الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 
 

هذه المقالة نشرت في صحيفة (الحياة) قبل 4 سنوات لكن النعمان كما هو متوقع سرعان ما شن حملة على الروائي لم تنقطع حتى اليوم. هذه المقالة هي نموذج للنقد غير المسؤول الذي يخضع في "المدح والذم" لشروط العلاقات الشخصية اكثر مما يقرأ النص حسب شروطه الأدبية والكاتب هنا لا يعني شيئا في الحالتين ومن ثم فهذا الكلام هنا هو ممارسة انتهازية تمجد الأدب بلغة الحزب وتنفي الكاتب بذات اللغة!   

      *حمزة الحسن*

    قراءة في أدب "محرم ومكشوف"!

     

(سنوات الحريق)

رواية من ادب المنفي العراقي

ممنوع قراءة هذه الرواية لمن هم دون السادسة عشر وأكبر!

"الرقيب العسكري"

   د. احمد النعمان

 

قبل هذه الرواية، باكورة اعمال حمزة الحسن، كنت قد قرأت روايته "الاولى" التي لم تصدر بعد : (الأعزل). وكما الأعزل، فان (سنوات الحريق) سيرة ذاتية للأديب الواعد.  ويقول الحسن عنها: (هذه الرواية…دعوة بريئة لجنون آسر قد يكون آخر محاولة للتمرد على شروط لغة الصمت والعقلانية الزائفة، حتى لو كان ثمن ذلك هو العزلة أو الفضيحة!)

لا.  سنوات الحريق، سوف لن تفضي بصاحبها الى العزلة!

 ولكنها وانا واثق بذلك ستؤدي الى اكثر من فضيحة لأكثر من جهة! ابتداء بالسلطة العراقية ونظامها الجائر وانتهاء بأصغر تشكيلات المعارضة العراقية في المنفى.  ويعود هذا لكون الأديب اختار اصعب الطرق في مواجهة خطوب الحياة! بل وبهذه الرواية الجريئة حتى اللامعقول – ب(سنوات الحريق) احرق حمزة الحسن كل الجسور وراءه بما في ذلك انتماؤه السياسي الذي كان وما زال السبب الاساس في الحياة الدرامية التي عاشها الأديب حيث "ترجل" وهو طفل صغير وشاخ وهو ما زال شابا.

اذن (سنوات الحريق) ستضيف "دوائر" جديدة في نسيج العنكبوت حول الحسن الأعزل، ومن سوء طالع حمزة انه كالعادة يرى النسيج لكنه لا يرى العنكبوت رغم انه قد يتحول الى اخطبوط يوما ما! (سنوات الحريق) ستشدد عداء السلطة للأديب، وهنا اعني السلطة بمعناها الأشمل والاعم: الدولة، المجتمع، التقاليد، الدين، المرأة، الحركة السياسية، وبالطبع اصدقاء الأمس!

وسيولد ضمن هذه الدوائر اعداء جدد, وسكاكين جديدة! فهل سيستطيع "الأعزل" فك الحصار؟ ام سيموت وحيدا مثل (كاظم النجار وهو يصيح: حريق…حريق..!) ام ان معجزة ستقع اقصد ثمة مصالحة بين الذئب والحمل، بين القاتل والقتيل!؟ اني اشك بذلك.

(…صديق مصور ارسل لي داخل رسالة ذرات من تراب بلدي.  قال انه لم يستطع ان يزورني لاسباب تتعلق بالغيم والمطر فقرر ارسال هذه الذرات نيابة عنه، وهو يعتذر عن الكمية.  انها تكفي على كل حال، لكي تملأ العين عند الدفن، فهذا جزء من تقاليدنا. نقول للميت: جئت من التراب والى التراب تعود.واللذين مزقتهم القنابل؟ او اللذين ذابوا في احواض التيزاب؟ في مطاحن الثرم؟ أكلتهم الغربان في خطوط القتال؟ واللذين اختفوا في السجون؟ في الصحراء؟ في الليل الطويل المسيطر، الرائب الثقيل؟) مقاطع من /سنوات الحريق./

* ها هو بول الوار يسمعك من بعيد ويهمس من جديد أيضا: (لا سلام على الأرض اذا اغتفرنا للجلادين) اذن لقد أججت يا حمزة بهذه الأسئلة الإتهامات نيران عدائك لـ "جمهورية الكراهية" السلطة – الدولة لأنك هربت تراب الوطن؟

حمزة:  حين يكتب الجميع سيرهم على الأرض او في كتب، فلماذا لا يكتب الروائي او الفنان سيرته كما يريد، اذا كانوا قد "حرموه" من حق ممارستها على الأرض؟ اذا كانوا قد صفوا معه الحساب، بصورة همجية، فلماذا لا يخضعهم لسؤاله الكبير والعادل: لماذا حاولتم اغتيالي؟ " مقطع من رسالة من الروائي"

سبعة اسئلة – اتهامات خطيرة وجهها الكاتب الى "هرم الخوف" السلطة العراقية، ولم يكتف بذلك ! فقد اضاف اليها سؤالين في حواره معي! وحسب القانون! فالكاتب محكوم بالإعدام  تسع مرات. ثمان لأنه سأل السلطة عن امور "تخص حياته!" و"هذا من شأن السلطة وحدها التي اممت مواطنيها"! والمرة التاسعة لانه هرب من الوطن!

(…حين فتحت الرسالة، ورأيت التراب، صرخت: هذا وطن هارب في البريد!) ـ سنوات الحريق. انت خائن اذن؟!

حمزة: كل كتابة شجاعة، هي خيانة. خيانة للوعي المييت، والمعايير، والمصلحة والمؤسسة. كل كتابة ابداعية هي كتابة تدميرية بواسطة الخيال والذي هو الواقع في آن! كل هذا الكون كان خيالا لم يصنعه "البلطجية" بل من صنع الآلهة والفنانين والعشاق ـ مقطع من رسالة.

انا اتذكر الآلهة عندما التقي التماثيل الإغريقية، حينما كان البشر يالفون آلهتهم الى حد انهم يعرفونها وهي عارية.  لقد مات النحاتون وماتت الآلهة اما الرخام فبقي حيا يسطع بالحقيقة الروحانية على حد تعبير الكساندر اليوت.  اما على الضفة الأخرى فيقول بول الوار في محاضرته (البداهة الشعرية) : (الخيال ليس فيه غريزة التقليد وانه النبع والسيل الذي لا يصعد من جديد… ومن هذا النوم الحي يولد النهار ويموت في كل لحظة.)

ثمة اطروحة صاغها الماركسيون عن روايات غائب طعمة فرمان "بأنها سجل لتاريخ العراق السياسي"! وسرعان ما تبناها مرتزقو الصحافة مرددين ذلك دون الغوص في اعماق تلك الروايات!

اما في (سنوات الحريق) فإننا لسنا امام كتاب في التاريخ بل امام "مخاض" هائل من الحقائق والمزاعم، من الواقع والخيال، اننا امام كاتب مجنون في رواية اكثر جنونا لذا انصح القارئ قبل ان يبتدئ بقراءة الرواية ان يتجرد عن رؤآه السابقة وتقاليد مجتمعه التي يمارسها في العلن ويغتصبها في السر!

على القارئ المقبل طواعية على هذا الجحيم ان يغتسل اولا فلا احد في سنوات الحريق يغسله قبل دفنه ان احترق.  اما ان نجا القارئ وبقي حيا بعد الجحيم فسوف يكون معمدا من خطاياه السابقة (ومن منا بلا خطيئة!) عند ذلك سينظم الى عالم الرافضين الموتى منهم والأحياء فالألفية الثالثة هي دين الرافضين (فليس بالخبز وحده يعيش الإنسان) كما قال السيد المسيح.  وكالمسيح كان كاظم النجار، احد ابطال الرواية! وكالمسيح ايضا كان انسانا في حياته الا انه كالمسيح ايضا اصبح الها بعد صلبه: (… مات كاظم النجار!…ايها البحر نام طفل بغداد الأعزل في هذه الليلة الثلجية. نام بين يدي والبحر والموج والريح، والوحدة والخيبة…. فتحت النافذة على البحر والليل وصرخت: مات كاظم النجار! مات كاظم النجار!..ليس ثمة من سمع هذا النداء سوى البحر، والريح، والليل الإسكندنافي الموحش، وهدير الموج والعزلة الباردة.) ـ سنوات الحريق.

هذا المقطع الصغير من الرواية يمكن لوحده ان يكون مسرحية تراجيدية كاملة. وها انذا آت لأقول: هنا يكتب التاريخ. تاريخ ملايين المشردين عن وطن كان اسمه العراق.  المسرحية المأساة هنا دون ممثلين. دون ديكور! بل شباك مفتوح على البحر ورياح عاتية تعلك الستارة التي تخفق بجنون الرياح وصراخ الكاتب حمزة الحسن كشخير ثور مذبوح مضرج بالدماء والدموع: مات كاظم النجار…! وصدى تبتلعه امواج البحر: ما…مات!

 هنا صدق الصوت والصدى معا! فإذا كان الصوت صادقا كاظم النجار قد مات! فالصدى صادق ايضا: (…ما مات) فكاظم النجار في داخل كل واحد منا نحن المغتربين الرافضين الموت والمرفوضين من "الحياة" كبصاق على قارعات الطرق الإجنبية! (خطية … والموت أهون من خطية‍)  

 اما صدى نداء هارون الرشيد للسحابة: (امطري انى شئت فخراجك لي) فقد ابتلعه السبي البابلي الجديد في عهد عودة "نبوخذ نصر" لينصف الحق اليهودي بالإنتقام من شعب العراق!

 الا يغنينا  ذلك المقطع من سنوات الحريق عن قراءة توينبي في التاريخ الماضي، وحنا بطاطو والوردي وهادي العلوي حول الحاضر لكي نعرف كم كانت بغداد عظيمة في الماضي وكم هي مدمرة في هذا الزمان؟ ونحن شهود عيان نراها مع حمزة الحسن من نافذة غائب طعمة فرمان، وخيري الذهبي (وقد تخلى عنها الرشيد والموصلي والسندباد)؟!

      (سنوات الحريق) مدينة كبيرة!

       تذكرني رواية حمزة الحسن هذه بفن

عمارة تصميم المدن الكبيرة! ولا سيما مدرسة الإيطالي كوربوزيه، فإلى جانب مركز المدينة تتوزع في جميع انحائها مراكز اصغر ما يطلق عليها (ميكرو سنتر). اما كوربوزيه فطور تصميم المدينة بجعلها شفافة مفتوحة! اذ حرر الطابق الأرضي من السكان وكرسه لوقوف السيارات فيما يبدأ الطابق الأعلى مرفوعا على اعمدة وبالتالي يمكن الإنسان ان يرى منظور المدينة كلها من اية نقطة فيها! فيشعر بالحرية والفضاء الرحب. وبذلك حطم كوربوزيه نظرية الإنجليزي كولن ولسون: (المدن الكبرى مؤامرة على شعور الإنسان!) وهكذا فـ (سنوات الحريق) رواية مبنية على "اعمدة كوربوزيه" ورغم ثقافته الموسوعية فلست متأكدا فيما اذا كان حمزة الحسن فد افاد من كوربوزيه أم لا! وهذا ليس مهما، ولكني ادرك تماما بان (سنوات الحريق) قد أحرقت تماما آخر اسوار الرواية التقليدية (العقدة والحل) المبنية على اسس رواية القرن التاسع عشر، والروسية بالذات.

 يقول حمزة الحسن:

(الرواية الحديثة هي: التحرر والتخيل، والتجديد، والخلخلة، والإختلاف، واللعب والإنفتاح،والمغايرةوالانقضاض،الإختراق)

حسنا ولكن هل من "مركز" في الرواية التي بين ايدينا الآن؟ اذا ما عدنا الى (واو) العطف التي وردت اعلاه لأيقنا ان لا مركز للرواية  في خضم هذه التناقضات الكثيرة والمختلفة. ولكن مع ذلك فلها مركز رئيس وبطل اساس هما الكاتب. وهذا مبرر تماما لان الرواية هي سيرة حياة الكاتب قبل كل شيء. هذا من الناحية الشكلية.  اما فكريا ف (الأنا) هنا لها ابعاد وجودية. أنا مركز الكون وكل ما حولي يدور بفلكي! بما في ذلك المنظومات الشمسية البعيدة، والنجوم التي أفلت، ولكن ضوءها لم يصلنا بعد رغم سرعة الضوء! وفي هذه الأبعاد السرمدية تسقط مفاهيم الزمان والمكان!

وإذا ما عدنا مع الأديب الحسن حمزة الى الأرض – الى بطل الرواية فسوف ندهش اذ: (لا نستطيع ان ندرك كيف ظل يحتمل عذابه، فقد مر خلال تجربة تكفي لقتل ثلاثة ابطال اقوياء، ولا نملك الا ان نعترف بأنه ما زال على قيد الحياة!)

(منذ ان جيء بي الى هذا المكان وأنا اعاني من اوجاع كثيرة لا تنتمي الى جسدي، بل الى مكان، شيء، جسد بعيد، غير منظور، كما لو ان جسدي صار شيئا لا علاقة لي به.) بهذه العبارة استهل حمزة الحسن (سنوات الحريق)! ويقول في مكان آخر: (ما أكثر الجروح!.. ما أتعس السفر!) أو : (عندما خرجت من السجن، علمت ان مؤتمرا عربيا لحقوق الإنسان كان منعقدا في بغداد في تلك الفترة.)

وسواء إن عقدت مؤتمرات حقوق الإنسان ام لم تعقد فإن السجون تلاحق بطل الرواية اينما ذهب. فنقرأ في (سنوات الحريق):

(كنا نقضي عقوبة السجن لمدة بضعة شهور قابلة للتمديد لعبورنا غير القانوني حدود البلاد من ايران!) وفي "الحريق" ايضا: (.. صرنا نهاجر كاللقالق، اسرابا، بين الفخاخ والطلقات والكمائن، بلا وثائق، بلا ملابس لائقة، وحتى بلا خطوط محددة للهجرة…ما أكثر الفخاخ، خارج الحدود، داخل الحدود. اين هي الحدود؟)

لا حدود في القهر،والإضطهاد، واختراقات الضمائر، والإذلال، واغتصاب النساء والرجال على حد سواء في اقبية التعذيب، والتشريد الجماعي والحروب النرجسية، والإعدامات بالجملة ل "تنظيف السجون" وسط الهتافات لاصوات مسعورة ومأجورة مخضبة بالدم "بالروح بالدم نفديك يا…." هذا هو عراق اليوم – عراق هارون الرشيد‍ والسندباد ومليكة الحب والجمال عشتار وكذاك حمورابي وهو يتسلم من اله الشمس القوانين الأولى في تاريخ البشرية لحقوق الإنسان!

وضمن نسيج الرواية اقتبس الكاتب بعض النصوص من الأساطير والقرآن الكريم والتوراة ومن كتاب وشعراء ادونيس البياتي وسعدي يوسف وآخرين. جاءت اغلبها معززة لبناء الرواية واهدافها العلنية والحسية. وان اطنب في بعضها قليلا، الا ان ذلك لم يخلخل بناء الرواية المعماري الكوربوزي المتحرر.

 واخيرا اذا ما اخترق القراء "تحريم الرقيب العسكري" او قراوا الرواية بغفلة عنه، في مكان ما حينما يشعر الإنسان انه "حر لوحده تماما" فسوف يجد فيها الكثير من الأسئلة التي تصلح ان تكون اجوبة كافية في الحياة والفلسفة والسياسة والبطولة والهزيمة والإخلاص والخيانة والكبت الجنسي واباحيته وشذوذه!.

في الرواية تتعدد المذاهب الفنية والمدارس ابتداء من (البدائية) حيث السذاجة والعفوية، وحتى (السوريالية) في تركيب المشاهد باللامعقول! مرورا بالرومانسية المتشائمة  كما في حواره مع المحققين بعد موت كاظم النجار، والذي يذكرنا ب(النبي) لجبران خليل جبران! وهول الكوارث كما في (العقب الحديدية) لجاك لندن و(الأنطباعية) و(ما بعد الإنطباعية) او (الوحشية) في حديثه عن أصدقاء الأمس! و (البرناغرافيا) مع العاهرات ومن يحذون حذوهن! و (التجريدية) في سرد اشبه بالهذيان و(الكوسموبوليتية) جراء التعب! و(الواقعية النقدية) بعد صحوة من عطر (نهود تشبه تارة قباب الكرملين! واخرى قباب مبنى البرلمان في بودابست)! واشياء اخرى كثيرة..كثيرة.

وختاما ومن اجل ان لا انهي قراءتي لهذه الرواية بلحن حزين استل هذا المقطع من ذلك الحريق: (اليوم صرت على يقين عملاق بانه كلما تداعى عراق في الحروب، المذابح، السجون، المفاسد، توهج أكثر مع الأيام كنباتات سرية، كأزهار تنمو تحت الصخر…تحت الجلد، هذا وطن يتكاثر يتطاير، له مجد الريح، وقامة نهار يضحك على الدهر والسلاطين الجحوش).

·   قريبا دراسة عن مقالات النعمان على مواقع الانترنت ـ تفكيك الكذب ـ

         ح. الحسن.

 
                      العوده للصفحة الرئيسية