|
تنقلب الادوار في مراحل التحولات العاصفة والمتسارعة
والفجائية، كالحروب، الانقلابات، الكوارث، التحولات الكبرى،
ويبدو المجتمع كما لو انه خرج من السيطرة. وانقلاب الادوار أو
الوظائف قد يحدث بطيئا أو سريعا، بصورة عادية أو بصورة قسر
واكراه، على نحو طوعي أو على نحو قمعي اجباري
أو على صورة انهيار عام لكل القيم.
ان الامر يتوقف على طبيعة( الدور) نفسه. لكن ما هو الدور؟. الدور
حسب تعريف لينتون عالم النفس الاجتماعي
هو الجانب الدينامي لمركز الفرد أو
وضعه أو مكانته في المجتمع.
والدور ايضا كما يعرفه الدكتور جليل وديع شكور( هو مجموعة
الانماط الثقافية المرتبطة بحالة معينة ـ الموقف ـ وهو مجموع
السلوك والقيم التي يفرضها المجتمع على شخص وعلى كل الاشخاص
الذين يحتلون نفس الحالة ـ دور الاب، دور المعلم..ـ وتتعدد
الادوار عند الفرد الواحد وفق الحالات التي يمثلها.)
والفرد يتعلم منذ الصغر القيام بأدوار متعاقبة حسب العمر والموقع
داخل الاسرة والمجتمع: دور الابن، التلميذ، دور الاب، الزوج،
الموظف..الخ.
وهذه الادوار قد تكون طويلة / دور الاب / أو قصيرة كدور مسافر
في طائرة / أو تكون مرحلية ـ دور الجندي ـ / وقد تكون ادوار
بيولوجية كدور الانثى أو الذكر، أو مكتسبة كبقية الادوار
والوظائف.
يمكن ان يقوم الفرد الواحد بعدة ادوار اجتماعية في آن واحد كدور
العامل والزوج والصديق والمسافر، ويمكن ان تقوم عدة جماعات بأداء
دور واحد في الانتاج أو في الحرب أو في النادي أو في
الملعب..الخ..
يتم في الظروف الطبيعية الانتقال من دور الى اخر في جو سلمي وحسب
القوانين والدساتير التي تحدد الوظائف والادوار الاجتماعية.
لكن هذه الادوار تشهد انقلابا حادا وسريعا وعاصفا في مراحل
المنعطفات السياسية أو في أزمنة الحروب والكوارث أو في مناخات
الازمة أو في ظل دول بوليسية.
ماذا يحدث للأدوار الاجتماعية في ظروف القمع والحرب والازمات
الطارئة؟
ان انهيار نظام المعايير وهو الاطار المرجعي الذي يضبط ايقاع
المجتمع، وسيادة العدمية الاخلاقية، وهيمنة منطق التبرير، يؤدي
الى انهيار آخر أكثر خطورة هو انهيار الادوار.
الدور مرتبط عضويا بالمعايير، وهذه تحدد حالة ووظيفة الفرد داخل
المجتمع، وفي حالة انهيار قيم المجتمع
وسيطرة قيم أو معايير أخرى تنشأ حسب الحالة والظرف أو أهواء
ورغبات
الأفراد
أدوار جديدة، وتنقلب أدوار قديمة.
قد
تنقلب
الأدوار في لحظات المنعطفات الكبرى أو الحروب أو الكوارث ويتحول
الاب فجأة الى محارب ومن محارب الى أسير أو دور هارب، وقد
يتحول معلم المدرسة الى ضابط أو مدير سجن، ويتحول المربي الى
سائق دبابة
ويتحول النشال الى زعيم سياسي والجلاد القديم إلى وزير ويتحول
مطيرجي مثلا إلى مسؤول مركز أبحاث استراتيجية في الأزمات! الخ.
الخ.
وحتى في ظروف السلم الاجتماعي أو مراحل الهدوء قد تقلب سلطة
فاشية ادوار الناس وتمسخ وظائفهم الاجتماعية المعروفة. فليس
غريبا مثلا، ان يتحول صالون حلاقة الى وكر مخابراتي او مأوى
دعارة، او عامل فندق الى مخبر، ورجل دين في جامع الى
شرطي...الخ.
كما انه أمر مألوف، كما حدث في العراق في
سنوات الفاشية
ان تنقلب أدوار على نحو فجائي غير مسبوق، فيتحول جندي هارب من
الجيش الى رئيس دولة، ويصير بائع عربة جوال نائب القائد العام،
ويتحول عريف في الجيش الى جنرال ومحافظ، أو يصير خريج سجون
واصلاحية وزيرا للتربية والتعليم، ويتحول بائع طيور الى وزير
تجارة ...وهلم جرى.
هذا الانقلاب في الادوار احدث فوضى اجتماعية وسياسية وثقافية،
لأن هذه ليست أدوارا فحسب، بل هي تشكيلة من القيم، ومن المؤسسات،
ومن القوانين والاعراف والمعايير.
والانسان لا يتعلم على دور ما بهذه السرعة. انها عملية نفسية
وتربوية معقدة ومتكررة وطويلة. لذلك قاد هذا الانقلاب الطارئ
للأدوار الى تشوه اجتماعي وثقافي واخلاقي عميق، والى دخول
المجتمع العراقي في مرحلة المأزق والدوامة
انفجر على نحو كارثي بعد سقوط النظام وعاد كل شخص إلى رسم دوره
كما يريد ويرغب بلا قانون أو مرجعية.
ان الفاشية هي حالة وبائية تنقل معاييرها الى ضحاياها بصورة
سرية وهادئة ويبدو هذا التسلل غير ملحوظ وخفي احيانا وبارز بعض
الاحيان، حين تستخدم الضحية نفس معايير عدوها أو تتماهى مع
مفاهيمه، لأن الانسان المقهور كما يقول الدكتور مصطفى حجازي في
كتابه القيم( سيكولوجيا الانسان المقهور) لا يعود يرى امامه من
مثال حياتي ومن معيار لتحقيق الذات سوى اسلوب حياة المتسلط وقيمه
ومثله العليا.
التماهي هنا بالمستبد هو نوع من الفرار من مواجهة وضع مأزقي
بالتداخل والاندماج معه، أو انه ـ حسب الوصف الرائع للمفكر فرانز
فانون في كتابه المعذبون في الارض ـ:
هو نوع من الاعجاب الخفي من الضحية بجلادها.
ان اعتقاد الضحية، على مستوى الوعي أو على مستوى اللاوعي، بأن
تبني قيم المستبد هو فرار ونجاة من وضع سايكلوجي واجتماعي ضاغط
ومحرج هو نوع من دفن الرأس في الرمل. الارهاب الفكري يمكن ان
تمارسه ضحية بأشد قسوة وشناعة من قسوة وشناعة السلطة لأن هذه
الضحية بحاجة الى تفريغ خزين هائل من قهر متراكم ومن ذل معتق.
وهذه الضحية المتحولة الى" جلاد" تمارس
وتقلد
اساليب جلادها الاول بمهارة ودقة
في سلوك لا شعوري أو شعوري لحل
مأزقها النفسي والوجودي والتخلص
من مشاعر المهانة التي تعصرها يوميا دون ان تعلم انها اضافت
مأزقا جديدا لن تكون قادرة على حله حلا منطقيا، بل ستعيد انتاجه
على نحو آخر وهكذا والى اخره من الاجترار المتواصل(
هذا السلوك تمارسه القردة في الاقفاص كما يقول صاحب كتاب "
الانسان ذلك القرد العاري" حيث تقوم علاقات قهر وسيطرة بين
القرود حتى داخل الأقفاص للتنفيس!).
وهذه الضحية لا تستطيع ممارسة " دور" المستبد على المستبد لأن
جلادها الاول زرع في داخلها الجبن من القوة، بل هي تلجأ ـ حسب
فرانز فانون ـ الى مبدأ الانتقاء والتعويض. اي انتقاء ضحية "
هالكة" لممارسة دور الجلاد عليها، وهذا الاختيار يشكل أسوأ وأحقر
سلوك بشري تمارسه ضحية ضد أخرى. فهي لا تقترب من ضحية قوية
لأن جلادها الأول زرع في داخلها الرعب من القوي والقوة.
سلوك الضحايا اليومي يعطي أمثلة لا حصر لها.
لكن هل انقلاب الادوار يشمل المؤسسة الحاكمة ام انه يشمل
ضحاياها؟. ماهي معايير الضحايا وكيف يتم توزيع الادوار بينهم اذا
كان المجتمع مهشماً ومعاييره محطمة، والادوار مقلوبة؟.
ماهي البنية السياسية والفكرية والاجتماعية والاخلاقية التي
ينظر من خلالها الضحايا الى الحياة والحرية والسلطة والمستقبل؟.
ماهو نظام المعايير البديل؟ وماهي الادوار الجديدة؟
ان نظرة تأمل عميقة ـ وحتى سطحية ـ الى ضحايا السلطة تعطي
الدليل الواضح على ان انقلاب الادوار لم يعد ظاهرة مؤسساتية
فاشية، بل هي ظاهرة موجودة على الجانب الاخر من معادلة صراع
السلطة.
ان المشهد التالي الذي غالبا مايتكرر على شاشة التلفاز هو احد
الادلة الصارخة على انقلاب بل تشوه الادوار الاجتماعية والسياسية
والتربوية والاخلاقية التي كانت الاطار المرجعي الذي شكل البنية
النفسية لأجيال عديدة.
هذا المشهد هو: مناضل يساري
ضاحكا مع جنرال محتل/ رجل دين معمم يستقبل في منزله مسؤول في
سلطة احتلال/ شيخ قبيلة على مأدبة طعام في منزله مع ضابط محتل.
رجل
الدين هذا كان
حتى فترة قصيرة، وعلّم اجيالا على ذلك،
لا
يؤمن بأية
سلطة زمنية وبشرية، ولا يقبل بغير حاكمية الله على الارض يقف
الى جوار اليساري الذي علم اجيالا على العداء للامبريالية
والرأسمالية المتوحشة، وكان على مدى حقب زمنية يدفع الشباب الى
الموت في السجون تحت الاحذية
ويطارد الناجين منهم بتهمة التخلي ! / مع هؤلاء
في
مشهد قلب الأدوار
مقاول، والى جانبه ضابط سلطة في الحرس الجمهوري حتى وقت قريب!
يمكن بقليل من الخيال وضع نماذج اخرى !
هذا الحضور الغريب للأدوار، هذا الانقلاب الفج، وهذا الغياب
المقابل للناس والارادة، هو مثال بارز على انقلاب الادوار
الساخر.
وهذا المشهد لم يكن ليحدث في اية حركة مقاومة أو معارضة اخرى في
العالم تكون فيها الحدود واضحة والمرجعيات بينة، والادوار محكومة
بقانون اخلاقي او نواميس أو تقاليد سياسية.
خارج الصورة:
جلاد سابق يصبح عضوا في مؤسسة" ثورية!" أو مؤتمر للتغيير!
هارب بالدخل يتحول الى" مناضل" من أجل الحرية !
مثقفون
يساريون يرفعون برقية استرحام لزعيم دولة كانوا يصفونه وعلموا
أجيالا على ذلك بكونه زعيم دولة إمبريالية!
خارج الصورة ايضا:
مناضلون شرفاء، ومثقفون نجباء، ليس لهم اي
(دور)
غير دور الصمت أو دور المتفرج على مشاهد
موت يومي.
هذه ليست نهاية الصورة.
يمكنكم وضع نماذج أخرى على الجانبين!
ان المستقبل ليس غيبا أو صورة مشوشة، بل هو صورتنا الحالية،
والمستقبل هو خطواتنا اليوم. لكن ما يجعل هذا المستقبل غامضا
ومشوشا ومضطربا هو الرؤية المشوهة.
هي " الانا الثانية" التي خلقتها ثقافات وأوضاع وعقائد واوهام.
ومن غير الممكن رؤية القادم من الايام بذات مزيفة صنعتها قوى
قهرية متعددة الرؤوس.
وليس امامنا من خيار اليوم غير تحرير هذه الذات من الرؤية
المشوهة التي جعلت أكثر صور انقلاب الادوار ممكنة ومقبولة
ومفهومة وطبيعية!
إن ما حدث في العراق أكبر من انهيار سلطة وجدار ودكتاتور.
إنه انهيار تاريخ، وقيم، وانقلاب أدوار! |