الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 

تعالوا انظروا الدم في الشوارع

 

كانت السلطات المكسيكية قد اعلنت حالة الطواريء في الخمسينات بحثا عن الروائي الكولومبي الشهير غابريل ماركيز بناء على طلب سلطات بلده كولومبيا كجزء من حملة ارهاب ضد كتاب اليسار في القارة الامريكية الجنوبية، وحين ضاقت بغابريل الارض على وسعها، حيث كانت صوره موجودة في نقاط التفتيش كأي مجرم هارب، دخل سرا الى السفارة التشيلية في المكسيك.في داخل السفارة جرت فصول أغرب قصة تهريب لروائي في القرن العشرين لما انطوت عليه من معان وقيم وجرأة وشجاعة واخلاق تضامن صارت مثلا نادرا في التقاليد الادبية والاخلاقية والسياسية تستحق فعلا ان يطلع عليها جيل عراقي فر من الوطن
في السنوات الاخيرة وشرع يتعرف لأول مرة على تقاليد عالم الكتاب في مناخ من الحرية والتفتح. والخوف، كل الخوف، هو في سقوط هذا الجيل تحت تأثير  تيار سياسيوي لم يرث من كل علوم وثقافات الكون غير
فهم بوليسي للسياسة.


   كان اقتراح السفير الشيلي مجنونا ولا يمكن أن يقدم عليه سفير آخر في العالم، بل ربما كانت المرة الوحيدة التي غامر بها سفير دولة ووضع موقعه على حد السيف، والاقتراح هو ان يسافر غابريل ماركيز بجواز سفر السفير الى باريس !

وكان غابريل في المطار يعامل من قبل السلطات ويحتفى به حسب التقاليد الدبلوماسية وما من أحد يشك ان هذا السفير المزور هو غابريل ماركيز الهارب الذي تبحث عنه الشرطة المكسيكية في كل مكان.وفي مطار باريس استقبل كما يجب من اصدقاء وكتاب وقضى تلك الليلة يروي حكاية الهروب التي انطوت على معان اخلاقية سامية.


لكن من هو السفير الشيلي المجنون المغامر الذي منح جواز سفره الى الروائي المطارد؟ إنه الشاعر ال
تشيلي العظيم بابلو نيرودا!واسمه الحقيقي هو (ريكاردو نفتالي ) لكنه استعمل اسم بابلو كاسم مستعار اعجابا بالشاعر التشيكوسلوفيكي جان نيرودا وكتب كل قصائده بهذا الاسم الجديد ومنح جائزة نوبل به.


  وليس غريبا هذا الامر على شاعر وانسان كبير مثل بابلو كان يعيش الحياة والكتابة في تطابق وعلى مستوى واحد دون ان يكون الانسان شيئا والكاتب شيئا اخر مختلفا أو نقيضا. 

 على جدار غرفة المكتبة، وضعت بطاقة بريدية جاءتني قبل سنوات من كوبا ارسلها المرحوم الصديق جورج فرنسيس وقد ذكرتها في روايتي" سنوات الحريق" كما هي مع ذكر اسم جورج كما هو، وهذه الصورة هي مجموعة جياد تركض في سهل اخضر مفتوح في نشوة بدائية تصل حد الرقص والفرح الغريزي والانتشاء الطبيعي في تلك البراري الطليقة كقلب أخضر.

وبطاقة الخيول هذه تبدو واحدة من قصائد بابلو نيرودا الذي احتفلت قصائده على الدوام بخيول شيلي وحجارتها وسهولها وجبالها وعشاقها وثوارها وطيورها. فهذا الشاعر هو شاعر الحياة حقا، ويكتب كما الاشجار تورق، والنغم في اشعاره كالنسيم في الوردة، أو كصوت مجرى الماء فوق صخور جبال شيلي التي احبها بشغف وغبطة وفرح طفولي بريء.


وبابلوا نيرودا شاعر أحب قضايا شعبه حتى اللحظة الاخيرة حيث ظل واقفا كسنديانة صلبة في ساعات الانقلاب في 13 ايلول
73 وقتل أو مات  موتا غامضا مع صديقه الليندي الرئيس الشرعي بعد انقلاب عسكري فاشي دبرته المخابرات الأمريكية.

لكن التزام نيرودا كان من نوع اخر مختلف، ليس  هو عشق البلدوزر، او الكتابة عن فوائد البصل في الكولخوز، أو جماليات ماكنة الخياطة، بل التزام القلب البشري، للعاطفة الاصلية في الانسان، للحب، للطبيعة، للجمال العفوي غير المدرك لنفسه : جمال البراري والغزلان والبراءة والضمير والصخور والنسور  وحشرات الليل المضيئة.انه الاحتفال بالحياة. هذه هي صفة صاحبه وحامل جوازه غابريل ماركيز.

حين سئل غابريل عن  التزام الكاتب أجاب:
ـ أن يكتب جيدا!

لكن الامور لم تكن كذلك فيما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي، ومن نسخ التجربة السوفيتية في السياسة وفي الادب وفي الحياة، وخاصة النسخة العربية الأكثر رداءة من مثيلاتها في كل انحاء العالم بما في ذلك نسخ العالم الثالث.

 

فالطبعة العربية في تقليد التجربة السوفيتية في كل شيء تتسم، كما في اي شيء آخر، بالسطحية والمغالاة والتطرف والقبلية والتدين المستتر الرديء والطائفية المغلفة بصبغة اليسار أو هوية حزبية كاذبة سرعان ما تكشف وجهها الحقيقي في صراعات لاحقة.

وتجربة الروائي الروسي بوريس باسترناك الذي حاز على جائزة نوبل عن روايته" الدكتور زيفاكو" خير شاهد على هذا الارهاب، حيث قامت المؤسسة الثقافية البوليسية العريقة في تقاليد القمع  بحملة ضارية تعرضت لحياة باسترناك ولم تترك به شيئا لأن الروائي نشر روايته في دار نشر في ميلانو في ايطاليا واثار نشرها ضجة في
الاوساط العالمية
واعتبر خائنا للوطن!


يعلق الدكتور عيسى الناعوري على هذه الحادثة في كتابه" دراسات في الاداب الاجنبية"  قائلا ان باسترناك طرد من اتحاد الكتاب وكأن المرء لا يكون كاتبا أو اديبا إلا
(إذا كان ببغاءً في قفص !) وان حملة تشهير وتجن شنت على الكاتب  من قبل الحزب حتى انه رفض استلام جائزة نوبل لكي يثبت لهم أنه أكثر وطنية منهم، واعتزل الحياة العامة في عزلة حتى مات وحيدا وكان حفل التشييع مقتصرا على حفنة أصدقاء وريفيين أحبهم الروائي ودفن تحت المطر على موسيقى جنائزية حزينة لباخ وعلى وقع إيقاع قصيدة له وضعت على الشاهدة تقول:

 الحياة ليست نزهة في الحقل!

 

وبعد باسترناك عاش الروائي الكبير اليا أهرنبورغ صاحب رواية" ذوبان الثلوج" التي فضح وعرى فيها مرحلة كاملة من  الارهاب السياسي والعام، محنة قاسية من الارهاب حتى اقر المؤتمر العشرون للحزب بما جاء في" ذوبان الثلوج" في انتصار جريء لروائي في تلك الحقبة.

لكن فوز الشاعر بابلو نيرودا بالجائزة كان له صدى مختلفا لأن تقاليد الخوف والرداءة لم تسيطر على الحياة الثقافية في شيلي حيث كان شعراء وكتاب وادباء هذا البلد وادباء امريكا اللاتينية عموما يبدون استقلالية شخصية قوية وثقة بالنفس عارمة واحتراما يستحق الاعجاب للتقاليد الوطنية لذلك حصلوا على شهرة عالمية دون الغرق في وحول التقليد الاعمى ومن بينهم طبعا غابريل والروائي الغواتمالي الحائز على نوبل انخيل اوسترياس صاحب رواية "السيد الرئيس" وهي ادانة فاضحة  للدكتاتورية وجورج أمادو البرازيلي والروائي البيروفي ماريا فارغاس لوسا مؤلف رواية" حفلة التيس" وغيرهم الكثير.

  

اشترك بابلو في الحرب الاهلية الاسبانية ضد نظام فرانكو في منتصف الثلاثينات وهناك تعرف على كبار كتاب العالم ومنهم الروائي الفرنسي اندريه مالرو الذي كان طيارا في قوات الثورة، وتعرف على من سيكون صديقه وجرحه الكبير الشاعر الاسباني لوركا الذي قتل غدار فيما بعد.

قال لوركا عن بابلو:

( إنه شاعر أقرب الى الموت منه الى الفلسفة، والى الالم منه الى الذكاء، والى الدم منه الى الحبر. انه شاعر مليء بالاصوات الساحرة التي لا يستطيع هو نفسه ـ لحسن الحظ ـ  ان يفسرها، وهو رجل حق، يعرف ان طائر السنونو أكثر بقاء من التمثال الصلب/ ان شعر نيرودا يرتفع بنغم لا مثيل له في امريكا: مليء بالحب،
وكله عذوبة وصدق/ ان نيرودا لا يعرف الحقد والسخرية، وحين يريد ان يعقاب ويرفع السيف يجد نفسه امام حمامة جريحة بين اصابعه
).

وشاءت الاقدار أن يُقتل لوركا على يد وحوش ضارية بدون سيف أو حتى ان يعاقب احدا.طلب منه قاتله في الوادي أن يركض ثم أطلق عليه النار من الخلف، فسقط تلك الليلة قمر غرناطة في بركة دم.

أما بابلو نيرودا فلم يطلب منه الفاشيست أن يركض لأنه كان محمولا على نقالة وهو يصرخ في ليلة الانقلاب حين رأى الدم التشيلي في الشوارع:

تعالوا انظروا الدم في الشوارع!
تعالوا انظروا الدم في
...!
تعالوا انظروا
....

ــ* 

  

 
                      العودة للصفحة الرئيسية