الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 

لصوص الأزمنة الأربعة

 

تاريخ الشعوب ليس تاريخ ملائكة وشياطين كما تحاول ذهنية الثنائيات تصويره أو كتابته، بل هو مثل أي تاريخ آخر مليء بالفجوات والألوان والمواقف والنماذج والمناطق الرمادية التي لا حدود لها. إنه تاريخ التنوع والكائن البشري الشديد التعقيد والمراوغة، فليس هناك شر مطلق أو خير مطلق، هناك نسبية واحتمالية وطيفية وقد يكون الانسان شريرا في موقف ولكنه طيبا في آخر، وينصح علماء النفس الكبار ومنهم بول هوك  في كتابه القيم والممتع (ابق رأسك عاليا) وفي العربي ترجم إلى (التقييم الذاتي) بأن يتجنب المرء تقييم نفسه والآخرين بناء على سلوك أو موقف أو خاصية واحدة لأن الانسان يختزن ملايين الخواص المتناقضة أو المتناحرة وعادة ما تستند هذه التقييمات إلى تحيزات مسبقة (ومن العبث القول أن برميلا واحدا من التفاح فاسد بسبب تفاحة واحدة فاسدة). كما أن مسألة تقييم الأشخاص تختلف من بلد الى بلد ومن  شخص إلى شخص نظرا لاختلاف انظمة القيم والمعايير كما ان السمات (اللطف والحقارة والظرف) تتغير نفسها على نحو متواصل ومن غير المنطقي والاخلاقي والموضوعي حبس الناس في خزائن لعشرات السنوات والعودة إلى مواقف وحالات  في ظرف معين، في تاريخ معين ونسيان كل هذه الفاصلة من الزمن، فمفاهيم النزاهة والأمانة والشرف تختلف من مكان لآخر ومن شخص لآخر ومن مرحلة لأخرى.

 

 وفي كتابه (تحدي التغيير) يقول تيري لندن الصادر سنة88( قيم أفعالك ـ لا ذاتك ـ وحاول أن تحسن العمل).

 

ومن هذا المنطلق المفتوح سنحاول تأمل ظاهرة عراقية متواصلة تجنبتها الثقافة السياسية العراقية المؤدلجة التي اشتهرت بالعموميات والشعارات وثقافة الحيطان وتجنبت جهلا أو عمدا تلك المناطق المعتمة والمظللة التي تكون المشهد النهائي والأساسي والجوهري ، ربما لأن من عادة المشرقي أن يركز على الصورة، الاعلان، الواجهة، وينسى الظلال السرية التي تكون الحدث وهذه يعرفها كتاب الرواية على نحو أفضل.

 

إن تاريخ تأسيس الدولة العراقية أوائل العشرينات من القرن الماضي هو مثل أي تأسيس آخر، مع خصوصيات تاريخية وسياسية معروفة، لأن الذين يكوّنون الدولة هم أولا وأخيرا بشر ينطبق عليهم ما ينطبق على الكائن البشري من عوز ونقص وضعف وقوة وشهامة وتبدل وطمع ونزق وعدوان ولطف وتحول وجمود وموت وتفسخ وندم وأمل، رغم أن طبيعة المجتمعات التقليدية تسجن الناس في خانات ومواقف  على نحو أبدي وهذا اعتداء على حرية الفرد في أن يتطور نحو الأفضل.

 

إن تناول تطور لصوص الدولة العراقية في مراحل تشكلها وحتى اليوم  يمر بأزمنة عراقية مختلفة ومتقاطعة أحيانا مع أن الزمن العراقي جوهرا هو زمن واحد على المستوى الفكري لأنه لم تحدث قطيعة معرفية مع العصور ولا الأزمنة الغابرة ومازلنا حتى اليوم نتعايش ونتجاور ونفكر ونطبق ما يرسمه لنا الموتى.

 

الدولة العراقية ليست نفسها في كل الحقب فهي انتقلت من دولة العائلة المالكة إلى دولة العسكر والعقداء ثم دولة الحزب، الأسرة، العصابة، وانتهت دولة رجل واحد.

 

كما  أن لصوص السياسة مروا بأربعة  أزمنة وكل مرحلة لها رمزها الأسطوري:

1ـ الأولى: لصوص سنوات التأسيس/  رمزها المرحوم نوري سعيد الذي ظهر انه لا يملك مالا ولا طيانا أكثر مما يملك اليوم حراس أي زعيم حزب سياسي في العراق  في زمن الاحتلال.

2ـ لصوص سنوات العسكر والثكنات/  طاهر يحيى عدا فندق دنانير الذي لا يسكنه اليوم أي شحاذ وربما شركة واحدة أو معمل فالرجل مات شر ميتة في سجون الفاشية بعد إذلال طويل وصل درجة إجباره على الرقص وكنس السجن الخ... وهو أمر  ليس غريبا على جلاوزة الأمن والمخابرات.

 

 3ـ لصوص سنوات الفاشية/ الدكتاتور وحاشيته، والدكتاتور (لا أحب أن اسميه!) تزحلق على مراحل ولم يكن لصا منذ اليوم الأول وحكم العائلة لم يتأسس من اليوم الأول كما هو اليوم في العراق، بل استمر سنوات بعد مشاريع لا تنكر.

 

4ـ لصوص حقبة ما بعد الفاشية. أو ما يعرف في الفكر المجالسي العراقي في ثلوج القطب الشمالي أو حافة بحر البلطيق أو في مضيف الشيخ الجديد ماسنجر: بحقبة محمد محسن الزبيدي رمز سنوات التغيير!

 وهؤلاء نزلوا كما لو بالمظلات على البنوك والمؤسسات وسرقوا كل شيء ، كل شيء، بدون أن يقدموا مكسبا واحدا ولو من الناحية الشكلية كأنهم لصوص وهم في المرحلة المنوية!

 

كما أن تاريخ لصوص السياسة يمر حتما بتاريخ لصوص المجتمع وفي حالات يتداخل الاثنان حتى يصبح التفريق محالا كما هو اليوم خاصة وان السياسة عندنا  يندمج فيها الاجتماعي والسياسي والعائلي والشخصي والديني في ظل الغياب الأسطوري للدساتير والحريات والقوانين والثقافة السياسية والمرجعيات ـ عدا الدينية المتناحرة ـ والمجتمع الصناعي وهو شرط حيوي للتحول والنمو وبلا صحافة حرة ولا مجتمع أهلي  منظم طوعا الخ.. والذين ينظّرون ـ من التنظير ـ للديمقراطية في العراق أنما يكتبون قراءاتهم القادمة من بنية معرفية واجتماعية وفكرية أخرى، فهؤلاء لا يعيشون في مجتمعهم إلا على نحو عضوي لأنهم يجهلونه تماما.

 

إن تاريخ السياسة في العراق هو تاريخ بغداد حصرا لأن المدن الأخرى كانت ديكورا لا أكثر ولا أقل. لذلك فإن الحياة البغدادية بما فيها من عادات وتقاليد ونماذج بشرية وأعراف ومعايير شكلت التيار الرئيس ـ لا أقول الوحيد ـ في الحياة السياسية العراقية بصورتها اليوم.

 

ومن المفيد دراسة تاريخ هذه المدينة العريقة، وهي مدينة يتجاور فيها الأسطوري والجمالي والواقعي والسحري والخرافي والموت والعنف على نحو مرئي عبر العصور. لكن تاريخ بغداد الذي يعنينا هنا ليس تاريخه النشأة والتكوين بل هو تاريخ  بروز ظاهرة لصوص السياسة في العراق.

 

وهنا يجب عليّ التذكير بكتاب استثنائي عن هذه العاصمة العريقة هو (بغداد في العشرينات) للسيد عباس البغدادي وكتب مقدمته الروائي عبد الرحمن منيف وهو كتاب موسوعي عن هذه المدينة في بدايات القرن الماضي لا يقل قيمة إن لم يكن يتجاوز الكتب التاريخية الكبرى مثل ألف ليلة وليلة ومذكرات الرحالة القدماء. وهذا الكتاب لا غنى عنه للباحث والفنان والمهندس والسياسي والنشال والمؤرخ والقارئ العادي وهو يتعرض لتاريخ ظهور وتطور الحرف والمدارس والمحلات والعوائل واللصوص  والزعماء والأندية والشحاذين والشقاوات ـ الفتوة ـ  والأزياء والأطعمة والنقود والشوارع والجسور والمقاهي والملاهي والجوامع والاحتلال الانكليزي والعادات والتقاليد وحوادث ذلك الزمان الحافل بكل ما هو جميل وعذب وعنيف وجديد ومدهش ومخيف ومتناقض.

 

 ورغم أن السيد عباس البغدادي تجنب الخوض في السياسة على نحو مباشر ـ الكتاب طبع سنة 93 ـ وهو كان حيا بعمر 85 على ما أتذكر، إلا أنه كتاب  يجد فيه السياسي والعالم والباحث والروائي والمقاول والمهندس ضالته المنشودة. إنه كتاب قيامة مدينة في بداية قرن.

 

ورغم ان الكاتب لم يتطرق مطلقا لظاهرة نشوء لصوص السياسة وتحدث عن ظاهرة اللصوص العاديين الظرفاء، إلا القارئ المتفحص يخرج، كما سيخرج المهندس المعماري، كما سيخرج المصرفي والشاعر كذلك، بفهم واسع لكثير من الظواهر وتاريخ تطور بغداد اليوم.

 

إن بغداد مدينة محاصرة برموز وقوى علنية وشبحية دينية واسطورية، سياسية وتاريخية، ويشكل النهر أحد أهم معالم هذه المدينة الساحرة وهو الراوي الكبير لحكاياتها المدهشة منذ زمن الشطار والعيارين والصعاليك و شعراء ملوك الليل والساحرات والقصور والجواري والرحلات النهرية الملكية والأميرات الساحرات حتى الانقلابات العسكرية الدموية وتاريخ الأحزاب (الثُورية!)التي قضت على ربيع هذه الساحرة وأدخلتها في ريف شتوي اصفر كريه.

 

لم تكن الدولة العراقية عند التأسيس دولة لصوص كما صارت من بعد، أو لم تكن اللصوصية  من سماتها العلنية الصارخة كما هي اليوم، بل كانت هناك، رغم أن البشر في كل زمان ومكان  ليسوا ملائكة وليسوا شياطينا، قطعا لصوصية مستترة لكن هيبة الدولة كانت حاضرة في شخص ملكها المجلوب من الخارج (قدر عراقي يتكرر!) وربما يعود الأمر في ظني إلى تأخر حقبة الفورة النفطية الذهبية التي دمرت بغداد والعراق والمنطقة وندفع ثمنها اليوم وغدا وحتى لقرون قادمة على هذا النحو أو ذاك.

 

كان هناك لصوص كما في أي زمان ومكان، لكن هؤلاء كانوا مثل اقرانهم ورفاقهم لصوص المدن الأخرى العراقية، نتاج واقع طبقي اجتماعي شرع ينفتح على هوة  تناقضات عميقة في مجتمع ساكن جامد تقليدي.

 

لذلك نجد أن هؤلاء، ومنهم من يدمج حرفة اللصوصية بالشقاوة، أي "الجدعنة" في العامية المصرية، حافظوا على مستوى معين من القيم والمعايير الأخلاقية دون تجاوزها إلا في حالات خاصة ولنوع معين من اللصوص (الصغار!) المنبوذين في مجتمع اللصوص (الكبار!) الذين يحتكمون في سرقاتهم إلى مراجل وأخلاق وعادات وأعراف: لا يجوز سرقة أرملة، أو عجوز، لا يمكن ضرب مريض، لكن يمكن سرقته، ليس شرفا أن تسرق طعام جائع، هذه ليست من الرجولة، يمكن السطو على غنم الشيخ، هذه شجاعة وشرف، لا تقتل مسروقا  فقيرا، هذا سلوك لصوص جبناء، لا تسرق جارا، هذا عار، مت دفاعا عن بنت المحلة بدون  معرفة أو قرابة دم، هذه شهامة، قاتل حتى الموت من أجل شرف امرأة مستجيرة حتى لو سرقتها أمس (وقد قتل فعلا كثيرون من شقاوات المحلات الشعبية دفاعا عن نساء أو رجال من ابناء المحلة!)، لا تسرق جامعا، هذه يفعلها اللص الخسيس، لا تسرق ضريح ميت، لا تقتل طفلا في كل الأحوال حتى في حالة مواجهة هذا خزي الخ.. الأعراف التي  لها قوة القانون والإلزام الصارم.

 

إن مفهوم (الشقاوة) هو مفهوم شطاري عياري قادم من زمن الصعاليك والقرامطة الذين يعدون أنفسهم  أصحاب رسالة أخلاقية حيث كانوا يهاجمون قوافل الأغنياء ويسرقون المال والطعام ويوزعونه على الفقراء. لكن طبعا مثل أية ظاهرة بشرية تخرج عن مسارها وتنعطف،كما يحدث حتى في الأحزاب السياسية التاريخية العريقة، تحول قرامطة العصر العباسي إلى شقاوات محلات و"قهاوي" ظرفاء يحتفظون ببقايا تقاليد  ذلك الزمن القرمطي الجميل والساحر و الشاعري والثوري الحقيقي.

وكان  قرامطة بغداد معروفين في الأحياء وفي النوادي والمقاهي وفي الشوارع وسباقات الخيل ولهم تقاليد ولغة اشارية من خلال الأزياء وطريقة ارتداء الثياب والسترة والعرقجين و"الزبون" والصاية، والنعال أو الحذاء والحزام.

 

إن طريقة لبس كل هذه الأشياء كان لغة خاصة توحي وترسل رسائل إلى الآخرين على نحو صامت وفعال ومؤثر، ودراسة سيميائية اللغة الاشارية عند العفطية ـ  كلمة عربية فصحى ـ تحتاج إلى وقت نأمل أن نحصل عليه، وهذه الدراسة كانت لا شك ستدهش علماء اللغة  والسيمياء الكبار أمثال كولد ليفي شتراوس ورولان بارت وتودورف وامبرتو ايكو  وجماعة مدرسة فرانكفورت وغيرهم.

 

 إن الحزام ، عند صعاليك بغداد، لغة خاصة موحية ودقيقة، فوضع الحزام مثلا على الجانب الأيسر مع ارتفاعه على جهة اليمين يقول ان صاحبه (مسقّط!) ومستعد لإطلاق النار أو استعمال السكين في أية لحظة إذا استفز، ويقابله وضع العرقجين  إلى الخلف قليلا والجبهة بارزة، وهو يؤدي نفس معنى وضع السترة على الكتف الايسر أو الأيمن وحملها بإصبع واحد وهذه تعني: إن الأخ بايعها بقشر بصل!

 

 أما الحذاء الذي يصرج ـ يخرج صوتا ـ فهذا كان لأعيان بغداد أو  في الأقل الطبقة المتوسطة، ولا يصح حسب العرف، لعربنجي أن يستخدمه هذا اذا كان قادرا على شراء حذاء أو حتى الحلم به( مثل كاتب هذه السطور يوما!) من هذا النوع.

 

إن العباءة هي الأخرى أنواع، وأقمشة، تلبس حسب التصنيف الطبقي المراتبي، وليس من المعقول  ان يرتدي "شقي" أو لص شهم مثل هذه العباءة لأنها تتنافر مع المظهر العام، أي مظهر شخص حامل دمه بيده ويطوف به على المقاهي والملاهي. إن الوقار يتنافر مع اللصوصية.

 

 ربما لهذا السبب ظهر لنا السيد محمد محسن الزبيدي أول رئيس ولص عراقي غير منتخب في مشهد الافتتاح  بعد سقوط بغداد بملابس بسيطة ليذكرنا بتقاليد الصعاليك والشطار واللصوص الأوائل !.

 

 وكان ظهور هذا الشخص بعد انهيار الفاشية اعلانا صريحا وظريفا وتاريخيا، لو كنا نفهم، ببداية مرحلة جديدة من تاريخ لصوص السياسة في العراق يخجل منهم اللصوص القدماء الشجعان الظرفاء.

 

ويشكل ظهوره أيضا إغواء لا يقاوم للمخرج السينمائي الذي سيتعرض لهذه المرحلة "الوردية" وللروائي كذلك في جعله مشهدا استهلاليا رامزا إلى بداية تاريخ جديد من حرامية السياسة.

 

وهنا أدعو أخي غير الحبيب، بتعبير نيتشة، المخرج قاسم حول في أن نتعاون معا في المقبل من الأيام على  تصوير هذا الحدث التاريخي إذا قبل  المخرج حول مشاركة روائي متواضع مبتدئ مثلي!

 

وسيكون رائعا ومفيدا أن نتابع ظاهرة هذا الرئيس الجديد، وصعاليكه، والذين أرسلوه كطليعة لحقبة عيارين جدد واعلان عن زمن عراقي منفر يخجل منه صعاليك بغداد في كل الأزمنة.

 

وليس غريبا، والمشاهدون لا شك يتذكرون، كيف أن السيد الزبيدي كان يضع سترته على كتفه معلقة بإصبع واحد وتلك كات لغة، سيمياء، على أن المرحلة القادمة من تاريخ العراق ستجعل العراقي يركض خلف البصقة حتى صحراء الربع الخالي وهي تقفز أمامه كالكنغر!

 

وليس عجيبا للمؤرخ، ولا للروائي، ولا للساحر، ولا للمشعوذ أيضا، أن يظهر في إثره الأستاذ انتفاض قنبر على شاشات التلفاز وهو يهجم على محاوره الكهل ويضربه (الدكتور نظمي!)  في إعلان، لو كنا نفهم، أو نعقل، أو نفكر، أو نتدبر، عن نوعية  الثقافة السياسية الديمقراطية القادمة.

 

وفي المشهد الواسع والكبير يتقدم الاستاذ (المناضل بتعبير جراح عراقي!) هو مشهد المشاهد في التاريخ العراقي المعاصر وهو:

 الدكتور احمد الجلبي وهو يرتدي ثياب الراهب!

  

 
                      العودة للصفحة الرئيسية