|
كثيرا ما يستعمل البعض مفهوم الخطيئة القادم من الموروث الديني
وترحيله إلى الخطيئة السياسية، أي التوظيف الديني للسياسة،
وبمعنى أدق محاكمة السلوك السياسي البشري بناء على مفاهيم دينية
كبرى لها ظرفها الخاص ومواقع النزول.
وهذا النوع من التلبيس السياسي للمفاهيم لا يشوه المفهوم الديني
فحسب بل والمفهوم السياسي لأن الأخير سلوك بشري قابل للخطأ
والصواب مثل كل الأفعال الأخرى.
إن السياسة فعل من أفعال البشر وهذه الأفعال متغيرة متبدلة
ومتحولة، والسلوك السياسي في أي زمان ومكان يخضع للرقابة
والمحاكمة والتطور.
كما أن وضع اللغة الدينية في مستوى واحد مع اللغة السياسية لا
يخدم لا الدين ولا السياسة: إن اللغة الدينية هي لغة تشريع
وتقرير، وفي جانب الأصول لغة ثوابت، في حين أن اللغة السياسية هي
لغة بحث وشك وسؤال وتحول أو هكذا يجب أن تكون، واللغة السياسية
تختلف عن اللغة الأدبية وكل خطاب له شروط الخ.
وغالبا ما يواجه المحتجون والمعترضون على سلوك سياسي معين بهذا
الهتاف الأزلي( من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر) ولو كل واحد
من الناس رمى حجرا على خطيئة لما وجدنا حجرة واحدة ولصار مثقال
الحجر بدينار!
لكن الخطيئة السياسية شيء والخطيئة الفردية شيء آخر: إن أخطاء
الشخص العادي غير أخطاء رجل الدولة أو المسؤول السياسي.
الأول قد يلحق ضررا بنفسه أو محيطه وهناك قواعد تضبط السلوك
البشري وقوانين تعاقب وتبرئ. لكن أخطاء السياسي أو رجل الدولة هي
أخطاء تتسم بالشمول والعمومية والسعة.
فليس من المنطق وضع قبعة الخطيئة الفردية على رأس الخطيئة
السياسية وتبرير الثانية بالأولى على أساس أننا جميعا خطاة
ومذنبون!
ولست أدري، وأن كنت أدري حقا، لماذا يصاب البعض بالتشنج والفوضى
والاضطراب من أي نقد يوجه اليوم إلى المؤسسة السياسية الحاكمة
والمحكومة في العراق؟!
ولا أدري ( وان كنت أدري حقا وتماما وهذه مصيبة!) لماذا لا نكف
نحن الذين نعيش في دول الثلج عن نقد حكومتنا الجديدة ونلغي
تأثرنا بهذه المجتمعات المتحضرة ونفكر على طريقة البدو في نصرة
الأخ ظالما أو مظلوما؟!
ماذا يجري في العراق اليوم حتى يستحق النقد وكل هذا المهرجان
الزاهي والمدهش من الأفعال التي يتقزز منها حتى لصوص الأزمنة
الغابرة؟!
على أي شيء نحتج نحن أبناء دول الثلج الأبيض، والشعر الأشقر،
الذين هربنا إلى هذه الأصقاع والحدود والسدود والطرق والمفازات
والمخاطر والوحوش والمهربين من أجل الجنس والغرام والمال والثلج
والدببة والغربان والعزلة والموت، محرومين، حتى من قبر أو جنازة
تليق بكلب؟! حتى من البكاء على قبور أهلنا الذين اكتشفنا هذه
الأيام أن نصفهم أو كلهم مات وأن الرسائل كانت للطمأنة والتهدئة
ليس إلا؟
في كل دول العالم، بما في ذلك نصف الفاشية، والبوليسية،
والديمقراطية، والمفرطة في الليبرالية، يجري نقد سلوك الدولة
وأحيانا على أخطاء إنسانية عادية بل حتى على السهو تسقط حكومات.
ومرة تم طرد نائبة رئيس الوزراء في السويد والمرشحة لرئاسة
الوزارة لأنها "تسوقت" من المحل طعاما لأطفالها وأعادت المبلغ في
نفس اليوم.
هذا المنطق الصحيح يقوم على مبدأ سليم: إن السرقة الكبيرة تبدأ
بدرهم. بعد ذلك يأتي البنك والدولة. وهناك أمثلة لا حصر لها حتى
في تاريخنا القديم كي لا يقال أننا نتأثر بهذه الشعوب. ولماذا لا
نتأثر بلغة أهل الثلج كما كتب أحدهم؟!
إن الأمام علي عليه السلام أراد قطع يد زينب لأنها استعارت سوارا
من بيت المال في نهار عيد وأعادته في نفس اليوم. والآن يجري في
العراق ليس استعارة أسورة أو حقول نفط بل يجري بيع مساحات واسعة
من الأراضي لدول أخرى بلا قانون ولا مجلس نواب ولا مراقبة كما
فعلها محافظ البصرة الجديد ممثل أحد الأحزاب المدعومة أمريكيا
هذه الأيام كما أن الجزء الأكبر من المصانع والمنشآت فككت وتم
بيعها على الجيران وغيرهم.
لماذا تتأثرون بدول الثلج وتتحدثون مثلهم؟!
عيشوا عبيدا في وطن ليس ملككم.
نحن لسنا مواطنين في دولة بل رعايا في كل حقبة ونظام وسلطة.
لسنا مالكين بل أجراء.
هناك نخبة ملهمة من( المناضلين!) يفكرون وكالة عنكم.
ويناضلون نيابة عنكم.
وأنتم تغرقون في النوم العذب في دول الثلج والضباب والموت الأبيض
والاحتضار اليومي على شاشات التلفزة وعلى وطن صار غنيمة عامة.
إن مفهوم
( النخبة المناضلة الملهمة
) التي تدافع عن الناس وحدها، وتناضل وحدها، وتقرر وحدها، هذا
المفهوم هو مفهوم لصوص وعصابة وقراصنة.
ومفهوم النخبة القائدة هو الذي
دمر العراق في القرن العشرين وهو الذي أوصلنا إلى هذا الحضيض وهو
يقوم على مبدأ سخيف وعنصري تأسست عليه الدولة العراقية يقوم
على حق تعسفي للنخب، للعوائل، لزعماء الأحزاب والقبائل،
المشاركة في الحكم في بغداد وحدها والأطراف عليها فقط سماع
النشيد الوطني والبيان الأول ورؤية الطوابع تتغير على رؤساء جدد
كل حقبة والنوم على فيلم السهرة وخطاب الرئيس.
أما أبناء الفقراء في البصرة والعمارة والكوت والسليمانية وحاج
عمران فهم للتجنيد الاجباري، علف للحروب، لحرث أرض الشيخ، أو
الاغا، للخروج في مسيرات استقبال مزورة لا يعرفون في الغالب لمن.
مهما كانت النوايا، ومهما كانت هذه النخب نزيهة أو نصف أو ربع،
أو حتى من صنف الملائكة، فهي تحتاج إلى نقد ومراقبة ونصح وتوجيه
واحتجاج.
بل أن هذا النقد، وهذه المعارضة، يضيفان لها كرامة وقوة ومنعة
وهيبة أمام سلطة المحتل فتجني مزيدا من المكاسب بسبب هذه
الاحتجاجات وليس بسبب غلق الأفواه والإرهاب الفكري من قبل
العفالقة الجدد!
( شاهدنا مرة كيف أن النائب العربي في الكنيست الدكتور احمد
الطيبي صرخ في وجه السفاح شارون في جلسة: أنت عنصري وإرهابي.
هناك قواعد في السياسة!)
والعفالقة كما قلت مرات ليسوا حزبا، وليسوا منظمة سياسية، بل هم
مجموعة قطاع طرق، وقراصنة سلطة، ولصوص دول، وعقلية، وذهنية،
وطريقة تفكير،وشرطة فكر وحراس نوايا، بصرف النظر عن الطريقة التي
يعرّفون أنفسهم بها، لأن التعريف السياسي للذات لا يعصم ولا
يبرر، بل السلوك والمراقبة والقانون والحرية والحق في النقد
والاختلاف.
قد لا يعرف الذين لا يعيشون في دول الثلج أن كثيرا من القوانين
هنا، كما هي في القرآن الكريم، تعطي الحق في الرأي وفي الاختلاف،
وفي الخطأ البشري، ويوجد هنا تشريع عن( الخطأ الإنساني) والحق في
الشك الفكري والعلمي وفي تغيير المسلمات الخ.
حتى الإسلام شرّع للحق في الاختلاف:
ـ جادلهم بالتي هي أحسن ـ النحل.
ـ لست عليهم بمسيطر ـ الغاشية.
ـ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين/ هود
ـ إن عليك إلا البلاغ ـ الشورى.
ـ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ـ الكهف.
ـ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ـ النحل
( أي أنه جعل فيهم الاختلاف رحمة وهناك قاعدة فقهية تقول: اختلاف
الأئمة رحمة للأمة!).
ـ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ـ
الحجرات.
فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد شرع الحق في الاختلاف، بل هذا
الاختلاف هو في صميم الهندسة البشرية
( لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) واختلاف الألسن
(يعني اختلاف التفكير والرؤية والتصور والتخيل!) أي أننا خلقنا
مختلفين، فلماذا يطاردنا شرطة الفكر على هندستنا الوراثية
والربانية ونتهم حتى في العيش في هذه القبور والنعوش البيضاء؟!
إن التهمة الجديدة في التقليد العراقي الجديد هي تهمة
العيش في دول الثلج!
هذا شيء رائع وتطور في التهم السخيفة السابقة. نحن إذن نتطور حتى
في هذه المساحات الشاحبة من الفكر ومن العقم العقلي ومن نشاف
الريق.
وأنا أقترح مجموعة حداثية من التهم غير تلك التي استهلكت تماما
مثلا:
فلان الفلاني غبي في التزحلق على الثلوج!
فلان متخلف في الكومبيوتر!
فلان يضاجع بطريقة متخلفة وليست ليبرالية!
فلان لا يوجد عنده الذوق الموسيقي!
فلان ينام على بطنه، في زمن البناء والفرح العراقي اليوم، في دول
الثلج حتى الظهر وعجيزته مكشوفة للريح والشمس والتاريخ
والأبدية! |