الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 
 

     ليدخل البحر من النوافذ

                ضيقة هي المراكب

                  ضيق سريرنا

              ليدخل البحر من النوافذ

              للبحر وحده سنقول

                 كم كنا غرباء

               في أعياد المدينة.

              *سان جون بيرس

 هذه القصيدة الرائعة للشاعر الفرنسي الكبير سان جون بيرس تداهمني كثيرا في مواقف مختلفة وتندلع مثل بكاء حزين خافت سري، أو مثل موسيقى سرية ناعمة قادمة من الثلج النازل أو من المطر أو من تحت عربات الأطفال.

وأكثر الأماكن  المناسبة لها لكي تندلع من  تحت الجلد هي في المحطات أو في المطارات أو في قاعات تنبع منها موسيقى دافئة ناعمة هادئة خافتة كأنها تنبع من الجدران أو تسيل من الضوء المنساب من مصابيح السقوف كما ينبع شخوص ناتالي ساروت من العتمة والليل والجدران أو من واجهات المحلات أو من الذاكرة.

نوع من الانهمار الشبيه بضباب صحراوي في فجر رماني متوهج على حافة شفق محمر وردي. وهذه القصيدة لها حكاية ربما تكون هي السبب في تلك العلاقة المثيرة معها حتى دخلت في روايتي( عزلة أورستا) في مشهد حقيقي.

كنت جالسا في مطار زيورخ السويسري في أيلول عام 96 في انتظار الطائرة المسافرة إلى بودابيست، ومثل أي محارب قديم مهزوم قادم من أرض الموت والحروب والنفي والدمع، أو غراب اعتاد على الخرائب والأنقاض، أو كشرطي متقاعد جالس في مقهى أمام مركزه القديم، أو كدجاجة أمام مزبلة، تركت كل الأماكن الجميلة في المطار، صالات الشرب، والموسيقى، محلات بيع الأطعمة والصحف، وجلست مستغرقا ومتأملا المصفحة( المدرعة!) العسكرية الموجودة أمامي خلف الواجهة الزجاجية في المطار تحسبا لأعمال إرهابية لدرجة أنني تصورت أنها موجودة من أجلي !

وأعجبني لونها الأخضر العشبي ونظافتها ومراياها البراقة الكبيرة وحجمها الضخم الذي أشبه بدمية مضحكة في هذا المكان الضاج بالعطور والضحك والألوان والظلال والموسيقى، حتى سمعت من مسجل عند امرأة شابة تبدو عليها ملامح شرقية هذا النشيد بصوت عربي كأنه يطلع من الأبدية أو يخرج، كالدم، من تحت جلدي أنا:

ضيقة هي المراكب

ضيق سريرنا

ليدخل البحر من النوافذ الخ.

عندها حدث ما يشبه الموت في قلبي. وشعرت أن المدرعة تتلاشى ليحل محلها غار مقدس، ويختفي المطار لكي يتحول إلى صحراء، وأتحول أنا من مسافر عابر، منفي، إلى صوفي هرم وحكيم بابلي أو درويش ولد توا في أرض المطار السويسري على وقع موسيقى مطر رذاذي ناعم يضرب الزجاج الشبيه بلون رخام الأضرحة.

كان يبدو أن الفتاة التي بدت بعيدة عني تلك اللحظة ومستغرقة في هذا النشيد المر، كانت  قد حدست هذا التحول المفاجئ في لوني الذي ربما بدا شاحبا أو تالفا أو نائيا. وشعرتُ بهزة رأس خفيفة عفوية. كانت قد فتحت الطريق لسؤالي:

ـ لطفا هل أنت عربية؟

 ـ نعم.

وسألتها: ـ وهذه القصيدة لمن؟

ـ لسان جون بيرس. اسمها المراكب الضيقة. هل تعرف سان؟!

قلت : لاشك أعرفه. هل أنت في عطلة إذا كان هذه ممكنا؟

ـ لا. كنت في زيارة. أنا عائدة إلى الوطن. وأنت؟

قلت: أنا ذاهب إلى منفى!

أجابت كما لو أن جوابي كان بديهية وظاهرة طبيعية كهذا المطر:

ـ عرفت. هل أعجبتك القصيدة؟

قلت كمن يفيق من منام: ـ إن سان جون بيرس ليس شاعرا فحسب بل هو أحد الذين أعادوا للشعر براءته وللشاعر شرفة وكرامته وتحفظه النبيل.

وكنت أريد أن أسأل كيف أحصل على هذه القصيدة حين قالت:ـ أين تعيش؟

ـ في النرويج.

ـ أعطني عنوانك وستصلك هذه القصيدة . سأذهب الآن.

وحملت حقيبتها وتركتني أحتضر وصوت القصيدة المشروخ يعوي في داخلي كذئب صحراوي جريح أو نبي متروك على رصيف. ولم ينقطع الصوت حتى وصلني بعد عدة شهور طرد بريدي مع رسالة طيبة والقصيدة!

وفي ليلة ثلجية عاصفة حيث كانت الريح في الخارج( كما تحت الجلد!) تعصف بكل شيء بالأشجار والمداخن والدروب البيض كأنه اليوم الأول من الخليقة: الفراغ التكويني الأول، وكنت أعيش في عزلة كثيفة حتى أني كنت أخرج إلى الشارع لكي اطرق الباب على نفسي وأستقبلها في الممر، حين طرق علي مخلوق أو وحش أو جلاد( وكنت سأرحب به!) أو قاتل هارب الباب وكنت أضع هذا الشريط بالذات وهو يدور ومعه تدور العاصفة وأنا أكتب  في رواية( عزلة أورستا).

حين فتحت الباب ذهلت: إنه وعل بقرون متوجة بالثلج والنور والسحر والجنون والحيرة والقلق. وعل جفل حين رآني كما لو أنه فوجئ بجثة تفتح له الباب. قلت وأنا مصعوق لهذه الخرافة التي هبطت من الثلج والعاصفة وهي تترنح من السكر والجمال البري والبياض البهي المشع: ـ نعم، هل من شيء؟!

لا أدري كيف خرجت هذه الجمل بحشرجة أو نباح أو زقزقة أو نحيب أو عواء. وحين نفضت شعرها في الباب شعرت  حين طار الثلج من ذلك الموكب الملكي الأشقر شعرت بأني تبخرت، وأن  جسدا مفخخا باللوز والعسل والفاكهة والورد قد أنفجر في وجهي، وشعرت بأن سربا من العصافير الملونة طار نحو جبال قرن الغزال التي اختفت أمامي في الثلج.

قالت بصوت يقبرني: ـ هل أنت السيد حليم حسن القامشلي؟!

أفقت من حلم لذيذ على هول الفاجعة ولم تكن هناك أية فرصة( لانتحال اسم آخر!). تصورت أنها معجبة أو فراشة ضائعة في هذا الغمر الأول، غمر التكوين، أو حواء طردت من مرقص( وكثيرا ما يحدث!) لأنها خالفت قواعد الجنة، وجاءت إلى عرين ضبع آسيوي في منتهى الجوع والعطش لصوت آدمي نظيف.

قلت  في آخر رمق: ـ نعم، أنا حسن!

تجاهلت القامشلي. ولكنها ركزت عينيها بقوة فشعرت أن نمرين صغيرين أبيضين يتفتحان الآن على مقربة مني سينطلقان. كررت السؤال باللطف نفسه: القامشلي؟!

قلت مراوغا: ـ الطقس ثلجي، لطفا، هل يمكن أن نتفاهم في الداخل إذا كانت لديك رغبة؟!

ـ نعم.

قالت بلطف ونظرت إلى ساعتها. عندها بدأنا نصعد السلم الخشبي في منزلي الجديد القريب من القديم وهذا السلم بالذات أتقزز منه كل يوم لأنه يشبه جسرا رآه يوما الشاعر أبو نؤاس فقال( رأيت جسرا أمر على الصراط ولا عليه!). فكثيرا ما تزحلقت منه لكنه بدا الآن سلما ذهبيا وأنا اصعد إلى الغيوم.

في الصالة الواسعة الحالية المطلة على الخليج العاصف أعادت السؤال، فتهربت منه: ـ هل تشربين شيئا؟ قهوة مثلا؟!

ردت بلطف لكنه يعكس ضجرا مكتوما: ـ نعم. لكن هل أنت القامشلي؟!

وكان علي مواجهة هذا المصير والتخلص بأية طريقة من هذه الفتوى  التي لا تراجع عنها أبدا لكني أجلتها في آخر لحظة. قلت:

ـ أنا فعلا السيد حسن، عل أعجبتك القامشلي؟!

ـ نعم، بلا شك. صديقي هناك ثم عاد وأرسل لي هدية بيد السيد حسن القامشلي!

إذن هي الهدية؟ أية هدية يمكن أن يرسلها هذا القامشلي لمثل هذا العطر الهارب في الليل والعاصفة؟ ولو كنت أعرف نوع الهدية، تلفاز، ساعة، سرير، المنزل، لسلمتها كل شيء وخرجت عاريا في هذه المتاهة الثلجية. هل هناك فسحة من الوقت لتبديل الاسم؟!

وجاءني سؤالها التقليدي الحذر: ـ هل تعيش لوحدك؟!

وقد تعودنا على هذا السؤال. أجبت: ـ لا، أعيش مع جدتي!

ـ وأين هي الآن؟!

ـ نائمة في السرير تحلم بالجنة!

كررت سؤالها بحدة هذه المرة فقررت مواجهة الموقف:ـ أنا السيد حسن ولكني لست القامشلي من سوء الحظ!

قالت بلطف أدهشني: ـ آه..آسفة للمضايقة شكرا على القهوة!

نزلت أودعها (للمكيّر!) نازلا السلم وعند الباب نفضت شعرها مرة أخرى واختفت، كحلم، كخرافة، وعدت أصعد السلم الذي بدا قبل دقائق سلما ملكيا مفروشا بسجادة حمراء بورود ملونة زاهية، وطواويس، بدا هذه المرة مقرفا، وأنا الذي صعدته قبل دقائق ملكا متوجا على عرش الأرض، أصعده الآن مثل أي جربوع ناقع بالدهن!

فتحت النوافذ كلها على الليل والثلج والعاصفة، وتأملت شريط القصيدة مليا، فضغطت على الزر ليدخل البحر من النوافذ!

ضيقة هي المراكب

ضيق سريرنا.

ومرة رن جرس الهاتف في الساعة الرابعة بعد منتصف الليل وأنا أكتب في ليلة ثلجية عاصفة أيضا فهو وقت مناسب لي للكتابة الروائية لأن العاصفة  ـ لا أعرف اللغز! ـ تثير شهوتي للكتابة، وعلى وقع قصيدة سان بيرس، وحين رفعت الهاتف سمعت صوتا  دافئا ضاحكا يقول في بحة تاريخية تشبه بحة المغنية الزنجية تونا ترنر: ـ هل انت بيتر؟!

ـ من يكون بيتر بروح "قضيب النفضك"؟!

قالت ضاحكة: بيتر؟  ألا تعرفه؟ زوجي القديم المنتحر في بيتك هذا وأنا اتصل بروحه دائما؟!

قلت بذات اللهجة الجادة: ـ وهل ترد عليك روح بيتر؟!

ـ نعم، آخر مرة قال لي أنه لا يستطيع أن يتكلم لأنه في الحمام، حمامك!

قلت: ـ قبل لحظات كنت في الحمام فلم أر روح بيتر!

ـ وماذا رأيت؟!

بانزعاج حقيقي قلت: رأيت  بقايا "الخراء" تطفح!

وأغلقت الهاتف.عادت القصيدة مرة أخرى:

ضيقة هي المراكب

ضيق سريرنا.

في بلدة أورستا ارتبطت بعلاقة صداقة دافئة ونادرة مع مهدي أصفهاني الذي سيكون أحد شخوص رواية( عزلة أورستا). ومهدي هو الجندي القديم في لواء مظلي إيراني( 55) دخل مدينة المحمرة( خرم شهر) وأعاد السيطرة عليها في نيسان 82، بعد أن كنت أنا أقف على الطرف الآخر من مهدي في لواء المشاة الآلي العشرين الذي وصل قبل اجتياح المدينة بساعات وشكل  قوة مدرعة لمنع احتلال البصرة!

وحين نذهب مهدي وأنا إلى مشرب ومقهى البلدة( دبلن بوب) الواقع على خليج جميل ومطل على جبال مثلجة حتى في الصيف حيث تلوح بقايا الثلوج، نشرع في الحدث حالا عن معاركنا القديمة ضاحكين. كان مهدي يقول معاتبا:

ـ عندكم مدفعية الفرقة الخامسة لعنة الله عليها!

فأرد عليه : ـ وانتم؟ تختارون الفجر كأفضل وقت للقصف من أجل الإزعاج. شوف عيني مهدي. لنبدل الموضوع ونخرج من جلودنا. أنت وأنا خرجنا خاسرين من تلك الحرب والآن يجمعنا منفى واحد ومشرب واحد ونبيذ واحد. في صحتك!

يرفع كأسه عاليا بانتشاء جندي شجاع انتصر علي في معركة وهزمنا معا في معركة الحرية مؤقتا وجمعنا مكان واحد وحلم واحد وشعور خسارة واحد. يقول:

ـ من صحتك وصحة كل الملالي والشياطين والروس والأمريكان وأبناء الحرام( يغضب ويبدل على الموجة الإيرانية!) هؤلاء بدر سختة!(  شتيمة تعني ابن المحروق!).

ومرة خرجت من المنزل في نهار أبيض صريح وجميل رغم المطر المنثال بهدوء إلى ساحة البلدة حيث يقام هناك كل سبت حفل موسيقي تقيمه بلدية البلدة. كان مشهد عربات الأطفال والوجوه الضاحكة والموسيقى العذبة والنهر والنوارس المتصايحة فوق الناس يبدو بهيجا وإنسانيا وعادلا حين لمحت، بين الحشد، كصقر في فخ، مهدي اصفهاني، فعرفت أن هذه البهجة قضي عليها تماما وهو لاشك قد شرب وسيتحدث عن مدافع الفرقة الخامسة!

صرخ من بعيد:ـ تعيش أفريقيا!

قلت وأنا أصافحه:ـ لكن لماذا أفريقيا؟

وكنت أعرف أنه حين يسكر( وقد ذكرت ذلك في الرواية) يخلط بين القارات والأسماء والدول والألوان. أجاب: ـ أقصد آسيا!

وحين شرع في الحديث عن الحرب ـ نحن لا نغادر الحرب حين تنتهي أبدا بل نقيم فيها ! ـ حسمت الموضوع حالا وطلبت منه أن نفترق.

 وإلى اليوم أتذكر شبح مهدي الحزين  المنكسر وهو يغوص في الحشد المبتهج كجنازة يتيم وفي كل مكان يندلع هذا الصوت كأنه صلاة المنفيين تحت المطر:

ضيقة هي المراكب

ضيق سريرنا

ليدخل البحر من النوافذ

للبحر وحده سنقول

كم كنا غرباء في أعياد المدينة؟!

 
                      العوده للصفحة الرئيسية