احلام
محمود البياتي الوعرة
رواية
الكاتب محمود البياتي (رقص على الماء ـ احلام وعرة) لا تعلن اكتشاف موهبة روائية
جديدة لان البياتي تجاوز منذ سنوات اختبار الجدارة يوم قرر بناء تجربته في التخيل
بعيدا عن الاضواء لكي يمارس تجربته الروائية بمتعة حقيقية تشكل حدثا سعيدا في
الرواية العراقية في مناخ غياب النقد وهيمنة الاخوانيات والعلاقات الشخصية التي لا
تنتج ادبا ولا نقدا.
محمود
البياتي في هذه الرواية المدهشة يلعب كثيرا مجسدا مبدأ اساسيا في الرواية الجديدة
وهو اللعب. ان اللعب في الرواية الجديدة نقيض الرصانة أو الرطانة والصنعة والصرامة
حيث كل شيء يتشكل من خلال الكتابة ومن خلال القراءة، فتصير الكتابة ابداعا وخلقا
كما تصير القراءة خلقا وابداعا وتاليفا اخر.
ولا
اعتقد ان احدا ما يقرأ هذه الرواية دون أن يخرج منها بعلامة ما كمن يدخل في حديقة
أزهار ويخرج، أو يعانق طفلا فتعلق في روحه رائحة طفولة ندية عذبة لفترة طويلة وقد
تتجدد في منعطف شارع أو في ذكرى ملهمة، أو كمن يجلس على حافة شرفة لكي يراقب بزوغ
قمر أو شروق شمس أو ظهور أمل أو اقتراب خطوات قادمة لموعد بهيج.
ما
من شيء مؤكد ونهائي في هذه الرواية لأن كل حدث ينتج حدثا جديدا، كمن يرمي حجرا في
بحيرة ماء صافية فتكبر الدوائر وتتسع لنغطس في عالم مثير ومدهش وشفاف من حكايات
طويلة تبدأ ولا تنتهي.
هذه
الرواية لا تٌلخص ولا تٌفسر. انها تتحدث عن عوالم من القيم المرفوضة والبشر
المنفيين من كل قارات العالم، وتجمع كل نقائض التاريخ والاديان والافكار والامكنة
والاحلام.
حين
نجد المسيح نجد ماركس، وحين نعثر على النبي موسى نقترب من النبي محمد، وحين نكون قريبين من مذبحة صبرا
وشاتيلا نقف ايضا على شخصية سارة اليهودية وتجلياتها الجسدية واشواقها الانسانية،
وحين نبتعد قليلا عن عالم سارة نقترب من عالم غادة الفلسطينية اللاجئة في السويد
وهي تعيش ذكرى المذبحة والخ.. الكل في حالة نفي وبحث وقلق وانتظار ما، وما من
نهاية وشيكة لهذا المسعى البشري في السعادة غير مواصلة البحث ومواصلة القلق
ومواصلة المرح الانساني الصافي الأصيل.
هذه
الأقدار المرسومة بقوة على مصائرمخلوقات البياتي تطبع حياتها بوشم صلب وقاس، لكنها، في الحوار والجنس
والحلم والاشتهاء والمشي والسعي والمناجاة والشعر، تحاول الخروج من بعض تلك
الاقدار والهويات الى اقدار جديدة وهويات جديدة.
ان "الغيتو"ليس قدرا على
الهوية، اذ يمكن الخروج الى هويات ومقاربات لأن الهوية الجامدة موت: الاستمرار هو
صفة جوهرية في الهوية وهو علامة حيوية وحياة اذا استطاعت حوار ذاتها وحوار الاخر
لأن الاخر ليس ديكورا بل مرآة ولا خيار لنا منه مهما كلف الامر.
في
كتابه( المال والقوة والحب) يضرب المفكر فرانسوا فوركيه مثلا شيقا عن الاخر المختلف وكيف اننا محكومون بالعيش
المشترك مهما كنا ننظر الى بعضنا: هناك جار يربي حقل أزهار يعيش في خصومة دائمة مع
جار يربي النحل:(مربي النحل وجاره البستاني:أزهار الثاني تطعم نحل الأول، وفي
المقابل تلقح النحلات الأزهارفتخصبها)،أي ان هذين الغبيين تم ربطهما بعلاقة
اقتصادية واجتماعية متينة ومتماسكة من قبل النحل والازهار رغم عدم وجود علاقة بينهما في الظاهر. وهذا بالضبط
ما تريد هذه الرواية قوله من بين اشياء كثيرة. اذا كانت علاقة نحل بأزهار تكفي
لربط البشر المختلفين بعلاقات جوهرية فكم هي الروابط التي تربط بين البشر سواء
الذين يعيشون في مكان واحد أو في هذا العالم؟
ان
عالم محمود البياتي نفسه تحول منذ
ان (اختار) منفاه منتصف السبعينات الى مجمع أرواح وأمكنة وهويات تسعى من خلال
الاخر، الصديق، الحبيب، النقيض، الجار، المواطن الجديد، الى البحث عن مشتركات
وقواسم تصلح للعيش في هذا المكان الموحش وتحويله الى مكان نظيف حسن الاضاءة وعادل.
لذلك فإن قول احد الكتاب عن محمود بانه:(عراقي المولد، تشيكي التفكير، روسي
الشهية والمذاق..) هو قول لا يخلو من صحة رغم ان محمودا هو عراقي التفكير أيضا.
تبدأ
هذه الرواية بحدث يبدو بسيطا ويتكرر يوميا في كل مكان: يعثر الراوي على محفظة نقود
على الأرض ومنذ تلك اللحظة يشعر ان حياته قد تغيرت أو بمعنى أدق ان حياته تسير في
منحى آخر هو البحث عن صاحب هذه المحفظة التي نعرف من خلال السياق ان صاحبها هو(الفونس).لكن القضية مع الحكي تتجاوز حكاية هذه المحفظة لينفتح السرد على محفظة
الحكاية وهي محفظة زاخرة بالحكايات والتواريخ والحروب وحالات الموت والحب والعشق والخيبة
والانتظار والعنصرية والصداقة والجمال.
لا تستطيع سوى موهبة كبيرة ومدربة على
ادخال عالم شديد التعقيد من خلال سرد شفاف عفوي لكنه مبني باحكام، ويبدو لعفويته
ملهما ومشجعا على مواصلة التخيل حيث يصبح القارئ شريكا في حكاية وتصبح الحكاية
قضية كل قارئ. من هو الفونس؟ وكيف يجب التعامل مع هذه المحفظة؟ ومن خلال علاقة الراوي
بها نتعرف اكثر على عوالمه وحياته الماضية واحلامه الوعرة التي هي احلام كل
مخلوقات هذه الرواية الممتعة.
في
الصفحات الأخيرة يجري الراوي مقابلة عن طريق الحلم بين الشخصيات المتناقضة مثل
ماركس والمسيح وموسى وغادة وسارة وغيرهم، لنكتشف ضياع الفواصل الحقيقية بين احلام
البشر والانبياء وانهم في النهاية يسعون لتحقيق حلم العدالة بوسائل مختلفة.
في
فن السرد الروائي ليس هناك ما يمكن وصفه بالمشهد الحقيقي أو غير الحقيقي، لأن النص
يحمل حقيقته في داخله، لكن على قول غابريل ماركيز هو:كيف يمكن اقناع القارئ
بحقيقية المشهد بذاته؟ وهذه الرواية التي بدأت بالسرد التفصيلي الذي جعلها تنتمي
حقا الى روايات السيرة الذاتية تنحو في صفحاتها الاخيرة نحو عالم حلمي متخيل يجمع
بين شخصيات تاريخية ودينية وانسانية متناقضة في الظاهرلكن هذه المقابلة الحلمية المتخيلة جرت بمنطق صارم يتقاطع مع
عالم الحلم وتفاصيله الامر الذي جعل الحلم مصاغا بلغة منطقية وصفية صارمة كسرت السياق التخيلي المدهش حيث الواقع نفسه
كان قبل هذه الصفحات قد وصل الى مستوى الحلم نفسه لشفافيته وعذوبته وعفويته.
ان
قول احد الكتاب ان: ( محمود البياتي موزع بين عالمين متناقضين متلازمين: هما عالم
القمع وعالم الحرية..)، قول ينتمي الى عالم الايديولوجيا وليس الى عالم محمود
البياتي الذي ينتمي الى عالم الجسد. ان الجسد، على قول رولان بارت، هو الذي يروي
الحكاية بعد نهاية الايديولوجيا، لأن عالم الأخيرة هو عالم قطعي، حدي،صارم، عالم
فواصل وحدود وثنائيات، في حين ان عالم الجسد هو الانفتاح على الحياة وعلى الاضداد
والقواطع وهمية بين الشيء ونقيضه الا في حدود محددة.
ان
غادة الفلسطينية جريحة المذبحة مثلا لا تشكل نقيضا لعالم سارة اليهودية الباحثة هي
الاخرى عن حلمها في عالم جميل ومسالم، لكنه يشكل تقاطع مصالح بين قوى مختلفة. هذا هو معنى (الاختلاف ) الذي يشكل نقيض معنى
التناقض: المختلف يتضمن المتناقض ولا ينفيه. ان النفي عنصرية وكراهية. لا غرابة ان
سارة وغادة يمارسان الحب على سرير الراوي الذي يعلن ان الجسد اهم من الايديولوجيا.
الجسد هنا ليس الجنس بل الخيارات البشرية العادلة في الفرح والمسرة. ان عالم مربي
النحل لا يتناقض مع عالم مربي الأزهار لكنه يختلف عنه. الطبيعة ( النحل والأزهار)
ترمم ما يخربه البشر الذين لا خيار لهم الا مواصلة الرقص فوق الماء بسبب احلامهم
الوعرة والعادلة.
21/3/2006
رقص على الماء ، المؤسسة
العربية للدراسات والنشر، بيروت.2006.