|
موت
بائع الأوهام
أو نهاية زمن
الرفيق
لمحاولة
توصيف أزمة أو
محنة الرفيق
الحزبي في
العراق
والمصير الذي
انتهى إليه،
سواء مصيره
الشخصي، أو
مصير الخطاب
الذي كان يبشر
به، علنا
وسرا، عبر تلك
الشخصية
الأسطورية
التي نسج عنها
وحولها
الخيال
الشعبي
الكثير،
وضخمها كثيرا
كصورة ودور،
وشاركت
السلطات سواء
من خلال السجن
أو النفي أو
السحق في
تلميع تلك
الصورة،
وإسباغ
المعنى على
تلك الشخصية
الشائكة
والملتبسة،يقتضي
الأمر وضع
صورة هذا
الرفيق ودوره
في إطار تلك
المرحلة
الزمنية
الممتدة إلى
بدايات القرن
الماضي.
إن
ظهور( الرفيق)
الحزبي جاء مع
ظهور الحزب
السياسي، ومع
ظهور
الايديولوجيا
في منتصف
ثلاثينات
القرن
العشرين،
وشكل كسرا
للشخصيات
السياسية
النمطية
الرسمية،
سواء بخطابه
السياسي، أو
في أدواره في
الحياة
العامة. ومع
مرور الوقت
وشيوع
العقائد
السياسية"
الثورية" ظهر
على نحو بارز
هذا الرفيق
سواء في
الساحات
العامة أو
السجون أو في
المقاهي أو
المنافي وحتى
غرف الموت. حتى
أن الأدب
السياسي قد
جسد بعض معالم
هذا الدور
مدحا أو قدحا
أو براءة أو
نقدا أو
تشويها. ودخلت
هذه الشخصية
الوافدة في
مجال الحياة
العامة ولعبت
أدوارا
أخطرها
المصير
المنطقي
والحتمي، عبر
الحروب
والكوارث،
الذي
انتهت إليه
هذه الشخصية
بعد سقوط
الحزب الفاشي
الحاكم.
لكن
شخصية الرفيق
الحزبي تتعدى
ظاهرة الرفيق
في حزب السلطة
إلى أدوار
ومواقف
وعقائد كثيرة
انتهت هي
الأخرى
بخاتمة
مغايرة وإن لم
تكن علنية،
وتم التكتم
على شهادة
الوفاة، لأن
هذا الرفيق
لا يريد أن
يتخلى عن
أدوار
أدمن عليها،
ولا عن صورة
خلقت له منزلة
وجاها في
أوساط الناس
وخاصة
البسطاء
منهم وفي
مجتمع كان إلى
عهد قريب نحن
شهوده يؤمن
بقلم الأفندي
والمثقف الذي
يذبح الطير!
إن
هذا المثقف
الحزبي الذي
يسميه الكاتب
عبد الإله
بلقزيز في
كتابه القيم(
نهاية
الداعية) بالداعية،
لم يستطع
مواصلة دوره
القديم في بيع
الأوهام، ولا
في الترويج
لمشروعه
السابق في
عالم جديد،
حر، بدون رؤية
واضحة لهذا
العالم غير
خطاب إنشائي
سطحي مغلف
بنزعة دعوية
عارضة عن حب
الفقراء
والغرام
بالجماهير،
حتى أن ظهور
هذا المثقف
المعطر وصاحب
الحذاء الذي
يلمع تحت
الشمس والضوء
والشوارب
المهيبة التي
تزينها في بعض
النماذج
خصلات من
الشيب الأبيض
تعطي مهابة
وقوة وسحرا
لصاحبها ـ في
الشوارع
والأماكن
العامة كان
يعتبر، في يوم
ما ليس بعيدا،
هدية غير
متوقعة جاد
بها الزمان
على شعب يعيش
في حالة
انتظار ظهور
المنقذ منذ
الأساطير
الأولى، ومنذ
أن أشرقت
الشمس على هذه
الأرض، وفتحت
السجون،
وانقسم الناس
والأرض
والمال بين
مالك وزعيم
ورعية.
اليوم
ليس لدى بائع
الوهم القديم
ما يقوله أو
يفعله خاصة
وهو يرى
مشروعه
السياسي وقد
انهار، وخابت
آمال الناس
بما في ذلك
البسطاء
بمنقذهم
القديم، صاحب
الشوارب،
والسبحة،
والمشية
المتمهلة،
كما أن دوره
القديم
الهامس أو
العلني في
التوعية لم
يعد له ما
يبرره بعد
تطور وسائل
الإعلام
والمعلومات
ولم تعد
افتتاحية
الجريدة
المركزية
للحزب قادرة
على أن تفعل
الأعاجيب
وتلغي وتحذف
وتحذر وتحرض
وتدفع وتساند
وتقدم، عبر
تلك المساحة
البائسة،
صورة للمجتمع
والأعداء
الحقيقيين أو
المتخيلين،
أو للمستقبل،
على هواها
ولأسباب
تتعلق لا
بالحقيقة أو
المشروع
السياسي بل
بالكسب، سواء
كسب الولاء أو
كسب مواقف
سياسية من هذا
الطرف أو ذاك.
وإذا
أخذنا بتوصيف
صاحب كتاب "نهاية
الداعية" عن
أدوار
المثقفين عبر
التاريخ
ومنها دورهم
المركزي في
إنتاج
المعرفة
وصراع السلطة
والعلاقة مع
الجمهور، وهي
محطات لا زمت
تاريخ
المثقفين،
وتاريخ
الداعية
الحزبي أيضا،
نجد اليوم أن
هذه الأدوار
لا وجود لها
على مستوى
التيار وأن
وجدت في حالات
وأفراد من
المثقفين
يعيشون، وهذه
مفارقة، خارج
السلطة،
وخارج
المجتمع بلا
دور سواء في
منفى أو وطن
نفسه صار منفى
للمثقف
المعرفي.
فلا
توجد اليوم
سلطة محددة
الملامح يمكن
أن يعيش
المثقف "الداعية"
كمروج لها لأن
هذه السلطة
الغريبة
الشكل
والجوهر
والمتعددة
المراكز
والقوى
والخطابات،
تمتلك أكثر من
مشروع سياسي
وأكثر من خطاب
وأكثر من
عقيدة وترتكز
على نفوذ لا
علاقة للمثقف
الداعية
المروّج به
ولا حتى
للمثقف
المعرفي
المنفي في
الوطن أو في
المنفى علاقة
به لأن هذا
المشروع
يتخطى أدوار
المثقفين
كافة، فهو
مشروع التاجر
والزعيم
والمقاول
والرأسمالي
والجنرال
والسياسي
الأجنبي،
ومصالح دولية
كبرى وصغرى،
وبالتالي ليس
على مثقفنا
القديم صاحب
الشوارب
التاريخية
سوى انتظار
تعليمات
الحزب مؤيدة
أو مراوغة أو
معلقة على هذه
الخطوة أو
تلك، وهو غير
قادر على بيع
هذه
التعليقات
اليوم على
جمهور الأمس
الذي صار على
تماس مباشر
بوسائل
الإعلام
الخارجية
التي دخلت
بيته وصارت
تصنع له الرأي
أو تدفعه إليه.
ولذلك
لم تعد
المواهب
القديمة
لمثقفنا ـ
الرفيق
الحزبي ـ
قادرة على
إعطاء المعنى
على ما لا معنى
له، ولا على
توقع واستباق
الأحداث
الصغيرة
والكبيرة،
فهذا دور تقوم
به وسائل
كثيرة
منزلية، ولم
يعد يملك حتى
قدرته
القديمة في
تحريك الشارع
الذي صارت
تحركه قوى
أخرى كانت
غاطسة تحت
الأرض أو
منتظرة، وضاع
منه كذلك
منبره القديم
فوق جسور
التظاهرات أو
في الساحات
العامة لأنه
ببساطة أفلس
صورة ودورا
وايديولوجيا!
كما
أن حزبه
السياسي لم
يعد يحتاجه هو
الآخر لتحريض
الجماهير أو
للكسب أو في
معارك
السياسة
وتقلباتها،
لأن هذا الحزب
نفسه، يمينا
ويسارا،
يحتاج
المقاول
والتاجر
والمصرفي
والمتبرع
والرأسمالي"
الصديق" وهذا
الحزب لم يعد
يمتلك مشروعا
غير الأوهام
القديمة التي
لا يجد من
يشتريها في
حارة
السقاءين، بل
صار هو موظفا
كحزب وعقيدة
ودور في
مشاريع
الآخرين بل
صار مروجا لها
ونسى،
كالعادة،
خطاباته
السابقة التي
دفع فيها
الناس إلى
الموت أو
المنافي أو
التشرد أو
السجون!
فماذا
يفعل هذا الرفيق،
الشخصية
الأسطورية
التي كانت
تسحرنا نحن
الصغار وحتى
حين تجاوزنا
مرحلة
الطفولة، ولم
نبلغ سن
النضج، والذي
كنا نقلد
شواربه عبر
الفحم الأسود
مستعجلين
لموت بطولي
بلا معنى أو
منفى أو حفلة
تعذيب نخرج
بعدها أبطالا
في المقاهي؟!
هؤلاء(
الرفاق) لم
ينتهوا كلهم
نهاية واحدة
على رأي أكثر
من مفكر، بل
تعددت
خواتمهم
وإن كانت
جميعا
مأساوية
ومثيرة
للشفقة
والحيرة: منهم
من أجر نفسه ـ
تعبير بلقزيز
ـ للعدو
الطبقي
القديم الذي
كان يلهج ليل
نهار
بهزيمته،
واليوم صار
خادما في
صحيفته أو
حزبه أو مصرفه
أو كاتب
خطاباته أو
منظم مواعيده
أو المدافع
عنه بنفس حماس
العداوة
القديم( نزع
الجلد!)، أو
صار خادما
مطيعا بعد أن
نزع ( الثورية)
وانتمى
لمؤسسة
إعلامية
خليجية تدر
ربحا أكثر من
الجماهير
التي لم يحصل
منها غير وجع
الرأس،
والبعض الآخر
فضل العزلة
لكي لا يهان في
ظل غياب
الأدوار
وكثرة
الراقصين،
وفريق فر
بجلده بعد أن
أطلق ساقيه
للريح بحثا عن
مأوى أو وثيقة
تساعده على
الحياة أو
الموت.
أما
الجماهير
نفسها فقد
انتهت هي
الأخرى على
صور مأساوية
وليس على صورة
واحدة: فريق من
الجمهور، بعد
السأم
والانتظار
والخيبة من
أوهام
الرفيق، صار
يبحث عن مشعوذ
ليقرأ له
الطالع والحظ
والبخت
والمستقبل
الذي فشل
المشروع
السياسي لا في
تحقيقه ولا في
رسمه ولا في
توقعه ولا في
تصوره.
وفريق
آخر، من كثرة
اليأس أيضا
والفراغ
وضياع
اليقين، صار
مستعدا للعمل
مع أي حزب أو
شريحة أو
طائفة، خاصة
بعد أن تحولت
الأحزاب"
الثورية" هي
الأخرى إلى
طوائف وانطوت
تلوك رموزها
بمناسبة
وبدون مناسبة
وهو سلوك
اجتنابي
هروبي من
مواجهة
اللحظة
التاريخية
العاصفة.
وهناك
جماهير غفيرة
حائرة بين
نهايات الوطن
ونهايات
العقائد
ونهايات
الدولة
والسلطة
تحاول أن تفهم(لا
أن تشبع فحسب!)ما
يجري بعد ضياع
الفواصل بين
الوطن
والمواطن
والدولة
والسيادة
والثروة
والحرية
والقانون
والمقاومة
والإرهاب،
بين العقل
والسحر، وبين
نهاية الرفيق
الحزبي
القديم بائع
الأمل والسجن
والبطولة،
والقادر على
الفرار عبر كل
الحواجز
بقدرة هائلة،
وبين تحوله
إلى بائع
حكايات
للكبار
والصغار على
طول السنة في
عاشوراء
سياسية لا
تنتهي!
ـ*
لمعرفة
المزيد عن هذا
الموضوع يمكن
العودة لكتاب(
نهاية
الداعية)
للأستاذ عبد
الإله بلقزيز.
|