الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 
فكر الابادة
 

ـ كتابات هؤلاء تفرح الطاغية في وكره وتساعده في العودة الى السلطة!

 

هتاف الابادة والسحل الذي يرشح منه هذا العنوان قديم قدم الخوف، وعريق عراقة السوط، وهو يختزل العقل السياسي العراقي الحاكم والمحكوم منذ داحس والغبراء وحتى هذه اللحظة ويلخص كل المأساة العراقية المتكررة.

 

في هذا الاختصار السهل جدا، والمرتجل جدا، والفوري جدا، يتم حذف كل الذين يريدون المشاركة في بناء وطنهم سواء كانوا على صواب أم خطأ.

 

وفي هذا الاختزال، في هذه اللغة الوثوقية، المطمئنة، اليقينية، الوعظية، الحازمة، والجازمة، والتي لا تقبل المقاربة أو الاحتمال أو الشك، توجد  ذهنية طاغية مختبئ.

 

ثم أي طاغية تافه هذا الذي يجلس الآن في وكره ويقرأ هذه المقالات العاطفية القلقة التي تعكس مشاعر عميقة بالخوف على مصير الوطن وتفرحه هذه المقالات أو تشارك في اعادته للسلطة وسط جيوش الأرض وكل اسلحة الفتك؟! هل هناك عقل يحتمل هذا النوع من التفكير؟! وكيف يمكن اختصار هذا العراق العريق بطاغية تافه ويصبح كل شيء وفق ثنائية ثقافة (مع أو ضد) التافهة ويشطب كل الفكر البشري؟! كل الألوان؟ كل الطيفية؟!

 

من أين تنبع هذه الثقة في صرخات من هذا النوع  التي تتحدث عن الناس كأنهم تجمع خراف، وبلغة لا وجود للشك فيها، لغة وصاية ومصادرة سئمنا منها على مدى قرون، وتحكم بالجملة، ولعل أحدهم أوشك في صيحة له أن يقول "صبرا فإن موعدكم الجنة" لولا صدفة عابرة أوقفته في آخر لحظة؟!

 

في الدول المتحضرة يناقش الكتاب والمثقفون والناس العاديون قضايا الضريبة والطفولة والامومة والخدمات العامة بكل حماس وجدية دون ان نسمع مثل هذه النداءات الباطشة، فكيف بنا ونحن نناقش مصير حضارة على وشك الفناء وقضية جوهرية تتعلق بوطن؟.

 

إن العقل الاختزالي هو عقل متخلف لأنه يختصر الظواهر والمواقف والبشر في صفة أو حالة أو صورة ويحذف كل البناء الكبير والواسع ويلغي كل ظروف القضية.

 

والعقل الاختزالي هو عقل يقيني صارم حازم جازم لا مرونة فيه لأنه مشلول ومعطوب ومحكوم بشحنة من الهوس الانفعالي تجتاح كل مناطق  المنطق.

 

وهو عقل وثوقي، مطمئن لما يقول وهذه الثقة ليست نابعة من علم أو فهم أو معرفة، بل هي، بتعبير نجيب محفوظ، نابعة من طمأنينة الأبقار في الإسطبلات: تأكل في منتهى الهدوء وعلى مقربة منها يناقشون وليمة ذبحها بعد لحظات!

 

أدناه حوار حيوي  يدور بين مثقفيين أوروبيين، وهذا النقاش يعكس المستوى الراقي من التفكير أو طريقة التفكير المتحضرة بصرف النظر  عن كل شيء.

 

يسأل المفكر السويسري جان زيغلر  المفكر والروائي الفرنسي المعروف ريجيس دوبريه رفيق جيفارا في حوار ممتع دار بينهما على محطة اذاعة فرانسس كلتور  ونشر فيما بعد في باريس في كتاب سنة 94 بعنوان" كي لا نستسلم": ما جدوى أن تكون مثقفا؟

 

 بهذه الصورة يضع زيغلر سؤاله:

ـ ريجيس دوبريه، أنت وأنا لدينا مهنة غريبة، نحن "مثقفان" أي أننا في عداد الناس الذين لا يجيدون فعل أي شيء على الإطلاق اللهم إلا الإنتاج الرمزي، وإنتاج الأفكار والكلمات. غير أن هذه الأفكار تحتاج لمن يجسدها لكي  تصبح موجودة، لكي تصبح قادرة على تغيير الواقع، أي أنها تحتاج إلى حركات اجتماعية. ما المنفعة من وجودنا، وما هو مستقبلنا القريب والعملي كمثقفين؟

 

 وكان رد دوبريه هو سرد لتاريخ المثقف والمفكر والباحث والفصل بينهما، لكن أشد ما يلفت الانتباه في هذا الرد هو تفسير ريجيس للطريقة التي يخون فيها المثقف دوره حين يصير " قوالا، أو واعظا، إذا شئت، وبذلك يخون أخلاقية الذكاء. ويخون تعريف المثقف بالذات".

 

 وجان زيغلر وهو مفكر لامع وصاحب قضية صلب  يجد أن مهنته في إنتاج الرموز والأفكار والكلمات قد لا تكون مجدية لوحدها ما لم توضع في إطار منظم عقلاني، وهو في الوقت نفسه يجد أن هذا الدور، دور إنتاج الأفكار والرموز، قليل عليه كمثقف لأن واجبه لا شك يجب أن يكون أكبر.  وإذا كان هذا السؤال يصدر من مثقف ومفكر عضوي عملي مثل زيغلر ويعكس عدم رضاه عن دوره، وهو دور كبير ومشرف، فكيف يمكن عكس هذا السؤال في الوضع العراقي أمس واليوم؟.

 

 لسنا بحاجة لإعادة التأكيد على أن هزيمة ساحقة وشنيعة حلت بالطبقة المثقفة العراقية أو التي تعرّف نفسها على هذا النحو، ولعل أوضح و افدح علامات هذه الهزيمة اليوم هو غياب الدور الحقيقي لهذه النخبة في التقرير أو في المشاركة أو حتى في هامش صغير في قضية مصيرية هي قضية مستقبل العراق الذي يرسم اليوم في دوائر إقليمية ودولية بمعزل عن مشاركة النخبة المثقفة العراقية باستثناء بعض التوابيت الصدئة التي جربت كل أنواع الحرف وفشلت مثل حرفة الحزبي أو حرفة السياسي بنسخته الرديئة أو حرفة الأدب في لجوء يائس  إلى الأب بعد إفلاس السياسة. وكما هو الأمر في  لغة الأيديولوجيا ذات الرنين العالي، صار كل من لا يتبعها إلى محفل وليمة الحرب والاحتلال ليس وطنيا، وليس عراقيا، وليس بشرا، لأن الوطنية والعراقية والإنسانية لا تستمد قيمتها وتعريفها ووجودها إلا  بعد صك غفران جديد، فالوطنية العراقية دائما تحتاج الى من يصدّق عليها أو يوقّع عليها للاخرين كي يحصلوا على شرف المواطنة مع ان الوطنية فطرة وليست سياسة( حتى النملة تعتز بثقب الأرض) بتعبير مظفر النواب، وهذه لغة سلطة، لأن السلطة ليست جيشا وشرطة فحسب، بل هي عقلية وذهنية ونمط تفكير وتصور وطريقة تعامل وثقافة وصم، وثقافة الوصم ثقافة اختزال واختصار ووشم. أي ليست ثقافة بل عبارة عن مأزق نفسي وضع في صيغة قضية فكرية. وهذه  النماذج لا تزال تكتب وتفكر بنفس اللغة السحرية الآيديولوجية الأولى التي خبرناها. وطبيعة اللغة السحرية أنها فوق عالم الحقائق والأشياء وقوانين الطبيعة والجسد والتاريخ.

 

 وكما يقول الساحر والمشعوذ لشخص ما: أنت ستدخل هذه الغرفة الصغيرة وهناك ستجد قطارا تركبه، أو: إذا فتحت يدي ، سيخرج المارد. أو : في جيب معطفي الأيسر بحر واسع....الخ.. هذه لغة السحر والسحرة.

 

 كذلك اللغة السحرية السياسية الميتة، فإن أصحابها يعتقدون عن قناعة أو عن  سطحية أن خصومهم سيحملون نفس الصفات التي سيخلعونها عليهم.لم لا؟ أليست هذه لغة السحر؟!

 

ألسنا أمام شعوذة سياسية في عصر القرية الفضائية وبنوك الحيامن وتأجير الأرحام والتحضير للنفق الفضائي؟.هؤلاء يؤمنون بهذه اللغة بعد تسييسها، أي وضعها في حقل التداول السياسي.

 

 إذا كان ريجيس دوبريه  يعتبر أن خيانة المثقف لدوره الأخلاقي وللذكاء هو عندما يتحول إلى قوّال( بمعنى لا يعود مفكرا بل مرددا) فماذا سيقول عن مثقف يقوم بدور المروج للمحتل ويبرر ذلك بل يحكم على معارضيه بكون كتاباتهم ستفرح الطاغية في وكره؟!

 

إن وكر الطاغية ليس سردابا أو نفقا أو مخبأ ماديا، بل هو عقلية وذهنية وطريقة تفكير وسلوك يصادر ويحذف ويهمش ويحكم لا أن يناقش ويبحث ويسأل.

 

ومرة أخيرة أليس من حق الناس سواء كانوا كتابا أم غير كتاب مناقشة مصيرهم وسيادتهم على ارضهم في أزمنة العواصف والمنعطفات؟

 

وهل يمكن أن يكون الإنسان سيدا على جسده وأرضه محتلة من أجنبي أو من طاغية محلي؟

هل يعرف هؤلاء العلاقة بين الأرض والجسد؟

  

 
                      العودة للصفحة الرئيسية