
أننا أمة من المهزومين؟!
الشبح: طيب. في بار شريف حداد صرخ صديق في وجهك قائلا" اطردوا
هذا الكلب الحاقد على الديوانية!". لا شك أن السبب سياسي؟.
ـ نعم ورب الكعبة. مئة بالمليار سياسي. هذا هو واحد من أشهر
المصورين الصحفيين في العراق واسمه كاظم عبود سماري الذي كان
يقول في نوبة اللوثة التي تنتابه في الخمر "لو ضاع أحدكم في
المريخ اسألوا عن اسمي فيدلكم". مرة ذهبت معه إلى بيت أمه في
الثورة" داخل" قرب جامع المبرقع" رحمة الله عليه" فنسى المكان
وسأل مثل ديك واثق مجموعة من الشباب متجمهرين عند حائط في الليل"
شباب. هل تعرفون بيت أم كاظم سماري؟" ونظر لي بكل فخر في انتظار
الجواب الذي جاء على شكل "زيج" جماعي بصوت واحد كأنه النشيد
الوطني!.
الشبح: أجب على السؤال لا تتهرب.
ـ نعم.قبل السكر توسل بي كاظم سماري قائلا" كيف أشتم هذه الحرب
بلا كبسة؟ أريد أفرّغ، أنا محبوس شتيمة؟!" فقلت له" اشتم
الديوانية فهي القادسية!" بحلق بي وشرع في شتم الديوانية. وفي
بار شريف حداد سكر كالعادة وبدأت العين اليسرى "تزغلل" علامة
العربدة. نهض إلى المرحاض وطلب من الجميع السكوت لحظة واحدة. حط
الصمت على الكراسي والموائد والكؤوس. وخفنا أنا وزهير قاسم
والفنان ناجي السنجري من كارثة. قال وهو يشير نحوي" من صحة كاتب
المستقبل حمزة الحسن. من صحتكم!" ولم يرفع احد نخبا. وجمدنا في
عروقنا وقال لي السنجري وهو يلهث بآخر نفس" كاظم المخبل حكم عليك
بالموت الان!" . قلت أعرف لأنه لا رجل في العراق عدا الريس. مضى
كاظم إلى التواليت وعاد بوجه شاحب وصرخ صرخة أخرى ونفس الطلب
بالسكوت. حط السكون مرة أخرى. قال مشيرا نحوي " اطردوا هذا الكلب
من هذا المكان فهو حاقد على الديوانية!". وخرجت مع ناجي الذي
يعرف كل تلافيف كاظم السرية . قال" لقد فكر وقلّب هذا المسودن
القضية في التواليت وعرف أنه سيذهب في مصيبة. لذلك قرر تصحيح
الموقف" وفي اليوم التالي عاتبته على ذلك فأجاب بحنان نادر" يا
خوي. عرفت نفسي زلقت. فقررت أن ابدّل!". هذا هو الجواب الصحيح.
الشبح: قبل أن تموت مدحك شخصان في أمريكا لكنهما بعد أقل من
أربع ساعات بدلا الموقف. ماذا يعني ذلك؟ ما هو السر السياسي
الرهيب؟
قلت: نعم. جزاهما الله خيرا وهما من زينة الرجال. وليس ذلك
تبديلا أو تملصا مع أن هذا طبيعي عند الشخصية العراقية، لكنهما،
من سوء الحظ، متأثران بالكتاب" الأخضر" للعقيد القذافي وقررا
تسجيل أسرع تبديل في سجلات" غينست" للأرقام القياسية على طريقة
الوحدة الفورية والرفض الفورية.
الشبح: يقال أنك متخاصم مع كل القوى الوطنية ومع كل المواقع ومع
كل صالات الحلاقة وحتى مع زبال المنطقة؟ ما هو اللغز؟.
ـ لا لغز ولا بطيخ. بعد" التحرير" فتحت مواقع كلها تتحدث عن
العراق الحر، العراق الجديد، العراق المشرق، العراق الجميل،
العراق الحلو، النعسان، الليبرالي، الدستوري، المخملي..الخ"
وكلها تضع لا فتات عند المدخل تقول: هذا الموقع هو من صنع
الملائكة الجدد. قل رأيك بصراحة بلا تشهير ولا غضب. ممنوع نشر
المقالات التي نشتم منها رائحة تصفية حسابات شخصية. أو هذا
الموقع مخصص للزقزقة فحسب. هذا الموقع لمجموعة من طيور الحب
والكناري. هذا الموقع هو أمل الجميع. هذا الموقع هو حلم الجميع.
هذا الموقع هو مستقبل الجميع...الخ. وبما أني معيدي في الأصل
فأنا أحسن الظن بالناس وأصدق. لكن ما أن تدخل أحد هذه المواقع
وتصبح في الممشى أو الممر وتضع رأسك في صالة الحوار حتى تطير
نحوك عشرات الأحذية، تليها مئات الخوازيق، وتسافر نحوك كالشعر
الغجري عشرات القنادر العتيقة، ولا تسمع غير الأنين وكأنك في
مستشفى طوارئ.
*واحد يقول مضمدا بالأبيض" أمسكوه ابن الكلب شتمني"!
* آخر يقول" هذا عميل لكل الكواكب طعني في الصميم!"!
* ثالث ينوح ولا يرى منه غير الأسنان من كثرة الضمادات" أخرج
وأقتلك ، يالكان علفك تبن!".
* رابع يصرخ على أمه يريد أن يراها قبل أن ينفجر في مقال قادم عن
الديمقراطية الجديدة!
* خامس يصيح: إذا جان هاي مثل ذيج/ خوش مركة وخوش ديج!. هل
أنتم من الحزب اليساري أم الاشتراكي القومي أم من جماعة العدل
والإحسان والبر والتقوى . هل أنت" عضو!" في المؤتمر الوطني؟!
الشبح: ليس هذا شغلك. التهمة الأخرى هي أنك كنت من جماعة مشعان
الجبوري. اليس كذلك؟.
ـ مرة جاءتني رسالة من صاحب موقع " الفراتين!" بعد مقال نشرته
عنده خطأ. تقول الرسالة" استاذنا العزيز حمزة الحسن. وصلتنا
رسالة من عندكم في النرويج تقول بأنك من جماعة مشعان الجبوري
وعندكم صلات غامضة مع السراب فما هو رأيك؟" فقلت له لحرفيا:"
اسمع يا مسخم الوجه.
لو قلت لي أني من أتباع نجلاء فتحي لهان الأمر. لو قلت لي أنني
من اتباع فيفي عبدو، لسكت. لو قلت لي أني من أتباع ابو حفصة
المصري، أو المحضار، وحتى اسامة بن لادن، لناقشتك إلا هذه. ثم
كيف عرف هذا المخبر صلاتي الغامضة وانا اعيش على قمة جبل تحيط بي
الدببة والطيور والغزلان والأيائل ولا يصلني حتى الضباب وفي
جزيرة منعزلة؟! وهل هناك صلات غامضة في عالم الانترنت حيث تجلس
على ساحل أو قمة جبل أو غرفة مغلقة وتتحدث مع رفيقة صينية على
الشبكة وتعلمها قواعد النوم الشتوي؟! إلى متى تظل تهمنا "متخلفة"
بدون تطور ولا حداثة؟! كأن نقول مثلا أن فلان الفلاني بلا ذوق
موسيقي أو متخلف ثقافيا أو جلف مثلا وهي تهم صارت توجع الناس في
العالم المتحضر. مرة جلست فتاة عارية أمامي جسدها في بريقه كضريح
مرمري تبكي الليل كله وأنا مصدوم بسبب " وجهة نظر" عن كونها
متخلفة جنسيا!. كانت تبكي وأنا في مراجعة تاريخية للفكر السياسي
العراقي!
الشبح مقاطعا: نسمع شخصا يناديك؟ من هذا؟
ـ الملائكة. جاء دورهم الآن للاستجواب. لكنك لم تقل لي ما هو
أسمك لطفا؟
الشبح ضاحكا: أنت مغفل. أنا السيد الرئيس جئت إلى هذا القبر كي
أختبئ فوجدتك يقظا فقررت قضاء الوقت معك للتسلية.
صرخت من وراء القبر: شرطة جهنم، ملائكة، شياطين، امسكوا هذا
المجرم الذي تبعني حتى في القبر! |