|
هذا المقال هو دعوة ومحاولة للبحث في مخلفات تاريخ القمع
المتواصل في العقول والنفوس والأرواح والضمائر، فلا يفيد بعد
اليوم شتم القمع، فهذا الأمر سهل بسيط، ولا يحتاج موهبة أو
مؤهلات، بل من الضروري تفكيك الخراب السري الذي أحدثه في العقول
والابدان وهو التخريب الأخطر، فليس من المعقول والمجدي أن نظل
أسرى ثقافة الدكتاتور ومعاييره الوحشية إلى ما لا نهاية.
يحفر الخائف في أعماقه الداخلية العميقة متراسا أو حصنا أو مخبأ
أو وكرا أو حفرة أو نفقا ويختبئ فيه بحثا عن الستر والأمان
والطمأنينة.
وسلوك الحفر أو المخبأ هذا هو سلوك دفاعي وقائي بدائي كان يلجأ
إليه الإنسان البدائي خوفا من المداهمة أو تجنب مواجهة صراع ما
غير قادر عليه.
لكن المخبأ البدائي كان ماديا ملموسا ـ قبل أن يتحول إلى مخبأ
أسطوري تقوم فيها الحكاية بوظيفة الطمأنة ـ لذلك فإن فرصة
وإمكانية الخروج منه ممكنة وسهلة، أما المخبأ البشري الجديد،
مخبأ الخوف، مخبأ القمع، فهو مخبأ سري داخلي، أو بتعبير أدق هو
مأزق سري.
كيف يتم حفر هذه الأنفاق؟
إن ذهنية وعقلية المخبأ ذهنية معقدة ومركبة وتعكس تعقد الوضع أو
الحالة خارج المخبأ النفسي أو الوكر الذهني.
فذهنية المخبأ تقوم على نوع من الترضية الداخلية أو التسوية ولا
نقول المصالحة أو الحل مع الخارج، لأن الحل يتطلب إمكانيات لا
تتوفر لأصحاب ذهنية المخبأ.
وهذه التسوية في الوقت الذي تؤمن فيه للمختبئ طمأنينة وأمنا
نفسيا، لأنها تجعله يبني عالمه السري والنفقي والداخلي والباطني
بما يخلق نوعا من التوازن واليسر الذهني ويبعده مؤقتا عن المخاطر
الجدية، إلا أن هذه التسوية تنفيه تماما عن ذاته وعن عالمه.
فهي، أي تسوية الحفر والنفق الباطني، تؤمن له بصورة عابرة
مشاعر أمان بحجم ما، وتجعله يمارس أحلامه أو أوهامه أو غرائزه أو
سلطته على ذاته أو على جسده أو على الآخرين، لكن هذه التسوية
المؤقتة تنفيه وتجعله يعيش في حالة الاغتراب العقلي أو في حالة
المنفى العقلي عن ذاته وعن عالمه، بل أن هذا النموذج وهو النموذج
المعياري والنمطي في الدول البوليسية رغم التنكر والاختباء خلف
واجهات مزيفة متقنة الصنع وهي شكل محسن ومطور للمخابئ الحداثية،
لا يستطيع أن يتعرف في بعض حالات الاغتراب حتى على ملامحه
الجسدية أو التعرف على صورته في حشد من الناس أو التعرف على
المكان الذي يتواجد فيه يوميا، أي لا يتعرف حتى على المحيط
الشخصي والاجتماعي، وغير قادر على التعرف على صورته في المرآة في
مراحل تقدم الحالة لأن جهاز الرؤية الذاتية عاطل أو مشوش.
إن انقسام أو انشطار الذات هو نفي للرؤية السليمة. وهذا هو
المنفى.
فنظام المخبأ لا يقوم على التجنب والهرب من مواجهة الآخر فحسب،
سواء كان هذا الآخر سلطة أو شريحة أو حالة أو موقفا، بل يقوم
نظام المخبأ على الهرب من مواجهة الذات خاصة حين تتحول هذه الذات
إلى ذات هجينة أو ذات مغتربة مصنوعة وجاهزة ومعدة سلفا من عدة
ذوات أو قوى أو مجمع أرواح.
الذات الجاهزة هي نفي وإثبات.
نفي، أولا، للذات الأصلية.
وإثبات، ثانيا، لذات أخرى بديلة اجتماعية وسياسية ودينية أو
ايديولوجية..الخ..
والمخبأ، إذن، هو نوع من السفر إلى ذات مغيبة ومنفية ومقصية
ومرفوضة. أي الذات التي لا تُرى من الخارج. أي نوع من الهرب نحو
الهوية السرية التي يحفرها الخائف والمقموع لطمر نفسه، وهنا يؤسس
الهارب معاييره الشخصية السردابية على راحته ويريدها أن تصير
معيارا لكل شيء، وهذه بداية لتناقض آخر مع العالم.
لكن إذا كان الهرب نحو النفق( قد يكون النفق مقهى أو مهنة أو
هواية أو حالة اجترار الخ..) أو المخبأ النفسي السري هو تسوية
مؤقتة للفرار من مأزق عام أو خاص، فكيف يتعامل صاحب هذا النفق أو
الوكر السري مع العالم، أو مع الآخر، أو مع الخارج بكل مكوناته
وعناصره؟
تبدأ عملية التدمير النفسي والاغتراب العقلي من لحظة وضع القدم
على عتبة الدار والشروع في الذهاب إلى الجماعة أو العمل أو
المؤسسة أو الآخرين بصرف النظر عن هويتهم.
إن لحظة الخروج من المخبأ السري أو العالم الفردي تشكل للمغترب
العقلي والمنفي في داره ووطنه وشارعه، لحظة نزع الحماية والأمان،
والظهور، أو الخوف من الظهور، بالمظهر الحقيقي المخفي.
إنها تعادل لحظة الخروج من الرحم.
إن آذانا وعيونا وكاميرات للدولة في كل مكان وتعرف كل شيء.
وللمجتمع آذان وعيون أيضا وهو يعرف كل شيء بما في ذلك الأشواق
الإنسانية الحارة والبيضاء.
هكذا يتم الترويج لثقافة بوليسية قمعية سياسية واجتماعية
وأخلاقية لا تترك خيارا إلا حفر النفق أو المخبأ السري والعيش
فيه بل الإقامة فيه لسنوات أو العمر كله حسب الظروف والأحوال رغم
بقاء المظاهر الخارجية سليمة. فالمنفى النفسي لا يرى من الخارج.
إنه سجن متجول.
والخارج من المخبأ إلى الآخرين أو الشارع أو العمل يخلع أول ما
يخلع عند الخروج من النفق السري أو القبر الخاص، ينزع اللغة
الشخصية التي يتحاور فيها مع نفسه في الوكر، النفق، ومع الآخرين
أيضا في نفقه كما يحب هو أن يتكلم، عندما يعجز أن يتكلم معهم في
الخارج بهذه اللغة.
وهذا هو الاغتراب أو المنفى الآخر: منفى اللغة.
فهو يتحدث معهم خارج المخبأ بلغتهم لا بلغته.
ولغتهم هي لغة مؤسسة.
أي أن هؤلاء خارجون توا مثله من أنفاقهم ومخابئهم السرية أيضا.
إذن فإن الحوار الذي يدور هو حوار مؤسسات وأنفاق وأوكار ومخابئ
وليس حوارا إنسانيا عفويا صادقا وحقيقيا.
واللقاء بين هؤلاء ليس لقاء بشريا، بل هو لقاء أنفاق وأوكار
ومخابئ ودهاليز معتمة وسرية.
بهذا المعنى تتحول اللغة من وسيلة تفاهم إلى وسيلة نفي. ومن لغة
للحوار إلى لغة صمت. ومن لغة تقول شيئا إلى لغة لا تقول، حين
تقول، شيئا.
والشخصية الفارة أو الهاربة من مكانها الأصلي إلى مكان جديد(
المنفى) تحمل معها نفس ذهنية المخبأ حتى مع عدم وجود عناصر
الحياة القديمة. والسبب في ذلك أن الصورة الأصلية زُرعت في الذهن
على نحو حاد وهو أمر يقود، بسبب عمق وطول وشدة التجربة، إلى خلق
"ارتباطات عضوية" بين عصبونات الدماغ لا تزول بزوال المؤثر مهما
كانت النصائح طيبة وحكيمة وصادقة ودقيقة، لأن الأمر صار فوق طاقة
صاحب المخبأ الذي يعي أزمته أحيانا ولا يعي شيئا منها في أحيان
أخرى.
إذا كان على وعي بمأزقه فإنه سيعيه على أنه مأزق سياسي. لكن
هذا ليس إلا أحد وجوه المأزق الرئيسة، أما الوجه الآخر المختفي
فهو قوة الروابط العضوية التي نشأت وتكونت وتجذرت في العقل نتيجة
سنوات من التمرين والخبرات السلبية والتكرار والاجترار.
لذلك نجد أحكام ومقاييس صاحب الوكر أو النفق السري تتسم بعدم
الثبات والارتجال والتغير السريع والهياج والفورية والانقلابات
المباغتة والمتناقضة والمتسمة أحيانا بكلبية مفرطة تحت واجهة
أخلاقية أو شعار سياسي ، حتى يبدو الشخص كأنه مهرج في سيرك رغم
دقة ومهارة الواجهة الخارجية التي يتفنن في صنعها.
ما هو مصدر هذه الهشاشة والصبينة ؟
مصدرها تهشم عناصر الشخصية الرئيسة وتصدعها على نحو كلي خطير
غير مرئي مع حرص هذا الكائن على مواصلة العيش في عالمه النفقي
والسري بل تحدي كل من يحاول أن يكشف له عن طبيعة هذا المأزق
المؤلم.
والويل، كل الويل، لمن يكشف له هذا التناقض كما يقول عالم النفس
الفرنسي الشهير "شاس" صاحب كتاب" المازوخية". لأن صاحب هذا
المأزق يحب أن يعيش مرضه ومأزقه وفضيحته بشكل سري وهو، لطول
الوقت، صار يتلذذ بها، لكنه في نفس الوقت يريد الظهور بمظهر
خارجي أخلاقي جذاب قرمزي، ويبرع في صنع واجهات وشعارات ويخوض
معاركه باسم مثل عليا سياسية أو أخلاقية كاذبة. وهذه ليست سوى"
صفقة مغبون" أي تسوية مرضية تحت غطاء سياسي أو ثقافي.
أي نحن أمام واجهتين، وشخصيتين:
أولا: واجهة علنية براقة عن تقوى ومثل عليا وقيم صارمة.
ثانيا: ذات سرية متفسخة أو منهارة أو مريضة تعيش في مخبأ أو وكر
داخلي وتتحصن بواجهة ملفقة كقناع.
مع من نتعامل؟
صاحب المخبأ يميل، بل يقضي العمر كله أحيانا، في التستر أو الهرب
أو حجب أو نفي أو إثبات عكس صورته الداخلية المتصدعة من خلال
تبجح علني مضحك للقوة والثقة والهدوء، وهو بذلك ينفق وقتا ثمينا،
بل عمرا، بلا معنى، لمجرد الحرص على سلامة الواجهة أمام آخرين قد
يعانون مثله أو أسوأ.
ومن هنا تظهر تلك الاستعراضات والمحاولات التي لا يريد منها
صاحب المخبأ في مراحل صعبة خدمة أية رسالة عامة أو سياسية أو
وطنية أو إنسانية بل كل هذه الجهود المضللة المهلكة والمضنية من
أجل تلميع واجهة منخورة تزداد انكشافا كلما أنفق جهدا في الهرب
منها، لأن طبيعة الثقة بالنفس تتسم بالعفوية والجمال والانسيابية
دون بذل أي جهد إرادي، لأن الإرادة تتناقض مع الثقة بالنفس:
الإرادة جهد وطاقة، والثقة بالنفس عفوية.
أصحاب المخابئ أنواع ونماذج وألوان ولا يمكن حصرهم في موقع أو
نموذج واحد. وكل نموذج يحل مأزقه بطريقة مختلفة عن الآخر. ونحن
هنا أمام أكثر النماذج شيوعا.
وصاحب المخبأ، في مراحل تطور الحالة دون وعيها، قد يصل إلى
مرحلة الهوس العام المغلّف أو المقّنع أو المتستر خلف أقنعة أو
واجهات براقة أو سياسية أو أخلاقية، وقيادة معارك أو حملات تتسم
بالعدوانية والشراسة ضد آخر يجري خلقه على عجل وبصورة فورية باسم
مبادئ ومثل أخلاقية منتهكة.
فالاختلاف حول عقب سيجارة يصبح خلافا عن التاريخ. والاختلاف أجرة
دفع الباص يصير، في تقليد صاحب المخبأ، خلافا حول الأمة. وتقاطع
الرأي في الجلوس في مقهى يتحول إلى صراع من أجل الحقيقة،
والجماهير، والمستقبل، والأبدية.
دائما يجد خصم هذه الأوكار أو المخابئ أو الأنفاق المتجولة
نفسه في مواجهة مزيفة وملفقة مع قوى كبرى كالتاريخ أو الحزب أو
الطبقة أو الأمة أو الله أو الشرف.هذه هي طبيعة ذهنية المخبأ.
وصاحب عقل النفق أو المخبأ السري بما أنه بلا مثل مستقرة، وبما
أنه عاش تربية مزدوجة ومتناقضة ومهشمة وبشخصية تعاني من تصدع سري
على مستوى بنيوي عميق جدا، فإنه قادر على القيام بالشيء وبنقيضه
في آن واحد، من رمي الورد على المارة إلى رمي الزبل في لحظة
تالية، والتبول على أي نصب تذكاري في لحظة أخرى، وفي كل الأحوال
يبرع في خلق العناوين لكل هذه المهازل، وعادة تكون هذه العناوين
ضخمة وكبيرة ومقدسة وحساسة. بل قد يقوم في لحظة واحد بكل أنواع
التناقضات دون التنبه إلى مواقفه السابقة التي لا يتذكرها أصلا
لأنها في الأساس لم تكن مواقف حقيقية بالمعنى العميق للموقف بل
هي نزوات لتجميل واجهة أكثر من أي شيء آخر ولا يتذكرها بالمرة.
مع شخصية مهتزة تعاني من تصدع وعدم توازن ونضج لا يعرف المرء كما
يقول عالم النفس الفرنسي بيير داكو بأي رجل يرقص.
كل أشكال الانفجارات والمواقف متوقعة وأكثرها غرابة لأن عوامل
ضبط الشخصية في الأساس متوقفة أو معطوبة من شدة سنوات التمثيل
واللعب وصنع المظهر وبناء واجهة سرعان ما تنكشف بعد زخة مطر
وذوبان الأصباغ.
وذوبان الأصباغ هو كل ما يخشاه صاحب المخبأ السري.
من هذا المناخ الحاضن تنشأ ثقافة يمكن تسميتها بـ ( ثقافة
التمشدق) وهذه الثقافة ثقافة سائدة اليوم هنا أو هناك. وثقافة
التمشدق هي وجه من وجوه عالم الأنفاق والأوكار.
وهذه الثقافة تقول الشيء وعكسه في آن واحد. لماذا؟ لأن لغة
الكتابة أو لغة القول فيها من خارج البنية النفسية أو من خارج
ذات عميقة حقيقية، بل هي لغة كتب. ينسى صاحب المخبأ أقواله اليوم
التي كتبها أمس لأنها في الأساس ليست لغته بل لغة مستعارة مجلوبة
تم اقتراضها على عجل من منطقة تفكير أخرى أو من مرجعية مغايرة.
فصاحب المخبأ يكتب عن مساوئ الفاشية من جهة ويدعو إلى إزالتها،
لكنه ونتيجة فقدان التوازن، وانشطار اللغة، والازدواجية، يهرج
على ضحاياها بكونهم معقدين نفسيا كما لو أن ذلك هو خيارهم
الطبيعي وليس لأن الواقع المر هو السبب.
وصاحب المخبأ "ديمقراطي" إذا تذكر كتب الديمقراطية أو ذكّره أحد
بها، لكنه ليس كذلك إذا نسى، وكثيرا ما ينسى. ولا بد هنا أن
نذكّره في كل مرة. إن عليه أن يعمل" الإرادة" كي يكون ديمقراطيا،
وعليه أن يبذل جهدا لكي يتذكر قيمه لأنها لا تعيش معه دائما.
فهذه القيم لا تنتمي إلى نظام المخبأ، ولم تتعكز عليها بنيته
الذهنية. وذهنية المخبأ السري تتعارض كليا مع عالم الوضوح والعري
والقانون والعلنية. لذلك تستدعي عالمها القديم ومعاييرها
القديمة، معايير المخبأ أو الوكر، لأنها ترتكز عليها، حتى في
مكان جديد مفتوح وصريح وعلني. فمثلا وأنا امشي مع صديق طفولة في
شوارع استوكهولم فوجئت به عدة مرات ينعطف بي بطريقة خاطفة وسريعة
هامسا بأن نبتعد من هذا المكان أو تلك السيارة أو هذه الحديقة أو
ذاك الشخص.
كنا لا نمشي في هذه المدينة السويدية الحالمة، بل نمشي في
أنفاقنا السرية التي لم وربما لن نخرج منها أبدا إلى ضوء النهار
لأننا نحن مخلوقات العتمة. |