الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 
 

 

          حب ومقاومة وتدخين

ليس عدلا ولا هو من الذوق أن نجلس كل يوم لنحسب عدد الجثث والانفجارات والسيارات المفخخة وتصريحات هذا المفلس أو ذاك حتى يزدحمالموتى في فنجان القهوة وعلى عتبة الباب وفي القلب وفي الأنف حتى صرنا ننضح موتى وجرحى ومشوهين، بل تحولنا نحن أنفسنا إلى توابيت متنقلة من كثرة ما حملنا من ضحايا وأرجل مقطوعة وأشلاء ممزقة من الشاشات لدرجة أنني شخصيا صرت مقبرة متجولة.

ليس عيبا أن نمارس حياتنا العادية والطبيعية وفي الوقت نفسه نكتب وننشغل ونواصل الجلوس اليومي لاستقبال القتلى والمجروحين والمنتهكين والفارين ونطلع على أخبار العالم وكل التفاصيل الأخرى التي تربطنا بهذه الأرض التي تدور عليها اليوم على نحو استثنائي معركة عالمية لا أحد في أي مكان وعلى أية بقعة صار بعيدا عنها، ولا فرق فيها بين من يختبئ في جبال تورا بورا وبين الناخب في مدريد، ولا بين العاشقة في محطة قطار في لندن وبين أي شحاذ هندي أو عراقي على حافة رصيف، ولا بين طبيب أسنان في الصومال أو بين فلاحة صينية في شنغهاي، ولا بين زعيم حزب في المكسيك وبين راقصة في ملهى ليلي في الإسكندرية.

فعلى رحلة واحدة في الخطوط الجوية الألمانية أو الأمريكية أو الاسكندنافية أو المالطية يتساوى الجميععلى ارتفاع أكثر من ثلاثين ألف قدم، خاصة حين يخرج من بين المسافرين من يحمل شوكة أو ملعقة أو مسدسا ويطلب من الجميعاحترام الهدوء وقواعد السفر وآداب الجلوس وأنظمة الطيران وتقاليد معارك المصير في حطين ونيويورك وذي قار وغزوةأوسلو القادمة!

ليس حراما علينا أن نكتب ونعشق وندخن ونسافر ونجلس في حديقة ولو لساعة واحدة ونراقب البط والعصافير والطيور والبجع الصيفي الأشقر بدل مراقبة الجنرال القرد سانشيز، أو مواصلة التحديق في لحية الطوسي الجديد الذي شوه الرموز الثلاثة حين استبدل العمامة بالنفط، واللحية بالوزارة، والمرجعية بالمنصب، وأعاد علينا في بعد مئات السنين نصيحة الطوسي، الشيخ المعمم، لهولاكو بتدمير بغداد!

حتى ثوار العالم في الأدغال وفي المدن وفي الأوكار السرية بل في غرف الإعدام كانوا يجدون الوقت والرغبة والدافع لممارسة الحب وكتابة رسالة غرام أو التجوال في مرج مشمس، أو التسلي بقراءة قصة حب أو التدخين أو الغناء أو الحلم على جرف شاطئ أو من فوق جواد أو داخل دبابة أو منفوق رابية تطل على عدو أو أطلال حبيب أو ساحة معركة.

بل ان أروع قصيدة حب فرنسية كان قد كتبها شاعر المقاومة الفرنسية بل ايلوار إلى زوجته وحبيبته دومنيك حملت أسم ( أيتها الحرية) وقد أنزلت على رجال المقاومة بالمظلات لأنها تتحدث عن الحب والحرية وهي أول قصيدة في التاريخ يتم إنزالها بالمظلات!

حتى بيكاسيو وهو يرسم لوحة المذبحة( الغارنيكا) كان يجد الوقت الكافي والرغبة والحماس والمتعة في رسم صور نساء عاريات فاتنات يجلسن أمامه بذلك الشعاع الجسدي المضيء المطمئن الهادئ الشبيه بنعاس دافئ أو يقظة هادئة.

أراغون شاعر المقاومة الفرنسية الشهير ملأ أدغال وبيوت وشوارع ومقاهي وأرصفة فرنسا بقصائد حبه لزوجته ايلسا المراة الاستثنائية التي نقلته من رصيف العدمية والتصعلك والتشرد إلى ضفة الالتزام الخلاق، والتي وقع فيما بعد بحبها الشاعرـ السوفيتي ـ المعروف ما يكوفسكي الذي كتب في وصية انتحاره موصيا الحزب بإلسا!

ما يكوفسكي نفسه، في صراعه المرير مع المؤسسة، والحزب، والدولة الفتية، وزعيهما، وقادتها، كان يجد الوقت الكافي أيضا للذهاب إلى مقهى والصعود على طاولة لإلقاء قصيدة ساخرة من البيروقراطيين والمحنطين والمشهرين تحمل عنوان: غيمة في بنطلون!

حتى المناضلة المعروفة روزا لكسمبورغ في زنزانة الإعدام كانت تكتب رسائل حب مفعمة بالجمال والأمل والشرف والجسد والرغبة والحب والشهوة العارمة لحبيبها القائد المعروف كارل ليبخنت من مؤسسي الحزب الشيوعي الألماني الذي التحق في الحرب العالمية الثانية بالجيش النازي بعد هروب منه أول الأمر تاركا رسالة لروزا تقول: لا يجوز ترك الجنود في الخنادق تحت رحمة الإعلام المضلل. سأكون بينهم!

وطبعا لا يوجد بين الشعب الألماني من يعرف هتافات: عليهم يا إخوتنا عليهم، وعلى الباغي تدور الدوائر، وصيحات داحسوالغبراء، لأن هذا الشعب العريق بثقافته وبمقاييسه لا يسمح لهذا النوع من الغوغاء بأن يخرق قواعد الاختيار، ولا يمكن اتهام كارل، الذين قتل في الحرب، بكونه كان جنديا في جيش نازي، لأن في هذا الجيش، كما في كل جيوش العالم، شرفاء وضحايا.

منذ الصباح كانت السماء تمطر مطرا مدهشا ساحرا عذبا مثيرا في جماله، وكنت أتأمل الخليج عبر النافذة أمامي كلوحة شفافة هادئة حالمة، حتى ظهر على الشاشة عضو في مؤسسة المحكومين، وهو طبيب نفساني بلحية صناعية للغش سيذكر له التاريخ مع الطوسي الجديد انهم أضاعوا العراق وليس الطاغية وحده، فتحول ذاك المطر الأسطوري إلى أحذية وضفادع وطارت فرحة اللقاء بهذا المطر الصريح المفتوح كشوق منسكب في دائرة بريد أمام رسالة غير متوقعة.

لكن رسالة في البريد الالكتروني من سيدة الصحراء تقول( سأغسلك بعطري!) حولت كل شيء إلى ضده، لأن الحب يجمّل حتى البشاعة، بما في ذلك تلك اللحية التافهة المزورة والتي سيكتب تحتها بعد ألف سنة: هذه اللحية المصنوعة في السي. أي. إيه، خربت وطنا كان في صلابة نهد: ما شافته شمس في الصيف ولا لاحه مطر والذي بين حواجبه غفوة نهر!

 
                      العوده للصفحة الرئيسية