الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 

اغتيال البراءة المبكر

 

لا يعرف المرء هذه الأيام هل هو حزين أم مسرور أم مسروق أم معتوه أم عبقري أم مكبل؟ فقد اختلطت حدود الحزن بحدود الفرح كما تختلط أغصان الأشجار، أو كما تختلط الدموع في الصرع وفي الأعراس وفي الجوائز وفي النوبات المفاجئة وفي صدمات الحب أو صدمات الكهرباء أو صدمات الحرب أو صدمات المباغتات الليلية أو صدمات التعرية الإجبارية في معتقلات السلطة أو صدمات التواقيع الإجبارية لسجناء معصوبي الأعين لا يعرفون على أية ورقة أو هاوية أو حزب أو اعتراف أو جريمة يوقعون.

 

كل منتصف ليل أفكر في عدد الأشخاص والقوى والمؤسسات والدول والأحزاب والمواسم والظروف والتقاليد والمصادفات التي حاولت بعمد أو بدون عمد تحويل العراقي من إنسان إلى وحش أو قاطع طريق أو لص أو مجرم أو أمي أو متسول.

 

فأكتشف عجبا: إن المؤامرة على العراقي تبدأ في زمن الطفولة وعلى نحو مبكر خاصة  لأبناء الفقراء الذين ولدوا على كدس تبن في تاريخ مجهول كحشرات البرية أو أزهارها بدون ملعقة ذهب أو فرقة موسيقية أو حفل  أو شموع.

 

لا تبدأ المؤامرة على حياتنا، نحن الأطفال الفقراء، من هذه النقطة وحدها التي تبدو استثنائية، بل من مواقف وحالات وأوضاع أخرى أكثر عنفا وشراسة ومأساوية. لمن نغفر اليوم؟

 

لشمس الظهيرة التي كانت  تدور على رؤوسنا في البراري المشتعلة، المحرقة، الملتهبة، فنحتمي تحت ظلال القطعان،أو تحت الشوك ونضع ثيابنا المبللة على شكل مظلة ونقضي نصف النهار في الترعة أو النهر لكي لا نحترق في تلك الظهيرة المهلكة؟أم نغفر للرغيف المر؟

 

لمن نغفر؟ للجار الغني الذي ينصح طفله بأن لا يمشي مع هؤلاء الأطفال الفقراء ؟ وكيف نتصالح مع هذه الجروح النفسية العميقة التي حفرت في الروح مغارات وأوكارا وثقوبا سوداء؟

 

لمن نغفر؟ لمدير المدرسة الابتدائية الذي كان يقف أمام الباب الرئيس كما يقف ملاك الموت وفي يده عصا تكفي لإسقاط ثورة أو قارة أو سفينة أو طائرة أو براءة طفل؟

لمن نغفر؟

لمعلم الدين الذي كان يأخذنا عنوة في المساء، وقت اللعب، إلى الجامع بالقوة،كي تتهشم هذه البراءة الغضة على صخرة التهديد والوعيد والرعب من الأفاعي والوحوش والنيران والمذنبين الذين يسبحون في جهنم بدون رحمة أو أمل، حتى صارت صورة الله الجميل الرحيم في نظرنا هي صورة شرطي لا يرحم؟

 

أم نغفر لمعلم الرياضة الذي كان يجلدنا في زاوية الدرس حتى نتساقط في سلة المهملات من الألم ويطلب من بعض تلاميذه المجيء في المساء لأغراض دنيئة لا يدركها عقل وخيال  الطفل؟

 

 هل نغفر للتربية المزدوجة والمنافقة التي جعلت العراقي اليوم يقوم بكل الأفعال المتناقضة من الصلاة إلى السرقة، ومن الدفاع عن الحرية إلى السطو على مصرف، ومن الشعر إلى الشذوذ، ومن الدعوة إلى الديمقراطية إلى الدعوة للممارسة حكم الإعدام؟

 

كل الأفعال المتناقضة والمتقاطعة والشنيعة في السلوك النمطي المعياري العراقي هي مقبولة ومفهومة ومبررة وممكنة لأن نظام المعايير أي نظام القيم معطوب ومتغير ومزدوج من شخصية  تعاني من تصدع وتشوه علني حتى صار عاديا وطبيعيا كظاهرة يومية مألوفة.

معلم الرياضة يكره معلم الحساب.

الأول قومي.

والثاني شيوعي.

ومدير المدرسة مستقل.

وكل واحد يقول لك لا تصدق بالمعلم الأخر.

والمناهج متناقضة.

والأسرة تعلم عكس المدرسة.

والحزب الحاكم أو المعارض يعلم عكس الأسرة والمدرسة والمجتمع والتاريخ.

 

فكيف يتوازن طفل في مؤسسة تربية منحطة بدون معايير منسجمة أو موحدة أو منسقة؟ بمن نصدق؟ ولمن نغفر اليوم؟

 

 نكبر قليلا ويكبر معنا شجر الحزن والتشوه والتناقض.

 

كل ثلاث أو أربع سنوات نمزق صورة رئيس الدولة من الكتب المدرسية بعد كل انقلاب.

 

في زمني مزقت صور:

الملك والوصي، عبد الكريم قاسم، عبد السلام، عبد الرحمن عارف.

 

وهذه ليست صورا فحسب، بل في نظرنا نحن الأطفال الصغار، نمزق مجموعة قيم ومعارف وذاكرة وتقاليد يقال لنا مرة،بالقوة،والإكراه، والضرب، أنها صحيحة وعادلة وخالدة، ثم في وقت آخر يقال لنا بالقوة والضرب والإكراه أنها عكس ذلك.

 

قبل أيام رأيت تلاميذ مدرسة ابتدائية يمزقون صورة الدكتاتور، فعاد المشهد القديم إلى الذاكرة.

 

على أي شيء، مبادئ، أو قيم، أو معايير، أو مرجعيات، أو أعراف، سيتعكز هذا المجتمع الذي تأسس على هذه القيم المنحرفة والمرفوضة؟ لاشك أن مثل هذا المجتمع سينتج الشخص المختل والمتناقض والمهرج. قد تجد شخصا، مثلا، لا يكذب  لو قتل، لكنه ينافق، وقد تجد شخصا لا يأكل مالا حراما لكنه مصاب بهوس الكذب، وقد تجد شخصا كريما ولكن صفيق الخ. الخ.  هذه الأفعال المزدوجة نتاج معايير مزدوجة في الدولة، والمجتمع، والأسرة، والثقافة.

 

 ومن أمثلة حياتنا اليومية: ليس غريبا ولا نادرا أن يأتي صديق ليحدثنا عن أبشع الافعال قام بها ضد انسان آخر ونحن نضحك لأننا نؤمن عن قناعة عميقة أن نظام القيم والأخلاق ونسق المقاييس لا ينطبق على الآخرين بل على الحلقة الضيقة فقط، وهذا هو اللغز الدفين الذي يجعل اختلاف وتقاطع وتناقض وجهات النظر عند تقييم شخصية ما، لأن من طبيعة هذه الشخصية هي أنها تعطي انطباعات متباينة حسب الناس الذي تلتقي بهم ومدى قربهم من الحلقة المشمولة بالتطبيق الأخلاقي: فهو مثالي في حلقة الأصدقاء الأقرب، لكنه محتال مع آخرين، وهو صادق مع الحلقة الأولى، لكنه خسيس مع من لا يعرفهم...الخ.. وحين تلتقي كل هذه الدوائر  والحلقات المتقاطعة من الناس في تقييم هذا الشخص يجدون صعوبة في ضبط ملامح شخصيته ليس لأنها شخصية قوية وعميقة وغامضة بل لأنها شخصية مهزوزة منهارة متصدعة ذهنيا وأخلاقيا وفكريا وبنيويا رغم كل الاستعراضات العلنية. وهذا التصدع، وتعدد الوجوه، ليس جريمة فردية بل هو جريمة سياسية اجتماعية تاريخية لأن الذات تبنى خلال قرون.

 

 الفرق كبير بين خطأ السياسي ورجل الحزب والدولة وبين خطأ الفرد العادي خارج المؤسسة ودائرة القرار المصيري. الأول يقلب مصائر الناس، والثاني قد لا يؤذي إلا نفسه أو الوسط القريب. ومن غير المنطق  وضع  أخطاء الفريقين في منزلة واحدة والقول من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر على أساس أن الناس كلهم خطاة !

 لكنه التاريخ يمشي على رأسه في هذه الفاصلة الصعبة من الزمن حين تتغير المعايير وتنقلب الأدوار في لحظات المنعطف لأنه لا القديم يموت ولا الجديد يولد بتعبير غرامشي فتظهر سلسلة طويلة من التشوهات المرضية والاجتماعية والسلوكية فينحط الضمير ويرتفع مستوى الذكاء وهذه علامة سقوط الأمم والحضارات.

 

لمن نغفر اليوم؟ لأبناء الأحياء التي يقال لها في السوق والمقاهي أنها (أحياء راقية) ولا أعرف كيف أنها راقية، الذين كانوا يعتبرون دخول مدن الفقراء  عارا؟ 

  

والزواج منهم عيبا؟

وصداقتهم جريمة؟

وإذا حدث هذا فهو مغامرة وشجاعة وتنازل وتواضع.

 

حتى حين يدخل (أبناء الأعيان) السجون، إذا دخلوا، لسبب سياسي يوما فهم يدخلون ويخرجون أبطالا ولو لمدة خمس دقائق، أما ابناء الفقراء فهم يدخلون ويخرجون،إذا خرجوا،ويموتون، ويهربون، وينفون، ويحتضرون لحسابهم الخاص.

 إنهم منذورون للنفي والاهمال والنسيان.

 

مثال على ذلك :حين سجنت عام 70 في سجون الكوت على خلفية منشورات سياسية كان عنوانها مقطع  قصيدة للبياتي: قم تر الأفق مشاعل/ وملايين المساكين تقاتل/ وكانت دعوة للعصيان المبكر، كان معي بعد القبض علينا صديق الطفولة بشير حمزة الشراوي ـ في الدنمارك اليوم وأحد كوادر الحزب الشيوعي ـ وكنت لا أزال صبيا في دور المراهقة، وضع الصديق بشير في غرفة لوحده بخدمات متواصلة على مدار الساعة من الشرطة وغيرهم لأن والده المرحوم كان تاجرا معروفا، في حين وضعت أنا، ابن الراعي، مع سجناء عاديين وكانوا يضربونني علنا في كل لحظة حتى أن بشير نفسه كان يتعارك معهم وينقذني منهم!

 

ومرة اختبأت تحت المنضدة بعد أن انهالت على رأسي هراوات غليظة بقسوة وحشية، فضرب بشير أحد  رجال الأمن وأنقذني من تحت المنضدة  صارخا:( أنتم تقتلونه!) وقد ذكرني بهذا الموقف حين زرته قبل سنوات في كوبنهاكن. الطبقية والتمايز والعنصرية والمزاج والمال موجود حتى في غرف التعذيب.

 

لمن نغفر نحن الأطفال الفقراء؟

الفاشية خرجت من منازلنا ومدارسنا وقيمنا قبل كل شيء وآن الأوان كي نعترف ونصحح ونحذر.

لمن نغفر؟

 لمنحرفي الأحياء الفقيرة والغنية الذين يركضون خلف الأطفال الصغار الفقراء، الذين لا أحد يدافع عنهم، كما لو أنهم لا يحملون مؤخرات مثل أية عنزة أو بقرة أو حصان، بل مفاعلات نووية يجب نزعها عند كل منعطف أو بستان أو عتمة؟!

 

 كان هؤلاء الوحوش/ والضحايا في آن، يغتصبون الأطفال الفقراء الذين يجدونهم في البساتين للقراءة المدرسية هربا من بيوت الطين والأكواخ والحر المهلك أو للبحث عن الفاكهة أو الطيور، عنوة، ويقفون طابورا طويلا على صبي أو طفل، ثم  يفضحونه في المدينة على أساس أنه هو الساقط، وهم الشجعان !.

 

من بعد تعلمت السلطة هذا السلوك: تقتل وتشهر، تغتصب وتفضح، تعهر الناس وتحاسبهم .

 

صار الجلاد هو الشاهد والقاضي، وصارت الضحية هي المتهم.

 

ثقافة المرجلة  امتدت للسياسة.

 

صارت ثقافة الموت هي الغاية والهدف والقيم والشجاعة: ليس شجاعا من لا يموت تحت حذاء أو هراوة أو مطحنة قمح ولو كان لا يملك سر ثورة.

 

دعم ثقافة الموت تحت الأحذية.

من يتألم أو يصرخ أمام الجلاد جبان.

الشجاع هو من يموت بلا صرخة أو هزة جفن أو رعشة.

لأن جسد المناضل، يقولون، مفرغ من المشاعر، ومعبأ بالمبادئ.

هو ليس جسدا، بل حشوة تبن أو كيس ملاكمة.

 

مدرسة صنع الحجر هذه وموت المشاعر يجب أن تزول ونعلم الأطفال كيف يتألمون، ويصرخون من الألم، وكيف يحزنون من الإهانة وكيف يعبرون عن الألم علانية.

 

ونعلم الأطفال أن السجن السياسي عار، وأن التعذيب عار، ونزع جلود الناس أو أفكارهم أو أرواحهم أو مشاعرهم عار وجسد الإنسان مقدس.

 

الإنسان يبكي.يتألم.يحزن. يخاف. يقلق. هذه مشاعر إنسانية وعادية وطبيعية  ولا علاقة لها  بالبطولة أبدا. إن الأبطال والبطلات يبكون ويبكين كما في كل أساطير التاريخ. والذين علمونا على ثقافة الموت هم الجبناء السريين الذين يهربون من المواجهات ويعودون في نهاية كل مجزرة كزعماء ومنتصرين وليس على أيديهم دماء هؤلاء الضحايا، ضحاياهم هم قبل السلطة.

 

مقياس الصمود في السجن ليس في عدد دورات الفلقة أو عدد نوبات التعذيب أو عدد الأحذية التي تمزقت فوق رؤوسنا، بل في الكراهية الداخلية والعميقة للجلاد وسلطته، في الرقة الانسانية، وفي العذوبة، واللطف، و في الجمال البشري الدافئ والداخلي المشع لأن الجمال أناقة داخلية هادئة سرية كالينابيع، كالصلاة، كالنشوة، كالحب، كنعاس الصوفي.

 

كل قوانين العالم ترفض قبول مواقف فرضت على الناس وهم تحت التعذيب أو تحت الضغط أو تحت الترهيب أو تحت الابتزاز.

 

لا يمكن إجبار الناس على الكلام

أو إجبارهم على الصمت

أو الانتماء تحت الأحذية و التوقيع تحت فوهات المسدسات

ولا يجوز محاسبتهم على ذلك أبدا لأنهم ضحايا.

 

والذين يعاملون الضحايا بناء على قوانين وأخلاق وشروط ومعايير السلطة، هم أكثر حقارة من السلطة نفسها. لذلك ليس خطأ فادحا، بل جزء من منهج وعقلية حزب عراقي يساري أنه كان يقابل الفارين من جحيم السلطة من جنود وعمال وأطباء وفلاحين ومهندسين وكتاب وضباط وباعة طرق  على أنهم كانوا في الحزب الفاشي الحاكم، ولا أعتقد أن هذه السياسة القذرة والفاشية والغبية والتي تفتقد لبعد النظر والحكمة ستتوقف لأنها صارت من صميم  التكوين الفكري والسياسي والتنظيمي والذهني لهذا الحزب، مع الأسف الشديد، حتى أنه  صار مدرسة في هذا المجال يعرفها حتى الصبيان لكنه لا يجد حرجا من أن يكون حذاءً لجنرال محتل!

 

لمن يغفر الأطفال الفقراء؟

ولنتكلم بلغة عارية كي لا تتكرر المأساة.

كي لا نقع في الكارثة مرة أخرى.

 

طفولة هشة غضة تصدم بمئات الحفر والفخاخ والكمائن.

جارك على اليسار يريدك أن تصير ماركسيا.

وعلى اليمين يريدك أن تكون قوميا.

والجار الثالث يريدك أن تكون شرطيا.

والجار الرابع يريدك أو تكون منحرفا.

والخامس يريدك أن تكون قاطع طريق.

والسادس يريدك أن تكون عضوا أو شهيدا في حزب ديني.

والسابع يريدك أن تكون قوادا.

والثامن يريدك أن تكون جثة وعاقلا ولا تتدخل في شأن.

والتاسع يريدك أن تكون مهتما بالصرع والغرام والنكاف والجدري وحب الشباب وتنسى الدنيا وما فيها.

والعاشر يريدك أن تكون ساحرا أو مشعوذا أو دجالا.

 

والطفل غض وهش وقابل للكسر.

كيف يتجاوز كل هذه القوى والمؤسسات دون أن يتهشم الطفل والطفولة من الداخل،أو يتشوه أو ينكسر في داخله اليقين الضروري بقيمة الإنسان؟

 

وإذا تشوهت هذا الضحية، دقوا لها الأجراس. فكيف يدخل إنسان هذا النفق الفحمي القذر ويخرج ناصع البياض؟

 

وإذا مرض، والنبات يمرض، والحيوانات كلها تمرض، والنجوم تمرض وتموت، في مثل حياة وسخة مثل هذه، ربطوا الأمر بالشرف والضعف والتخاذل والجنون.

 

قبل عدة سنوات قال رئيس وزراء النرويج الحالي في خطاب عام أنه مصاب بمرض نفسي وسيدخل مصحا عقليا. لم يتحدث أحد عن هذه القضية طوال فترة وجوده تحت العلاج، ولم يغمز أو يلمز سياسي أو كاتب بمرض أو عاهة كما يحدث عندنا في صفوف الثوريين والطليعيين والتقدميين والسرياليين والانفلاشيين والعدميين والاقتحاميين والانبطاحيين  والمتأمركين والمتصهينين والاقتحاميين والانبعاجيين وثوار الشلغم في ساحة الطيران!

 

لأن هذه الشعوب المتحضرة تؤمن عن قناعة ووعي ومعرفة، وليس على الورق، أن الإنسان يمرض ويجن ويخطأ، وعندهم تشريع قانوني، مع أنه عرف وثقافة، عن الحق في الخطأ الإنساني.

 

 ورغم كل هذه السنوات المجنونة والداعرة والقاسية والتي تصيب قارة بالألم والجنون وفقدان التوازن، لا يحق للعراقي فيها أن يمرض أو يصاب بكآبة أو ذهول.

 

من يخلق هذا الوعي الدوني؟

من ينشر هذه الثقافة المهلكة؟

من ينشر لهؤلاء الأغبياء والفاشلين والسذج هذا الهراء؟

ومتى نخلق تقاليد سياسية وإعلامية وأدبية جديدة في ضوء خبرة سنوات الحريق والذل والموت والعار؟

 

أم أننا سنعيد إنتاج تجربة الموت مرة أخرى، بصورة مغايرة؟

 

لمن يغفر الأطفال الفقراء؟

هم وحدهم عزل في مدنهم.

وعزل في المنافي.

لأن الفقير لا وطن له.

هم سلع وعناوين عريضة في صحف اليسار واليمين.

وهم الموتى في السجون وحطب الحروب وعلف المدافع.

 

المؤامرة على حياتنا بدأت في عمر الطفولة، وأن الفاشية خرجت من المنازل والمدارس والأحزاب والعقول والتاريخ وصارت مؤسسة شرسة.

 

بدأت من ضرب الطفل على  لعبة أو رغبة أو شهية أو زلة لسان أو علاقة أو كلمة أو وجع.

 

هنا يتم تنمية الكبت والكذب والخوف وزرع عقدة الشعور  بالدونية  ومخاوف من الآخر، وحذف المغامرة الفكرية، والتركيز على مغامرة القوة والجسد:أي تنمية الثور في داخل جسد الطفل.

 

تبدأ الفاشية من سلوك العزل: لا تلعبوا مع الأطفال الفقراء لأنهم نجس وقذارة. لا تقتربوا منهم لأنهم بلا أخلاق. لصوص. وحوش. تبدأ حين تفرض على الطفل مقاييس ضخمة لا يدركها أبدا: حين يتم إخضاع سلوك الطفل العفوي البريء لتفسيرات وهمية، أكبر من إدراك الطفل ويحرم من اللعب( علم النفس الحديث يؤكد على دور اللعب في تنمية شخصية الطفل، وعلى أن اللعب الطفولي علم وفلسفة وذوق).

 

تبدأ الفاشية أو بذور الدولة الفاسدة حين يتحول معلم الدين إلى جلاد يزرع في ذهن الأطفال صورة الإله الشرطي الذي يطارد الناس في الشوارع ويحاسبهم على ما في قلوبهم في الاماكن العامة مع ان وقت الحساب مشروط بنهاية عمره على الأرض.

 

تبدأ حين يغيب في المدرسة والحزب والمجتمع حس العدالة، ويصبح كل تافه قاضيا، وكل فرد متهما، بدون مناقشة أو دليل أو وثيقة أو شاهد نفي أو أثبات أو فرصة المتهم أو المحامي أو  قاعة أو جمهور وحين يصبح كل شخص يحكم بناءً على معاييره الشخصية حتى لو كانت معايير مبتذلة.

 

 حول هذه النقطة الحساسة يذكر المفكر الكبير علي الوردي  ملاحظة  في منتهى الدقة من حياتنا اليومية وهي كثيرة التي لا يفطن إليها احد: حين يتشاجر شخصان في بارات بغداد الخاصة بحثالات بشرية مسحوقة يهدد أحدهم الآخر قائلا: وشرف هذا المجتمع الجالس اذا لم تفعل كذا وكذا سأقتلك. أي انه يختزل المجتمع العراقي كله بحفنة أراذل!

 هنا خطورة سيطرة المعايير الشخصية.

 

تبدأ الفاشية حين تصير كل مقهى محكمة.

وكل رصيف قانونا.

وكل تخت  موضع إطلاق نار على المارة.

تبدأ حين تفسد النخب السياسية والأدبية.

تبدأ حين يتحول أدباء البلد إلى قضاة وسياسيين متجولين بلا علم ولا فهم ولا تتن ولا شاهد نفي أو إثبات: هذه النخبة هي علامة الحداثة والعافية في أي وطن وان انحطاطها يعكس انهيارا مروعا.

 

  تبدأ الفاشية حين يشتم المدير معلميه أمام التلاميذ ويعانقهم في الطريق،وهنا يتعلم الطفل عاهة الازدواجية والانفصام والسلوك الملتبس والمشوه.

حين يشتم رب البيت ضيوفه أمام الأطفال بعد خروجهم. والزوجة خلف زوجها أمام الأطفال.

 

وحين نحبس الإنسان في خزانة واحدة، وفي موقف واحد، ولا نسمح له بالخروج أبدا، مع أن الإنسان موجة تحولات مستمرة متواصلة لا شاطئ لها من الولادة وحتى الموت.

 

تبدأ الدولة القهرية من تناقض المرجعيات والقيم والقواعد والأعراف والتصورات الأخلاقية:

في قرية ما يكون الثأر شجاعة.

في شارع آخر يكون جريمة.

في مدن يكون قتل النساء شرفا.

في مدن يكون جريمة.

حتى داخل الأسرة الواحدة نجد قواعد أخلاقية متناقضة:

قد يكون الأب سكيرا، والأم متدينة.

وقد يكون الأب لصا، والأم عصامية مهذبة.

وقد تكون الأم منافقة، والأب صادقا.

من هذه اللحظة تبدأ المؤامرة على حياة الطفل ويصبح القيام بكل الأفعال المتناقضة عاديا لأن نظام المعايير مزدوج ومعطوب والذات متصدعة، ويتشكل النظام السياسي القادم.

 

هذه القيم المتناقضة،والتربية المزدوجة، في الأسرة، والمدرسة، والحزب، والمؤسسة، والدولة، والثقافة،والدين،والأخلاق، ستخلق المواطن الهش، المواطن غير المتوازن، المواطن الخائف، المعوج.

 

الإنسان لا يعيش ويتوازن على نصائح أخلاقية أو سياسية مهما كانت صحيحة، بل على  وضع اجتماعي واقتصادي ثقافي مستقر.

 

الخائف لا يمكن أن يكون نقيا وعادلا ونزيها.

والمجروح في ضميره لا يرى الأشياء في حجمها الحقيقي، لأن الجرح النفسي يضخم أو يصغر من أحجام الأشياء والمواقف( هذا أثبته أطباء تشريح الدماغ حين يقع الدماغ في مرحلة الضباب بسبب الإنهاك الحاد والمتواصل).

 

والجائع، كما أفتى بذلك أبو حنيفة، لا يصلح أن يكون شاهدا في محكمة لأنه لا يرى بوضوح.الجوع كفر( لو كان الفقر رجلا لقتلته) كما يقول علي بن أبي طالب إمام الفقراء( حين قرأ لينين هذه العبارة للإمام تساءل بإعجاب: هل لديه كتابات أخرى؟!).

 

الجوع عتمة. والجائع أعمى. كيف يتوازن العراقي وهو يعبر من الطفولة إلى القبر على هذا الحبل الدقيق بين الهاوية وبين الحبل؟

 

حتى إيقاع المشي للمقموع  يصبح مختلا.

وأية مقارنة بين مشية العراقي ومشية المواطن السويدي مثلا أو السويسري أو الفرنسي، نجد أن العراقي يتعثر في مشيته بالحذاء أو البنطلون أو الرصيف أو المارة أو يتعثر بأحزانه.

 

مرة زارني الدكتور النبيل والمناضل الصامت أحمد رجب علي قادما من ألمانيا ( دوسلدورف) في عزلتي ولم أكن قد رأيته في حياتي أبدا ولا هو رآني. قال لي صديق نرويجي ونحن في صالة انتظار المطار بعد هبوط الطائرة:

ـ كيف ستتعرف عليه؟ 

قلت:

ـ اطمئن. سينزل الجميع ويمشون في رشاقة صنوبرة إلا واحدا يتلفت يمنة ويسرة ويعبث بأصابعه أو يحدق في المسافرين أو يبحث في جيوبه أو يهرب من شرطة المطار ويخاف من الصالة والكراسي والاعلانات والركاب وعصافير المطار كأنه هارب وليس سائحا. عندها سأعرف صاحبي !

 

القمع يشوه.

الذين قالوا أن القمع يشوه الحياة، لم يكونوا حكماء أو فلاسفة أو مفكرين فحسب، بل كانوا علماءً وأطباءً وأصحاب مختبرات طبية وعلمية.

يتعارض الخوف مع الإبداع.

ومع الجنس النظيف وحتى مع الإنجاب( هناك نوع من العقم  مصدره الرعب الدائم!). ودراسة للروائي الطاهر بن جلون عن حياة العمال العرب والأفارقة في فرنسا كشفت أن هؤلاء تتكاثر عندهم نسبة العقم بدون سبب واضح لأن النظام الاستغلالي يتدخل حتى في السرير والرغبات الانسانية البيض والمشروعة.

 

يتعارض الخوف، مهما كان شكله ومصدره،مع الفرح البشري ومع المشي المتوازن لأن الايقاع الجسدي هو ايقاع ثقافي ونفسي ومعرفي.

الخوف يؤدي الى خصاء عقلي.

 

حين أتأمل حياتي بدقة وهدوء أشعر بالدهشة كيف أني لم أصبح قاطع طريق أو نشالا  أو جلادا  أو وحشا.

 

كل شيء كان، ولا يزال، يدفع في هذا الاتجاه: لذلك أقول دائما في رواياتي كما في اللقاءات المباشرة أو على الماسنجر مع أصدقاء مقربين ان المناخ العراقي لا ينتج ظاهرة شعرية مثل ايلوار أو رامبو أو فرلين أو ظاهرة روائية مثل أرنست همنغواي أو ظاهرة مسرحية كبيرة مثل هنريك أبسن أو جان جينيه  ولا ينتج مناضلا كبيرا مثل غاندي أو مانديلا.

لأن مؤسسات القمع تتناسل كالجراد.

والسلطات تنمو كل يوم كأورام خبيثة.

والطاغية يخلق صوره في نفوس وأجساد ضحاياه.

والسلطة ليست جيشا وشرطة فحسب، بل عقلية وذهنية.

 

أن تنجو من كل هذه الفخاخ، وتكون إنسانا سويا، فهذه مفخرة عظيمة. لكن أن تنجو من كل هذه الفخاخ  وتصير كاتبا  تتحدث عن الجمال والبراءة والأمل والسعادة والحب والوضوح والخير والخلق والرواية، فهذه معجزة.

 

أن تأتي من المرعي، أو بيوت الطين، وتكوّن وجودا خاصا مختلفا ومستقلا فأنت  مهيار الذي تحدث عنه أدونيس:

( إنه الريح لا ترجع القهقري والماء لا يعود إلى منبعه.

يخلق نوعه بدءا من نفسه ـ لا أسلاف له وفي خطواته جذوره.

يمشي في الهاوية وله قامة الريح).

 

إنه الأعزل قوة تهديد للشبه والنموذج والتناسخ. يخرج من قلب المؤسسة ويصدمها. لا أشباه ولا أسلاف ولا بداية له عدا خطواته.

 

حين يكون الاندماج قطيعا ومسخا يلجأ للانفصام والذهول. إنه رؤيا وليس فكرا. موجة لا ساحلا. يدخل سوسة الفوضى في مهرجان التنكر والتشابه وليس لديه أقنعة.

 

محكوم عليه  بالنفي الأبدي، يقول مطاع صفدي: نفي الزمان ونفي المكان.

وهو غريب دائما: غربة النوع وغربة الشكل.

كناري في حقل للغربان.

المختلف في حقل التشابه والتماثل والانسجام والكتلة والقطيع والجدار والاعلان واللون الواحد.

 

لا يريد العزلة، لكنه يختارها لأنها تشبه البراءة ويمضي إلى الحد الأقصى من الحلم

والهذيان.

 

هذا الأعزل خائن.

خائن الأرقام واللغة  الميتة والسيرك واليومي والعادي.

إنه، حسب جاك ديريدا، المغني الابهى في حفل الاختلاف حين يكون التماثل موتا.

إنه المنفصم.

 

اتركوه وحده يغني قطيع ضبابه.

اتركوه وحده لعزلته والأيائل والأمل.

إنه منذور قبل الولادة لجزيرة ساحرة

وتوأمه جبل وخليج وشفق.

اتركوه يرعى قطيع أيامه  في مراعي الحلم وايام مخبوءة في الجذور كنار الصاعقة.

توأمه غسق.

له عزلة الغسق والاختلاف.

ولكم التشابه والمقهى والازدحام!

  

 
                      العودة للصفحة الرئيسية