|
هذا المقال نشر في 10/2/03، أي قبل الحرب بـ 40 يوما. وكان
الاتجاه السائد في الكتابة هو، طبعا، الأخطار المتوقعة، وانشغل
المثقف العراقي، وغير المثقف، بموضوعة الحرب والسلام ومن مواقع
مختلفة ومتناقضة، كما هو الأمر في أي موضوع مصيري.
لكن، وفي لحظة انتزاع النفس، من الراهن واليومي والساخن،
والتحديق في عمق الأزمة، جرى في هذا المقال قراءة أحد وجوه
الأزمة العراقية من موقع نظر مختلف، لا تدخل فيه لغة السياسة
اليومية التي يلجأ إليها عادة وبإفراط الكاتب السياسي العراقي،
وهي لغة تفسر كل شيء، بما في ذلك ظواهر الطبيعة، وأمراض الجسد،
وحالات الخسوف، وظاهرة ثقب الأوزون، والجينات، وتلوث البيئة،
وغزو الفضاء، وغير ذلك من ظواهر هائلة بلغة سياسية تكون، في
الغالب، لا تفسر شيئا، ولا تقول شيئاً، لأن هذا العالم الواسع
والمتشعب والمعقد لم يعد قابلا للمسك والرصد والحصر والدراسة
بهذه اللغة العاجزة والميتة، خاصة لغة السياسي العراقي المفرطة
في عموميتها والتي تصلح لكل المناسبات، ويتم نفي واستبعاد كل
العلوم الأخرى، عن جهل أو قصد، مثل علم النفس والاجتماع والجنس
والاقتصاد والأدب والأسطورة واللغة ..الخ..
في هذا المقال كانت هناك إشارات صريحة وقوية إلى عمق أزمة
المجتمع العراقي، أو أزمة المدينة العراقية، في شكلها، وتكوينها،
وموقعها، وشكل وتكوين وموقع (الضاحية) العراقية التي تقع على
تخوم المدن الكبرى( وكان المثال بغداد ) وكيف أن هذا التهميش
المعماري هو في الأصل كان تهميشا سياسيا، وكيف أن تمظهرات هذا
التهميش والنفي والإقصاء يبدو، في السلطة الفاشية، البوليسية، في
صورة الحقد الجنسي المتبادل، وهذا الحقد والنفور والكراهية بين
الأحياء الفقيرة وبين ما يعرف بالأحياء الراقية( ضربت مثلا عن:
مدينة الثورة، الفضيلية، الكمالية، الشماعية) هو تعبير مبطن عن
حقد سياسي وطبقي لا يجد سبيلا للتعبير عن نفسه إلا عن طريق
الاستعلاء أو الكراهية الجنسية المتبادلة بين هذه الأحياء. هذا
كل ما تسمح به سلطة فاشية أو بتعبير أدق لا تعرفه لأنه يقع في
العمق، وهي مؤسسة سطحية.
ولا ينفرد العراق في إنتاج( مستوطنات) أو أحياء سكانية أشبه ما
تكون بزرائب للحيوانات، بل هي خاصية كل الدول التسلطية. وأتذكر
جيدا كيف أني كنت مارا يوما بحي ( سيدي مومن) في الدار البيضاء
سنة 2000، حين صدمت بمنظر الزرائب التي لا تصلح حتى للحيوانات.
ويومها قلت لصديق وكاتب مغربي معروف كان معي:
ـ الحرب الأهلية القادمة ستخرج من هنا!
رد عليّ مجفلا:
ـ فال الله ولا فالك. نحن مجتمع يتجه نحو الديمقراطية.
قلت وأنا أشير لتلك الزرائب:
ـ وهذه؟ جزء من هذه الديمقراطية؟!
ـ لا، لا يا سي حمزة، هؤلاء أغنياء ويجمعون الفلوس!
وفي المساء ركبني هاجس حي سيدي مومن مثل كابوس وأعدت الحديث في
حي مجاور له هو حي( البرنوصي) الحديث نوعا ما، في لقاء خاص، أدى
إلى غضب سيدة مثقفة جالسة معنا، قائلة:
ـ سي حمزة أنت تبشر بالخراب!
وحين علمت أن جميع الذين شاركوا في تفجيرات الدار البيضاء هم من
حي سيدي مومن لم يكن ذلك مفاجأة أبدا.
نحن أحوج ما نكون اليوم، بعد اغتراب عقلي طويل، إلى العودة
لدراسة واقعنا كما هو والكف عن التغني بحمامات ساحة السلام
السماوي في بكين، والتغني بعصافير الكرملين، وسنونوات هافنا( نحن
عندنا حمامات في السليمانية، وعصافير في المشرّح، وسنونوات في
الكاظمية، وهي جميلة أيضا!).
قلت في (نقد العقل الجنسي) أن نقد هذا العقل هو في الأساس نقد
للعقل السياسي، وأن كل ( مساوئ هذا موجودة في العقل الجنسي). هذا
المقال نشر يوم كان التماسك الاجتماعي يبدو، في السطح، بين هذه
الأحياء متماسكا وقويا وحصينا. ولم يكن الأمر كذلك أبدا. إذ ما
كان يبدو تماسكا، واحتراما، هو في واقع الحال، ليس أكثر من صمت
مشحون بكل ما هو مخرب، ومتفجر، وعنفي.
وبعد سقوط السلطة، ونكوص العقل، وعودة ( المساواة) البدائية إلى
الحالة الأولى، وانهيار ما يعرف بـ ( القانون) وبعد رفع غطاء
الحماية عن الأحياء( الراقية)، تحركت الأحياء المذكورة المهمشة
لتنتقم من الإقصاء والفقر والتصنيف كأحياء صفيح أو طين أو زرائب،
ولتدخل، كما ترى هي، تاريخا جديدا: من التهميش إلى الفعل، من
النفي إلى الحضور، من سلطة قانون صارم إلى سلطة عقل جمعي بدائي
مقهور.
والذين يهربون من تحليل ظاهرة السرقة التي عمت بغداد في كونها
ظاهرة مدعومة من النظام القديم( ولا يستعبد أبدا وجود هؤلاء) لا
يريدون رؤية الصورة كما هي، أو أنهم يفسرون الظواهر بذات
اللغة:لغة السياسة التي تجيّش، وتعبئ، وتحرض، لكنها تطمس، وتلغي،
وتهرب من مواجهة المشكلة الأصل.
ـ في المقال المذكور كراهية بين سكان مدينة الثورة/ الشماعية/
الفضيلية/ الكمالية/ وبين الأحياء البغدادية " الراقية". وجاءت
الوقائع بعد الحرب لتأكد عمق ودقة هذا التحليل الذي بدا يومها
غريبا.
ـ وفي المقال أيضا: كراهية مستترة ومغطاة بين أحياء الثورة
والفضلية والشماعية لحي الكمالية وهو حي للغجر وهو مجاور لهذه
الأحياء.
وجاءت الأحداث، وبعد رفع غطاء الحماية من هذا الحي الذي كان
مدعوما من السلطة لأنه يوفر خدمات جنسية للزبائن الكبار، هجم
سكان الثورة والأحياء الأخرى على الكمالية وطالبوا سكانه( وهم
ضحايا أيضا) بالرحيل من هذا الحي، بل طردوهم وأزيل الحي من على
وجه الأرض الان.
هذه هي طبيعة كل المجتمعات التي تبنى على العقل البوليسي. وهذا
العقل يشحن المجتمعات بكل ما هو وحشي وعنفي وسري فيتأسس كل شيء،
وكل علاقة، على الخوف، بما في ذلك مظاهر الاحترام، وقواعد الجنس.
ولأن السلطة الفاشية خلقت مفهوما بربريا في السياسة يقوم على
التنازع والاستئثار، وليس على التنافس النظيف، وعلى الاحتكار،
سواء احتكار السلطة أو احتكار اللغة أو احتكار التاريخ أو احتكار
المتعة، وليس على فهم متحضر للسياسة يقوم على التعايش القائم على
المصالح المشروعة المتبادلة، فإنها ـ بعد الانهيار ـ أطلقت الوحش
السري المختبئ الخائف والمقموع ليعيد تقاليد التكوينات البدائية
الوحشية.
ولا أستبعد أن تكون حوادث اغتصاب كثيرة قد وقعت تحت سلطة الوحش
الفالت، وحش التهميش والجنس والطبقة، وهي في جوهرها صورة انتقام
رمزي لاغتصاب سياسي وطبقي مرير، والمتعة فيها مضاعفة: تلبية حاجة
جنسية، وتلبية رغبة دفينة في سلطة مسروقة لسنوات طويلة، وتلبية
حاجة اجتماعية يومية.
إعادة نشر هذا المقال تهدف أيضا إلى دعوة في نفس الوقت لقراءة
مجتمعنا من زاوية أخرى، والنظر إليه من غير تلك المناطق العمومية
التي تعودنا عليها، والتي عمقت اغترابنا عن هذا المجتمع، وعمقت
نفينا عنه: أصبحنا غرباء فيه، وأصبح غريبا عنا( قد يكون قول
الناس في الداخل هذه الأيام والمتكرر : نحن لا نحتاج إلى من يأتي
من الخارج، يتضمن هذا الفهم عن اغترابنا).
إن كل مفردات الخطاب الجنسي، هي مفردات سلطة ذكورية، تنتج في كل
مرة سلطة قمعية على شاكلتها، وهذه الإشكالية تتجسد في اللغة
الذكورية على نحو واضح. إن مفردات مثل: سنقاتل حتى آخر رجل، أو
أليس فيكم رجل، أو كلنا رجال دفاعا عن الوطن، أو الخجل من ذكر
الزوجة في الكتابة والاستشهاد بأقوالها وهو يعكس احتقارا باطنيا
مغلفا، وغيرها الكثير هي تجليات للعقل الذكوري التسلطي، حتى وأن
تبرقع بزي يساري حداثي. ( ولنا في رثاء جرير ـ توفى سنة733 م ـ
لزوجته خالدة دليلا ذا قيمة دلالية قوية.يقول جرير:
لو الحياء لعادني استعبار/ ولزرت قبرك والحبيب يزار
يتضح لنا من خلال هذا التصريح بالحب ـ ولو المتأخر بعد الموت ـ
للزوجة، فطالما تغنى الشعراء بالمحبوبة، ان جذور حميمية ناضجة
بين الزوجين، كانت ممكنة التحقق لو لا تلك" النظرة السيئة" كقيمة
تقليدية اجتماعية سائدة " لو لا الحياء". إنه اعتراف بلحظة واعية
ورغبة في البكاء والحزن" لو لا" تلك القيم الاجتماعية التي تحرم
الشخص حتى من زيارة قبر زوجته" لو لا الحياء.. لزرت قبرك" ـ
المعرفة والسلطة: الخمار العلمي).
ان ابن عقيل في شرحه لألفية ابن مالك يقر بأفضلية المذكر على
المؤنث فاصل الاسم عنده" مذكر" والمؤنث فرع!.
هذه الهندسة اللغوية والنحوية هي هندسة سياسية واجتماعية وان
قواعد النحو هي قواعد قهر وآن الأوان حقا لفك الارتباط بين اللغة
وبين المقدس الديني، والتمسك الحرفي بقواعد اللغة( ليس تمسكا
بريئا!) وهو في الجوهر تمسك اصولي نفعي سياسي وهذا يفسر لماذا
اللغة العربية الوحيدة في العالم بين اللغات الحية التي لم تتطور
وصار الخروج عن القاعدة النحوية خروجا عن قيم محرم الخروج منها
وهنا توجد السلطة بالمعنى الواسع للسلطة!
نقد العقل الجنسي
لا يتكلم الضحايا غالبا عن مجال القهر الجنسي حتى في الغرف
المغلقة، وان تكلموا فسيكون الكلام عن هذا القهر على انه قدر لا
تشارك السلطة في مجاله ولا تخلق له، لا عن طريق خطابات المعرفة
السلطوية، أو عن طريق الخوف، بنى ومؤسسات تعمل في الخفاء والعلن
على تشويه العقل وتحويله من مجاله الطبيعي إلى فضاء عقل عاجز
مشوه بليد.
هذا هو السبب الذي يجعل تناول نقد العقل الجنسي مركبا وصعبا
ومحفوفا بمخاطر متعددة نظرا لتداخل مستويات السلطات المنشغلة
بإدارة أزمة العقل الجنسي سواء كانت هذه سلطة الدولة من خلال
برامجها ونظامها المعرفي مهما كان نوعه، أو من خلال سلطة المؤسسة
الدينية المرتكزة على ترسانة ضخمة من العقل النقدي الجنسي وعلى
سلطة فقيه وظيفته حراسة الجسد من الرغبة والتفتح حتى في ظل مناخ
رؤية دينية تحترم الفطرة وتقدس حدود الطبيعة وتلتزم بقوانين
الجنس وحدوده الثقافية وترفض الممارسات الجنسية المفتوحة
والطبيعية.
إن نقد العقل الجنسي يبدأ من نقد مبدأ أو عقلية الفصم والعزل بين
السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وبين الجنسي واعتبار
الأخير نشاطا أو فعلا مستقلا لا يخضع لقانون غير قانونه الخاص.
كما أن نقد العقل الجنسي يعمل على تحرير الخطاب الذكوري من
منطق الهيمنة وهو في الأصل خطاب سلطوي سواء كان قادما من سلطة
سياسية حاكمة أو من خلال ذاكرة تراثية أو سلطة اجتماعية أو سلطة
معرفية.
وخطاب السلطة هو خطاب حيازة واحتكار وسيطرة، وخطاب من هذا
النوع يعمل على احتكار ليس جسد الفرد بل ومشاعره وأعمق عواطفه
وتحويل هذه العواطف من مجال التبادل المشروع إلى مجال أهداف
السلطة وهي أهداف معادية للدوافع والعواطف الإنسانية الصافية.
إن كل أشكال القهر المعروفة تجد انعكاساتها في المجال الجنسي
الذي لا يجد الفرصة ولا المناخ والذهنية القادرة على تحمل هذا
التوزيع المخالف لنظام الغرائز البشرية.
ويمكن للضحايا أن يخوضوا في الاستلاب السياسي والاقتصادي لكن
الاستلاب الجنسي يقصى إلى ابعد نقطة في العقل الأمر الذي يشكل
عصابا أو تابعا يشوه الوعي البشري من وراء ستار وحجاب وأقنعة.
لذا لا وجود لجنسية حقيقية وعادلة وطبيعية في دولة لا تنمية
بشرية فيها ولا توزيع ثروة بصورة متساوية، ولا تعددية سياسية، أو
شرعية دستورية، وبلا مؤسسات مجتمع مدني.
لكن كيف تتلاعب السلطة بقضية الجنس؟ وكيف توظف الكبت والحرمان
والقمع السياسي والجنسي لصالح وظائفها، وكيف تحول الفرد ولا نقول
المواطن من جسد ومشاعر وعواطف إلى مؤسسة وظيفتها حماية النظام
العام من خطر محدد يهدد هوية الدولة؟
إن السلطة البوليسية تعرف إلى ابعد الحدود مخاطر تحرير النشاط
الإنساني برمته على مستوى الإبداع الأدبي والسياسي والثقافي، من
هيمنتها ورقابتها ليس حرصا منها على القيم المقدسة والأعراف،
إنما خوف من نمو نشاط بشري خارج سيطرتها ونظامها المعرفي وتحديدا
خارج ايديولوجيا السلطة.
لذا فهي تتدخل حتى في التفاصيل الصغيرة وتدير عواطف الناس
ومشاعرهم وتكّون عقلهم الجنسي بصورة غير مباشرة ومستترة تارة من
خلال قوانينها و أنشطتها الكثيرة ـ حروب، فعاليات، مهرجانات،
حفلات..الخ ـ أو بصورة مباشرة ومرئية أحيانا أخرى من خلال بناء
مؤسسات بديلة للمجتمع القائم سواء على شكل منظمات جماهيرية أو
مدارس خاصة أو معاهد أو جامعات أو أندية، وتعمل هذه المؤسسات على
جانبين:
الأول: التبشير بنظام سياسي واجتماعي وثقافي جديد.
الثاني: تشكل تحديا ورفضا للبنى الاجتماعية التقليدية وخاصة
العائلة.
والسلطة الفاشية في العراق عملت بكل مشقة على تهديم البنى
التقليدية وبناء أخرى بديلة وتم التركيز بصورة خاصة على المدن
العريقة في تقاليدها لأن هذه التقاليد وقفت عائقا في وجه النظام
المعرفي السلطوي.
إن نقد العقل الجنسي يقوم على تحرير العقل من عبودية اللغة التي
تضع الأنثوي في المجال الدوني الذي يعكس تراتبية طبقية وسياسية
أولا وقبل كل شيء وبناء ذهنية القمع بناء على شروط ذكورية تستند
على ذاكرة تراثية دينية مسلحة بقاموس يعزل الجسد الأنثوي من حقل
الجمال والخير والعطاء والخصب ويضعه في حقل الأغراء والإغواء
والغواية والخطيئة.
وكما يقول الكاتب الخمَار العلمي في دراسته القيمة( المعرفة
والسلطة) إن تمسك الفقيه باللغة ليست صدفة بريئة بل لأن هذا
التمسك بالنحو واللغة والقواعد يضمن له وبصورة دائمة ومستند في
ذلك على شرعية النحو، المحافظة على
نسق جاهز من المواقف والقيم والسلوكيات المحقرة للمرأة
عبر لغة تضع المؤنث في مرتبة أدنى حتى في مجال النحو بناء على
دونية صورية تؤسسها اللغة من خلال هندسة نحوية صارمة.
إن أي خرق للقاعدة اللغوية يشكل بالنسبة للفقيه ومؤسسة السلطة
خيانة وخروجا عن الخطاب السائد الذي لا يحمل فقط تراث الدولة
لوحدها، بل يحمل تراث الفقيه.
وهذا هو السر الذي يجعل قاموس اللغة العربية مليء بألفاظ تدين
الخروج على القاعدة النحوية والفكرية( خائن، متمرد، زنديق..)
وربما يكون هو السبب الذي جعل المفكر المرحوم هادي العلوي يخرج
لوحده عن هذا السياق ويكسر القاعدة النحوية وقد اشار إلى ذلك
المفكر صادق جلال العظم في كتابه( ذهنية التحريم) في كون العلوي
يتعمد الخروج على القواعد النحوية.
لذلك يأتي الخطاب الروائي الحداثي مغايرا ورفضا وتحديا لخطاب
السلطة وخطاب الفقيه وخطاب الجنرال وخطاب شيخ القبيلة.
إنه خطاب يعرّي ويكشف، في حين أن الخطابات الأخرى تخبئ وتحجب
وتخفي وتهرب.
أن السلطة تؤثر في مجال الجنس من خلال خطاب معرفي و تؤثر وتخلق
وتنتج خطابا لغويا خاصا بها.
إن اللغة هي شكل من أشكال السلطة. ليست بالضرورة سلطة الدولة،
بل سلطة النحو، وسلطة الأسرة، وسلطة الأعراف، وسلطة الجسد، وسلطة
المعارضة، وسلطة الرغبة، والخطاب، والذاكرة، المصح، السجن،
الحب...الخ..
والعزل اللغوي هو عزل اجتماعي وسياسي وطبقي. لنلجأ إلى الأمثلة
من محيطنا العراقي دون الحاجة لتكرار أخطاء العقل السياسي
العراقي السائد الذي كان مغرما ولا يزال بفهم وتفكيك المجتمعات
الأخرى دون محاولة للاقتراب من مجتمعنا الأمر الذي خلق وعيا شقيا
منفصلا عن مكانه الأصلي وخصوصية الواقع المحلي وتراثه وأساطيره
وثقافته وأديانه.
إن ضواحي بغداد الشرقية تتكون من مدن حاشدة بشرائح اجتماعية
تعيش وضعا طبقيا واجتماعيا خاصا:
1 . مدينة الثورة ـ حشد وعلبة
هائلة لفلاحين وشغيلة نزحوا إلى بغداد في مراحل سابقة بعد هجر
الأرض.
2 ضاحية الفضيلية ـ تجمع حاشد
لرعاة الجاموس أو المعدان الذين نزحوا هم أيضا من الجنوب وشكلوا
ضاحية عشوائية شرقي بغداد.
3 ضاحية الكمالية
ـ وهي تجاور الثورة والفضيلية وتكوّن تماسا معهما وهذه الضاحية
تضم غالبا شرائح من الغجر" الكاولية" الذين استقروا في هذه
الضاحية وبقوا عائمين في الدخول إلى مجال التبادل الاجتماعي إلا
بصفة غجر في الأفراح.
4 ضاحية الشماعية ـ وفي هذه
الضاحية رمزها المعروف مستشفى الشماعية وهي مستوطنة بائسة لعمال
الطابوق الفقراء.
إن هذه الضواحي، كمثال ونموذج، فشلت
في الدخول في علاقات تبادل واندماج وتكافؤ ومساواة مع بغداد
الأصلية بضواحيها العريقة والمعروفة، ولم تتمكن حتى
مفردات أو قاموس هذه الضواحي من أن يكون مقبولا في أي علائق
اجتماعية مشروعة( قد يفسر هذا سبب
الانتقام اللاشعوري من سكان هذه الأحياء الفقيرة والمهمشة من
الأحياء البغدادية الغنية بعد زوال النظام ـ ملاحظة حديثة!).
حافظت أحياء بغداد المسماة تعسفا" الأحياء الراقية!" على كل
مسافات العزل اللغوي والجنسي والطبقي بينها وبين هذه الضواحي.
فلا تواصل في اللغة، ولا تزاوج بين هذه الأحياء، والعلاقة
الوحيدة قائمة على الخدمات التي يقدمها هؤلاء إلى مدن الأفندية.
والأساس في هذا العزل ليست الجغرافية التي تضع حدود المحرم بين
الطبقات، بل هو عبارة عن عزل سياسي واجتماعي ولغوي وجنسي قائم
على التصنيف والطبقية والاختزال والتراتبية.
لكن ما هو مثير للغرابة هو أعمق من ذلك، لأن النظام السياسي
القمعي ينتج مجتمعا يعاني أفراده وطبقاته من مشاعر متضاربة إزاء
بعضها البعض.
إن نزيل الفضيلية راعي الجاموس لا يستطيع هو الآخر أن يقيم
علاقة اجتماعية متساوية لا على مستوى اللغة ولا على مستوى الجنس
أو في طقوس الحياة مع غجري في الكمالية لأنه يشعر بدونية الأخير(
ما أن سقطت السلطة حتى قام الأول بمسح
الآخر من على سطح الأرض! ـ ملاحظة حديثة) وإذا كانت هناك
علاقة فهي تتأسس في الخفاء والسر ولها طابع عابر ومؤقت.
كما أن نزيل الكمالية يشعر بدونية نزيل الشماعية الذي تنازل عن
شخصيته ولغته وذاكرته وسلم أمره لله ودخل في العصاب أو في
الشيزوفرينا ونجا من السلطة والمعرفة والحرب والجنس ولم يعد يهتم
حتى بطبول الغجر في الليل.
إن كل مساوئ وتشوهات العقل السياسي تنعكس في العقل الجنسي، وكل
التصنيف والعزل والاختزال والتمييز الطبقي والثقافي والعرقي
موجود في العقل الجنسي، لذلك فإن خطاب نقد العقل الجنسي هو في
الأصل نقد العقل السياسي من منطقة مختلفة تماما عن المعهود. |