الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 
 

الامبراطور الحافي

أو

أوهام القبض على الدكتاتور

 

           

سلسلة مقالات نشرت بعد ساعات من القبض على الدكتاتور بتاريخ 16/12/2003، وهي محاولة داخل الضجة والاحتفال وصيحات الدم وغرائز الابادة، لتفكيك ظاهرة نشوء الدكتاتورية بوصفها نسقا من القيم الوحشية ولكونها عقلية وطريقة تعامل واسلوب حياة .

هذه القراءة جاءت في وقت مفعم بالآمال الساذجة أو البريئة بتغير الأحوال لكن الزمن لا يخضع دائما لرغبات ومصالح البشر المتناقضة والمتشابكة. "الامبراطور الحافي" أو أوهام القبض على الدكتاتور، لا يتحدث عن دكتاتورية سادية موغلة في الدم سقطت، بل تحدث بصراحة ووضوح عن المجتمع الدكتاتور الذي ، كما توقعت هذه القراءة، سيعيد انتاج صورة اخرى للدكتاتور والدكتاتورية بطبعة جديدة منقحة وملونة تستعير ذات الخطاب الذي أوقع الجميع في متاهة الرعب الدم والمجهول وحتى سنوات طويلة قادمة  ستكون سنوات حريق جديدة!

حمزة الحسن ـ 11/6/2005

 

1

المعنى الوحشي للشجاعة

كلب رمادي مغبر اندفع نحوي في عاصفة ثلجية في الطريق إلى محل شراء الأطعمة لكن صوت صاحبه وصلني مبكرا(لا تخف.إنه لطيف وسيعانقك!) وكانت فكرة مقززة أن يعانقك في هذا المنفى الثلجي الصريح كلب رمادي بهذا الحجم.

لكن المفاجأة جاءت بعد ذلك حين سألني الصديق النرويجي عن كيف أرى الأمور اليوم بعد عملية الاعتقال؟ ولم أكن أدري عن أي اعتقال يشير لكن المفاجأة الأخرى هي خبر اعتقال الدكتاتور. وعندها بدت فكرت أن يعانقني كلب رمادي أشعث فكرة محتملة وجذابة، بل كنت مستعدا هذه المرة لمعانقته بنفسي لأنه ليس في كل يوم يعتقل دكتاتورا خاصة وان هذا الكائن شكل لنا فكرة جريحة عن الحياة حتى ان بعضنا صار، من التماهي، يرى نفسه من خلال هذا الجزء المضطرب من شخصيته.

على المستوى العاطفي كنت أشعر بحرية داخلية كبيرة متدفقة أكبر من أي وقت آخر كما لو ان هذا الاعتقال حرر عاطفة حبيسة وأطلق سراح مشاعر مكبوتة كانت هي الأخرى مختفية في قبو نفسي.

أما على المستوى الفكري فإن هذا الاعتقال لم يبدل القناعة الخاصة المتكررة والقديمة بان هذا الدكتاتور ليس شخصا فحسب، بل عقلية وظاهرة تاريخية سلوكية وهو تشكيلة من القيم الحزبية والعشائرية والسياسية التي تمارس القتل المتعدد الأشكال والنفي والإقصاء المادي والمعنوي تحت شعارات وقناعات وعقائد( ثورية إيمانية) هي عبارة عن مطلقات في كل شيء.

لكن الذهول الذي أصاب الناس، بصرف النظر عن تباين المواقف، عن طريقة القبض على الدكتاتور هي التي تستحق التوقف لأنها تعكس جملة من الأوهام التاريخية العريقة عن ظاهرة العلاقة بين الطاغية والجمهور، حتى يبدو مشهد القبض على الطاغية وكأنه مشهد القبض على أوهامنا مختبئة في ذلك القبو العميق المؤدي إلى عوالم داخلية عميقة غائرة في الدم والتاريخ والغريزة والعقل.

لم يكن قبوا عاديا فحسب، بل كان قبو الدخول إلى سراديبنا السرية المخبوءة في الليل العقلي المظلم الذي كان مدهشا أن نراه مفتوحا وماديا وبسيطا مثل أي وهم ضخم ومهين ومعيق وبغيض.

لذلك يمكن القول ببساطة فتحة القبو ان المقبوض عليه ليس الطاغية وحده، بل تاريخ العلاقة المشوشة والمضطربة بين صورة الطاغية عن نفسه وصورته في ذهن الجمهور وهي علاقة لم تكن دقيقة على مر التاريخ.

أحد أكبر الأوهام التي ظهرت في القبو هو وهم الشجاعة الذي كنا نفهمه ونتصوره في الطاغية. ولعل الصيحات الكثيرة عن الطاغية الجبان الذي:

ـ لم يقاتل حتى الرصاصة الأخيرة.

ـ استسلم كفأر.

ـ يدفع الناس إلى القتال وهو يسلّم.

ـ لم ينتحر.

ـ ظهر انه جبان.

ـ أين ذهبت الرصاصة الأخيرة والحزام الناسف والمسدس الذي لا ينزع؟

هذه الصيحات وغيرها غدا تعكس طريقة فهم الجمهور لصورة الدكتاتور أولا، وتعكس الفهم الوحشي لمفهوم الشجاعة البدائي ثانيا.

وحسب هذه الصيحات، وهذا الذهول وهي لجمهور مختلف في نظرته لهذا الرجل،فإن الدكتاتور ظهر لأول مرة جبانا لأنه لم يقاتل ولم ينتحر.

لذلك أقول ان الذي خرج من القبو، مقبوضا عليه، ليس الدكتاتور وحده بل أوهامنا الكثيرة والعريقة والمتناسلة منذ قرون والتي لعب كل طغاة هذا الشرق اللعين على أوراقها، وغذوا في كل قرن المخيلة العامة بمزيد من الأوهام.

وبما ان الحديث هنا سيكون عن أحد أكبر الأوهام الذي قبض عليه أمس مع الرجل، فسيكون الكلام مقتصرا على معنى الشجاعة الوحشي الذي يريده الجمهور من أصدقاء وأعداء الدكتاتور.

من حسن الحظ ان هذا الدكتاتور لم ينتحر أو يقاتل لكي لا يستمر هذا الوهم الخطير زمنا أطول مما يستحق ويبني معه سلسلة أوهام متداخلة كثيرة.

الأسطورة التي خلقها الدكتاتور عن نفسه هي أسطورة الرجل الذي لا يهاب الموت حقا أو باطلا وهذه الأسطورة تتمثل في القسوة الوحشية لهذا النموذج البربري الذي هو خليط من رجل القبيلة الجلف والشقي والمريض والطوباوي و(الثوري) حسب إيديولوجيا الثورة والثورة المضادة ومفردات قتل الخصوم جسديا ونفسيا بناء على فكرة سياسية.

وهذا الفهم الوحشي للشجاعة، كما تدل صيحات وحالات الذهول بعد القبض على الدكتاتور، ليس فهم الدكتاتور لنفسه فحسب الذي عمل على زرعه عبر سنوات، بل هو فهم الجمهور أيضا عن الشجاعة.

بهذا المعنى فإن (القبو) كشف عن طاغية صغير، وكشف عن أوهام ضخمة كبيرة وفي المقدمة منها مفهوم الشجاعة الوحشي.

على هذا الأساس، هل سيكون الطاغية شجاعا، وبطلا، وشريفا، وقويا، وصلبا، لو انه قاتل حتى الرصاصة الأخيرة خارج قبوه أو في داخله ومات؟

حسب وعي الجمهور العام، نعم كان سيكون كذلك وسيخلق مثالا في نهاية تليق بفارس أو طاغية شجاع، ولكن من وجهة نظر أخرى فإن هذا الدكتاتور كان سيكون جبانا في كل الأحوال قاتل أو أنتحر أو لم يقاتل أو لم ينتحر.

إن الشجاعة،وهذا مصدر اللبس في الوعي الشرقي والإسلامي والحزبي، ليست في القسوة والوحشية والجنون بل في الرقة والعذوبة والعدالة والشفافية والحساسية وفي اللطف وفي الجمال الروحي وفي الحب وفي الصلاة وفي المغامرة الفكرية وفي حرية المخيلة وفي الابتكار والإبداع وفي الأمل وفي الذوق وفي الحس الدقيق والعميق وفي الصدق والوضوح والأمانة والعاطفة النقية وفي الحس الأخلاقي النظيف وفي الشهامة وفي حيوية الضمير وفي عشق الطبيعة والأسرة والجار والنجوم واحترام حقوق المخلوقات الأخرى في العيش وفي التفكير وفي الأمل وفي الاختلاف وفي أن يكون الإنسان دائما كما يريد أن يكون لا كما يراد له أن يكون، أي حقه في حرية التغيير الفردي.

الخارج من الحفرة وهم ضخم من أوهام كثيرة هو وهم(الشجاعة) المطلقة الخارقة، أي المعنى البربري الوحشي البدائي للشجاعة مع ان مفهوم الشجاعة يرتبط عضويا بمفهوم آخر لا يقل عنه قوة وبهاء وهو مفهوم الجمال.

كنا ننتظر من الدكتاتور أن يمارس(الشجاعة) الأسطورية في القتل، قتل نفسه أو قتل الآخرين، لكنه خيب الأمل وكشف لنا عن مجموعة أوهام كثيفة متشابكة كوكر ثعابين في قبو جبلي كانت تعيش في أعماقنا وبدا(لأول مرة!) جبانا مستسلما فأرا كأن كل تلك الدماء لم تكن كافية لوصفه بالجبن الأبدي؟!

إذن اكتشف الجمهور، العدو والصديق، اننا وعبر كل هذه السنوات كان يحكمنا الوهم، وهم داخلي مشوه وحشي عن معنى الشجاعة، وهو في الحقيقة مفهوم القوة الوحشية المحاطة بكل مقومات الغطرسة والجريمة وأدوات القتل والتي تتعرى، كما في قبو، حين تكون مجردة منها. الطاغية ليس قويا بنفسه، بل بالأداة.

كان الطاغية جبانا قبل السلطة بسبب أوضاع وظروف وعوامل كثيرة يتداخل فيها العائلي والاجتماعي والسياسي والحزبي والقبلي وهذا الجبن هو الذي كان يدفعه نحو تحقيق حالة البحث المفرط (عن الأمن الشخصي) عن طريق القوة الغاشمة وكلما أوغل في القتل تعقدت عليه الأزمة الداخلية وشعر أكثر بخطر كامن متوثب.

لذلك حين استسلم في قبوه فإنما استسلم(للعدو) الذي انتظره طويلا وهرب منه طوال حياته طفلا وصبيا ومراهقا وشابا وحاكما وهاربا وهو الخوف المقيم في أعماقه والذي كان القبو الخارجي شكله السهل.

وكما كان هو على موعد مع وهمه الكبير والحقيقي والذي صار قدرا يطارده ونغص عليه حياته وحياة شعبه، كنا نحن أيضا على موعد مع أوهامنا الكثيرة التي خرجت من القبو كرؤوس ثعابين صغيرة.

واحدة فقط من صور الدكتاتور كانت أدق وأعمق صورة في حياته وهي حين مسك لحيته وغرق في ذهول عميق: تلك هي لحظة مواجهة الحقيقة التي هرب منها طويلا( البحث عن الأمن المطلق للجبان) والتي حاول، بالقوة والرعب والكذب والأزمة والعروض الزائفة، تعميمها على الآخرين حين خلق فيهم وهم الشجاعة الوحشي الذي هو الوجه الداخلي السري للجبن.

* نشرت أول حلقة بتاريخ 16/12/2003 بعد ليلة القبض على أوهامنا!

2

القمل موجود في رؤوس الآلهة

"الشعب يحتفل

بحماس كبير

بعيد التيس

في الثلاثين من ايار" قتلوا التيس. اغنية دومينيكانية. من رواية" حفلة التيس" للروائي ماريو بارغاس يوسا.

لا أدري إلى أي حد فهم الجمهور لماذا كانوا يبحثون في رأس الدكتاتور عن القمل بتلك الطريقة العلنية، ولماذا فتحوا فمه أيضا تحت حجة طبية تفاديا للإحراج القانوني؟ ولا شك ان السبب الرئيس كان هو نزع الأسطورة من المخيلة العامة فليس في تاريخ أساطير الآلهة، خاصة آلهة بلاد الرافدين، ذلك الجانب البشري العادي الذي يجعل رأس الإله، الطاغية، وطنا للقمل والحشرات لأن هذا الرأس مصنوع من انتظار التاريخ ومن القرابين ومن الخوف.

كان هذا الكائن نصف الإله ونصف البشر يتعرى أمام الجمهور في النهر لكي يعرض الجسد /الخرافة ويستعرض القوة العارية المطلقة حين تكون محمية بمؤسسة ومحمية بأوهام أيضا أمام ضحايا مبهورين من هذا العري الوحشي المتناقض: فهو أولا عري الكائن البشري، وهو ثانيا عري الغطرسة والأسطورة والقوة المطلقة، عري الخارق وغير المألوف والاستثنائي وفوق العادي.

إذن يشكل وجود القمل في رأس الأسطورة عملية نزع( الأسطرة) أي نقل الأسطورة من حيز التاريخ والوهم والذاكرة إلى حيز العقل والتحليل وتحويل الخرافي إلى بشري وفي أقذر صورة.

وفي مفارقة ساخرة أخرى من مفارقات صناعة الأوهام الكثيرة : كيف ان هذا المخلوق اليائس الذي نُفخ به على انه يقود مشروع طرد جنود إمبراطورية متوحشة من أرضه هو غير قادر على طرد القمل من رأسه؟!

كان مشهد القذارة متعمدا على نحو كبير سواء كان معدا سلفا أم لا ـ لا ندري كيف جرت الوقائع الحقيقية! ـ فليس غير الوسخ العلني والرائحة والذعر والاستجابة العادية ومشهد الانكسار من يهشم الأسطورة الحية التي كانت حتى قبل لحظات ترسم على التراب، تراب المخيلة، خطوات الأيام القادمة.

كان يجب أن يتعرى ويعزل البشري عن الإلهي، الأسطوري عن الشحاذ، الكلي القادرة عن العاجز، المطلق عن المحدود، ويعاد تركيب المشهد مرة أخرى في الخيال العام على ضوء قوانين بشرية غير تلك التي اخترعها هو ورسخها هو: لذلك كان يجب فتح الفم كي نرى ان ذلك الوهم الضخم كان يمتلك مثلنا أسنانا عادية، وانه كان يعضنا بأسنان الوهم الكبيرة التي تشبه المخالب والمزروعة في الوعي العام، وعي الجمهور، وعي المثقفين، وعي الأحزاب، وعي الأعداء هنا أو هناك.

وبدا متألما وهذا أحد أكبر الأقنعة المنزوعة في المشهد المسرحي المعد بعناية ودقة فليس في تقاليد وفكر وخيال وحياة الأساطير أن تتألم بل على العكس هي تخلق الألم وتخلق السعادة، والألم ظاهرة بشرية والآلهة لا تتوجع.

وظهر ان هذا العجز عن الخطاب والفم المفتوح اليائس هو عجز الأسطورة التي طالما أسست قوتها على الخطاب العلني العاري الشفوي المباشر( مع عري جسدي في النهر!) إلى جمهور غائب وحاضر: حاضر حضورا جسديا، حضور إصغاء، وغائب غياب فعالية وقرار ومشاركة. إنه جمهور حاضر لكي يثبت غيابه، وحضور الأسطورة التي تتكلم.

فليس في تقاليد الدكتاتور، نصف الإله، نصف البشر، ابن التاريخ، والسراب المقدس، والموعود، وأمل(الأمة) ان يخطب إلى جمهور بشري مستعد للحوار والمشاركة والقرار لأن هذا يجرد الأسطورة من الخارق والأسطوري ويحولها إلى كائن بشري محدود القدرة.

وبدا مستاءً وليس في طبع الآلهة / الأساطير الاستياء حتى من العواصف، سواء عواصف التاريخ أو عواصف الطبيعة أو غضب القوى الخفية.

بهذه الطريقة تبين ان الطاغية مصنوع مثلنا من أعضاء بشرية عادية( أسنان، وشعر، وقمل!) والشيء الوحيد غير المألوف فيه هو الأوهام الضخمة التي ينسجها هذا العنكبوت الشرس في بناء ثقافة تقوم على عدم التمييز بين البطولة وبين الاستهتار، بين حيازة التاريخ، حيازة الحقيقة، حيازة الشرف، حيازة الوطنية، حيازة اللغة، الجمال، الشجاعة، القوة، وبين حيازة السلطة.

وفي هذه النقطة الكبيرة( عقلية العقار السياسي) يتساوى هذا الطاغية الصغير مع الأشباه الذين يجلسون الآن خلف باب اللاوعي في انتظار نوبة غضب أو غفلة لكي يخرجوا إلى البرية بطبعة أخرى، منقحة، ومحسنة، وجميلة.

وأحد الأوهام المضحكة التي نتجت عن زيارة أعداء وضحايا الطاغية له هو طلبهم الفوري منه أن يعتذر وأن يقدم على(نقد ذاتي!) لم ولن يقدموه يوما سواء على أخطاء في السياسة أو على أخطاء في التفكير، ورفضه تقديم هذا النقد نابع من ذات المدرسة المستعجلة التي طالبته به والتي تعتقد بوهم سحري سطحي ساذج في ان الدكتاتور الناقع بالدم قد يتحول إلى كاهن في ربع ساعة داخل زنزانة صغيرة مخصصة لجرذ!

مشهد أو مفارقة حزينة إذا انتزعنا النفس من أحزان الحاضر الكثيرة هي ان الدكتاتور تشرد على نفس المساحة من الأرض يوم كان صغيرا والتي تشرد عليها بعد سقوطه السياسي والعسكري وبنى قبواً أمام أحد قصوره الفخمة وذلك هو العقاب.

والجنرال اديرنو، ـ الذي طارد الدكتاتورـ قائد فرقة المشاة الرابعة العملاق الأصلع الشبيه بوحش هوليودي هو الذي علق على هذه المأساة الساخرة.

لقد جاء هذا الجنرال الضخم الجثة من نيوجرسي، عابرا قارات وبحارا، لكي يرفع الغطاء عن القبو الأسطوري، وعن أوهامنا الضخمة، ولكي يثبت لنا، أكثر من كل البرامج والأحزاب والمنافي والتجارب المهلكة ان القمل موجود في رؤوس الآلهة عكس ما كنا نتوهم، وهذا القمل لا يزال يرعى في رؤوس كثيرة!

* 17/12/2003

3

ذهنية القبو الحزبي

جاء الدكتاتور العراقي إلى السلطة قادما من عدة أقبية وعقائد كانت تجهز موعدا مع التاريخ. وكان يحمل إضافة إلى ذهنية الوكر الحزبي أو عقلية المخبأ السري، جروحه النفسية المختبئة في قبو داخلي لا يملك سلطة تصريف الجرح وتنفيذ نزعة الانتقام.

وذهنية المخبأ الحزبي، أو القبو، أو الوكر، أنتجت في عالمنا العربي وفي غيره من أرض البشر، وحوشا بشرية ضارية وستنتج أكثر في الزمن القادم ما لم تتم قطيعة بنيوية فكرية ثقافية مع هذه الأنماط البربرية من العقل السياسي وهذه ليست مهمة نخب السياسة التي قلت في كل رواياتي أنها غير قادرة على" إدارة قن دجاج وليس مشروعا للتغيير العام!" ولكنها مهمة نخب الفكر والثقافة شرط أن يعيد المثقف السياسي صاحب "الرسالة الكونية ونبي العصر المخذول!"النظر في طبيعة هذا الدور وفحص طبيعة المهمة في ضوء علوم وأفكار وتجارب العصر الذي نعيش فيه وعليه هو كذلك أن يخرج من القبو النفسي الذي حبس نفسه فيه أو وجد نفسه محبوسا فيه بشبكة قيم أو قضبان الايديولوجيا، ولا يعني هذا التخلي عن هذه (المهمة) فهو أدمن على أن يقوم بدور "وكيل التاريخ" كما يقول مفكر رغم أننا نعيش في عصر المؤسسات، وعصر المعلومات، وعصر الثقافة، ولكن يعني من جملة ما يعنيه فحص الذات الحبيسة في أقبية كثيرة ومختلفة والخروج إلى فضاء الحرية وفضاء العصر قبل أن يسدل الزمن والأجيال الستار على هذه الأنماط الجريحة من البشر.

جاء الدكتاتور قادما من عدة أقبية وعقائد، ومن العنصرية والغباء وصفه برجل الفكر العربي أو الإسلامي(ونهايته نهاية الفكر العربي!) كما جاء في مقال على لسان كاتب حائر بين ولاء يساري ممزق وهوية قومية يرفض الاعتراف بها لكنه يعلن موتنا بطريقة "العقل الاختزالي" الذي أنتج الدكتاتور نفسه، في كل مناسبة بما في ذلك موت كلب أو انفجار شاحنة في بغداد!

إن الدكتاتور العراقي هو خليط عقائد وأقبية وأفراد ونماذج ( مجمع أرواح شريرة!) ومن عدم الإنصاف دمجه في مشروع ثقافة أمة إلا إذا كان القول ان فساد هذه الشجرة يعني فساد كل الأشجار وفي هذا عقل تبسيطي أقرب إلى التفاهة!

وليس قبوه الأخير إلا قبو النهاية، نهاية دور، وبداية أدوار وهذه الأقبية والعقائد تتعدد وهي مختصرة:

أولا: القبو الحزبي.

إن سلطة المخبأ الحزبي سلطة لعينة ومغرية لأنها تضخم من طبيعة الوكر، المخبأ، القبو، وتضخم من حجم النزيل أو المختبئ، وتضخم أدوار السياسة، وتنفخ في "ذات"محاصرة تعيش طقسا مقدسا سبق للأنبياء والحكماء وكبار الثوار أن عاشوا وضعا مشابها له. وسلطة المخبأ السياسي تعطي صاحب الوكر سلطة استثنائية على المرافقين والرفاق والعاملين في الوكر قد تصل في بعض الأحيان حد التصفية الجسدية بناء على(محكمة) سلطة المخبأ وهي محكمة مصغرة ونموذج للمحاكم التي سيقيمها فوق الأرض بعد الخروج من سلطة المخبأ إلى مخبأ السلطة.

والغريب في الأمر ان الدكتاتور حين خرج من سلطة المخبأ إلى مخبأ السلطة، بعد الحكم، عاش وضعية مشابهة لنظام الوكر القديم حيث عاش في مخابئ عديدة حتى في أوقات( السلم) لأن عقلية الوكر، ونظام الصيانة، وذهنية المطارد، وعزلة (النبي الثوري!) وتقاليد الحصار النفسي الداخلية غير المرئية وهاجس المداهمة وغير ذلك من المشاعر السلبية المجلوبة من نظام القبو الحزبي ستظل تلاحقه في كل مكان بل تتصاعد كلما أوغل (وكيل التاريخ) في مهمته الأسطورية.

وهو في هذا يتساوى، من حيث أثر نظام المخبأ، حتى مع خصومه الذين طاردهم عبر الأيام وطاردوه: فهؤلاء ترك نظام الوكر الحزبي وهاجس المداهمة في أعماقهم جروحا غائرة غير قابلة في أحيان كثيرة للشفاء بل تستحق العلاج النفسي.

مع الجروح النفسية العميقة صنع نظام المخبأ ما يمكن تسميته بالذات(البديلة) المنفصلة والمنعزلة عن المجتمع وعن ظروف الحياة السوية وتعيش وجودا خاصا خارج عالم الحقائق الطبيعية، وصار صاحب الوكر، وكر الدكتاتور أوكر معارضيه(كلهم سوى في محبس الوهم!) يرون العالم عبر هذه الذات الجريحة حتى لو عاشوا في مكان بعيد خارج المخبأ وفي دول مفرطة في ليبراليتها وحقوقها السياسية وغير السياسية.

ومن طرائف ومهازل ذهنية القبو الحزبي أنك لو مشيت مع أحد هؤلاء في كوبنهاكن أو استوكهولم أو باريس أو لندن لوجدته نقل خواص المكان القديم إلى المكان الجديد، وتتحول كل مقهى أو شارع أو حديقة أو سيارة غامضة إلى نسخة من الأشياء والأمكنة القديمة في سلوك يتسم بعدم التكيف، وسيطرة ذهنية الوكر السري وعوالمه الداخلية بما فيها من غموض وارتيابية وهروب دائم ومناخ المخاطرة والشعور بقرب تجدد الخطر، أي هاجس المداهمة. والسبب في هذه الدورة الطقسية من الهاجس الاستعادي المتكرر الدائري هو: ان الخروج الحقيقي من القبو النفسي لم يحصل لأن الخروج هو خروج من الذهنية ونظام القيم والعادات وطرق التفكير وليس خروجا مكانيا فحسب.

هذا هو السبب الذي يجعل الأنظمة الديمقراطية تعري ذهنية المخبأ أو عقلية الوكر الحزبي، لأن نظام العلنية والوضوح والقانون وسطوع الأشياء( لا شيء يحدث تحت الأشجار أو في المنعطفات!) والطرق الواضحة تتعارض تعارضا نفسيا وذهنيا مع ذهنية المخبأ التي تحتاج إلى العتمة(حتى في مكان مضيء!) كي تمارس عالمها القديم، وتحتاج إلى الغموض حتى في العلنية لكي تمارس سلطتها القديمة، وتحتاج إلى الريبة حتى في مكان وعلاقات وقوانين نظيفة لكي تمارس تقاليدها القديمة في السيطرة والحيازة والحكم والصلاحيات المطلقة أحيانا التي يوفرها نظام الوكر الحزبي. هذا هو أحد الأسباب التي تدفع الفارين من القمع إلى العيش في دول ديمقراطية على شكل مستوطنات حزبية أو أوكار أو مخابئ محسنة وبكامل تقاليد الوكر القديم ولا يربطهم بالمكان الجديد سوى الحذاء!

ونظام المخبأ هو نظام سياسي وثقافي وعلائقي وإنساني وليس مكانا فحسب وهذا هو السبب الذي يجعل هؤلاء يحورون المكان الجديد، بما في ذلك قوانينه، لكي تتلاءم مع المكان القديم وقوانينه وليس العكس.

ولغة المخبأ أو الوكر الحزبي لغة طوارئ مشفرة وموجزة ولا مجال فيها للشرح أو التحليل. وفي هذه اللغة يتم التشريع لكل شيء حسب ذهنية الوكر: اللغة هنا هي التي تحكم، وصاحب الوكر هو الذي يقرر، وعالم القبو هو عالم مقدس تحترم فيه الأسرار(التافهة!) التي تظل أسرارا حتى بعد التحول إلى أمكنة جديدة وأزمنة جديدة: فلا يتنازل صاحب المخبأ عن هذا الدور لأنه يغرق في عالم الحرية والوضوح والقانون والمساواة والضوء والعدالة والعلنية وفي هذه خسارة دور وخسارة قيمة ومواجهة صريحة مع حرية عثر عليها في الطريق كما يعثر شحاذ على ثروة مفاجئة!

هكذا ينظر أصحاب الأوكار(النفسية) إلى عوالمهم بنظرة قدسية كما ينظر صاحب محراب أو صوفي أو راهب إلى صومعته أو ديره: نظرة هي خليط من التبجيل والرهبة والخوف من العالم الآخر،لذلك حين خارج الدكتاتور من الحفرة قبل أيام، ترك خلفه، من اليمين واليسار والأخوان والقوميين، وسلالات كثيرة متناسلة، ضحايا موزعين في حفر داخل الوطن وخارج الوطن: حفر عقلية،ومخابئ ذهنية،وأقبية حزبية، ومفاهيم سلبية عن الحياة والآخر والسياسة والبطولة والنضال يتساوى فيها دور المهرج مع دور الشرطي، ويتداخل فيها دور لاعب السيرك مع دور السياسي في مهرجان احتفالي للأقنعة لا وجود له إلا في أرضنا التي أنتجت كل هذا العدد الهائل من الأنبياء والعشاق والشعراء وكل هذا العدد الأكبر أيضا من المشعوذين والسحرة والمعتوهين حتى صار القلق النفسي وليس الإبداعي بديلا عن الحرية الداخلية العميقة الناجمة من صفاء الضمير ونقاوة القلب.

ثانيا: قبو الجرح النفسي.

من هذا القبو جاء الدكتاتور (وسيجيء الخلف الصالح بعده منقحا هذه المرة!) ومن هذا القبو خرجنا إلى البرية نصرخ في متاهة الرعب ننشد الإصلاح، لكن هذا القبو الباطني لا يزول مع زوال المكان السري أو القبو الحزبي: إنه مصنوع من شبكة مفاهيم وسلسلة عقد وأنماط تفكير ووجهات نظر تداخل فيها المرض النفسي مع العقيدة(الثورية!) وأندمج فيها الجرح مع كتب الوصايا والتعليمات السرية، وذابت فيها على نحو كلي نوازع الانتقام مع كتب القانون والمحاكم وتلاشت كل قدرة عقلية في المحاكمة المنطقية وبناء مساحات جديدة للرؤية.

وكيف يحدث هذا ونحن لا نغادر السجون والأنفاق والأقبية بمجرد فتح باب القبو أو باب السجن بل تتحول هذه إلى أقبية أو سجون داخلية متنقلة، ونتحول نحن، حتى في المكان النقي، إلى جيف متجولة من خلال رؤية شاحبة ترى كل شيء زعفرانيا مشوشا عاطلا لأن الذات الأصلية مصابة بعطب كبير، ولأنها مقصية بعد أن حلت بدلها، بالممارسة والخبرة، ذات بديلة مصنوعة بالقوة والإكراه تجعل المصاب يرى العالم من خلال الجرح أو العطب في حجم صغير هو حجم قبو أو ثقب أبرة وتنعدم كل قابلية طبيعية في التوليف بين التناقضات وتختلط في هذا الذهن الأسباب والنتائج في نوع من الفكر، نوع من السلوك، نوع من الكتابة أقرب إلى اختبارات المصحات العقلية يسمى في مقاهي العطب وإنتاج الفراغ إبداعاً !

بهذه الصورة يحطم القمع قدرة الكائن البشري على الفرح المشروع وعلى السعادة ويحوله إلى نفاية متجولة تنضح عطرا وحشيا يشبه عطور موتى الثلاجات.

ثالثا: قبو ثقافة حزبية مهزومة.

وهذه أعمق الحفر وأخطر الأوكار وأشرس العقد ومن علاماتها العقل الاختزالي والوصم والوصاية والنرجسية وذهنية الردح وأخلاق التهريج حتى في الحوار الثقافي.. الخ.. السلسلة الطويلة من الأوبئة والمعاصي.

ففي حين يكون الخروج من القبو السري ممكنا، قبو المكان، لكن الخروج من قبو ثقافة مهزومة حزبيا وسياسيا وأخلاقيا وعلميا يشبه الخروج الجديد من رحم ثقافة أخرى بديلة. ومن هو، في هذا العطب، وثقافة الوعي المحارب، وعي" إنتاج الخصم" للتنفيس، والمحاكم المرتجلة، والحط من قيمة المعرفة ورفع شأن قيم الدعاية والكلبية والنهش، من هو القادر على الخروج من رحم ثقافة أخرى أو إنتاج ثقافة أخرى ما دام المثقف الحزبي والسياسي مصرا على البقاء حاكما وسيفا وصاحب مجهر مشوه في قبوه النفسي تلذذا وتقديرا واحتراما ومعاشرة ووفاء لدور لم يسفر إلا عن نموذج المثقف المعتوه!

رابعا: قبو التاريخ المضطرب.

لا يصل الدكتاتور وحده في حافلة التاريخ ما لم نطلبه نحن بتعبير صاحب رواية(حفلة التيس) ماريا فارغاس يوسا الذي كتب بعمق مدهش عن ظاهرة المجتمع الحاضن والمنتج للدكتاتور و في تفكيك باهر لهذه الظاهرة البشرية الفاسدة.

فهو حين يخرج من القبو الحزبي، ومن قبو الجرح النفسي، ومن قبو ثقافة مهزومة، يجد المسرح الاجتماعي جاهزا ومعدا للاستقبال: فلا مصدات قانونية(محكمة عليا مستقلة مثلا) ولا برلمان جماهيري منتخب، ولا ثقافة وقائية تمنع ظهور هذا الدور المشوه، ولا معنى دقيق للشرف غير المعنى الجنسي المبتذل الذي يشرّع لكل شيء: الكذب، والسوقية، والجلافة، والأمية وغيرها من الآفات الكثيرة ما دام الشرف الجنسي مصانا وعالم الحريم محترما. مع ان الحريم اليوم، رغم الحيطان والأبواب والأقفال، يمارسن الدردشة الدافئة عير الانترنت، وفي صالة الضيوف يتحدث الأخ أو الزوج عن قيمة العفة والعذرية في هذا الزمن دون أن يسمع التأوهات التاريخية التي تأتيه من خلف الجدران أو من تحت الأبواب فهو لا يرى الخطر إلا في شكل رجل ملموس يقف على الباب لانتهاك عالم الحريم.

كان المسرح مهيئا وكنا على موعد تماما مع دور رجل التاريخ المرتقب، وكانت الغفلة في ذروتها، غفلة الأحزاب، وغفلة الثقافة، وغفلة التاريخ والمجتمع: كنا جاهزين بكلام أدق لحفلة القتل على يد طفل مشرد جريح العائلة والقبيلة والصحراء والحزب والشارع والثقافة والقبو والعقيدة والمعايير.

جاء في نهار الضباب التاريخي كوعد مهلك وحوّل الفتك إلى سياسة، ونقل مكان قبوه القديم إلى قاعة محكمة، وحوّل جروحه النفسية العميقة إلى حروب وإلى ندوب على أجساد ضحاياه الذين سيعيدون إنتاجها، حسب مبدأ التعويض، على بعضهم بقسوة أشد واكبر وإنزال العقاب النفسي(بما أن الجسدي غير ممكن أحيانا!) في تبادل مخيف للأدوار كقرود الأقفاص التي تعاني من الحصر فتلجأ إلى تمزيق بعضها بعضا!

ملك القرية هذا عاش واحدة من أكبر مفارقات ملوك بلاد النهرين وربما هو الوحيد في ذلك: كان الملوك عادة أو الحكماء، في الميثولوجيا السومرية والبابلية يصعدون إلى السماء عقابا أو ثوابا ومن بين هؤلاء الحكيم إيتانا الذي صعد على جناح نسر، وشوكاليتودا بستاني الملك أنكي الذي اغضب الملكة إنانا لأنه أوقف الرياح، واغتصبها ليلا في الحلم،فطلبت،حسب الأسطورة، أن يصعد إلى السماء من منطقة أريدو وابسو. وفكرة الصعود إلى السماء هي فكرة قديمة في التاريخ البشري وقد لا تكون فكرة صعود المسيح هي خاتمتها.

لكن دكتاتورنا الفريد عاش محنة مركبة في الساعات الأخيرة من عمر آخر أقبيته الحزبية والعقلية والفكرية والتاريخية بصرف النظر عن كل التفاصيل: فهو لم ينقل إلى السماء من القبو الحزبي على جناح نسر سماوي كما وعدته عرافات القصر، بل نقلته طائرة هليكوبتر أمريكية مرت فوق قصره على النهر لكي يرى للمرة الأخيرة ان عقلية القبو الحزبي لا تنتج آلهة أو مناضلين بل تنتج المجتمع الدكتاتور والمقبرة المستمرة!

* 18/12/2003

4

نقد الأساطير الاجتماعية والمرايا المتعاكسة

يخرج الدكتاتور عادة من وهم الأوهام وهو وهم الفراغ السياسي والتاريخي والاجتماعي، أي الوهم الذي يكبس على وعي الجميع، وهو وعي غائب ومغيب في آن، ويجعلهم في حالة ترقب عند تخوم المدن أو التاريخ أو الغيب في انتظار ظهور الأمل الملهم في هذه العتمة الباردة.

وهذا الوهم، وهم القلق، والانتظار، والقائد الغائب، هو وهم له ما يبرره على مستوى الميثولوجيا في كل عصور التاريخ، لكن إعادة إنتاج هذا الوهم في السياسة يمثل نكوصا وضربة قاسية للوعي البشري وللمعرفة.

فليس القائد هو الغائب بل وعي الأمة أو وعي الجماعة لكن هذا الوهم الملتوي يظهر على غير حقيقته كما في كل الأوهام التاريخية الأخرى.

ومما يزيد من غياب الوعي السياسي والمعرفي هو مواصلة نخب السياسة ـ وتبعتها نخب الثقافة في منافسة على قضم الضباب ! ـ في ممارسة شناعة تملق الجمهور وتقديس أخطاء الجماهير على حساب كل شيء، كل شيء، بما في ذلك تقديس الجهل، والأساطير، والأوهام، بل بيع الوهم لها إذا تطلبت حاجات السياسة ـ وليس ضرورات المعرفة ـ وإقامة، على سبيل المثال، تحالفات مع قوى بوليسية بحجة صيانة المستقبل أو دفعها نحن مواقع أفضل الأمر الذي قاد إلى مزيد من تغول السلطة، وإلى مزيد من تغول الدولة وتحولها إلى عصابة.

وهذا الوهم ـ المتواصل حتى اللحظة ! ـ يتجدد كل حقبة كما في التحالف مع الفاشية "لدفعها نحو الوطنية أو الاشتراكية أو التقدمية" وأسفر هذا الوعي العاطل عن حمام دم لم ينقطع حتى هذه اللحظة وبدا التاريخ كله من صنع دكتاتور واحد واختفى الآخرون ـ كما في كل مرحلة ـ خلف واجهة المسرح ليظهر الرجل الوحيد المجرم في مملكة فراشات السياسة!

وبيع الوهم يتواصل اليوم من خلال التحالف أيضا مع سلطة الاحتلال(بدون مكاسب حقيقية تستأهل!) بعد غسل الشعارات القديمة لكي تدخل في سوق التداول: أصبح اليوم هذا التحالف، يقولون، لتجنب مواجهة غير متكافئة، بعد أن كان سابقا لدفع سلطة وحشية نحو الأجمل كأن عملية تكون الفاشية تحدث في صالون حلاقة وليس في قوانين سوق ومال وسياسة ولغة وتاريخ ومصالح وصراع!

إنه الوهم في كل مرة يعيد تلقيح نفسه لأن مراجعة حقيقية ونقد للأساطير الاجتماعية وفتح سجلات المجتمع للفحص والنظر الجديد لم تقع ولن تقع في الأقل على يد هذه الشرائح المشغولة بمكاسب السياسة اليوم على حساب مكاسب المستقبل: لأن مكاسب المستقبل ستكون من حصة الأجيال القادمة وليس في العقل السياسي العراقي ـ بل العربي ـ والمشرقي عامة هذا البعد في النظر، وهذه الأخلاقية السياسية.

هكذا يؤدي بقاء الأساطير الاجتماعية حية وطرية في الوعي الجماعي اليوم إلى إعادة صوغ شكل الدكتاتور مرة أخرى من صورة رجل إلى صورة مؤسسة.

ومن يدري، ربما، يكون الرجال الأربعة الذين جلسوا مع الدكتاتور بعد القبض عليه قد شاهدوا،مندهشين، في وجهه صورة أربعة رجال منعكسة في مرآة مهشمة، وربما شاهد هو الآخر صورته منعكسة في هذه الوجوه في مرآة في طور التكوين!     

* 20/12/2003                

5

الامبراطور الحافي

    في خطاب علني مرتجل منتصف الثمانينات قال الدكتاتور وهو يتحدث إلى مجموعة من قيادات حزبه حاثا إياهم على تقبل العيش في أسوأ وأحلك الظروف قائلا: تعلمت من نابليون حكمة تقول ان "على القائد أن يتعلم المشي في ذروة مجده".

وفكرة المشي حافيا لإمبراطور عراقي في ذروة مجده وحكمه هي أحد مفاتيح الدخول الذهبية إلى أعماق الدكتاتور وهي الفكرة التي صبغت دولة وحزبا ومرحلة وبشرا.

وهذه الفكرة هي الوجه الآخر لعالم الدكتاتور الداخلي أو صورته عن نفسه اليوم وغدا لأن " المشي حافيا" ليس هواية بل هو فن إدارة الدولة والحزب والمستقبل: بمعنى أوضح الطريقة التي تبدو فيها هذه القوى ـ الحزب والدولة والدكتاتور ـ في ظروف زلزالية قد تقذف بالجميع خارج المنازل والمدن والنفوذ والقوة.

وهاجس المشي حافيا(لا أدري ان كانت صورة هزيمة نابليون في "واترلو"ماثلة في ذهنه مع موسيقى جنائزية نحو منفى بارد؟!) ليس هاجسا نفسيا فحسب، انما هو هاجس سياسي أولا وأخيرا.

وحسب هذا التصور مطلوب من الحزب أن يغوص، في قمة مجده في عالم السرية، كي لا يجد نفسه يوما في مواجهة أحداث غير مستعد لها: هذا هو أحد الأسباب ـ ليس السبب الرئيسي ـ الذي جعل الدكتاتور يبني دولة سرية في مواجهة الدولة التقليدية، والجيش الخاص في مواجهة الجيش التقليدي، والأمن الخاص، والحزب الخاص، والعشيرة الخاصة، والحزبي الخاص، والمدن الخاصة ـ حيث توجد مدن حزبية مغلقة ! ـ والمستشفى، والراتب، والشيخ، والجنرال الخاص ..الخ ... في مواجهة نقائض هذه القوى.

لذلك فإن الذي دٌمر في كل تلك الحروب العسكرية والسياسية والاقتصادية ـ بما في ذلك الحرب الأخيرة ـ هو الدولة التقليدية، والجيش التقليدي، والمؤسسات البوليسية التقليدية، في حين غاصت دولة الحزب السري، في الأنفاق، وفي عوالم سرية معدة سلفا من قبل الإمبراطور الحافي.

إن السلطة الجديدة، في ضوء الطريقة التي تم فيها التغيير، لا تحكم سوى أجزاء ممزقة فوق سطح الأرض وستظل إلى أمد بعيد، أما عالم ما تحت الأرض فهو لدولة الأجهزة السرية.

وهذه(الدولة) كانت معدة وجاهزة بحكم التكوين النفسي للدكتاتور وهواجسه، للغوص في عالم العتمة الباردة، عالم الأنفاق، عالم الأشباح. فهي في ذروة السلطة كانت غاطسة في السرية: فالقيادات الحزبية والبوليسية العليا تعيش في مجمعات سكنية محظور على المواطن العادي دخولها ناهيك عن السكن فيها، وهؤلاء يحملون أسماء حزبية خاصة سرية، ولهم مستشفيات خاصة، بل لهم مقاهيهم ونواديهم وحدائقهم الخاصة. كل شي خاص، بما في ذلك سجونهم الخاصة التي كانوا يعاقبون فيها دون أن يدخلوا سجون(العامة) لأن ذلك يعتبر إهانة.

هذه الازدواجية: بين دولة علنية تحكم مزقا من سطح الأرض، ودولة سرية تحكم عالم تحت الأرض، ستطبع صورة الأيام القادمة بدم عراقي يسكب في الشوارع حسب نبوءة إمبراطور حافي القدمين، وحافي الضمير!

* 21/12/2003

6

أحفاد الدكتاتور

مثل أي إخطبوط أو كائن عضوي متفسخ أو أي قرد أو ظاهرة منحرفة، لا يولد الدكتاتور من فراغ ولا يذهب إلى فراغ. إن القول بذلك يمثل وهم الأوهام.

ومن يقرأ هذه الأيام مقالات تحمل نسب الفكر السياسي أو الثقافي أو ما شابه أو شجرة الوهم الكتابي ويعود بالذاكرة قليلا إلى أيام ما قبل الظهور العلني للدكتاتور على مسرح العري السياسي، سوف يكتشف بدون عناء اننا نعيد خلق التجربة ذاتها بذات المواصفات وحتى بدون تحوير.

يبدو الوطن هذه الأيام بحرائقه وموته وتهشيمه ومخاطره القادمة في كثير من هذه الكتابات لا وجود له، بل الموجود هو هوس(السحق) الشخصي وهتاف الابادة وانطلاق غرائز القتل والسحل حتى أن رائحة الدم تفوح من بعض هذه( المقالات) التي تشبه دعوة علنية مفتوحة للجنون الجماعي والقتل.

والوطن العراقي لم يكن حاضرا يوما في فكر (نخبة) معروفة من أهل القلم إلا حضور ديكور: فالحاضر مثلا هو البار، أو الشعر، أو الريادة الشعرية، أو الخصم، حتى لو كانت عواصف الاقتلاع قد رفعت كل شيء بما في ذلك السقف: هؤلاء لا يسكنون وطنا، ولا وطن لهم، انهم يعيشون أسرى، سجناء، محبوسين، داخل جلودهم بصورة أبدية.

إنهم البؤساء الذين كان المسيح ينصحهم قائلا: (إن الحق يحرركم) أي ان التحرر من القيود الخارجية سهل لكن القيود الداخلية هي الأصعب، ومثلها خاطبهم القرآن بأن تغيروا ما في أنفسكم. لكن كيف يغير نفسه من صارت قيوده الداخلية هي البديل العقلي والفكري عن ذات مصادرة ممحوة وصار الشغل الشاغل هو صناعة(واجهة أمامية) للاستعراض، والعمل ليل نهار، وبجهود تستنزف الجسد والنفس، من أجل صيانة هذه الواجهة كي لا تثقب أو تتعرى أو تنكشف؟!

وهؤلاء ليسوا ظاهرة عراقية فحسب، بل هم ظاهرة بشرية موجودة في كل مكان وهي لا تفسر تفسيرا سياسيا فقط بل يمكن كذلك الاستعانة بعلوم أخرى لدراستها ومنها علم النفس وعلم النفس الاجتماعي الذي يدرس الظاهرة(النفسية) بوصفها ظاهرة اجتماعية.

إنه نوع من المركزية النفسية بحيث يتمحور الفرد حول ذاته ويجعلها مركز العالم ويفسر كل شيء انطلاقا منها حتى لو احترق الوطن والدار والثياب.

وهذه المركزية تبحث عن مبرر وشرعية لوجودها غير شرعية العيش البشري الطبيعي، أي تبحث عن شرعية تصدّر الواجهة أو المشهد الاجتماعي حتى لو كان مشهد جنازة أو حملة تواقيع أو حضور حفل، أي حفل، فليس المشهد مهما بنفسه بل المهم هو الموقع، المكان، الكرسي، الديكور، الواجهة.

وهذا (الفراغ) السياسي والفكري والثقافي هو المكان المثالي لنمو وولادة ظاهرة الدكتاتور الذي يعاد إنتاجه في كل مرحلة على شكل آخر مختلف.

في حقبة الستينات كان الجيل الشعري، مثلا، منخرطا في عالم شعري سحري ضبابي منعش ومهدئ ومطمئن في حين كان العقداء يصنعون تاريخ العراق في الثكنات ويقودون الكتاب والشعراء والمثقفين إلى السجون أو المنافي. وكان معظم هؤلاء الكتاب والمثقفين والشعراء إما في السجون أو خارج وظائفهم أوفي المنفى الطوعي، وتُرك الوطن بيد حفنة من المغامرين العقداء الريفيين الأجلاف يعيثون فيه فسادا ونحن ندفع إلى اليوم ثمن تلك( الغفلة) التي اختلطت فيها نرجسية فردية مركزية مع نزعة مرضية في صناعة( واجهة) شخصية على حساب كل الهموم الوطنية.

بجانب تلك الغفلة، كانت تصعد بهدوء وصمت وسرية أقذر فاشية في التاريخ، لكن نخبة أهل القلم والفكر والشعر كانت مشغولة في المقهى أو البار ـ كما هي اليوم ! ـ بخلق الأساطير الشخصية عن "ذات" متوهمة، ضخمة، لا تدور حول العالم، بل العالم يدور حولها.

وهذا الوهم المرضي ـ المتواصل ـ يتيح في كل زمان ومكان الفرصة لصعود الدول البوليسية وفي كل مرة بطبعة مختلفة وعلى هتاف نقض الآخر.

للدكتاتور أسلافه الذين يموتون لكنهم يتركون في الوعي العام الصورة والنموذج والمثال عن السلوك الوحشي البدائي الغرائزي عن السلطة وعن الثقافة وعن الاختلاف الوحشي، وله أيضا أحفاده الذين يسرحون في حقول الصمت والتواطؤ والنرجسية المختلة وتحويل ذات فردية كي تكون بديلا عن وطن يحترق أو يوشك !

* 23/12/2003

7

المحاكمة

أحد أكبر الأوهام التي نتجت من فكر الحزب الواحد وثقافته ومعاييره وفكر السرايا والثكنات هو وهم محاكمة الأفراد وترك كل شيء طليقا كأن الجريمة السياسية الكبرى هي ملكية شخصية كالعقار.

وعقلية العقار هي عقلية اختزالية حزبية ضيقة لا ترى من الظاهرة العامة إلا السطح أو الشكل الظاهري، وتغفل النظر عن الجوانب العميقة المنتجة والحاضنة لها.

ولا شك ان الدكتاتور القابع في القفص اليوم يتحمل مسؤولية جنائية جوهرية عن كل الخراب الذي حصل في تلك الفترة المشؤومة ويجب أن يحاسب على جرائمه التي لا خلاف ولا اختلاف على شناعتها.

لكن هذا ليس إلا خطوة صغيرة في طريق المحاكمة الكبرى لتاريخ الإرهاب المتعدد الوجوه والأشكال والمصادر:من الإرهاب الفكري، والسياسي، إلى الإرهاب الثقافي، والاقتصادي، والاجتماعي الخ..

ومن الواضح اننا لا نرى الجريمة إلا حين تتجسد في جثث أو مقابر أو حرائق ونغفل الجرائم الخلفية المساندة، ونغفل العقل الأيديولوجي المؤسس، ونتجاهل الظاهرة الدكتاتورية المتغلغلة في صميم العقل الحزبي والسياسي والاجتماعي.

وفي كل مراحل العراق المعاصر جرت محاكم سياسية صورية متفاوتة في القيمة القانونية، لكنها في كل الأحوال لم تصل، حتى في أفضل نماذج محاكم الفترة الأولى من الجمهورية، إلى التأسيس الحقيقي للمحكمة العادلة.

وفي كل هذه المحاكم تمت تصفية الأفراد، رميا بالرصاص، أو الشنق، وتركت السياسات والبرامج والمناهج كما هي بلا فحص، ولا مراجعة، ولا قراءة جديدة، ليعاد في حقبة أخرى إعادة بناء النموذج التسلطي على صورة مغايرة أشرس من السابق.

لكن لماذا هذا الإصرار على المحاكم الجنائية فحسب، وإغفال محاكمات النهج، والرؤية، وعقلية الحيازة، واحتكار السلطة، والحكم باسم شرعية الحزب تارة أو شرعية العائلة تارة أخرى أو شرعية القبيلة تارة ثالثة أو شرعية المال أو شرعية العقار السياسي أو منهج المقاولة الحزبية بدون العودة إلى قناعة الجماهير رابعة وخامسة الخ؟

وهذه "الشرعيات" المرتجلة تتناسل في كل حقبة وتصبح واقعا صلبا" قانونيا" غير قابل للمناقشة والفحص كأنه طبيعة سياسية لا جدال حولها.

من شرعية "الثورة" في النظام الدكتاتوري، إلى شرعية العائلة، الدين، الطائفة، المنطقة، القبيلة، وحتى شرعية " الاحتلال" لأن هناك قوى تريد أن تؤسس كيانها السياسي على هذه الصفة نظرا لضعف القاعدة الشعبية.

بهذه الصورة يعاد صياغة نموذج الاستبداد وتلقيحه على نحو مغاير ويجري نفي وإقصاء كل الأصوات، بما في ذلك الأصوات الهادئة، التي تطالب بإعادة بناء الدولة والمجتمع والثقافة والقانون حتى في ظروف استثنائي صعب مثل هذا الظرف.

ومرة أخرى السؤال: لماذا محاكم الجرائم فحسب على أهميتها الكبرى، القانونية، والأخلاقية، ويتم تجاهل مراجعة( أكثر شفافية من كلمة" محاكمة") ثقافة تنتج، في كل حقبة، نموذج الإرهاب بصورة منقحة وجديدة؟ ولماذا يجب أن يقوم "القضاة" بهذه المهمة في كل مرة ويتم تجاهل النخب الثقافية والفكرية والعلمية من حقل صياغة الدولة والمجتمع على نحو مغاير؟

في المرحلة الستالينية قام الروائي الروسي الشهير إيليا هندنبيرغ بمحاكمة أدبية وسياسية وفكرية وأخلاقية لتلك المرحلة الدكتاتورية في روايته(ذوبان الثلوج)،وحين حاول الروائي باسترناك في روايته(الدكتور زيفاغو) إكمال المهمة حوصر وطرد من إتحاد الأدباء(كأن المرء لا يكون كاتبا إلا إذا كان ببغاءً في قفص بتعبير كاتب!) ورفض جائزة نوبل لأنها كانت في عرف البيروقراطية الحزبية( خيانة) سياسية حتى مات وحيدا في عزلته ودفن على أنغام موسيقى جنائزية لشوبان بحضور حفنة من الأصدقاء ومعظمهم من ريفيي المنطقة.

كما ان محاكمة الروائي كافكا ـ عنوان رواية له المحاكمة! ـ رغم طابعها الفلسفي إلا انها كانت محاكمة سياسية مبكرة للإرهاب الفكري، ومنطق محاكم الغرف المغلقة، غرف الدخان، والقضاة الغامضين. وبعدها بسنوات في أواخر الأربعينات قدم الروائي الإنكليزي أريك بلير (باسمه المستعار جورج اورويل!)محاكمته الشهيرة لعصره من خلال رواية(1984) التي عرت على نحو غير مسبوق الأنظمة الشمولية، وبالتزامن معه قدم المسرحي الإنكليزي جون أزبورن محاكمته للطبقة البريطانية الحاكمة من خلال مسرحية صارت عنوانا واستهلالا لمسرح الرفض والتمرد السياسي عنوانها( أنظر إلى الوراء بغضب). ولا يتسع المجال هنا إلى كل المحاكمات الأدبية والفكرية والفلسفية في التاريخ القديم والحديث لأنها أضخم وأكبر من أن تعد من محاكمات سقراط، وحتى محاكمات ماركس الفلسفية ودارون العلمية وحتى عصر اليوم عصر ما بعد الحداثة: أي عصر موت السرديات الكبرى في التاريخ.

بهذه العقلية، وهذه المحاكم، أسست الشعوب حداثتها وانطلقت اليوم نحو آفاق كونية اقرب إلى الأساطير الواقعية: من مشروع القرية الفضائية، وحتى تأجير الأرحام، ومن الشفرة الوراثية، وإلى بنوك الحيامن، ومن نقل الأعضاء إلى زراعتها بل إنتاجها في مختبرات!

أما نحن فلم ننتقل حتى الآن من مشروع الحفرة والنفق والقبو العقلي إلى السطح والهواء الطلق، والمشروع الوحيد "لزرع" الأعضاء الذي برعنا به على مر العصور هو زرع ثقافة الفتنة والحذف والمحو، وزرع مقدمات حرب أهلية، من خلال إدامة الفكر المحارب، وصناعة الخصم، وذهنية التهريج، وعقلية حيازة الحقيقة والسلطة والدولة والشرف والجمال والحق والقانون.

لم يرحمنا التاريخ سابقا لأننا قدمنا الجنائي على الثقافي، وفضلنا محاكمة الأشخاص وأهملنا دور الفكر والثقافة، وتصدر السياسي الواجهة على حساب نفي المفكر والمثقف الذي صارت مهمته " كاتب خطابات الزعيم"وتحولت غرف الدخان إلى محاكم مرتجلة بدل الحوار المفتوح مع الناس في الحدائق، وصار في وسع أي مختل عقليا وأخلاقيا ومعتوه أن يصنع لنفسه تاريخا خاصا مزورا ويرش المارة بالماء الآسن باسم مبدأ مرتجل ومقاييس فردية خاصة.

إن تاريخنا مغلق وفي أزمة ونحن نعيش سجناء عطب بنيوي فكري معتق ولن يفتح أبوابه كي ننطلق في فضاء الحرية ما لم يتم تحرير العقل من الأسر، والثقافة من السياسة، لأن الثقافة بحث وسؤال، والسياسة أقرار وتثبيت، وما لم نحرر لغة السياسة من المقدس لكي تدخل في حقل المقاربة والشك والاحتمال: عندها فقط تصبح السياسة علما وثقافة، وتصبح الثقافة سلوكا سياسيا يصل إلى مرتبة الجمال!

* 24/12/2003

8

العار والفرقة الناجية

تشوه الدكتاتورية المجتمع وتطبعه على صورة الدكتاتور وهي صورة وحش ينهض من قبوتاريخ مضطرب وثقافة تعاني من عجز عقلي في بناء مساحات جديدة للأمل.

وكما تشوه المجتمع تشوه معه الفرد الذي يعيش كل لحظة نتائج وتجليات القمع وتزرعه بالعقد التي تتفاوت في الشدة والقوة حسب الأفراد والفترة المدة.

وأول العقد الكريهة التي تزرعها الفاشية والاستبداد، هي عقدة(الشعور بالعار) في نفوس الضحايا، وحتى في نفوس الجلادين : من معطف هذه العقدة خرج الدكتاتور، وقد نغصت عليه عيشه، وحياته، ودمرت توازنه النفسي والسلوكي لذلك حاول( تعميم) هذا الشعور على ضحاياه: اغتصاب الناس في السجون، تلويث نساء أسر شريفة، إجبار الآخرين على سلوك غير مقبول بالقوة في السجون أو الإغواء، التشفي برؤية الناس يركعون عند قدمي الدكتاتور من اجل مساعدتهم...الخ... أفعال الخسة الكثيرة والمعروفة.

وفي هذه الحلقة سنحاول أن نستفيد(بترك اللغة السياسية) من النتائج الدقيقة والحكيمة والعلمية التي توصل إليها علم النفس وعلم النفس الاجتماعي وبصورة خاصة الكتاب القيم للدكتور مصطفى حجازي(التخلف الاجتماعي: سيكولوجيا الإنسان المقهور) وكتاب عالم النفس الفرنسي الشهير بيير داكو( الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث) فيما يتعلق بالطريقة التي يولد فيها القمع عقدة الشعور بالعار والطرق الملتوية( السياسية، والثقافية، والإصلاحية!) التي تظهر فيها على نحو مخادع ومراوغ، كما سنعتمد كذلك على نتائج التأملات العميقة والطويلة للتجربة اليومية واستحضار لنماذج حاضرة في الذهن وفي حقل الممارسة اليومية كظواهر مرضية تظهر في لباس مموه. والتمويه خاصية معروفة لعقدة الشعور بالعار.

يعرّف الأستاذ مصطفى حجازي هذه العقدة على أنها:(التتمة الطبيعية لعقدة النقص. الإنسان المقهور يخجل من ذاته، يعيش وضعه كعار وجودي يصعب احتماله.إنه في حالة دفاع دائم ضد افتضاح أمره، افتضاح عجزه وبؤسه.ولذلك فالسترة هي إحدى هواجسه الأساسية.إنه الكائن المعرض ويخشى أن ينكشف باستمرار، يخشى أن لا يقوى على الصمود. يتمسك بشدة بالمظاهر التي تشكل سترا واقيا لبؤسه الداخلي. هاجس الفضيحة يخيم عليه. حساسيته مفرطة جدا لكل ما يهدد المظهر الخارجي الذي يحاول أن يقدم نفسه من خلاله للآخرين. لذلك فإن جدلية ما يخفي وما يعلن، تجعله يعيش في حالة امتحان دائم، وتهديد دائم بفقدان توازنه من خلال فقدان دفاعاته، وتعري حياته الحميمة التي يجتر مأساتها بصمت. نظرة الآخرين، تعليقاتهم،تكسب قوة شديدة الوطأة على نفسه، تهدد مكانته الركيكة، واعتباره الذاتي الذي يحافظ عليه بمشقة بالغة. لذلك فان العزة والكرامة تحتل مكانة أساسية في خطاب الإنسان المقهور:بقاء الرأس مرفوعا، الاحتماء من كلام الناس.. قضايا مصيرية بالنسبة إليه. يستطيع الإنسان أن يعيش بدون خبز لكنه يفقد كيانه الإنساني إذا فقد كرامته وظل عاريا أمام عاره. تلك النقطة التي تنهار معها الطاقة على احتمال مأساة القهر والبؤس).

إذن يمكن تحديد حركة سلوك صاحب عقدة الشعور بالعار أو الدونية وحسب الوصف السابق الذي تدعمه التجربة الحياتية للمقهورين بقوة كما يلي:

ـيخجل من وجوده كعار ـ يراوغ ويهرب من هذه العقدة ببناء دفاعات وترسانة قوية دفاعية لأتفه الأسباب لأنه قلق وغير واثق وغير آمن وهش ومعطوب من الداخل. يلجأ "للسترة" والاندفاعية لكي لا تنهار الواجهة الخارجية ولو بكلمة أو دبوس ويكرر دفاعه في كل مرة حتى على سقوط ريشة من السماء كأن السماء أطبقت على الأرض كما حصل لكتكوت في حكاية للأطفال حين دخل المدينة زاعقا من سقوط ورقة من شجرة ـ يعذبه الخوف من الانكشاف وثقب "الواجهة الخارجية" التي يبرع في صنعها ولكي لا يعرف الآخرون ان الواجهة لا تتناسب مع حجم الطاقات الحقيقية ـ التمسك بشدة بالمظاهر ـ حساس جدا إزاء أي عطب يصيب الواجهة الخارجية ، نقد مثلا ـ يعيش في هوس ما يقال أو لا يقال عنه لأن هذا يشكل تهديدا لكيانه الركيك، ويقرأ رسائل سرية مشفرة في أكثر الأفعال والأقوال براءة لأن" التهديد" الداخلي يقرع جرس الإنذار ما أن يقترب أحد ما، صدفة، من حقل العقد أو الألغام ـ وتحويل الأخطاء البشرية العادية للآخرين إلى جرائم لأن جهاز الرؤية عاطل ومشوش والذات متصدعة و ملغية ومحذوفة لصالح شعور كريه بالعار صار يرى ويفكر "بالإنابة" عن ذات مطمورة تحت ركام من العقد الصفراء. وفي هذه الحالة تنعدم مساحة الوضوح أو تضيق ويصبح "التركيز" قويا، وينعدم "التأمل" الذي هو خاصية مهمة للرؤية الواسعة الواضحة الهادئة كالنعاس اللذيذ اليقظ الشبيه بحلم كثيف وشفاف وعذب.

والمشكلة هي ان هذه المشاعر لا تظهر في صورتها الأصلية كمشاعر مرضية، بل تتقنع بأردية وألبسة للغش وتبدو للعيان على نحو مخالف، بل معاكس لصورتها الحقيقية: تظهر، في سلوك النخب السياسية والثقافية والدينية مثلا، في صورة خطاب إصلاحي، توبيخي، تحقيري، تشهيري، شعاره الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي، وباطنه نفي مشاعر القلق وأزاحتها بعيدا بعد تلبيس الآخرين بها أو ما يسمى "الإسقاط" أي ترحيل عقدة أو مجموعة عقد على آخرين في سلوك اجتنابي هروبي من مواجهة عار شخصي ودفعه نحو عدو حقيقي أو متخيل أو مصنوع على عجل تلبية لحاجة نفسية ملحة.

والغريب أن سيكولوجيا المصاب بعقدة الشعور بالعار تتسم بالجبن والضعف والرعب الداخلي الذي يعبر عن نفسه في صورة سلوك اندفاعي أهوج جرئ لكي يهرب من صورة داخلية مهزوزة واخزة.

حسب بيير داكو فإن(الاندفاعية مرتبطة بصورة خاصة بحب الذات وقابلية التأثر. إنها استجابة سيكولوجية اجتماعية) وهذه الاندفاعية هي شكل من أشكال الانهيار النفسي الذي يبدو في غير صورته على شكل قوة: وفي مجتمعنا، وهنا الطامة الكبرى، لا نميز بين الصفاقة وبين الجرأة، لأن الجرأة عذبة، سهلة، عفوية، باسطة، جميلة، يقظة هادئة، لا تجرح، رقيقة، في حين ان الصفاقة خدش وجرح للكرامة بل هي سلوك قنفذي كريه مموه في غير صورته الحقيقية: كل استعراض علني أو ثقافي أو جسدي أو نفسي هو في العمق جبن داخلي وضعف مخجل وهشاشة فظيعة.

يصبح وجود هذا الكائن رهينة بيد الآخرين. ولكي يحافظ على (الواجهة الخارجية) من الثقوب والنقد يلجأ، كجزء من أسلوب مرائي مخادع، إلى تقنيات في غاية المكر مثل الظهور بمظهر العفة أو المثالية أو صاحب "اليد الممدودة" في وقت الضيق أو الكرم المبالغ فيه... الخ.. الأفعال الخيرة التي تدخل في نطاق صناعة واجهة متينة من الخارج للتمويه على عار داخلي. وحسب ما يقول أحد علماء النفس بأن البشرية قد تعرف يوما ان أفعال خير كثيرة قام بها أشخاص مرضى ومعقدون لأهداف لا صلة للخير فيها بل للتغطية على عار داخلي أو لإذلال الآخرين كشخص مغرم بولائم لأصدقاء دون أن يتمتع بها هو نفسه، وكل متعته تتجسد في رؤية هؤلاء يأكلون على مائدته أو شرفه وهو يتعلق في نهاية الحفل بنظرة إعجاب أو كلمة ثناء تعوض عليه كل الخسارة المادية. وفي مشهد عملاق من مشاهد مسرحية لشكسبير لا يحضرني اسمها مع الأسف يموت قتلا أحد شخوص المسرحية دفاعا عن شخص يكرهه لكي يهينه ويثبت له أنه أكثر شجاعة منه: هذه هي صورة "المرائي" الذي يلبس ثوب الفضيلة!

بهذا الشكل تظهر عقدة الشعور بالعار في مظاهر وتجليات كثيرة مموهة ومقنّعة(قناع) حتى يصعب في حالات محددة تمييزها لخبير محترف في علم النفس وكما يقول بيير داكو: في حوزة هؤلاء أقنعة مختلفة.فكم من الأشخاص الذين يخفون حاجتهم للسيطرة تحت قناع من" الطيبة" المفرطة، علما بأنها حاجة لا شعورية للسيطرة؟وهؤلاء هم تشكيلة من المتسلطين، المستبدين، المهووسين، المتشددين بمغالاة، المدققين، الحردين، الغيورين، النزقين، الحقودين.... الخ السلالة.

ونزعة " السيطرة" كل نزعة سيطرة بلا استثناء، تنبع من عقدة الشعور بالعار(السلطوي عدواني لكنه ضعيف) .إنه عصاب للهرب والتعويض عن مشاعر عار كريهة بالظهور في مظهر قوة خادعة هربا من جبن داخلي.

والغريب، حسب المفكر فرانز فانون، ان الضحية المصابة بعقدة الشعور بالعار لا تقترب من ضحية قوية لكي تمارس ضدها مشاعر قهر للتنفيس لأن جلادها الأول زرع في داخلها الرعب من القوة والقوي لذلك تلجأ(في أقذر سلوك انتقائي عرفته البشرية) للبحث عن ضحية هالكة ومشرفة على الموت كي تنفس عن قهرها من خلالها في سلوك يتسم بالجبن والدناءة والحقارة وهذه من نتائج القمع: تشويه المخلوقات وتشويه الحياة.

هؤلاء يسميهم بيير داكو(مستنزفي الطاقة) لأنهم يقضون حياتهم في تلميع الواجهة الخارجية على حساب البناء الداخلي، بل على حساب العيش السوي والممتع والعفوي لأن عقدة الشعور بالعار أو عقدة الشعور بالدونية تعيش كمسمار داخلي في صميم العضوية الشخصية وتصدعها وتجرحها كل لحظة وأمام أشد الأفعال والأقوال براءة وعفوية.

لذلك يمكن القول بكل ثقة وطمأنينة بأن نهاية الدكتاتور الحقيقية ليست في الحل السياسي أو العسكري فحسب، ولا في موته،أو في القبض عليه، بل في إعادة بناء الإنسان المخرب، وهذه ليست مهمة رجال السياسة الذين يعانون من هذا التخريب والجروح النفسية العميقة، بل هي مهمة النخب الفكرية والثقافية الناجية من العاهة، مهمة الفرقة الوحيدة الناجية التي لم تلوثها أصابع العار الطويلة والتي احتمت من عواصف التشوه داخل براءتها وطفولتها كما يحتمي ثعلب قطبي داخل مغارة ثلجية!

* 26/12/2003

9

النجاسات الثلاث

حين يتمسك الفقيه والدكتاتور والزعيم والداعية بحرفية اللغة ـ تحت شعار المقدس ـ فليس هذا التمسك بريئا بل لأنه يؤسس حالة الثبات وديمومة الأحوال واستقرار الأوضاع الدكتاتورية، في السلطة أو في الحزب، في المجتمع أو في الثقافة، داخل الفرد، أو في المؤسسة، تتأسس على النجاسات الثلاث التالية التي تحمل، زورا، معنى المقدس:

النجاسة الأولى:وهم قدسية اللغة.

وهذا الوهم يعني من بين ما يعنيه ان كل ما يقوله الزعيم أو التقرير السياسي أو الحزب أو المؤسسة أو القائد الملهم هو صحيح لا يأتيه الشك ابد الدهر. والقداسة في السياسة هي نجاسة علنية لأن اللغة هي نشاط بشري، احتمالي، أفق، مناخ للتفكير، اتفاق، تصور، إدراك، مقاربة، اقتراب من الواقع وليست الواقع نفسه ولا يمكن أن تكون بديلا عنه، بل هي علامة وإشارة، و بعد فوات الأوان ـ حسب نيتشة ـ أدرك الناس "خطأ الإيمان المطلق والحرفي باللغة" واليوم تأتي فلسفة الاختلاف لتؤسس تصورا مغايرا عن العالم قائم على التعدد والتنوع والثراء والاختلاف العضوي، أي وحدة المختلف.

لا تكتسب التفسيرات السياسية معنى مطلقا أبدا إلا عن طريق الفرض والإكراه والقمع والقوة. فما هو صحيح اليوم قد يكون غير صحيح غدا، واللغة وجود مستقل عن الواقع وهي تدل وتشير وترمز ولا تحدد: إنها أفق للتفكير وليست سجنا، موجة وليست ساحلا، علامة وليست طريقا.

وضع اللغة السياسية ـ والكارثة اللغة  الأدبية ـ في مستوى المقدس يعني تحويل اللغة إلى فقه، وتحويل السياسي إلى ولي صالح على صورة جديدة.

النجاسة الثانية: هي نجاسة الماضي المقدس.

هذا الوهم هو الابن الشرعي للوهم السابق ، أي وهم قداسة اللغة: فالماضي لا يصبح مقدسا إلا من خلال لغة تمنحه هذا الحضور الأسطوري، وتجعله، كاللغة، متعاليا على التاريخ، وفوق الفحص، والتغيير، أي انه الماضي الذي  يكون حاضرا في اللغة لا في الواقع، لأن عودته الحرفية والفعلية مستحيلة عمليا. إن حوار الماضي هو البديل عن التبجيل الغبي الذي يسيء إلى الماضي والحاضر والمستقبل.   

النجاسة الثالثة: نجاسة وهم امتلاك الحقيقة.

وهذه النجاسة ـ ليس الأمر مصادفة ! ـ هي من نتاج الوهم الأول كذلك: وهم اللغة المقدسة. فلا شيء، لا أحد، لا فكرة، تكتسب معنى المقدس بدون لغة.

وملاك الحقيقة لا يعرّفون الحقيقة التي يمتلكون ولا يصفونها، في خلط مريع بين حقائق تحمل صفات متناقضة: فالحقيقة الاجتماعية، مثلا، متغيرة، نسبية، ولا يمكن قياسها بالحقيقة الأدبية والثقافية لأن لهذه قوانينها المختلفة، وهذه الحقائق تختلف عن الحقائق العلمية، وحتى هذه متغيرة من زمان إلى آخر، ومن مكان إلى مكان أو في كواكب أخرى.

ان وهم امتلاك الحقيقة السياسية على نحو خاص هو عاهة أخلاقية وجريمة عقلية تقود المجتمع والدولة  إلى كوارث لا نهاية لها: ان ما يعرف ( بالحقيقة السياسية) هو وهم مضحك لأن السياسة هي فن صراع المصالح دون الوقوع في الاحتراب المدني الذي يؤججه وهم امتلاك الحقيقة، كما ان السياسة هي التنافس المشروع والراقي لأفضل الخيارات في مناخ القانون العام.

إذن فإن ملكية الحقيقة ستقود إلى نفي الآخر، نفي الطبقة، نفي الشريحة، ثم نفي المجتمع، والوقوع حتما في الفاشية أو في الحيازة المطلقة وهذه هي الدولة الدكتاتورية حتى لو كان اسمها ديمقراطية!

* 28/12/2003

10

تفكيك  فكر العاهة

             اللهم مهما عذبتني، فلا تعذبني بذل الحجاب

                          ـ الصوفي  البسطامي ـ

   من طبيعة الفكر الفاشي الاستمرار والكمون والسرية والتمدد، قبل سقوط السلطة المنتجة له وبعدها وخلالها، أي انه لا يتقيد بالمركز والأطراف بل ينتقل مع الضحايا إلى أي مكان ارتحلوا خاصة فكر العاهة الذي يعيش مع ضحاياه لسنوات طويلة بحيث يبدو الأمل مملا وطويلا وكريها.

هذا هو السبب الذي دفع الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لكي يحذر من الأمل الطويل(إياكم وطول الأمل!) وطبعا هذا ما يؤكده علم النفس الحديث على نحو قاطع. ويبدو أن فراسة البدوي، والرؤية الصحراوية الصافية،النقية، والتماس المباشر مع الحياة(بلا مفاهيم تحجب!) هو الذي جعل الإمام يمسك مرات كثيرة بقوانين بشرية دقيقة.

إن الأمل الطويل يعفن الجسد والذات ويحول الكائن إلى مخلوق أو سجن متجول لأن الرغبات المتفسخة المشروعة وغير المشروعة ما لم تخرج فهي "تصدأ" وتحاصر نفسها داخل الجسد وتعفنه وتخربه ويصبح الكائن البشري شكلا بلا محتوى، وصورة بلا أعماق، وجسدا بلا روح، وجثة تنتظر نقلها من الرصيف إلى القبر، حية.

يصبح الكائن، في وضع مأساوي مثل هذا، في حالة( الحجاب) أي لا يرى غير حجابه وعقده وأمراضه وخصومه حتى لو احترق الوطن، بل حتى لو احترقت الدار، ويظل يتاجر بمشاكله في كل مكان وزمان.

ومن يطلع على بعض "نماذج" ما يكتب اليوم في الخارج يلمس عمق الشرخ الأخلاقي والنفسي لشريحة من أهل القلم لا شغل عندها اليوم ـ كما لا شغل عندها بالأمس! ـ غير نقل ثقافة العاهات والمعارك الصغيرة والحيل من مكان إلى آخر: ومن وعي مفارقات الحالة العراقية، وأوهام "المثقفين" أن بعض هؤلاء حين خرج من العراق نقل معه ثقافة الفاشية بكل ما فيها من عاهات معروفة وغير معروفة وشغل الصحف لسنوات طويلة بعقده وأمراضه الشخصية وعاهاته الدفينة بعد أن برقعها، وظل يدافع عن فشله وشذوذه العلني النفسي والثقافي والروحي، واليوم عاد في مفارقة حزينة وساخرة ومضحكة ونقل هذه العاهات في سلوك مقلوب ـ وقد تاجر بها طويلا في صحف المنفى وشغل بها الناس والوطن يحترق ـ نقول نقل هذا الشقاء العقلي والفكري والسياسي إلى صحف ومواقع الداخل كأن كل ذلك الخراب لا يكفي وأنه عاد إلى الوطن بهذه "الصرة" القذرة التي خرج بها أول مرة، أي عاد بخفي حنين كما يقولون!

وأحد الأمثلة الساخرة والغريبة هي أن أحد هؤلاء قضى الخمس سنوات الأخيرة وهو في بلد اسكندنافي متطرف في ليبراليته وهو يكتب مطولات وملاحم يدافع فيها عن عذريته الجنسية والوطن وقع في الاحتلال بعد أن نقل هذه(المعركة الجنسية!) إلى الوطن اليوم وهو يخرّب!

ومثل هذه الظواهر تحدث في مراحل الانحطاط والتدهور السياسي والعواصف بحيث ينشغل الناس في أمور السحر والشعوذة كخلاص عاجل من مأزق أما النخب الأدبية والدينية فتنشغل في حوارات لا أول لها ولا آخر في النحو والصرف وفي الفقه والمنطق وفي صراعات تافهة والوطن على حافة هاوية كما حصل في نهاية تفسخ الدولة العباسية والعثمانية وكما حصل في نهاية الحقبة في الأندلس وتدعم ذلك السلطات كهروب من مواجهة وحل المعضلات الكبرى الملحة.

يسألني أصدقاء وكتاب في بغداد حين نتحدث على الهاتف أو في الرسائل هذا السؤال الذي أجد نفسي حائرا وغير راغب في الإجابة عليه إجابة فورية لأن الاختزال يشوه: أين هؤلاء الذين أسسوا خطابهم(السياسي والثقافي) على نقد السلطة؟ أين خطابهم البديل؟ إن كتابات هؤلاء ـ يقولون ـاليوم في صحف ومواقع عراقية في العراق وخارجه تعيد لنا تقاليد الفكر البوليسي الفاشي وثقافة العاهات وتقاليد الوصم وذهنية الافتراس وعقلية إلغاء الآخر أو تدميره وهذه هي بالضبط ثقافة السلطة الوحشية. وكما شغل هؤلاء صحف( المعارضة) سابقا بعاهاتهم وخصوماتهم على حساب وطن على وشك الحريق والخراب، عادوا اليوم، وقد احترق الوطن، لإعادة إنتاج البذاءة نفسها مرة أخرى؟! هل هذا عقم عقلي؟ تصحر؟ جفاف؟ ولماذا لا يترك هؤلاء الناس تضمد جراحها وتنسى وتبدأ رحلة مغايرة صوب الحرية والأمل والجمال والفرح البشري العادل؟ أم انه سلوك منحط راسخ حتى الموت؟ أم انه التواطؤ العام والصمت بل الدعم والنشر لهؤلاء المرضى والممسوخين والمنحرفين والأدعياء هو الذي يخلق الجريمة التي تبدأ عادة صغيرة مثل كل جريمة ثم تكبر في الغفلة والإهمال كظاهرة الطاغية؟ وشخصيا أميل لهذا السؤال الأخير.

نحن لا نقرأ ـ يقولون ـ عن تجاربهم في العيش في دول ليبرالية وديمقراطية ولا تجارب هذه الدول في الضمان الاجتماعي والقوانين المدنية وتقاليد المؤسسات والمجتمع المدني ورعاية الطفولة والشيخوخة ولا في المحاكم والبوليس ولا في الحب والغرام ولا في الحدائق أو الغيوم ولا أثر لبحر أو شفق ولا وجود لنهر أو جسر تاريخي ولا عرض لتجربة ثقافية ولا إشارة لقنطرة حجرية في لوحة كما هي قناطر الرسام كلود مونيه أو فان كوخ أو غوغان وغيرهم؟! أين عاش هؤلاء بالضبط؟! إن هذه الثقافة، يقولون بأسف، لا تنتج فكرا ولا حياة سياسية سوية، بل تستنهض غرائز وحشية ومشاعر كراهية صفراء في مجتمع مثخن بالجراح والموتى والأحزان والمخاطر والعواصف القادمة.

وكنت أقول لهم ولنفسي ان الصورة ليست قاتمة إلى هذا الحد وان هؤلاء يشكلون" أصابع ملوثة" في كل زمان ومكان وإذا كانوا الآن في واجهة منابر عابرة وممولة فلأن الوجه الآخر للصورة، وجه المثقف المشرق والناصع والمعرفي والنقدي، مشغول بإعادة بناء صورة أجمل لوطن مخرب. وهؤلاء كل همهم تجميل صور شخصية قبيحة لا تنفع معها كل مساحيق العالم: صوت العربات الفارغة هو الأكثر ضجيجا. وطبيعة الإبداع هادئة سرية ناعمة كالينابيع بلا صخب فهذه طبيعة الجمال: الدفء، والهدوء، والعذوبة كضوء النجوم ونوم الأطفال.

إذا كنا قد صمتنا عن هذه النماذج ولم نذكرها بالأسماء وتعاملنا معها كظاهرة منحرفة ومرضية في ظروف سابقة ولم يردعها ذلك مراهنة على عدم فهم الجمهور( بل شجعها هذا الاستنكاف إضافة إلى دعم بعض أصحاب المنابر) ففي المرة القادمة سنبصق الحصاة ونتحدث عنهم بالأسماء والوقائع والتفاصيل المملة كما هم يتحدثون عن الآخرين وبلغة عارية هذه المرة لأننا لسنا في كل حقبة نخلق طاغية بالصمت والتواطؤ واللامبالاة ونؤسس لمقابر جديدة وندفن موتى. وعلى أصحاب المنابر والصحف احترام دورهم ومهنتهم وأنفسهم والكف عن نشر هذه البذاءات لجهلة وأدعياء ينشرون في كل مرة الخراب والعاهة والتشوه تحت" ستار" الثقافة أو السياسة. إن حياتنا خربتها مرات هذه النماذج القادمة من المقهى أو الزقاق أو الشوارع الخلفية أو سجون الإصلاحية وتحت نفس القناع السياسي والثقافي.

والغريب في الأمر ان العراقي حين يصاب بالجنون والعته والخبل "يقلبها" على ثقافة وسياسة عكس كل شعوب العالم حيث يمضي المرضى إلى المصحات! الحجاب يعشي البصر والبصيرة خاصة إذا كان هذا الحجاب من نوع سميك، من نوع ثقافة وتربية وممارسة طويلة ومزمنة دون رغبة في إعادة النظر حتى في ظل دول مفرطة في الحرية الفردية. هؤلاء لا يعيشون في أوطان بل داخل زنازين نفسية صفراء يحملونها معهم أينما ارتحلوا كخيام البدو، وبينهم وبين الحياة الحقيقية،والسوية، والفكر البشري الحديث،والثقافة الإنسانية، والمعرفة، والجمال، والأمل، والنقاء، حجاب كثيف يمنعهم ويحبسهم على نحو حزين بل مأساوي: هؤلاء سجناء الجلد!

وقديما قال الصوفي البسطامي في صلاته:(اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب) لأن الحجاب وهو أنواع: الحجاب الفكري، والنفسي، والروحي ، والأيديولوجي، والأخلاقي، هو كل ما يمنع الكائن البشري من رؤية الحياة والحق والجمال والنور الصافي ويحوله، دون وعي، إلى جيفة متنقلة!

* 30/12/2003

11

المثقف المختلف

أو

قاطع طريق التماثل وقرصان الأمل

ـ ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين ـ هود.

ـ لكل جعلنا شرعة ومنهجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ـ المائدة.

ـ جادلهم بالتي هي أحسن ـ النحل.

ـ انا اهديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا ـ الانسان.

ـ لست عليهم بمسيطر ـ الغاشية.

ـ وما انت عليهم بجبار ـ ق/45

ـ إن عليك الا البلاغ ـ الشورى.

ـ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ـ يونس.

ـ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ـ الكهف.

ـ لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ـ البقرة.

ـ واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ـ النساء.

ـ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ـ الرعد.

ـ ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ـ النحل. أي جعل الاختلاف فيكم رحمة!

لم يعرف تاريخ هذه المنطقة نموذج المثقف المختلف رغم ان القرآن الكريم كان قد شرع للاختلاف، إلا في "حالات" لا يحتفل بها وتعد في العرف العام ظاهرة نادرة في أحسن الأحوال، أو ظاهرة شاذة في أسوأ وصف، لأن النموذج هو المثقف المنسجم، الشبيه، المتفق مع الكتلة والجماعة في مجتمع قبلي يحترم التطابق ولا يسمح بالاختلاف: وكل تطابق هو فقدان للهوية والفردية. إنه نزع طوعي للإرادة.

طبيعة المجتمعات الشرقية لا تسمح ببناء مساحات خاصة للاختلاف والتمايز، بل وحتى المجتمعات الأوروبية تعاملت منذ قرون مع هذه الظاهرة ظاهرة المثقف الأعزل والمختلف وغير الشبيه على انها ظاهرة ملعونة أو منحوسة أو مرضية أو علامة تمرد على المؤسسة(سجن الرسام فان غوغ وحرمانه من الرسم بتهمة الجنون، وسجن المسرحي السويدي اوغست سترندبيرغ في مصح عقلي.. الخ).

لكن الحداثة الغربية تجاوزت هذه الإشكالية ـ بعد صراع طويل ومرير ـ حتى أسست للاختلاف الثقافي والفردي والسياسي وشرعت له كحق قانوني وإنساني.

واليوم وفي إطار مؤسسة برلمانية يجلس السياسي المتطرف مع المحافظ ورجل الدين الكاهن مع المنادي بالإباحية، واليساري مع اليمني، والعدمي مع الملتزم ...الخ ... التمايزات والألوان والأطياف.

وهذه الثورة الفكرية لم تحدث من فراغ بل بعد معاناة ومكابدات وصراعات قتل على إثرها مفكرون وشعراء وفلاسفة وشرد كثيرون في بقاع العالم. ليست هي، بمعنى أدق، ظاهرة اليوم، شرقا وغربا، بل هي جزء من تاريخ البشرية في سعيها المتواصل نحو الحرية والتحضر وشرعية الاختلاف.

وعرف الفقهاء هذه الظاهرة قديما وشرعوا للاختلافات الفكرية والمذهبية والدينية والفردية والعقائدية في إطار "نخبوي" فقط بل كان الفقهاء في مراحل من التاريخ قد حاوروا حتى أصحاب (الملل) والأديان غير السماوية. وللبروفسور علي أومليل دراسة قيمة في هذا المجال بعنوان(شرعية الاختلاف)تستحق القراءة والتأمل، كما ان الدكتور عبد الله إبراهيم تعرض لمفهوم "المطابقة والاختلاف" في كتابه (المركزية الغربية وإشكالية التكون والتمركز حول الذات). و فلاسفة الاختلاف أمثال جيل دولوز وجاك دريدا قد أسسوا فلسفتهم على (تاريخ المختلف) وهو تاريخ يقوم على الضد من فلسفات التماسك والكلي والشبيه والموحد و بحثوا بتعبير دولوز في "السطوح" أي طبقات الخطاب وليست وحدته الخارجية: فالخطاب ليس سطحا بل طبقات. ليس في تماسكه بل في تنوعه. التاريخ هو تاريخ التنوع أو الوحدة في التنوع. إنه ليس صراع الأضداد، بل وحدة الاختلاف.

وفي كتابه(نقد العقل الغربي) وفي فصول مطولة يشرح مطاع صفدي فكر المختلف بالاستعانة بقراءة معمقة لتاريخ الفلسفة، ويتوصل إلى هذا الاستنتاج في كون المختلف قد أحدث قطيعة مع الأم، الرحم، وولد يتيما في الأصل(كما لو أنه مولود من لا ـ أم، كالمسيح مزروع في رحم العذراء من لا ـ أب).

فالمختلف ليس المتناقض، بل غير الشبيه( فرادته أو يتمه كونه بلا تكوين مسبق.إنه يرضى بالهامشية ولا يقبل بالسلالة. لذلك يصح عليه اتهام المنشق الذي لم يشقه أحد عن اصل ما، ولكنه هو سبب انشقاقه. المختلف ليس مفاجأة الشبه ولا يقوم أمامه كاستثناء مهاجم فقط.إنه قوة تهديد له. المختلف يعلم حتى الأشباه كيف يختلفون في تشابههم. إنه بذلك لا يقيم القطيعة فقط بينه وبين الأشياء، ولكنه يدخل سوسة التباين فيما بينهم كذلك) .

إنه استثناء ـ وليس فائضا عن الحاجة ـ في المؤسسة ودخيل وطارئ وغريب غربتين: غربة النوع وغربة الشكل لكنه الاستثناء الذي ينتصب (في منتصف طريق الشبه، فجأة، قاطعا الاستمرار، وتوالي الأشياء في مسرح السكون والاستقرار).

إنه مهيار الدمشقي الذي تحدث عنه أدونيس(يقبل أعزل كالغابة وكالغيم لا يرد، وأمس حمل قارة ونقل البحر من مكانه/إنه الريح لا ترجع القهقري والماء لا يعود إلى منبعه. يخلق نوعه بدءا من نفسه ـ لا أسلاف له وفي خطواته جذوره/ يمشي في الهاوية وله قامة الريح).

هذا الأعزل، الذي خانته المؤسسة( بل خانها بالتمايز والخطاب والرؤيا وعزلة المبهر لا عزلة المنبوذ ـ عزلة قمر أو كوكب بعيد!) وترك وحده في العراء، وفي الريح، لا يشبه القمر، وليس نبيا، لكنه الريح المخبوءة في الجذور: إنه وعد وبشارة أمل!

لا يطرح المختلف سؤال الاختلاف، لكنه يمارس القطيعة مع كل الأشياء بدءا من ذاته: لذلك فهو غريب ومدهش(متناقض يقول الأشباه؟!) وردة ونار، هادئ وجمر، جارح وفراشة، لا يعيش الهوية ولا الايديولوجيا كمعطى، بل كسؤال. إنه الباحث في زمن السكون والنهايات. قد يصل الأشباه إلى أهدافهم لأنها بسيطة وقصيرة وسهلة لكنه في تيه متواصل: إنه قلق في القطيع، وصرخة في البوار.لن يصل أبدا إلى طريق لأنه أفق وليس نظرية: هو يتيم أبدا في أعراس المقاولين. هو الأعزل كغابة بكر. هو البريء أبدا لذلك مطلوب منه أن يدخل في نسيج البشاعة العام عنوة سواء من بربرية المؤسسة أو من وحشية الأشباه.

هذا المختلف، الوحيد،تخافه المؤسسة، ويخافه الأشباه، وتخافه الكتلة، ويخافه المتماسك: هو ليس نظرية،إنما مناخ، وليس سكة بل رؤيا. هذا الكائن المتروك في البرية، المنسي اليوم في حفل الأقنعة، هو(المغنى الوحيد غدا في حفل العشق والاختلاف)كما يقول جاك دريدا.

ليست مشكلته المزمنة في توالد الأقنعة، بل في رسوخها، وليس في رسوخها أيضا بل في التشابه. إنه، وحسب دريدا أيضا"المنفصم": هذا المنفصم ليس شاذا، لكنه النادر والمدهش والفائق الجمال، كناري في حقل الغربان. الانفصام منقذ حين يكون الاندماج عاهة. الاندماج قطيع.

يدخل ويخرج من السجون والحروب والمدن والقارات والأفكار والمجازر لحسابه الخاص: يخرج الجميع من المعارك أبطالا بنياشين وبطولات أما هو فلا مراسيم ولا احتفالات: يختار العزلة في مكان مدهش وجميل ورائع يليق بملك طفل منذور لزمن في نار الصاعقة،أو في مغارة يحولها إلى عش للفرح المخبوء في السحاب:إذن دعوه لأحلامه!

خذوا الطرق والمحطات كي توصلكم إلى الغايات، أما هو فلن يصل اليوم ولا غدا لأن شرف معاركه في غايتها وليست في نتائجها وهو لا ينتظر الحفل بل يعيش ويرى: هو منذور للغيب ولأمطار لا تزال في البحر، ولأيام ترقد في لحاء الشجر: إنه دليل الرياح إلى السحاب.

هو نبي منسي تركه أهله في صحراء وتركوا له موقدا وربابة . إنه أيوب العصر ينوح في ضواحي مدن الحجر والثلج، منتظرا الثلج الأول، والأمطار الأولى، نحو رحلة أخرى صوب مدن الملح: انه سعدي يوسف!

*3/1/2004

12

عفريت الفتنة

في التقليد السياسي السائد في منطقتنا ـ صرنا نهرب من قول في عالمنا العربي لكي لا نتهم بالعنصرية ! ـ لا تسمى الأشياء كما يجب أن تسمى بالأسماء الحقيقية، بل نلجأ إلى تقنية ساخرة صارت أشبه ما تكون ببضاعة خاصة بنا وحدنا في هذا العصر وهي تقنية "برقعت"الحوادث والوقائع وتغليفها بعناوين مغايرة لعناوينها الأصلية: فمثلا يصبح الانهيار الاقتصادي بعد البرقع( فشل خطة تنمية) حتى لو قاد إلى هلاك ملايين الناس، ويسمى إرعاب الناس وانتهاك حرياتهم وأعراضهم بمقتضيات "الأمن الوطني"، ويتحول بطح الناس في الشوارع ووضع الأحذية على الرؤوس أو الرؤوس فوق الأحذية إلى عمل من أجل "الاستقرار"، وتسمى السرقة المنظمة والعلنية والسرية برامج تنمية، حتى القتل المفضوح نسميه" سهوا!" أو مصادفة الخ وهلم جرا.

ويبدو ان حس الضحك عندنا وطابع النبوءة الغالب على كتابات كتائب الفكر من أجل دخول التاريخ، ونزعة الخلود الطاغية عند شريحة من أهل القلم(لا من أهل الثقافة ونحن لا نفرق!) مع مخلفات عقل مشرقي يهرب ولا يواجه، وسيطرة ثقافة سياسية تتسم بالحجب والقمع والإخفاء وتحاشى مواجهة المشكلات بقوة ووعي وحسم، كل هذه العوامل ومثيلاتها هي التي تتحكم في النظر السياسي والثقافي اليوم هنا أو هناك.

حتى يمكن القول بطمأنينة مخيفة اننا نتجه نحو مقدمات احتراب اهلي إن لم نكن دخلناه أو على العتبة ومع ذلك نسمى كل هذه المطحنة المستعرة والتي سقط بسببها أكثر من عشرين ألف ضحية مدنية منذ نهاية الحرب حتى اليوم(5/1/2004)، كل هذا الاحتقان، كل هذه الاصطفافات، كل هذه" المشاكل المؤجلة" التي كنا ومازلنا نهرب ونتحاشى مواجهتها ونرجم حتى من يفكر فيها مجرد تفكير، نسمي كل هذا الخراب المعتق والمكدس والعريق والمتراكم بأنه عفريت الفتنة أو مرحلة "عبور". الطريف ان الدكتاتور كان قد استعمل هذا المفهوم الأخير بل صار عنوانا لحقبة الحصار!

وكجزء من تقنية الهرب من الذات ومن مواجهة المشكلة ومن مواجهة الآخر والموقف برمته، نهرب حتى من مواجهة السؤال الذي لا شك ان الصغار سيطرحونه لو جاء في حكاية مسلية قبل النوم: لكن من أين جاء عفريت الفتنة؟!

وحسب تقنية الهرب من المشكلة ان هذا العفريت مصدره مقالة هنا أو خطاب هناك أو قصيدة لشاعر في هذا المكان أو بيان لذاك الكاتب أو الشيخ أو الفقيه. هكذا يجري الضحك على نفس لم تعد تستسيغ هذا الهراء المخجل خاصة ونحن نغرق بالدم.

ننسى الاحتقان وانسداد الآفاق والأزمة الاقتصادية والانهيار الاجتماعي والقوى الدولية ومشاريع لا مصلحة لنا فيها، وعناصر التفجير الداخلية، والفكر العنصري على كل الساحات، والأطماع الخاصة والأجنبية، والطموحات الإقليمية، وخراب سنوات الحريق والرماد، ومسؤوليتنا جميعا في ظهور عفريت الفتنة.

هذا العفريت لا يأتي لوحده أبدا، بل يأتي بعد أن نمهد له الطريق بالهرب والخوف من مواجهة الذات والتاريخ وفتح سجلات السياسة ونخاف من طرح الأسئلة: لماذا مثلا يصبح زعيم حزب سياسي "مناضلا" ويده ناقعة بالدم من كل الأطراف التي دخل معها في صراع؟ ما هو معيار الوطنية بحيث يصبح هذا "مناضلا" ويصبح مثلا أيضا ملايين الناس الذين أجبروا على الموت والانتماء والسكوت والحرب والكلام تحت العري والتهديد بالقتل أو قطع الأرزاق أو حتى فوهات المسدسات يصبح هؤلاء من (بقايا) النظام الفاشي؟ ما هو معيار العدالة؟

لا أريد الوقوف طويلا عند هذا المثال لأنه مطروح هنا كمثال على طريقة تفكير، أما الجانب الآخر فيه فله الوقت المناسب. كيف يمكن اختصار الناس في موقف أو صورة دون وضع الظروف كلها، تماشيا مع حس العدالة الفطري، ومع منطق القانون، بنظر الاعتبار؟

أتحدث هنا عن الدكتاتورية كنسق من القيم الوحشية بما في ذلك غياب حس ومنطق القانون. إن الذي يجعل الإنسان جميلا ويميزه عن الوحش البشري أو الأسطوري ليس الشكل بل وضوح حس العدالة كوردة تلمع في الليل عند حافة ثلج مضاء بنور قمري شفاف. وفي غياب هذا الحس لا يعود الإنسان، صاحب ثقافة الوصم، الكلبي النزعة، والشرس، سوى صورة منحلة باهتة ممزقة عن إنسان مهجور: فالشجاعة هي في حس العدالة، لا في قبضة رمح!

على خلفية من الأمان الأبله نصوغ مشاكلنا على نحو ساخر ونهرب من "المشكلة" قبل أن تصير "ورطة" وحتى تتحول إلى" مأزق" والمأزق متاهة لا حل لها ودائرة وحلقة مفرغة. فكيف يمكن كسر هذه الحلقة؟

إن عفريت "الفتنة" ينهض على عوامل ملموسة قد تظهر في صور ملتبسة لكنها من الوضوح بحيث تعشي البصر لشدتها: هذا ما يسميه علماء الاجتماع بالعمى الاجتماعي. أي العمى الناتج من سطوع الضوء أو تكرار الظاهرة أو شدة وضوح الصورة.

كمثال على ذلك: ان عادة غسل العار(الجنسي وليس السياسي!) لا ينظر إليها عندنا على أنها ظاهرة إجرامية لتكرارها حتى اكتسبت بحكم العرف قوة القانون. والأسباني وكذلك أبناء البحر الأبيض المتوسط لا ينظرون إلى الشمس كظاهرة نادرة مثل شمال أوربا لسطوعها وتكرار ظهورها، لذلك صرنا نرى في اشد الظواهر خطورة على انها ظاهرة طبيعية عادية لأن جهاز الرؤية عاطل والذات مصابة بعطب بنيوي خطير حتى لا يهزنا الموت اليومي ولا يكون قصف الأحياء السكنية بالقنابل، لهذا السبب أو ذاك، سوى من اجل الجماهير (والأمن!) ولا يكون تفكيك دولة برمتها وبيعها في سوق الخردة على أنه حدث استثنائي!

أبدا لن يهزنا شيء في العالم لأننا خرجنا من تاريخ الوعي ودخلنا تاريخ الإغماء: أي خارج التاريخ. حتى لو وصلت الحرب الأهلية إلى عتبات المنازل سوف لن تقطع بعض نخب أهل القلم سياق الرتابة والهموم اليومية من أجل التفكير( ولو لمحة!) بمخاطر الغد الجدية والتفكير على نحو مغاير مرة واحدة.

من مفارقات الحالة العراقية وهي كثيرة أن نخب الثقافة أو التي تعرف نفسها وصورتها على هذا الأساس تحتج كل يوم على نخب السياسة بحجة ان السياسي يصادر الثقافي.. الخ.. الكلام المعروف ولكن إمعان النظر الدقيق في الصورة سيُظهر ان السياسي العراقي، رغم كل الصورة القاتمة، لا يزال يحتفظ ببقايا تقاليد سياسية وثقافية وشخصية وعائلية أفضل بكثير من نخب الثقافة مع حفظ الفارق طبعا لشريحة طيبة تستحق الحب والاحترام من أهل الثقافة تضيع صورتها في الضجة والزحام والتداخل والتشابه والغبار.

مثقف بهذا المعنى بلا تقاليد، ولا يعرف فكرة المراجعة، ويجهل ابسط قواعد التضامن بين الكتاب والمثقفين، ومعبأ أو محشو بفكرة مشوهة عن نفسه، وعن الآخر، ورقي وحساس ورقيق على ورقة وجلف في حياته الخاصة، "ثوري" على مائدة، حداثي في غرفة دخان، متساهل مع الوسط القريب ـ أهل، أصدقاء، رفاق ـ ويغفر جرائمهم ويجد مبررات لها،وفي الوقت نفسه: مثالي ومتعصب ومتطرف في ملاحقة واصطياد(هفوات) الآخرين العادية وتحويلها إلى جرائم: وهذا العقل الاختزالي ـ العقل الرغبوي ـ يرى في الجمال صور البشاعة، ويرى في البشاعة صورة الجمال: إنه يحبس الناس في خانات، في مواقف، في تواريخ، في كلام محدد، في زمن، في صورة، في لحظة، ويرجع لهم بناء على هذه الصورة( المحنطة) أو الموقف دون أن يسمح لهم في ممارسة حق بشري في أن يكونوا غير ما هم عليه في يوم، في سنة، في حقبة ، في ظرف: إنه عدوان بشع على الحرية.

مثال عن أحد هؤلاء وهو صديق زرته في عاصمة اسكندنافية عاتبني مرة على بقائي فترة طويلة في حرب الخليج الأولى مع اني هربت في أول فرصة، ولكنه يتحدث عن شقيقه "الفنان" باعتزاز وفخر لأنه صنع نصف تماثيل الدكتاتور في بغداد وحدها!

هذه هي العقلية الاختزالية، الانتقائية، التي ترى ما تحب أن ترى، وترفض رؤية ما لا ترغب ـ أي العقل الرغبوي: فإذا كان عفريت الفتنة هو الذي يفعل اليوم ما يفعل من دمار ومخاوف في الطريق، فماذا سيحدث لو خرجت كل تلك العفاريت التي نهرب، كل يوم، من مناقشتها وتفكيكها؟ سؤال مازح وغير جدي ليس إلا في زمن عراقي مليء بالمزاح السخيف والثقيل والمخيف!

*5/1/2004

13

عقلية المافيا الثورية

لا أحد يدري كيف يمكن تبديل ذهنية وعقلية عدة أجيال سياسية من فكرة " العنف الثوري" و" قوى الثورة المضادة" وسلوك ضرب" العدو" السياسي طبعا في عقر داره وهو في مرحلة النوايا، إلى ذهنية سياسية مسالمة تقوم على الحوار وعلى أخلاقياته وعلى فهم مختلف للسياسة على انها فن الخيارات وتعايش المصالح ضمن إطار مؤسسي قانوني؟

فصناعة " العدو" على عجل وتسويقه هي صناعة منتجة بإفراط وبصورة دائمة من قبل جماعات الأحزاب أو النخب التي عاشت على هامش هذا الموروث، كما أن صناعة" الحليف" على عجل هو مصنع آخر للتقليد الحزبي والسياسي الذي أنتج، في النهاية، أقذر فاشية على وجه الأرض: العدو والحليف، في التقليد السياسي، لم يخضع بالأمس، كما هو اليوم، لقواعد متينة في العداء والتحالف، بل حسب مواقف آنية عابرة سياسية مرتجلة وباللغة يمكن تحويل الفراشة إلى وحش وبالعكس.

وليس من الحكمة أن نغفل ان الدكتاتور الأهوج(لم أذكره بالاسم في هذه السلسلة وفي غيرها غير ثلاث مرات تقريبا!) كان الابن الشرعي والوفي لتقاليد العمل الحزبي" الثوري" السائدة في حقبة الخمسينات وما تلاها. وهي تقاليد أقرب إلى علاقات المافيا وأنماط الجريمة المنظمة تم تصعيدها في العقول الفتية حتى وصلت مرتبة اليقين المطلق بل المقدس الذي لا يأتيه الشك من أمامه ولا من خلفه، بل صار من لا يؤمن بفكرة" العنف الثوري" وهو تشريع مرتجل للجريمة خارج القانون يشرّع حتى للاغتيال ـ الجسدي أو النفسي ـ لا يصلح للعمل الحزبي لأن هذا حكر على أصحاب القلوب الحديدية: أما أصحاب القلوب الهشة والرقيقة فهؤلاء مكانهم العمل المكتبي الأدنى. بهذه الصورة يتم إنتاج فكر العاهة وصناعة الدكتاتور المذهول من هذا الاستسلام الطوعي للجماعة المحيطة به.

كل هذا العنف على خلفية خلافات سياسية كان يمكن أن تحل في حوار سياسي مفتوح لو كانت هناك مصدات وتقاليد سياسية ومؤسسات مدنية وبرلمان وصحافة حرة وطبقة سياسية غير تلك التي نعرفها والمعبأة والمشحونة ـ حتى الآن ـ بمشاعر الكراهية ونزعة الانتقام والثأر السياسي القادم من تقاليد الثأر القبلي: بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، مثلا، غادر الجميع إلى مواقع سياسية وفكرية وثقافية مغايرة ومختلفة قومية وليبرالية وشيوعية وعدمية ومصرفية بدون "المعارة" الشرقية التي تلصق بالفرد وتطالبه بالنوم " مدى الحياة" على فكرة واحدة حتى لو تعفنت لأن التقليد القبلي واليساري من بعد لا يسمح للحيّة أن تغير جلدها. هذا عيب: (هل هو ثوب حيّة وينزع؟!) يتساءل أحد شعراء حقبة النوم على فكرة متعفنة حتى النهاية!

وفكرة (الثبات المبدئي) هي فكرة شرقية مجلوبة من موروث العادات القبلية وقد تم ترحيلها إلى أحزاب اليسار بكل عناوينها. ليس هناك ثبات مبدئي في الأفكار لأن الأفكار لا علاقة لها بالشرف بل هي فرضيات قد تكون صحيحة اليوم وقد لا تكون صحيحة غدا خاصة في عصر الثقافة والمعلومات والاختراعات المتواصلة والمدهشة.

لا يجد الأوروبي المفرغ من حسن الحظ من نزعة وعقد القبيلة عائقا بينه وبين التخلي الفوري عن أفكاره إذا وجد ان أفكاره ليست دقيقة في ضوء علوم العصر ومنجزات الحضارة الإنسانية. كما ان الوسط السياسي والاجتماعي المفعم بحركية ونمو لا يشكل عائقا ماديا أو نفسيا أمام هذا التحول في القناعات الفردية ودون غمز ولمز بأن السيد" بدل أفكاره!" 360 درجة كما هو في التقليد الحزبي السائد في كل المراحل وحتى اليوم.

إن تبديل الأفكار أمر طبيعي في هذا العصر بل هو سلوك متحضر ينسجم مع تاريخ الحضارة. ونحن لا نفرق بين الأفكار وبين المثل العليا: إن المثل العليا كالصدق والحب والوفاء والنقاء والبراءة والشهامة والجمال والصداقة والوضوح والأمل وغيرها الكثير لا تسقط بالتقادم رغم التعديل النسبي في كل مرحلة من تاريخ البشر: الكرم مثلا قيمة أخلاقية راقية لكنه في كل عصر يدخل عليه تعديلات بحيث لا يعود ذبح نوق العائلة أو كباشها وتركها تحت رحمة الجوع هو من الكرم بل من السخف والغباء. إن قراءة نقدية واسعة وجدية تقوم بها مؤسسة وأفراد هي أمر ملح وجدي ومصيري.

لكن من يقوم بهذا النقد اليوم والمثقف مستبعد من المشاركة في القرار وفي الرأي وقد تم استبداله بقناع آخر كما في كل مرحلة؟ من يقوم بالتصحيح؟ من يقوم بدور النقد والتحليل وفحص الفرضيات إذا كان المثقف قد رُكن في زاوية تليق بتحفة قديمة وضعت في الغرف، الحزب، المؤسسة، للزينة، ولتحمل مسؤولية كبرى في يوم قادم حين يتنصل الجميع من مواقفهم وتلقى على ظهر هذا المخلوق البائس المطرود، فعليا، من كل شيء، حتى من النظام السياسي والاجتماعي والحزبي الذي خرج من أحشائه في ولادة غير شرعية تنتهي ـ في كل مرة ـ بمجزرة تمتزج فيها السياسة بالانتحار؟

ليس هناك في العالم مثقف يعيش خارج السلطة. وليس هناك فكر ينتج خارج السلطة أيضا: الفكر يُنتج، حسب ميشيل فوكو، إما بالصراع مع سلطة ما أو بالتوافق: والسلطة ليست الدولة فحسب، بل هي سلطة اللغة، والجسد، والعائلة، والمعايير،والنظرة، والذاكرة: أي كل ما لا يعتقد السياسي العراقي "العبقري" انه سلطة ملحة تشاركه في نومه ورغباته وقراراته دون وعي منه!

* 6/1/2004  

14

مثقف التزوير

( اليوم أقرأ مندهشا كتابات المراجعة وفتح سجلات المسكوت عنه ونقد العقل العراقي... الخ.. ومن أولئك الذين كانوا يصرخون خلفنا كي لا يسمعنا أحد، ويقذفون الرماد في وجوها كي لا نرى بوضوح.... ومن بين هؤلاء زميل كان يكتب معي في صحيفة " الوفاق" لمدة سنوات زاوية ثابتة شرع هذه الأيام، هو الذي كان يتطير من كتاباتنا، بفتح النار( بعد خراب البصرة!) على المجتمع والثقافة والتاريخ وصار مثل غيره يطالب بمراجعة...)!

* المقال : مكتشفو السراب ـ حمزة الحسن ـ المكان: الحوار المتمدن ـ التاريخ 3/12/03

هذا هو المقال الذي أثار السيد كريم عبد وجعله يلجأ إلى الأسلوب الذي عرف به وهو التزوير وتشويه الحقائق كي تدخل في الصورة التي يريد ويرغب. والزميل الذي أشرت إليه في مقال( مكتشفو السراب) هو السيد كريم عبد نفسه بعد مقالاته الأخيرة في المواقع فجأة بعد قطيعة سنوات وهي إعادة صياغة لما كنت أكتبه عبر سنوات في سلوك مقلوب كما سنرى، ولكني كي لا تشخصن المسألة لم أذكر الاسم لكن عبدا فهم التلميح جيدا وتركها إلى وقت آخر كما هو طبيعي في سلوك من هذا النوع لكي تخرج بالصورة البائسة التي ظهرت بها في شكل خطاب يمثل ذهنية التزوير ناهيك عن أسلوب يتسم بالصفاقة الذي هو قرين ذهنية الفشل لأن السيد كريم عبد، وهذه واحدة من أسباب شتائمه المتكررة للشاعر سعدي يوسف ولي أيضا اليوم، كان قد جرب كل ألوان الأدب: قصة قصيرة، شعرا، نقدا، مقالة، وانتهى إلى هذا الوضع المؤسف والحزين في صورة كاتب يعاني من عقدة الدونية التي حاول في ذلك المقال ترحيلها علينا بعبارات صريحة لا تلتزم بقواعد الحوار النقدي وهذه هي طبيعة "الإسقاط" التي وصلت حد تشبيه الشاعر سعدي يوسف بأنه الدكتاتور العراقي حيث يقول حرفيا( صدام عفوا سعدي يوسف!) وهو منطق مخجل ومعيب إلى أبعد حد تستحي منه" فنانة" مصرية من الدرجة الثالثة وهي تتحدث عن زميلة لها أو مخرج معروف بصرف النظر عن موقفها منه.

وأنا اثني على تجاهل سعدي يوسف الرد على كريم عبد الذي لم يناقش سعدي على فكرة أو رؤية أو أطروحة بل اكتفى كالعادة بهذا الأسلوب الذي أطلق عليه بنفسه(الأسلوب الرخيص) وهو قرين الفشل المتكرر والطويل. أما ردي فلأنني أردت الكتابة منذ فترة عن كريم عبد كنموذج لظاهرة مرضية عربية هي ظاهرة مثقف التزوير المحترف ما دمنا بصدد منظومة قيم الدكتاتورية والثقافة المنتجة لها والتي تشكل مقالة السيد كريم عبد أحد نماذجها الساطعة وتعكس في آن عمق البنية الفكرية المختلة وثقافة الوعي المحارب الذي يجيش ويحرض أكثر مما يكتشف وينتج معرفة وهذه بقايا المثقف الداعية الذي تجاوزه العصر وتجاوزه أقرانه حتى صارت كتاباته من باب" الردع" لا أكثر لكي لا" يتمرجل" عليه أحد كما يقول حرفيا!

ومن أقوال السيد عبد الطريفة التي لو قالها في مؤسسة أدبية أو ثقافية عربية واسعة النطاق لكان قد أُخرج نهائيا من حقل الثقافة حين اعتبر (الحساسية) عيبا وأمرا "محزنا" كأنه اخترع اللبن مع أن عنوان موقعي هو(الحساسية الجديدة) وهو نفس شعار الحركة الروائية(حركة الحساسية الجديدة) التي أطلقها الروائي الياباني المنتحر الحائز على جائزة نوبل "ياسوناري كاواباتا" وصارت عنوانا لأعماله ولجيل كامل.لكن من حسن الحظ لا يوجد، ولن يوجد، لا في اليابان ولا في أوروبا من يعتبر الحساسية مشكلة إلا في " ثقافة" تعتبر الصفاقة من المراجل!

وهذا أمر طبيعي جدا في مثل موقف عبد لأن الحساسية هي شرط الإبداع الفكري والثقافي والعلمي والعاطفي والسلوكي ولا تلتقي في ذهنية جلف تتسم بالخشونة. وقبل شهر انشغلت سويسرا بحادثة ملخصها ان شرطيين دخلا محلا فقرر الأول سرقة حاجة سعرها زهيد فأنبه صاحبه قائلا( إنها لا تستحق. سأدفع لك ثمنها ) وحصل. وعند العودة انتحر الأول في منزله بسبب هذا التأنيب في حين ذهب الثاني إلى مستشفى عقلي لأنه عاش وضعا نفسيا صعبا لأنه أعتبر نفسه مسؤولا!

ولا أعتقد أن كريم عبد يستطيع أن يفهم أن الحساسية هي شرط الحداثة اليوم وشرط الحياة السوية وكما يقول الدكتور والناقد والروائي المغربي محمد الدغمومي في كتابه(أوهام المثقفين): إن الإبداع في الثقافة يحتاج إلى شرطين" وهما شرطان يمكن أن يلتقي احدهما بالآخر ضمن مفهوم مستحدث في التفكير النقدي المعاصر وأعني الحساسية ـ كما رآها مثلا ادوارد الخراط وصبري حافظ ـ أما الشرط الثاني فهو التجاوز"!

هكذا تتحول الحساسية الإنسانية شرط الحداثة وجوهرها في تفكير كريم عبد إلى مشكلة حقيقية وهذا أمر مفهوم بلا شك. لكن هذا ليس إلا المدخل الخارجي لبناء هندسي منظم ومرتب ومتين من الخارج ولكنه أجوف ولفظي من الداخل من أعمال التزوير التي ستظهر واضحة من خلال الأدلة الملموسة.

وأنا حقا كنت أريد تقديم كريم عبد منذ فترة كنموذج لمثقف التزوير ولكني تحاشيت ذلك كي لا يساء فهم القصد الحقيقي واكتفيت كعادتي بتلميح عابر في مقالة(مكتشفو السراب) يبدو أنه لم يعبر على الزميل كريم عبد فقرر، بطريقته المعهودة أن يمسح بي الأرض لكي" لا أتمرجل عليه" كما يذكر صراحة، لأن الفكر عند هذا النمط هو "اشتباك كلام أو مراجل" لا إنتاج معرفة بتعبيره هو في خاتمة مقاله: الحنين الى الدكتاتور، حمزة الحسن نموذجا!

التزوير الأول:

هو تزوير علني مفضوح حين اعتبرني في عنوان كبير نموذج (الضحية التي تشتاق إلى جلادها) بجرة قلم واحدة ولا أدري وحتى الجن الأزرق لا يدري كيف عرف وعلى أي أساس وما هي أدواته النفسية وأين تقع عيادته وهو لم يرني أبدا؟! لأن مثل هذا التشخيص لفرد يعجز حتى العالم الخبير في علم النفس من قول قاطع فيه حتى بعد مئات الجلسات والفحوص السريرية وغيرها. لكن في ذهنية التزوير كل شيء يمرر من خلال اللغة المرنة ولأنه يستعمل اللغة "كفخ" وشرك لا كوسيلة معرفة أو إنتاجهاـ تصيد الخطأ لا البحث في صميم المعضلة!

أليست اللغة، في العقل السياسي العراقي، هي لعب ألفاظ ليس مهما أن ينتج دما؟! وبالطبع أن هذا التزوير ليس ناتجا عن جهل بل عن حرفة كما سنرى في الأمثلة القادمة وهو نفس الأسلوب الذي أستعمله مع الشاعر سعدي يوسف وأنف سعدي أن يرد عليه.

التزوير الثاني:

في كلامي عن(المثقف المختلف) تحدثت عن صفات كثيرة للمختلف وليس عن سعدي وحده بل عن تاريخ المختلف في كونه قطيعة مع الشبه، في كونه بلا اصل، بلا رحم، بلا أب، في كونه يشبه مهيار الدمشقي (لا أسلاف له وفي خطواته جذوره) الخ.. الصفات الكثيرة.

لكن كريم عبد يلغي كل ذلك بنفس الطريقة ويشطب على كل هذه الاستنتاجات ليضع القارئ في مناخ خدعة لغوية يريدها أن تمرر بسرعة حين يقول(عدم وجود أجوبة على هذه الأسئلة ـ كيف يكون سعدي مختلفا؟ ـ يجعل المقال دون قيمة تذكر). بالطبع قال قبلها لا يحوز المقال احترام القارئ كأن القارئ إما أن يكون مغفلا أو لا يكون قارئا محترما!

التزوير الثالث:

يعود كريم عبد في فقرة تالية(في تناقض أتهمني به وأسقطه علي!) بعد أن نفى أن يكون لمقالي قيمة في فقرة سابقة ليقول هذه العبارة( لكن أهمية ما كتبه حمزة الحسن يكمن في المقال ذاته، أي في أسلوبه، وفي محتواه ودلالاته)!

فكيف لا تكون قيمة لمقال مرة ومرة أخرى له أهمية ( تكمن في الأسلوب والدلالة)؟! ولماذا تشغل نفسك على هذه الصورة بمقال"بلا قيمة" إذن؟!

التزوير الرابع:

هو تزوير على مستوى النظر العقلي، أي وضع تناقضات وصفية وهمية مفبركة باللعب بالألفاظ لا معنى لها ودمج صورة مع صورة أخرى عن طريق الاختزال واستعمال "التعميم". مثال: ما علاقة ما كتبه كتّاب عن الطاغية بما كتبته أنا عن الشاعر سعدي يوسف؟! يصف عبد في جمل مطولة مملة ما كتبته عن سعدي يوسف بما كُتب عن الطاغية العراقي(إغداق صفات القدسية هي نفسها الصفات التي كان يغدقها كتاب عراقيون وعرب على" الطاغية"). كتب حرفيا!

عودة إلى أسلوب "التعميم" الذي ذكرته الآن : هذا الأسلوب هو تقنية مرضية نفسية نتيجة الكراهية العميقة والحقد أو تجربة الخوف من شيء ما ويعرفّها علماء النفس على أنها نقل "المثير" غير المرغوب فيه إلى أشياء أخرى قرينة به وتعميم صورته على مثيرات كثيرة تدخل هي الأخرى في دائرة الأشياء المرفوضة. مثال: حين يكره طفل أرنبا فإنه يقوم لا شعوريا بتعميم صورة الأرنب على أشياء وألوان مشابهة له كالخوف من الفراء أو الثعلب أو حتى اللون الأبيض. كراهية كريم عبد لسعدي يوسف (التي وصلت إلى مستوى وصفه بالطاغية العراقي المجرم!) جعلته يرى في كل كلمة أقولها عن سعدي شيئا مخيفا بل جعلته لا يرى غير صورة سعدي مفصلة على مقاسه وفي كل شخص عنده وجهة نظر مختلفة بسعدي!

وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الكراهية سياسية أو ناتجة عن موقف فكري. لا. هذا قناع. هي كراهية أدبية لأن سعدي يوسف تجاهل كريم عبد كثيرا وأهمله(حتى لم يرد عليه!) وربما عنده وجهة نظر به. وكعادة هؤلاء في أسلوب التحريض حين يكرهون أحدا ما على خلفية خلاف على عقب سيجارة أو كأس أو أجرة حافلة مثلا يصبح الآخر عدوا للتاريخ والوطن والطبقة والشرف والجماهير والحقيقة وتتم رسم صورة شيطانية له وهو أسلوب لا يخلو من دهاء ورسائل سرية مضمرة على أن المتكلم هو من جنس الملائكة!

لجأ إلى أسلوب المطابقة القهري " أي التلبيس" بين نصي وأنا أتحدث عن المثقف المختلف وبين نص لكاتب آخر وهو يتحدث عن الطاغية. وما علاقة هذا بذاك؟!

هذه المطابقة ليست تزويرا ثقافيا علنيا فحسب، بل هي صورة ساخرة لمثقف يفترض أن يحترم عقل ووقت وذوق القارئ الذي يخاطبه. كما أنه حاول أن يزور معنى كلمة( نبي) التي جاءت في سياق مقالتي المذكورة عن المثقف المختلف واعتبرها تناقضا بين قولين تم توليفهما وتصنيعهما بنفس الطرق. إن المقصود بالنبي كما جاء في مقالتي هو "الرائي" وأنا استعملتها بمعنيين متضادين(أسلوب التضاد) ولا اعتقد انه يجهل هذا المعنى لكنه يلعب بالألفاظ على نحو مكشوف كجزء من تقنية أدمن عليها وصارت بديلا عن الكتابة الإبداعية الغائبة.

ثم يتحدث عن الاختلاف بعقلية الأشباه ويعيب علي كوني مختلفا مع نماذج تافهة مع ان كتاب العالم اختلفوا مع شعوب وحضارات وطردوا آلهة من السماء وقلصوا من سلطة مؤسسات مقدسة ..الخ...!

التزوير الخامس:

تحدث الشاعر سعدي يوسف مرة عن مساوئ الحالة الثقافية العراقية وذكر نقلا عن كريم عبد طبعا(إن الثقافة العراقية في تدهور شامل ولا فرق بين ما يكتب في الداخل أو في السويد ـ يوجد كذب كبير لا يصدق). وبطريقة التزوير الملتوية يقول كريم عبد حرفيا(إن حمزة الحسن هو أحد ضحايا سعدي يوسف) كيف أصبحت ضحية سعدي؟! وأنا ذكرت سعدي في روايتين لي؟! يقول عبد أني ضحيته بشهادة رأي الشاعر سعدي السابق عن وضعية الثقافة وهي وضعية مزرية حقا!.

بهذه الصورة يتم "لصق" وتوليف وتركيب وتصنيع وجهة نظر في "ثقافة" مشوهة تزداد رداءة بدلالة كتابات كريم عبد نفسه وتحويل وجهة نظر سعدي إلى جريمة لها ضحايا أنا أحدهم والعياذ بالله!

ولو أردت الحديث بمنطق عبد عن ضحايا وجلادين (وبعد لحظات سيحتكر اكتشاف ثنائية الخير والشر لنفسه كما سنرى!) إلى آخر الثنائيات الساذجة التي تحصر الناس والأفكار في أنماط لونيةـ الأبيض والأسود ـلقلت أنني كنت ومازلت اليوم ضحية أمثال فكر التزوير والاختزال الذي يختصر الإنسان في موقف ويحنطه إلى الأبد، وهو الوجه الآخر المخفي لعقلية الدكتاتور بل هو صورة الثقافة الرديئة التي تعرض لها الشاعر سعدي بالنقد وهذا حقه، سواء كان ذلك خطأ أم صوابا، دون الحاجة إلى وضعه في صورة جلاد لمجرد وجهة نظر وله ضحايا!

التزوير السادس:

وهذا التزوير مضحك وخطير في آن وهو من نفس سلالة التزوير السابق. يقول كريم عبد(حمزة الحسن الذي يمجد الاختلاف من خلال تمجيده لسعدي يوسف، لا يعرف بأنه يمارس التشابه والتطابق مع الأشباه... ). خاصة وأن هذا الكلام العبثي يأتي ردا على دراستي المطولة عن الدكتاتور والدكتاتورية!

هنا ثلاث حالات" تعميم" ودمج وتزوير تعسفي مرضي في هذا النص بدون أدنى شك:

الأولى:

وضع سعدي يوسف في مستوى واحد مع جلاد العراق: نفس الفكرة التسلطية والفكرة/ الهاجس عن سعدي التي تنغص عيش كريم عبد وصار يرى العالم من خلال هذا الجزء العاطل والمصاب من شخصيته.

الثانية:

وضعني بالتتابع مع كتاب مجدوا الجلاد لأن سعدي والجلاد هما شخص واحد حسب محاكمة كريم عبد: نفس عقدة التعميم!

الثالثة:

لا أدري لماذا لوى كلمة " تفكيك" فكر الاختلاف إلى" تمجيد"؟ هل لكي تنسجم مع منظومة التزوير الفكرية بحيث يصبح " تمجيد" سعدي يوسف هو "تمجيد" للطاغية وعلى الإيقاع نفسه ولتلبية الحاجة النفسية للعقدة ذاتها؟!

التزوير السابع:

هذا تزوير لا يحتاج إلى دقة وفحص ومشقة لاكتشافه بل هو يعوي ويصرخ ويلمع مثل درهم مرمي في العيد كما يقال عادة. يقول كريم عبد حرفيا(لم يجد حمزة الحسن من بين الكتاب العرب من يستشهد به غير مطاع صفدي).هل نسى عبد أني ذكرت كتاب الدكتور عبد الله إبراهيم( المطابقة والاختلاف) وقلت أنه كتاب كبير وهي طريقة مخففة ومهذبة لدفع القارئ لقراءته؟! وهل نسى، والمقال موجود، اني ذكرت كتاب البروفسور علي اومليل(شرعية الاختلاف)؟! وكيف تناسى ذكري لأدونيس؟!

التزوير الثامن:

وهذا من أكثر حالات الفبركة والتزوير مدعاة للحيرة لأن خبيرا مثل كريم عبد في هذه الحرفة لا يمكن أن يقع به بسهولة إلا إذا كانت عنده قناعة عميقة بأني لن أرد على هذه السفاهة كما فعل سعدي. يقول كريم عبد(سنرى عبر المطابقة كيف يكرر حمزة الحسن ما قاله صفدي...الخ ). علما بأني لم أكرر أقوال صفدي بل نقلت مقاطع طويلة من كتابه(نقد العقل الغربي) وهو كتاب فكري مرجعي موسوعي لا اعتقد أن عبدا اطلع عليه أو سيطلع عليه وحصرتها بين قوسين يربطان ثورا!

التزوير التاسع:

كل تزوير سابق له ميزة: واحد يحذف عبارة ويجعلها منقوصة(على طريقة لا تقربوا الصلاة ... وحذف الباقي!) تزوير آخر يلصق صورة بأخرى لصقا تعسفيا، ثالث يشوه، رابع يحرف الخ...وهذا التزوير هو تجديد على الأنواع السابقة. إنه نوع من "التحوير" حتى لا يأخذ المعنى شكله الحقيقي. وهذا هو الدليل: يقول كريم عبد أن حمزة الحسن وقع في "تناقض" حين قال مرة ان المنطقة لم تعرف الاختلاف ومرة أخرى قال عرفه الفقهاء وينقل عني قولي( لم يعرف تاريخ المنطقة نموذج المثقف المختلف إلا في حالات لا يحتفل بها) وينقل المقطع الآخر الذي يشكل، حسب ذهنية التحوير، تناقضا( وعرف فقهاء المسلمين هذه الظاهرة قديما وشرعوا للاختلافات الفكرية والمذهبية....في إطار نخبوي فقط).

ويخلص كريم عبد إلى استنتاج ملفق على ان هذه( التناقضات هي دليل التعيش المعلوماتي والثقافة الشفوية). هو لا يكتفي بتزوير وجهة نظر موحدة متماسكة واضحة بل يلجأ إلى لعن كاتبها ووصفه بالتعيش على معلومات... فأين هو التناقض بين القول: إن تاريخ المنطقة لم يعرف نموذج المثقف المختلف إلا في(حالات) لا يحتفل بها، ويين القول ان فقهاء المسلمين شرعوا للاختلاف في إطار نخبوي" فقط! أي في "حالات" كذلك"؟! ماذا تعني "حالات" وماذا تعني "نخبوي" فقط؟!

ومن المعروف عن كريم عبد غرامه بمسك خصومه بفكرة" التناقض!" وهو ما يفسر ذكره كلمة (مراجل!) في فهمه للثقافة، كأن التناقض جريمة كبرى مع أن التناقض صورة من صور الاختلاف ولا أحد يملك الحقيقة وهذا واضح من خلال آخر مرة تكلم فيها على محطة شبكة الأخبار العربية وهو يصرخ بغريمه: "هذا تناقض! تناقض! تناقض!"وكرر ذلك مرات!

التزوير العاشر:

هذا التزوير هو حقيقة اكتشاف ملهم لا أدري لماذا تأخر الزميل العزيز كريم عبد في تسجيله باسمه كل هذا الوقت؟! هل من باب التواضع؟! أم لأسباب خاصة؟!. يقول كريم عبد حرفيا دون أن يفطن إلى أن هناك مثقفين وكتابا سيتعاملون معه بجدية ذاكرا قولي: (إن الذي يجعل الإنسان جميلا و يميزه عن الوحش البشري هو وضوح حس العدالة) هذا قول عام ومثل هذا الكلام العام يقوله أي بدوي في صحراء. لكن ظهر ان هذه الحكمة مسروقة من مكان آخر. يقول كريم عبد: إن على حمزة الحسن أن يتذكر أين وكيف ومتى قرأ ذلك( على حمزة الحسن أن يتذكر الكتب والجرائد التي كان ينشر فيها مقالاته ليتأكد كم استفاد من الآخرين وردد أفكارهم؟). مسكين هذا الرجل حقا! . هل يعقل في هذا العصر الهائل أن أتذكر كريم عبد وأتذكر "فضائله!" الثقافية المبهرة التي لم ينتفع هو بها ولم تسعفه بشيء ومقاله هذا هو دليل صارخ على ذلك؟!

لكن ما هي الحكمة المعجزة التي يبدو ان كريم عبد قد اخترعها وسرقت منه في غفلة؟! يقول حرفيا انه كتب مرة في صحيفة نكتب فيها معا:(إن صراع الخير والشر هو ذاته صراع الجميل والمتناقض)!.

هذه العبارة التي من المؤكد أنها لعبد هي فكرة سطحية وسخيفة وجزء من نظرته العدائية والساذجة "لمنطق التناقض" العميق ولا يمكن لشخص مثلي أن يتبنى منطقا هشا مثل هذا: يمكن للمتناقض أن يكون جميلا أيضا، ويمكن أن يكون الجميل متناقضا حسب فلسفة الاختلاف بل حسب قوانين الحياة والتناقض وهي تتراوح بين تناقضات رئيسية وثانوية وهامشية وطبيعية(الحياة مع الموت، الليل مع النهار ) وعدائية (الإمبريالية مع الديمقراطية!) ..الخ... في حين ان فكرتي تقوم على التمييز الصارم بين الإنسان والوحش!

عبارته تشبه عبارة قالتها يهودية لسميح القاسم في شارع في حيفا في حادث شجار( ستنساها يا ولدي. كل شيء يروح بالغسيل!).

إذن ان كريم عبد أول من قال "بنظرية الخير والشر!" فلماذا ترددون أقوال الرجل وتسطون على تعبه الليلي وكدحه الفكري المنهك؟! وأنا أسال القارئ الكريم هذا السؤال: هل حقا أن شخصا بهذه المواصفات يمكن أن يستفيد منه أحد في شيء اللهم إلا في مزاد علني ؟! وإذا كنت أريد أن أسرق فهل من المعقول أن أسرق من هذا الشخص بدل السرقة من كتاب عمالقة ومحترمين ما دام مبدأ السرقة واحدا؟! شكسبير مثلا، دانتي، ديكنز؟! وهل هناك في هذا القول ما يستحق السرقة؟!

إذا كنت اعرف الصحف التي كنت انشر فيها فأنا لم افهم معنى "الكتب" التي كنت أنشر فيها مقالاتي حسب كريم عبد وأنا لم انشر مع الأسف مقالاتي في كتب وهي أكثر من ثلاثة آلاف مقال؟! هل وصل عبد درجة الإنهاك في نهاية مقاله بحيث صار يخلط بين الصحف والكتب كما خلط من قبل بين المتناقض والجميل، وبين النبي والرائي، وبين سعدي والطاغية....؟!

ما سأقوله الآن نكتة ثقيلة وحقيقية لا شك ستدوم طويلا: خلال عملنا المشترك في جريدة" الوفاق" الصادرة في لندن كان السيد كريم عبد يعمل في الصحيفة من داخلها، في حين كنت أكتب لها من الخارج وكان هناك اتفاق بيني وبين السيد صلاح عمر العلي على أن أكتب صفحة أخرى إضافة إلى صفحة ثابتة باسمي باسم مستعار هو قاسم شريف وهو بطل محوري لثلاثيتي الروائية(الأعزل، سنوات الحريق، عزلة أورستا)) ولم يكن كريم عبد يعرف من هو قاسم شريف ولم يطلعه صلاح عمر العلي حسب ظني على الأمر لأسباب قالها لي السيد العلي ولا ضرورة لها لأني لا أريد الخوض في خصوصيات غير مهمة لنا ولا في جوانب شخصية كما فعل هو ومن أجل أن يتمتع القارئ بشيء ما في الأقل.

كتبت تحت هذا الاسم أكثر من 12 حلقة كما أتذكر عن( الاختلاف!) بجانب زاوية كريم عبد. واليوم حين يقول كريم عبد حرفيا ( على حمزة الحسن أن يتذكر كم استفاد من الآخرين وردد أفكارهم قبل أن يتمرجل عليهم ثقافيا ويتحدث عن ثقافة الاختلاف) يريد إيهامي مع القارئ ـ لكون كريم عبد لا يعرف أني صاحب المقالات! ـ بأنه هو كريم عبد الذي كان يكتب تحت ذلك الاسم وهو قاسم شريف لا أنا وعلي أن أعترف بدور " الآخرين" أي دور قاسم شريف ولا أتمرجل وأتحدث عن ثقافة الاختلاف؟! .وهنا يكون المثل العراقي صائبا إلى أبعد حد بل متطابقا: حرامي يعاتب المبيوك(المسروق) والمبيوك يتعذر!

أي، بصريح العبارة، يطلب مني أن أعترف له بملكية مقالاتي ـ عملية تشليح علنية! ـ عن الاختلاف التي نشرتها دون علمه باسم قاسم شريف قبل سنوات وشرع هو بإعادة صياغتها هذه الأيام في موقع "إيلاف" وفي غيره وهو ما لمحت إليه ،بحياء، في مقال "مكتشفو السراب"!

وكلمة" أتمرجل" هي أدق وصف أخلاقي لمفهوم الثقافة عند كريم عبد(ثقافة المراجل!) التي تحدث عنها المرحوم علي الوردي وتعكس الجو النفسي الداخلي(وهي رد دفين على وخز مقال "مكتشفو السراب!") وهي" ثقافة" لا تنتج معرفة بل تحشد وتعسكر وتحرض وتوصم وتحاكم وتراكم كل هذه الأكاذيب في مقال واحد، وهي قادمة من الأمكنة التي اتهمنا بها: حمام أو مقهى لا علاقة للثقافة بها وهي تكشف كيف أدى مقال" مكتشفو السراب" وكراهية الشاعر سعدي يوسف بهذا الرجل إلى "تعميم" شعور الكراهية حتى سقط في فضيحة كنت أود لو تحدثنا عنها بوسائل خاصة بعيدا عن الناس وهو تنازل  شجاع لا يستحقه!

* 7/1/2004

15

أوهام القبض على الدكتاتور( الأخيرة):

ثلاثة قوانين للموت

تاريخ هذا الدكتاتور هو تاريخ الدولة الفاشية وهو كذلك الصورة النمطية المعيارية للسياسي العراقي أمس واليوم، أي السياسي الداعية الموكول، حسب قناعته، من التاريخ، ومن المجتمع، ومن الغيب، بإعادة رسم الحياة على صورته وهي صورة ممسوخة بلا أدنى شك.

ومن الجهل تجاهل ان هذا الدكتاتور هو أفق مسدود، وهو ثقافة غير مفحوصة، وهو شخصية الجلواز العراقية الشهيرة التي تعيد طرح نفسها في كل مرحلة بصورة مغايرة. فتاريخ السياسية العراقية المعاصرة هو تاريخ الجلاوزة بتعبير المرحوم علي الوردي قبل أكثر من خمسين سنة!

هذا الدكتاتور ليس واحدا في كل الحقب بل تعدد وتنوع واختلف مع الوقت: إنه بعبارة موجزة تاريخ تغول الدولة. ولا أعني بأن الدكتاتور (ليس واحدا) هو تحوله من ملاك إلى شيطان حسب فكر الثنائيات التافه، بل المعني هنا تنوع أشكاله وممارساته بناء على قوة الدولة.

لذلك فلقد اعتمد على ثلاثة قوانين للقمع حسب كل ظرف وحاجة وجهة وعدو وزمن وسلسل الأسبقيات في ضوء عوامل حسبها أول الأمر بدقة.

هذه القوانين الثلاثة استعملت مسلسلة كالتالي:

أولا: قانون الاستدراج:

أي استدراج الخصم إلى تحالف ثم تنفيذ القانون القمعي الثاني حسب الظروف والأحوال.

ثانيا: قانون التشهير:

وهذا القانون يستعمل حين تصبح عملية (تصفية) الخصم أي القانون الثالث، حاجة ملحة وضرورية وسنرى ذلك عبر الأمثلة الواقعية من تاريخ قريب.

ثالثا: قانون التصفية:

وهذا القانون استعمل مع خصوم أقوياء حين صارت الدولة الفاشية عاتية ومعبأة بترسانة من الأسلحة والحلفاء والأموال وفائض هائل من الثروة مع مؤسسات ونقابات منظمة تنظيما بوليسيا صارما ومركزيا.

لكن متى يستعمل قانون الاستدراج؟ ومتى يستعمل قانون التشهير؟ ومتى يستعمل قانون التصفية؟ وهل هذه القوانين تعمل بهذا التسلسل؟ ألم يقفز في ظرف أو حالة من قانون إلى آخر كأن يقفز مثلا إلى التصفية بدون المرور بمرحلتي الاستدراج أو التشهير لأن هامش الوقت لا يساعد أو في أضيق حال ولأن العدو ناضج لقطع الرأس في مناخ سياسي محلي ودولي مساعد؟

في محاولة تفكيك ذهنية الدكتاتور يجب، كما في كل علم، معايشة أو الاقتراب من الظاهرة وطريقة تفكيره وفحص المقدمات والنتائج عن قرب دون اللجوء، كما هو سائد في لغة الخطاب السياسي اليوم وقبله إلى الشتم السياسي لأن هذا لا ينفع في تحليل ظواهر سياسية ونفسية مركبة ومعقدة وهو يصلح في كتابة أعمدة صحفية بائسة لا أكثر ربت الجمهور منذ عقود على ان فن الخطاب السياسي هو فن شتم السلطة: وخطاب من هذا النوع هو خطاب سلطوي مهما تظاهر بالعداء لسلطة لأن السلطة هي الأخرى خطاب أجوف وهي لغة وشرك.

قانون الاستدراج استعمل يوم كانت الدولة في بداية تأسيسها كفاشية نامية مستترة تعمل في قبو من خلال رمزها الأول. وقد استعمل يوم كانت الدولة تحتاج إلى حلفاء في الداخل والخارج وإلى مال وإلى تكوين أجهزة. وبعد تأميم النفط سنة 72 انتقلت الدولة( والدكتاتور) من مرحلة استدراج الخصوم إلى مرحلة التشهير: أول من وقع في الفخ هو الحركة الكردية التي استدرجت في اتفاقية 11 آذارعام70 في ظروف ضعف الدولة ثم تم الانتقال بعد ذلك إلى قانون( التشهير) بحجة عدم وفاء والتزام الحركة بهذه الاتفاقية، ومن الطبيعي أن يتم الانتقال فورا إلى القانون الثالث وهو: التصفية. حدث ذلك في سنوات 74/75.

كنت يومها في مضيق برسلين الذي يبدأ من راوندوز وينتهي قرب كلالة، بعد أن خضنا في الشتاء معارك دامية على جبال زوزك وتاتان وسري حسن بيك وقبلها نواخين ومضيق كلي علي بيك وانتظرنا موسم الربيع لاستئناف الموت. وكان مقرنا يومذاك هو بلدة (ديانا) الفاتنة الواقعة في سهول راوندوز، تحت القصف اليومي، وهي بلدة خربت تماما في ذلك الوقت. وحين أعلنت حالة التأهب في ربيع آذار عام 75 كنا على موعد مع معارك ضارية خاصة وان الطريق هذه المرة سيكون الدخول في قتال شرس خطوة، خطوة من خلال مضيق هو مضيق برسلين المؤدي إلى مدينة كلالة وجومان ورايات وحاج عمران.

وحين توغلنا أول الأمتار في المضيق أعلنت اتفاقية الجزائر في 5 آذار فشعرنا بفرح عاصف بعد أن تخلصنا من عذابات كثيرة محتملة. أتذكر جيدا كيف أن المرحوم اليوسفي عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي قد سلم نفسه في المكان الذي تواجدت فيه وكيف قام آمر الوحدة المقدم يحيى الإمارة بأداء التحية له في بادرة لطف وحساسية وأدب ورجولة لقائد خذلته مصالح دولية واقليمية. فهل تعلم الأكراد شيئا من هذه المأساة؟!

لا أريد الوقوف طويلا عند الجانب الشخصي من هذه القضية(هل هو حقا شخصي؟! وهل عندنا سيرة شخصية خارج تلك السلطة؟!) ولكني أريد أن أشير فقط إلى حادثة قد تكون لها دلالة: دخلت مقر الحزب الشيوعي العراقي ـ القيادة المركزية، جماعة إبراهيم علاوي ـ وهو قائم في قاع جبلي أسفل جبل يسمى جبل السلام قريبا من كلالة رغم أن الأوامر تشدد على منع الدخول إليه وهو مهدم . وجدت وأنا أبحث خلسة بالأوراق منشورا سياسيا عن تأميم النفط الذي احتفل به "الحزب الشيوعي العراقي" الرسمي!

يقول العنوان العريض للمنشور: ما هو الفرق في أن يكون النفط بيد شركات استعمارية وبيد سلطة وحشية؟! أو بهذا المعنى.

شعرت بغصة الم وخرجت وأنا ألتقط الهواء بيدي:كما عثرت بين الانقاض على رسالة من رفيق بخط اليد إلى المرحوم زكي خيري يعاتبه كثيرا على مواقف!

والآن جاء الدور(لتصفية) الحزب الشيوعي العراقي المحتفل بالتأميم بعد أن تم استدراجه في تحالف عام 73 .ولكن ذلك لن يمر إلا من خلال قانون القمع الثاني وهو (التشهير): وهنا أعلن عن ضبط تنظيم للحزب الشيوعي في الجيش كمقدمة للتصفية التي بدأت من سنة78 وشملت الحزب والأصدقاء: وكما وجدت نفسي أحارب على جبال كورك وتاتان وهندرين ضحية سياسات لا ناقة لنا فيها ولا جمل وجدت نفسي مرة أخرى في السجن بعد تلك الحملة الضارية على الحركة الوطنية: كنا معا في غرفة واحدة في زنازين الأمن العامة في 23 /5/79 الشاعر عريان السيد خلف، والمناضل المرحوم صفاء الحافظ، والدكتور المختفي كبة، والأخ سمير الحلواني شقيق جاسم الحلواني عضو اللجنة المركزية للحزب، والمهندس على شمة النعماني( أصيب بخرس من إثر التعذيب وفقد النطق من حسن الحظ لأني كنت في حوار معه قبل يوم واحد في بار سرجون!)وكفاح الجواهري ـ ابن الشاعر ـ وأنا الأعزل الذي يدخل إلى الحروب والسجون ويهرب الى المنافي لحسابه الخاص بلا حزب ولا أيديولوجيا ولا قبيلة ولا حتى ملابس محترمة يقف فيها أمام مفرزة اعدام، ويخرج الجميع أبطالا إلا هو فيخرج إلى المنفى ثم العزلة كذئب جريح يلعق جراحه وذكرياته بصمت!

حاول النظام مع الحركة الإسلامية فلم ينفع قانون الاستدراج لأن موقف هؤلاء على اختلاف أطيافهم كان حازما من هذه السلطة بناء على قناعة لا تتزعزع. ولأنه يعمل في مناخ دولي مساعد لتصفية الحركة فقد قام فورا بأسلوب التصفية حتى بدون العودة إلى قانون التشهير إلا في الحد الأدنى.

وهذه القوانين لم تستعمل فقط، بمرونة، ضد الأحزاب المعارضة، بل ضد أفراد من الحزب الحاكم نفسه.

حين انتهى الدكتاتور من  تصفية خصوم الداخل أحزابا وأفرادا، انتقل لتصفية خصوم الخارج:إن اتفاقية 5 آذار مع  ملك الملوك الإيراني هي نوع من(الاستدراج) المحكم لدولة حسب ذهنية الدكتاتور وأنه بذلك أراد تقليد لينين في تنازله بداية الثورة لألمانيا في صلح "بريست" وهو تنازل محسوب بدقة. وبعد مجيء الثورة الإسلامية أعلن الدكتاتور ان الجارة الصديقة أخلّت(قانون التشهير!) باتفاقية الجزائر وهي تحشد جيوشها على الحدود وهو هراء فلم أشاهد جنديا واحدا في قصر شيرين!

وكالعادة وكما لو ان الأقدار قررت ألا تكون لنا سيرة ذاتية شخصية بل سيرة تلك السلطة، أخذت طريقي مع أجيال إلى الحرب حتى الهروب قبل نهايتها بعدة أشهر لكي أمضي إلى السجون الإيرانية والباكستانية في رحلة قرمزية من الحرب(75،74 إلى السجن(79) إلى الحرب حتى عام88 إلى المنفى وحتى اليوم!

قوانين الموت والقمع الثلاثة التي تأسست عليها تلك الفاشيةلا تزال الى اليوم تشكل عناوين التحالف والصداقات المؤقتة في العقل السياسي وهي تعيد إنتاج نفسها مدعومة هذه المرة، وأيضا، بتحالف من بعض القوى التي شاركت في صعود أقذر فاشية في التاريخ كأن كل ذلك البحر من الدم لم يكن أكثر من خروج من  المقهى والعودة إليه بعد دقائق.

نحن، إذن، على عتبة خراب جديد!

 * 10/1/2004

 

 
                      العوده للصفحة الرئيسية