|
حكايات راوي البراري
في أطول وأشمل حوار مع الروائي حمزة الحسن أجراه الشاعر العراقي عبد الرزاق الربيعي:
* هاجسي هو الوصول
الى البراءة رغم كثرة الأيدي التي حاولت بكل الطرق سحلي منها!
* أنا بكل فخر راعي جاموس حتى سن العشرين
*صوت الحب لن يرتفع في هذه الحقبة. هذه حقبة الرصاص والموت والتصفية
* المنفى ليس مكانا فحسب بل ذهنية
حاوره الشاعر :عبد
الرزاق الربيعي
ازهرت شجرته الابداعية في صقيع المنفى بعد ان نمت في جحيم الوطن وبين الصقيع والجحيم مسافة قطعها الكاتب والروائي حمزة
الحسن بخطى واثقة جعلته يسير مطمئنا على ارض مليئة بالالغام
فراح يفجرها لغما لغما حتى دميت اصابعه واستحمت كلماته بماء النار فكان ( الاعزل )
الذي لا يعتزل
فضح (المسكوت عنه) في الواقع الثقافي العراقي بكل ملابساته ولا اجد لتقديمه افصح مما جاء في
سيرته المدونة في موقعه الشخصي والتي جاء بها انه "ولد على ضفاف مدينة
الصويرة في العام الذي يسمى في الذاكرة الشعبية عام قتل الشيخ (حامد) وهو نائب في
مجلس النواب العراقي على إثر خلاف أو منافسة على كرسي وربما يكون هذا العام هو 51
أو 52.
والصويرة هذه البلدة الأسطورة ستكون جرحه
النازف والمفتوح وعشقه الأبدي يحملها معه مثل (ايثاكا) أينما أرتحل.
من البراري إلى السجون( يفتخر الأعزل كونه
كان راعي جاموس حتى بلغ من العمر 20 سنة وحرم من الجامعة بسبب الفقر والسياسة)
لكنه يدخل السجون ويخرج لحسابه الخاص في حين يدخل الآخرون ويخرجون أبطالا وثوارا
على الوهم والسراب والعتمة لأن حكم العوائل ليس ميزة السلطة في العراق فحسب بل هو
ميزة عامة وفي صفوف الأحزاب.اول مرة دخل السجن في عام 70 على إثر منشورات كتب
عليها ( قم تر الأفق مشاعل/ وملايين المساكين تقاتل!) وهو مقطع من قصيدة للشاعر
عبد الوهاب البياتي(ونفس الوجوه الكالحة عادت إلى السلطة من جديد!) وهذه العبارة
النبوءة جاءت في السطر الأول من ذلك البيان الذي وزع في شوارع الصويرة وألقي القبض
على موزعيه بعد دسيسة. من ذلك
اليوم توالت النكبات والويلات التي عاشها وحيدا بلا جاه ولا حزب ولا سلطة ولا
حماية ولا قوة. وفي كل مرة يدخل إلى السجن ويخرج يجد طبول الردح على كل الطرق
وتختلط أصوات رجال السلطة بأصوات الغوغاء في مزيج منفر يعكس مرحلة من الانحطاط
العام.كانت السلطة تريد أن تجعل منه بوقا أو حشرة أو وحشا، وكان يصر على أن يكون
هو نفسه ولو سحق بكل أنواع السحق، وحين تعجز سلطة الموت عن تركيعه تلجأ إلى أساليب
العقاب النفسي والتشويه حين تشيع بين الغوغاء حكايات ملفقة عنه من أجل أن يركع
.إذن أنها المعركة المفتوحة على كل الجبهات: السلطة والمجتمع والقبيلة والثقافة
والمعايير والشارع حتى جاءت حرب الخليج الأولى ليلتحق مع اجيال عراقية نحو تلك
المحرقة قادما من السجن حيث أعتقل للمرة الثالثة في 23/5/79 مع حشود من الحركة
الوطنية وكالعادة كان يدخل ويخرج لحسابه الخاص. وبعد فترة عمل لا تتجاوز عدة شهور
يطرد من الصحافة إلى الخطوط الأمامية( لأنه سجين سياسي سابق!) وفي الخطوط الأمامية
سيتم التعامل معه، في الموت والمعارك والجنون العارم، على أنه عدو للحزب
والدولة!وكما يردد في سيرته الذاتية الروائية( الأعزل) فإنه لم يعد يعرف أين هي
الخطوط الأمامية. خلفي أم أمامي؟!
بل أين هو العدو؟!من العراق إلى إيران(88)
إلى باكستان(89) مشيا على الأقدام بعد المرور بسجون إيرانية وباكستانية وحتى
النرويج في الخامس من آذار عام 91 بعد نهاية حرب الخليج الثانية بعدة أيام.رحلة
طويلة للبحث عن حرية لم يعثر عليها حتى اليوم لكنها تبقى حلما لأن حرية الأعزل
والعاشق تختلف عن حرية السياسي: السياسي يريد السلطة والحرية والأعزل والعاشق يريد
البراءة المطلقة.
هذا هو الفارق بين حرية السياسي وبين حلم
الأعزل: حلم طويل ونظيف ونقي وبعيد وناء. لذلك يبقى أملا وحلما ومسعى وهذا هو أجمل
الأحلام.
في عام 2000 صدرت له ثلاث روايات: سنوات
الحريق، الأعزل، المختفي، وفي 2001 صدرت له رواية عزلة أورستا. كل هذه الروايات
قوبلت إما بالصمت أو الصراخ كما لو أن دخولها الوسط الأدبي الساكن والميت كدخول
ثعلب في قن للدجاج.
وفي هذه الروايات الأربع( ومئات المقالات)
كانت هناك دعوة للمراجعة واعادة النظر واعادة تعريف لمفهوم السلطة والحرية
والمعارضة والفكر والسياسة والمجتمع والتاريخ وكشف المخبوء والمسكوت عنه في مناخ
عراقي تقليدي صارم ومشوش وعقل اختزالي ثنائي قبلي حزبي.
لم تقرأ هذه الروايات على نحو دقيق لأن الوسط
الثقافي العراقي هو صورة من المناخ السياسي العام المصاب والدخاني والملتبس. ويبقى
فكر الثنائيات هو المهيمن على السلوك والتخيل والعمل الأدبي والسياسي ويظل فكر
السرايا هو السائد.
يعيش من عام 93 في بلدة أورستا قادما من
بيرغن المدينة الساحلية الكبيرة في عزلة بدائية لا يتحملها غير اله أو وحش بتعبير
نيتشه، لكنه يقول دائما أن ربيع المثقف في قلبه، وان العزلة الحقيقية هي وهم في
هذا العصر الالكتروني لكنها المسافة المهمة للإبداع والتأمل والتخيل وإعادة اكتشاف
ذات مهملة مهشمة مطاردة في كل مكان:ولدت طفلته شذى عام 2001 أكبر طفلة في التاريخ!
كان يجدهم ـ كلاب البراري !ـ على مفترق كل
قارة أو طريق أو قرن ويردد عبارة الطاهر بن جلون:
نفس الحاكم
نفس المعركة!
حتى جاء الاحتلال.
واي فرق بين سلطة وحشية أو سلطة محتلة
بربرية؟ (الحياة
الحقيقية غائبة عنا. لست من هذا العالم) بتعبير
رامبو.
قد يصل السياسيون والكتاب الصغار إلى
أهدافهم لأنها سهلة وفي اليد لكن
حلم الأعزل بعيد.
هذه الفراشة، هذا (البابيون!) عبرت محطات
ودولا وقارات وحدودا بحثا عن
البراءة وليس عن الحرية فحسب.
فلم يجد لا هذه ولا تلك.
ويقول عن نفسه هذه الأيام:
سأواصل المنفى
وأحرض الشجر
فلا حرية في وطن مغتصب سواء على يد سلطة
وحشية محلية أو سلطة بربرية خارجية.
لأن الوطن جسد"
ـ لانك
غادرت الوطن باكرا لايعرف الكثيرون من
الاجيال الجديدة المرحلة التي شكلت
خلفية لانطلاقة جيلكم الأدبي هل
بالامكان الحديث عن تلك المرحلة متطرقا الى العناصر الاولى التي اسهمت بشكل فاعل
في بلورة تجربتكم على المستوى الذاتي ؟
ج: لا اعتقد انني غادرت الوطن
يوم غادرته ولا اقول انني احمل الوطن في القلب او القلب في الوطن، ولكنني أقول نحن
لم نكن نسكن في وطن بل في أرض خراب، ونحن غادرناه الى منفى عقلي وثقافي وسياسي ثم
تبعه ابسط المنافي وهو المكان: الكاتب يعيش في منفى منذ اللحظة التي يحمل فيها
القلم.
قبل أن اهرب بساعات من مكان صعب
جدا(88) كنت افكر على نحو غريب بـ: ما هو الشيء الذي سأكتب عنه لو نجوت، والنجاة
مستحيلة من حرب طويلة، من تجربة العبور؟وحين كنت أخطو اول الخطوات فوق حقول
الالغام، كنت أفكر كذلك بهذه
اللحظات، وحين عبرت الجبال الايرانية الباكستانية ليلة 17/1/89 مع مجموعة من
العراقيين، كنت افكر أيضا بان هذه اللحظات ستكون موضوعا لعمل ما. كل شيء كان يحدث
أولا على الأرض. ويمكن القول بكل ثقة انني كتبتي
سيرتي بأقدامي على الأرض قبل أن تصبح أعمالا أدبية روائية. ربما يعود الأمر
الى طبيعة النشأة الأولى: فأنا من اسرة وصل بها العوز في مرحلة ان اضطررنا انا
واخوتي أن نبيع حتى جهاز الراديو كي
نحصل على طعام وحين جاء اليوم التالي بعنا سرير العائلة الوحيد، وفي اليوم الثالث
بعنا مروحة قديمة، ثم الكتب، حتى جاء يوم وجدنا ان كل ما تبقى هو حيطان الطين
فقررنا بيع المنزل لكن مصادفة عابرة حالت دون ذلك، وحين مرضت يوما ولم اجد شيئا
بعنا حمار العائلة الوحيد في السوق وذهبت به الى الطبيب، وربما تكون حياتي الباقية
هي فضل ذاك الحمار المسكين الذي لا اعرف ماذا حل به اليوم واذا قررت العودة الى
الوطن لا شك سأقدم له الشكر والعرفان بالجميل اذا ظل حيا أو اذا استطعت التعرف
عليه خاصة في زمن عراقي غريب يعج بالحمير!
ـ وطفولتك اين
عشتها؟ وكيف كانت وسط كل هذه الظروف القاسية؟
ج - عشت سنوات الطفولة الأولى في البرية. أنا بكل فخر راعي جاموس حتى سن
العشرين. كنت اذهب الى البراري بعد العودة من المدرسة ظهرا وحتى هبوط الليل.ورغم
ذلك هناك ساعات لهو لكنها قليلة لأن
الوقت الأكبر والأهم كان العمل في البرية. وحين افكر اليوم بما فعلته بي سنوات البرية
أجد انها قد تكون المصدر الأول لهذه الدهشة الدائمة والغضب المتواصل الذي لم تنفع
معه كل التجارب والأسفار والعلوم
والخيبات والحروب والسجون والكتب. العيش في البرية له متطلبات خاصة أولها وضوح
الأشياء. لا أقول ان بغداد صدمتني كما فعلت مع غيري لكنها جرحتني.
ـ
كيف يمكن لمدينة مثل بغداد ان تكون جارحة كنصل ؟
ج - حين اتحدث عن بغداد لا
اقصد المدينة بل اقصد الوضع الثقافي والسياسي السائد يومذاك رغم انه يعد من
الاوقات السعيدة لدى البعض في بداية السبعينات. والى اليوم كلما دخلت مدينة كبيرة
اشعر بالرهبة الاولى. رهبة الدخول في الغامض والمعتم والملتبس والخطر. واذا عرفنا
انني عشت يتيما، سيكون السبب واضحا اكثر: غياب الاب في المجتمعات الشرقية هو غياب
الشعور بالحماية. قد يكون القول معادا أن اردد مع غوركي بأنني تعلمت من الفقر اكثر
من كل الكتب لكنني كنت اتمنى لو اني لم اتعلم بهذه الطريقة المؤلمة. ومن الاشياء
التي علمني اياها أحد رعاة الجاموس وهو قريبي واسمه "ثجيل" هو جمال
العيش المنفرد ليس هربا، بل حبا بالاخرين، خاصة حين يكون العيش الدائم معهم جرحا.
وثجيل حتى قبل أن يموت بايام جرجر نفسه الى البرية وانتبذ المكان القصي وطلب من
زوجته فاطمة ان لا تخبرا أحدا كي لا يراه احد في وقعة الموت ويخجل هو ان يكون
مرئيا على هذا الحال. كان يعتبر الموت
العلني اهانة. انه موت النسور والصقور على القمم وصدورها الى الريح
والابدية. انه موت الذئاب حين تجرح تنسحب الى جحورها كي تموت ببطء وهي تلعق دمها
النازف.
هؤلاء جيل نادر واستثنائي. مات ثجيل لكنه
رأى في اللحظة الأخيرة شخصا يقف على راسه وهو يوسف ( تحدثت عن ذلك في سيرتي
الذاتية الروائية الأعزل) فتمكن فقط من ان
يلقي نظرة عتاب على فاطمة التي غضت الطرف خجلا. مات ثجيل في البرية، كما سيموت بعد
ذلك يوسف وفاطمة وكل رعاة غابة ربيضة القديمة
وهي شبه جزيرة وسطية طولها تسعة كيلومترات تقريبا وعرضها أقل من كلم أو اكثر في بعض المناطق تقع على متن
البلدة حين ينعطف نهر دجلة القادم من بغداد في دورة مكونا الغابات التي دمرت في
زمن الفاشية وتحولت الى منتجع لعائلة الدكتاتور. هذا كان مريرا لي. فكرت وانا هنا
على حافة القطب في احياء تلك الجزيرة والغابة لذلك قررت بكل وعي أن اكتب عنها
وتوقعت انها ستعود يوما.
في بودابست دهشت حين عثرت على جزيرة ماركيت وسط
الدانوب. كنت كل يوم اذهب الى ماركيت واخطط لربيضة المستقبل. في ماركيت هناك مدارس
ومسارح وطرق حديثة وحقول ازهار وحدائق وقاعة سينما كما اتذكر ورياض اطفال. يبقى
حلم عودة ربيضة الى زمانها الأول أحد اهم الأحلام الخاصة.
ـ هل حقا خاصة؟!
ج:لا. لأنها اكبر من جزيرة وغابة بل انها الزمن العراقي العذري قبل نشوء
السلطة والاحزاب وزمن الاغتيالات والحروب وعودتها ستكون بداية الطريق نحو زمن المحبة
والعفوية والتسامح والبراءة البدائية والوضوح وهو زمن لن يتحقق مع الاسف كي اراه!
ـ بعد هذه السنوات الطويلة من الايغال في
المنفى ماذا تعني لك بغداد؟
ج: - لا تعني لي بغداد
شيئا كثيرا خاصة اليوم اكثر من ارض عزيزة وغالية. لست من بغداد. ماذا تتوقع من شخص
عاش في البراري أن يكون موقفه من مدينة كبيرة ولو كانت جنة؟ كما انني لست من الذين
يحتفلون بالمدن الكبيرة. لا أعاني من عقدة الشعور بالدونية من السكن في منزل أو
قرية أو جزيرة منعزلة. عشق المدن مسألة نسبية ايضا. في الوقت الذي يتهافت بعض "الكتبة" على العواصم، أكون
أنا أسكن ووسادتي البحر والخليج والجبل والريح. أحد الأمثلة الساخرة ان احد
هؤلاء لا يمل من القول والكتابة ان
حمزة الحسن (يسكن) في قرية نائية لأنه هو يسكن في عاصمة. هؤلاء يعتبرون انفسهم(
مركز) الكون والبعد عنهم بعد عن الحياة. لا أدري" نائية" عن ماذا؟! وكل
شيء هنا متوفر وافضل من العاصمة. هذا جزء من الماساة العامة وعقدة الشعور بالدونية
التي يحسها بعض من قدموا من قرى نائية في العراق الى بغداد. ولا أدري لماذا يكون
حتى الحق في السكن قضية وتهمة مع ان غالبية كتاب النرويج يسكنون في جزر خلابة وعلى
ضفاف خلجان وبحار او في داخل غابات؟! لماذا تصبح هذه خيارا، ويصبح سكني مشكلة؟!
ومتى كان الاسمنت تعويضا عن الابداع الحقيقي؟!
هذا كذلك وجه المشكلة الآخر حين تحتمي شخصية خاوية من كل شيء بأسماء المدن لتستر
ما لا يستره الدهر!
ـ اذن هل تحلم بالعودة لاحضان دجلة
الدافئة ؟
ج: احلم كل لحظة وعندي وصية حتى بعد الموت أن ادفن هنا في مقبرة أورستا
الجديدة على أن انقل بعد زوال الاحتلال وليس قبله!
ـ والسجن الأول ماذا
تتذكر منه ؟
ج: كان صدمة شخصية لي ليس بسبب التعذيب ( عام 70) ولكني كنت في السن التي
تكون قابلة للكسر حين يجرح الأحساس. كنت في عمر 16 أو 17( تاريخ الولادة مجهول
لأننا نولد مثل مخلوقات البرية !) بسبب منشورات بجهد فردي وزعت في المدينة كان
عنوانها( قم تر الأفق مشاعل/ وملايين المساكين تقاتل!) وهو مقطع من قصيدة للشاعر
عبد الوهاب البياتي. كانت تلك هي أول مرة اضرب فيها وأهان. لم أكن اتخيل ان شخصا في العالم سيفعل ذلك معي. ان
هذه سذاجة أو براءة وسببها البراري( كما سأظل دائما ادهش واغضب من الدناءة!)ولم اكن
قادرا حتى على تخيل ان الانسان يمكن ان يصل هذا المستوى من الوحشية. تلك اول
مواجهة مع العراقي الجلاد وحتى اليوم لا استطيع تخيل كيف يمكن ان يكون الانسان
جلادا؟!
ـ تبدا روايتك ( الاعزل ) برحلة الى ربيضة في الصيف و تنتهي بالعودة من ربيضة في
اول الشتاء هذه الحركة الدائرية
ماذا تمثل لك ؟
ج: مع تلاشي البراري وتحول معظمها الى مدن، مع التدمير الكلي لغابات ربيضة
وتحولها الى منتجعات خاصة، مع الانقلابات، والحروب، شعرت ان عالمي الشخصي قد اضمحل
أو يكاد ان ينقرض بل في فترة لا حقة قد انقرض فعلا. ومعه شعرت اني انقرضت بكل ما
في هذه المفردة من معنى. لا قيمة حقيقية للانسان حين يتم تجفيف الينابيع الاول:
ليس تدمير الاشجار والأرض فحسب انما الذاكرة. فكيف يستطيع الانسان ان يتذكر اذا
كانوا قد دمروا عناصر الذاكرة الفعلية على الأرض؟ وحين وصلت النرويج رأيت يوما في
شوارع مدينة بيرغن وهي ثاني اكبر المدن هنا مظاهرة احتجاج على قطع شجرة وازالة
عمارة لانشاء اخرى. وحين سألت كرستينا احدى شخوص سيرة( الأعزل) عن السبب، قالت:
ليس من حقهم. ان هذه الشجرة والعمارة جزء من ذاكرتنا!
وسيكون بلا معنى في
تلك اللحظة ان اقول : ماذا اذا كانوا قد ازالوا وطنا من مكانه؟!كنت اشهد على بداية
موت البراءة وولادة الوحش. لقد نما معي وترعرع بصمت وتواطؤ انا القادم من البرية
الى الاحتراب والموت والضغينة. لذلك ليس غريبا ان تبدأ سيرتي الروائية ( الأعزل) في
السطور الأولى برحلة الى ربيضة في الصيف، وبعد كل تلك الفاصلة الممتدة لنصف قرن تقريبا،
من حروب وهروب وسفر وأمكنة وكتب
وتجارب وقارات، تنتهي السيرة في
السطور الأخيرة بالعودة من ربيضة في
اول الشتاء: وهذه النهاية الدائرية هي الحلم والأمل في ان يعود ذاك الزمن العذري
بصورة أجمل وأكثر حداثة.
حين تنهض ربيضة من جديد من رمادها، يكون
أملي الكبير أن ادفن هناك في الأرض الأولى والوحيدة التي لم تخذلني كي أعود من
جديد الى العشب والماء والظل والطين والأساطير وحكايات كثيرة تنتظر من يرويها،
فنحن لسنا سوى حلقة من حكاية انسانية طويلة فيها الكثير من الألم لكن فيها الكثير
من الحب والأمل.
ـ
اذن مثلت لك سيرتك
بكل تعرجاتها وخطوطها مصدرا لجميع
اعمالك الروائية وليس ( الاعزل ) فقط ؟
ج: هذه هي الينابيع
الأولى في خطوط عريضة والباقي موجود في الروايات وكل الخيبات التالية والتجارب هي
تفاصيل رغم كونها تفاصيل مهمة لكنها مؤذية لنا جميعا. ان سيرة أي واحد منا هي سيرة
مشتركة. وكل واحد منا عنده ( ربيضة) خاصة دمرت ويحلم بعودتها، أو طفولة مصادرة
ـ لك تجربة صحفية قصيرة في العراق ماذا تتذكر من تلك التجربة ؟
ج: لم تتجاوز سنوات عملي في الصحافة في العراق أكثر من سنة واحدة خلال كل
مرحلة الفاشية. وهذه الحقيقة حاولت حفنة
اقل من اصابع اليد الواحدة التستر عليها، أو تضخيمها، عبر الكذب والتزوير،
في حين سكت اخرون عنها كي ندخل جميعا في منظومة واحدة ويتساوى الجميع. وهنا اسجل
موقفا: ان كثيرا من الذين عملوا في الصحافة تلك السنوات المشؤومة كانوا ضحايا. بل
كانوا يبكون في جلسات خاصة كنت شاهدا عليها. عشت معهم فترة قصيرة وعشت معاناتهم
الرهيبة. ان بعضهم كان يفاجأ في الصباح حين يجد مقالته قد انقلبت او نسفت تماما كي
تنسجم مع السائد والتوجيهات بعد حذف واضافات من اطراف كثيرة مرئية وغير مرئية:
مدير القسم يحذف ويضيف، سكرتير التحرير، رئيس التحرير، وحتى هناك صلاحيات خاصة عند
بعض عمال المطابع، اضافة الى لجان خاصة للرقابة غير مرئية كأنها لجان رواية كافكا
متخصصة في مراقبة وتصحيح وحذف أي مقال. من يجرؤ على الاعتراض؟ بل يقع ما هو أكثر
سوءا وغرابة حين يجد كاتب في الصباح انه أجرى مقابلة مع هذا الوزير أو ذاك دون ان
يحدث ذلك في الواقع ولكنها من اخراج مكاتب اعلامية متخصصة يتم زج اسم احد الكتاب
فيها انتقاما أو "تكريما".
هذا هو السبب الذي
يدعوني لتكرار القول والكتابة بقيمة الحذر والدقة في وصم الجميع بدمغة واحدة كي لا
يكونوا ضحايا مرتين: مرة حين اجبروا على الكلام، ومرة أخرى حين فرض عليهم الصمت أو
الحكم القاسي. لا يجوز حسب ميشيل فوكو محاسبة الناس على اقوال فرضت عليهم أو صمت
اجبروا عليه. ان هذا غير صحيح حسب كل القوانين ومثل هؤلاء مثل من زجوا في حرب أو
في غيرها من المهالك. طبعا لا نتحدث عن شريحة منتفعة وانتهازية ومستفيدة وهي تعمل
بناء على ولاء ايديولوجي طوعي وهؤلاء من حسن لحظ اقلية لم تنجح رغم كل الاغراءات
والدعم والمكاسب في ان تخلق اعلاما متوازنا ومحترما.
ـ
وكيف كانت هذه التجربة ؟
ج: بعد الحرب باربع سنوات (حرب الخليج الأولى) تم استدعائي بأوامر عسكرية من الخطوط الأمامية( في البصرة من
اللواء الآلي 20) للعمل الصحفي مع كل الصحفيين الذين شملهم التجنيد الاجباري، وبعد
عدة اشهر تم طردي الى الخطوط الأمامية مرة اخرى بسبب كوني سجينا سياسيا سابقا.
وبما ان كل شيء في عالمنا العراقي مقلوب حاول أحفاد الاسخريوطي وهم خليط من عجائز
وكتبة وانصاف ومخبرين وتافهين تحويل هذا الطرد الى "مكافأة"!
كتب أحدهم على سبيل
المثال قبل ايام في منتهى الصفاقة
ان حمزة الحسن كوفئ في العمل في الصحافة ( لأنه اعترف على رفاقه!). هكذا يصبح
العقاب مكافاة، كما يصبح الهروب خارج الوطن( مهمة تجسسية!) كما كتب هذا الشخص
نفسه، كما سيصبح خيار العيش المنعزل (هربا!) كما سيصبح الحب حتى الموت (جريمة!)،
بل حتى كتابة الروايات تحول، على يد هؤلاء، ( خدمة!) للنظام!
ـ كاننا نكأنا جرحا
في صدرك ؟
ج: واحدة من ابرز صفات العاهة هو التعميم: ان الجميل يعذب، والبريء يوجع، والنقي
يجرح، لذلك لا بد لنا جميعا ان ندخل في نظام عام للبشاعة كي نتساوى. وهنا اسأل:
كيف يمكن لشخص بلا حزب، ولا رفاق، ولا تنظيم، ان يعترف؟! وعلى من؟! على السراب؟!
على الضباب؟! على السحاب؟! ليس مهما ان نعرف، المهم انهم يعرفون وهذا كل شيء!
ـ لنغادر هذه المنطقة الملغومة
بالاوجاع ولأسألك زمنيا ، في أي خانة من خانات الاجيال
الادبية تضع نفسك؟
ج: لم اطرح على نفسي هذا السؤال ابدا ويوما فوجئت حين قال لي صديق روائي بما
يشبه الاتهام قائلا: انت من الجيل السبعيني ...الخ!.. وحقيقة شعرت كما لو انه رمى
علي عقربا رغم ان هذا "الجيل" مثل غيره( الستيني) غني باشياء كثيرة وقد
نكون نحن عشنا على هامش الجيل الستيني لكني مع تقدم العمر والتجربة اكتشفت ان هناك
مبالغات كثيرة وواجهات ملونة اعطيت اكثر مما تستحق، بل اكتشفت ان في هذا الجيل(
الستيني) من الاميين الكثير وبعض الاسماء كانت صناعة حزبية ولا علاقة للادب فيها.
الجيلية مسألة نسبية. نحن نطلق هذا
المفهوم حسب آخر ساعة من التقويم. كل عشر سنوات مثلا. لكن لكي يقال ان هذا جيل
فالأمر أكثر تعقيدا مما نظن: انه مرحلة تتميز بصفات سياسية واقتصادية وفكرية
وادبية مميزة وانا اعتقد بجزم ـ رغم اني لا احب لغة الجزم القادمة من لغة العقائد
ـ اننا لم نشهد خلال القرن الماضي سوى جيل واحد متواصل حتى اليوم لأن قطيعة بنيوية
فكرية مع الماضي لم تقع بعد وربما لن تقع خلال السنوات المنظورة القادمة. نحن في
حالة اعادة واجترار.
ـ
واذا الححت بالسؤال
فبماذا تجيب؟
ج: اذا كان يجب وضعي تحت عنوان جيل محدد، فلاشك انني من جيل الفضيحة، الفضيحة
العامة: السياسية والدينية والقومية والحربية أو من جيل الخيبة أو جيل العذاب أو
جيل الغضب أو جيل البراءة المستباحة. لم يشغلني كثيرا أن تتحقق الحرية السياسية
لأن هذه ستقع يوما مهما طال، لكن هاجسي هو الوصول الى البراءة أو المحافظة عليها
رغم كثرة الأيدي التي حاولت بكل الطرق سحلي منها!
ـ مزجت في مقالاتك بين السياسة
والادب كيف استطعت ان تمسك خيوط لعبة الكتابة دون ان تنفلت من بين اصابعك ؟
ج: اليوم الذي انجح فيه في ترك الكتابة السياسية هو يوم عيد. في كل مرة
أتوقف يأتي من يعيدني. وقد يكون ظريفا او مدهشا ان اقول اني بعد كتابة رواية( سنوات الحريق) قررت التوقف حتى عن الكتابة
الروائية. كان كل ما يشغلني والى اليوم هو غلق الباب والسفر عبر العالم والى
الأماكن النائية التي لم يصلها بشر بعد. الأراضي المهجورة. الصحارى النائية.
الغابات البكر. هناك نداء يكون احيانا اقوى مني يقول( اترك منزلك وتعال!). واعتقد
ان هذا هو بسبب سنوات البرية. انا لم اخرج من البرية ابدا ولن اخرج . لذلك تأتي كل
محاولات طردي منها عبثا ومضيعة للوقت وهدر طاقة. عندي محارة داخلية مقيم فيها كما يقيم
دب قطبي في مغارة ثلجية في زمن العواصف.
ـ والمقالة الادبية ؟
ج: اكتب المقالة بنفس
مشاعر كتابة الرواية. لا اكتب كلمة واحدة دون ان اتحسسها واتذوقها واتمتع بها.
الكتابة ليست قضية فحسب انما شكل كذلك. ومرة صرخ رولان بارت وهو يقرأ نصا قائلا:
لقد استحوذ علي الشكل!
مع الاسف هناك قراءة سطحية عامة
وهي اسوأ القراءات ترى في ان النص (السياسي والأدبي والنقدي ..الخ) هو محتوى، وان هذا المحتوى يجب أن يتضمن
رسالة اخلاقية، لكن الشكل هو الاخر جزء من الاخلاق. ان بناء عالم معقد من اللغة،
وخلق شخصيات وحيوات ومصائر وأزمنة هو سلوك اخلاقي مهم. مرة كتبت مقالا بعنوان(
اخلاقيات الشكل) تعرّض لهذه القضية التي لا يحتفل بها الا بعض الكتاب. واعترف ان
هذه( المزاوجة) بين السياسة والادب تتم على حساب العمل الروائي عشقي الأول. هذا
الاستنزاف اليومي للطاقة يفرغ الروائي من حالة التوتر التي هي جوهرية في العمل
الادبي والفني وفي الحب والصداقة والصلاة والأمل. واعتقد انه سياتي اليوم الذي لا
يعود احد يسمع بي أبدا ككاتب مقالات سياسية وربما حتى كروائي، واعتقد انني تورطت
في الكتابة بالمعنى الواسع للكلمة. هربت من عالم الاحزاب الى عالم الرواية وفاتني
ان الجمهور واحد والعقلية واحدة. لكن المشكلة هي: الى اين اهرب من الرواية؟! بل
الى اين اهرب من المكان وهذه هي الحدود الاخيرة؟ ليست حدود المكان فحسب بل حدود
الذل والخيبة والألم والنفي والموت المستمر. اردد كثيرا: ان ما يزعجني اكثر هو ان
خصومي من التفاهة بحيث لا يكون
الموت بسببهم أو معهم مشرفا. افضل ان اسحق تحت عجلات قطار أو في اعصار أو حرب
كونية بدل الموت على يد حشرات. هذا هو السبب الذي يجعلني اشعر بتقدير خاص واحترام
مبجل لروائيين يابانيين انتحروا: يوكيو ميشيما، ياسوناري كاواباتا، ولغيرهم: ارنست
همنغواي، كامو، فاختيار شكل الموت لا يقل جمالا بل بطولة عن اختيار شكل الحياة. من
يدري ماذا سيقع لكل واحد منا حين يعثر يوما في منعطف طريق فجأة او في جلسة عادية
على مصيره يحدق به فجأة!
احلم أن أتوارى نهائيا من عالم الكتابة السياسية وربما من
المشهد الاعلامي كله. كنت اتمنى لو اني قادر على تسويغ كذبة أو خبر موتي. من يدري
ربما يكون هذا الخبر حقيقيا يوما؟!
ـ في رواياتك قدمت لنا الهم
السياسي في قالب ادبي جميل ممررا قناعاتك السياسية الا تخشى على مركبك الغرق في ( محيط ) السياسة ؟
ج: سؤال مهم. في دمشق
(2002)وقفت أمام مكتبة كي اتصفح كتاب
ميلان كونديرا (خيانة الوصايا) فاصبت
بالذعر فجأة وانا أقرأ النقد العنيف والقاسي لرواية جورج اورويل( 1984) فكونديرا
يأخذ على أورويل هذه النقطة بالذات: تغليب السياسي على الانساني وهذا في رايه
تسطيح للعمل الروائي خاصة حين يكون متخما بالسياسة لأن الكائن البشري ظاهرة معقدة
ولا يمكن أن يصبح مخلوقا سياسيا فحسب. عدت بسبب هذه الملاحظة لمراجعة دقيقة للنفس.
ووجدت من حسن الحظ اني نجوت الى حد ما من هذه الزلة. الامر يتعلق مرة اخرى بسبب
طبيعتي الشخصية التي لا تميل الى التفخيم والسلوك السياسي والعناوين الكبرى
والشعارات. نعم هناك في كل رواياتي توجد سياسة. لكن السياسة هنا لا تفسر سلوك
الشخصيات ولا تفسر وقائع الحياة الكبرى بل ان السياسة فيها هي جزء من المأزق العام
وهو تاريخي وفكري ونفسي وديني وسياسي وجنسي وأدبي وروحي. ولا احد منا ينجو من لوثة
السياسة وبسببها نحن نتحاور الان وكل واحد تحت نجمة.
رواية" سنوات الحريق"
كما في غيرها وهي لم تقرأ قراءة منصفة ولا أتوقع ذلك في المدى القريب، ومن حسن
الحظ لا انتظره ايضا، كانت تتحدث ربما على نحو مختلف عن الجسد كراوية. الجسد ليس
الجنس بل الرغبة العادلة وهذا امر لم يفهم وهذا طبيعي. هذه الرواية بالذات رافقت
صدورها بيانات من نفس الحفنة الضالة والبائسة والتي صارت معروفة الاسماء والاهداف
تقول انها "رواية تتحدث عن الشذوذ الجنسي"!
الذين قرأوا النص في الفترة
الأخيرة على موقع" كتابات" فوجئوا بحجم الكذبة وبقدرتها على العيش فترة
من الزمن حتى تصبح من الحقائق الصلبة. وهذا امر مفهوم في مناخ عراقي سياسي وثقافي
واجتماعي لا يفحص ولا يسال ولا يبحث. ان أي دعي قادر على تسويق ما يريد من أكاذيب
على مثقفين وكتاب وشعراء ويتحكم بمزاجهم بل بكتاباتهم ايضا. اما السيرة الروائية (
الأعزل) وهي اول سيرة ذاتية روائية مع الباقي( سنوات الحريق وعزلة أورستا) فكانت
بيانات هؤلاء تقول انها صدرت في العراق من قبل السلطة مع انها صدرت من دار بيرغمان
ومن هذه البلدة التي اعيش فيها "اورستا" وهي تتحدث عن جرائم الفاشية
وانعكاسات الحرب العميقة على البشر والطبيعة والقيم.وحين نشرت فصولا منها في أكثر
من مكان لأول مرة كانت الدهشة أكبر.
هؤلاء يعرفون، على أميتهم، ان
الوسط الثقافي العراقي بلا تقاليد ادبية او نقدية يمكن ان يحاسب على هذا الافتراء
والسخرية من عقول القراء وزرع الاوهام المخربة في رؤوسهم، كما ان هذا القارئ غير
معني مع الاسف بمحاسبة هؤلاء الذين يحاولون تزوير وعيه، وهذا النوع من المزورين لا
تخلو منهم غابة لكنهم في الغابة الثقافية العراقية صاروا تيارا اعتقد ان احدا او مرجعية لم تعد قادرة على السيطرة عليه
وهذا اخطر انواع التخريب الثقافي والنفسي
حين تمارس قلة هذا النوع من الجرائم
ولاسباب شخصية أو سياسية بغطاء نقدي!
ـ
هذا الهم السياسي كيف يمكن للروائي تسريبه على شكل منشور ضمن قالب فني ؟
ج: ليست السياسة كما ليس
الحب كما ليس البحر او السفر او الحرية او الجنس او الصلاة هو القضية الأهم في
العمل الروائي أو الفني...
ـ اذن ما هو الاهم في العمل
الروائي؟
ج: الأهم في طريقة التناول. كيف يطرح الهم السياسي؟ كيف يطرح الحب؟ هناك
روايات تحدثت عن الحب بسخف. وبتعبير كولدريج: ان حياة أي انسان مهما كانت تافهة
يمكن ان تكون جميلة اذا رويت بصدق. طبعا بجمال. لسنا وحدنا من غرق في السياسة بل
العالم كله. حتى حين نتصور انفسنا احرارا من السياسة فهي تتحكم في الاحلام والمزاج والرغبات الخاصة. من
دراسة للروائي المغربي الطاهر بن جلون عن احوال المهاجرين العرب في فرنسا وجد ان
الوضع الاقتصادي لهؤلاء وبالطبع هو نتاج الوضع السياسي في بلدانهم أثر حتى على
حياتهم الجنسية وخفض من قدرة الانجاب أي تحول الى مشكلة جسدية عضوية!
ـ يرى
بعض النقاد المعاصرين ان الاتكاء على المتن الحكائي خروج عن مفهوم الحداثة الا ترى في هذا الاتكاء ارتدادا لاساليب
قديمة في الكتابة ؟
ج: ليست هناك حكاية/ رواية
واحدة موحدة وليست هناك قواعد للحكاية اليوم. هناك حكايات وطرق واشكال تعبير
وقدرات ومؤهلات وهؤلاء النقاد ليسوا واحدا كما لم تعد هناك مدرسة واحدة في قراءة
النص الروائي وهناك تقاطع وجهات نظر جدية عما اذا كان هذا نصا ام خطابا. وحسب
الناقد الفرنسي برناريت فاليت في كتابه( النص الروائي: تقنيات ومناهج) ان النص
الروائي لا يوجد قبل الكتابة. النص وحده يحدد شكل العمل ومن ثم تجنيس هذا العمل(
شعرا أو مسرحا او رواية) لم تعد هناك قواعد ثابتة متعارف عليها في الرواية: هناك
رواية واسلوب ميلان كونديرا، وهناك رواية نجيب محفوظ، وهناك رواية غابريل ماركيز،
وهناك رواية ماريا فارغاس يوسا، وهناك رواية ديستوفسكي، وهناك رواية امبرتو ايكو،
وهناك حكايات محمد خضير والخ.
وكما ان هناك اساليب كتابة هناك
اساليب قراءة: القراءة صارت علما كالكتابة. القراءة الابداعية هي اعادة كتابة النص
عبر الخيال. حتى النقد هو صوغ اخر للنص الروائي. كما ان الكتابة ابداعا، كذلك صار
النقد نوعا من التاليف الابداعي، وايضا القراءة. لكن ما يجعل الأمر شديد الثقل حد
الرتابة هو تقاليد القراءة الكلاسيكية التي لم يخرج منها كثير من القراء وبعض
النقاد والروائيين ايضا.
ـ
يرى البعض ان قاريء
( سنوات الحريق ) يلاحظ ظاهرة
التكرار لماذا لجات الى هذه الظاهرة
الاسلوبية في روايتك المذكورة ؟
ج: تصلني احيانا "نصائح" بعضها طيب وبحسن نية وبعضها ماكر وسخيف
تطلب ان يكون هذا المشهد على هذا النحو او ذاك أو لا حاجة( لتكرار) هذه الصورة او
تلك. وهذا الفهم للنص الروائي وكتابته قادم من تقاليد سياسية في ان الكتابة هي عمل
جماعي وليست نتاج مخيلة فردية. والتكرار مثلا في( سنوات الحريق) هو متعمد بحرفية
دقيقة وهو عنصر مهم في النص الروائي الجديد. ان حياتنا تقوم في جوانب كثيرة منها
على التكرار. وبالمناسبة انا لم اقطع صلتي بالرواية الكلاسيكية تماما، كما لم انجر
وراء التجريب الشكلي وحاولت التوازن قدر الامكان لان قضايا كثيرة ملحة كالحرية
والعدالة والسلطة والمراة والليل والمنفى والوطن والحرب لا تزال بعض عناصر الرواية
التقليدية قادرة على التعبير عنها بشكل طيب ومريح. الامر يتوقف على رؤية الكاتب.
هناك كذلك مفهوم الحداثة نفسه: هل هي شكل؟ موضة؟ رؤيا؟ اجد احيانا ان قصائد سومرية
اكثر حداثة وتواصلا من قصائد لشعراء احياء اليوم.
في روايتي" عزلة اورستا"
كما في غيرها يدخل النص السومري والديني كعنصر عضوي في نصوص الخراب والحب والأمل:
مرثاة أور، النبي ايوب، رحلة النبي ابراهيم، المسيح في القران والكتاب المقدس،نشيد
الانشاد التوراتي ...الخ.
ـ
اذن كيف تكتب ؟
ج: ساذكر لك هذه الحادثة: مرة طلب مني الناقد المغربي صدوق نور الدين اجراء
مقابلة وبعث لي اسئلة وهو شخص صديق ايضا وصاحب مؤلفات عديدة في نقد النص الروائي
ولم تتم تلك المقابلة ابدا لظروف خاصة. احد الاسئلة المطروحة: كيف تكتب الرواية؟
أو بهذا المعنى.وفي اجابة سريعة خارج المقابلة قلت له صراحة: انا لا أعرف "كيف"
اكتب الرواية، ولكني اكتبها وفقط!
وهذا صحيح. ولم يرتح كثيرا
للاجابة. في تلك اللحظة استحضرت قول غابريل ماركيز في سؤال مشابه قائلا: "انه
يعرف فقط ان يكتب بصورة جيدة!". قد يكون هذا تبسيطا من وجهة نظر غير مدققة
وعارفة بطبيعة العمل الروائي. لكن حين يكتب الكاتب بصورة جيدة يكون قد قطع شوطا طويلا ومريرا ومنهكا في
القراءة والاعداد النفسي والعقلي والتجربة في الحياة والكتابة وتاريخ الرواية
خاصة. وباختصار لا يمكن التخلص من بعض اساليب الكتابة لمجرد انها قديمة: القديم
والحديث يخضع هو الاخر لمعيار الرؤيا. هناك رؤيا قديمة اكثر حداثة من رؤيا "
حديثة" من ناحية الزمن وهذا موضوع اخر عن علاقة الحداثة بالزمن. ماذا نسمي
كلكامش مثلا؟!
ـ رغم انجازاتك الروائية العديدة الا ان النقد لم يعطها حقها من البحث
والدراسة و التحليل البعض يرى ان
السبب يكمن في عدم قدرتك على تسويق نفسك للاخرين هل توافق هذا البعض فيما ذهب اليه ؟
ج: مرة كتبت بعنوان عريض عبارة لمحمد الماغوط( اشكرهم
على التعتيم لأنني لا أشع الا في الظلام!).
لم اتوقع ابدا قراءة دقيقة لرواياتي من الوسط الثقافي العراقي. هذه مسالة تصل حد
غسل اليد وبصورة مبكرة من حسن الحظ كما اعرف قدرات هذا الوسط وثقافة النقاد وكيف
يصنع( النجم) الروائي او الشعري او المسرحي او الزعيم خارج شروط الادب والسياسة
بمعنى فن الخيارات الأرقى: انا راعي جاموس فقير بلا جذور عائلية غنية ووجاهات وبلا
حزب سياسي ولا حتى نادي للصيد او العميان ولا حتى عضو في جمعية خيرية وغير مسموح
لي في الانتماء حتى لاتحاد الكتاب العرب كما تعرفون لأنهم كانوا منزعجين من ذلك
العري الوحشي للفاشية التي هي مؤسسة وعقلية وطريقة تعامل. هذا أولا، وثانيا، قدمتٌ
الى الرواية من الحرب والسجن والمرعى والفقر أجر خلفي مجتمعا مهدما وحاولت دراسة
سبب هذا الخراب من مناطق محرمة: منطقة المسكوت
عنه والمحظور والذي لا يقال. ودخلت في معمعة نقد السلطة والمجتمع والثقافة والتاريخ
عبر العمل الروائي الذي هو اكثر استفزازا للقيم التقليدية الهشة. لذلك صرت الحائط الواطئ لكل فاشل ودعي وبلطجي ونشال
وأمي. ان هذا مع ذلك لم يشكل لي يوما مشكلة واسباب ذلك بكل اختصار: اعرف جيدا على
أي ارض اتحرك، كما انه لم يكن واردا في خاطري حتى اللحظة ان اكون روائيا مشهورا
وهؤلاء الحمقى صنعوا لي شهرة غير متوقعة والا لعشت مغمورا!
لست من النوع الذي
يطوف المدن معرفا بنفسه ملقيا محاضرات عن رواياته. ولا اركض خلف وسائل الاعلام بل
اتهرب منها. وفي يوم واحد رن جرس هاتفي الذي لا يوجد الا عند خمسة اشخاص في العالم
فوجدت نفسي أتحدث في يوم واحد مع قناتين عربيتين من اجل حوار ثقافي. وكان معي تلك
اللحظة قادما من السويد الصديق علي الربيعي. كنت مشغولا بأمر واحد: كيف حصلوا على
رقم الهاتف؟ ومن هو المسؤول؟! خاصة وان الرقم سري ولا يعطى ابدا، وتبين من بعد ان
احد الاصدقاء هو من فعل ذلك طالبا عدم الافصاح عن اسمه وهو الان ربما يقرأ هذه
المقابلة ولا شك يبتسم واذا حدث ذلك مرة اخرى سأضطر لتغيير الرقم!
ـ
كيف تلخص الاسباب ؟
ج: أحد الاسباب وهي كثيرة هو ان احدا في العالم لم يتوقع
مني كتابة الرواية قبل صدور "سنوات الحريق" وحتى هذا البعض تصور الامر
مزحة لن تدوم لأني قدمت الى الادب من الزمن الغلط: الزمن العراقي الميت الذي لا
أحد ينتظر منه قدوم زائر أو رواية او عاصفة أو نجمة . ليس هناك سوى السراب والأفق
المغبر. حتى صدور اول رواية كنت اكتب واعمل بصمت وهدوء وهذا سبب المفاجاة في
المحيط القريب. ولو اتيحت فرصة اعادة الزمن من جديد لكتبت بغير الاسم الصريح كما
فعل اريك بلير حين اتخذ له اسما مستعارا هو جورج اورويل، وكما فعل نيرودا، وغارسيا
لوركا وسعاد حسني وغيرهم الكثير. والسبب بكل بساطة وتركيز: هو ان السلطة الفاشية
ستظل تعيش معنا لسنوات طويلة قادمة. ومن حقنا ككتاب وروائيين وشعراء أن نحمي
انفسنا من هذا الوباء. اسكن منذ عشر سنوات في بلدة عدد سكانها 25 الف نسمة وتبعد
عن العاصمة قرابة 700 كلم ومع ذلك فإن البيانات الوسخة والمخزية تصل على الدوام او
عبر المواقع حتى حاولت مرات تهديم كيان اسرة صغيرة سعيدة تتكئ على الخليج والجبال
والصفاء والبراءة. وهؤلاء سيلعنهم تاريخ الادب، وتاريخ الضمير، أكثر مما سيلعن التاريخ
الساسة والزعماء المأجورين. الدكتاتور وحاشيته يخافون على سلطة، لكن كيف نفسر من
يرتدي قناع الضحية في بلد آخر ليبرالي ويطارد ضحايا على تخوم الأرض؟! هذا ما زادني
قناعة على قناعة قديمة وقوية ومجربة في ان ظاهرة الدكتاتور هي ظاهرة اخلاقية
واجتماعية وفكرية وتاريخية وسياسية ونفسية كما كتب لي المرحوم المفكر هادي العلوي
وانا في سجن "كويتة "الباكستاني سنة 89!
ـ
الايهمك القارئ
بعد انتهائك من الكتابة ؟
ج: ان العمل الادبي الجيد
رواية او شعرا سيقرأ يوما ما وليس مهما ان يقرأ اليوم، بل المهم أن يقرأ بطريقة
صحيحة، واذا لم يحصل ذلك فلن تكون هناك خسارة في الموضوع: فقط ساعات الخلق ومعاناة
صنع عوالم روائية وبهجة النهايات ومتعة خروج النص كل لحظة من الاصابع، هذه وغيرها
الكثير من المباهج وحدها تكفي وزيادة!
ـ دخلت في عدة مواجهات ثقافية وخضت
صراعات كثيرة مع ادباء بماذا خرجت
من هذه المواجهات ؟
ج: هذا واحد من أكبر الأوهام شيوعا عني وهذا الوهم هو من صنع فرقة الردح
التي مر الحديث عنها. لم ادخل ابدا في ( مواجهة ثقافية) مع ادباء أو كتاب.
"جررت" الى مهاترات مع اشخاص اقل من اصابع اليد الواحدة وأصغر . اكتشفت
بعد حين ان هذا مضيعة للوقت والجهد والهيبة. هؤلاء ليس عندهم ما يخسرونه من هذا.
اعمارهم ضائعة وجهودهم هباء والهيبة حدث ولا حرج. واذا عدت للارشيف سوف لن تجد
حوارا واحدا دار بيني وبين اديب أو كاتب عراقي محترم، وحتى هؤلاء الاشباه ليسوا
اكثر من ثلاثة اشخاص لكنهم يثيرون ضجيجا يعادل مسيرة فرقة عسكرية من خلال البيانات
والمقالات المتعددة الاسماء. طبيعة الشر مكشوفة وصاخبة وعلنية وتختلف عن طبع الخير
الذي هو هادئ وصامت كنبع ماء او يقظة طفل أو كنعاس لذيذ او كضوء النجوم: هل تسمع
صخب ضوء الكواكب؟!
لكن هؤلاء على قلتهم كشفوا عن واقع ثقافي اكثر فسادا منهم. من
هذه الناحية أنا أختلف مع كثيرين، بل مع الأغلبية. حين يتحكم حفنة من الصبيان
بواقع ثقافي وبمثقفين فهذا يعني ان هناك شرخا في تاريخ الثقافة اليوم. حتى هؤلاء
ما كان لهم القيام بذلك لو كانت هناك مصدات ثقافية رصينة وقواعد نقدية حازمة لا
تتساهل مع هذا الانتهاك المروّع للاخر على نحو غير مسبوق.
ـ
الانك في سيرتك الروائية ( الاعزل ) التي اتسمت بالجراة في الطرح فجرت العديد من
الالغام الخبيئة في الظلام ؟
ج: صحيح ان السيرة الذاتية الروائية العراقية عمل جديد وانا بكل ثقة وطمأنينة أول من كتب في هذا
المجال، وهو وعر، وشائك، ولأن هذا اللون من الادب لا يزدهر الا في مناخ الحرية،
لكن هذه( المعارك) لا علاقة لها بالرواية والسيرة ولا بالبطيخ بدليل ان احدهم،
وأكثرهم صخبا هذه الأيام، ولم يترك تهمة إلا ولصقها بنا كتب مرة مقالة عن "سنوات الحريق" متوقعا فيها
لحمزة الحسن الهوان والعذاب لانه
(فتح سجل المستور والمسكوت عنه وان الحسن سيرى نسيج العنكبوت يلتف حول عنقه دون ان
يرى العنكبوت نفسه!) لكنه بعد اقل من اسبوع شن حملة لم تنقطع حتى اليوم ولن تنقطع
دون أي رادع من وسط أو صوت معترض حتى حين تجاوز الامر كل حدود الاخلاق في حدها
الادنى مثل اتهامي بأني صاحب رواية "زبيبة والملك"، وقاتل امراة في
النرويج، ومرسل من المخابرات الى ايران( لم يذكر هروبي الى باكستان كي يضلل
القارئ!) وكوفئ في الصحافة في العراق لأنه اعترف على رفاق في الحزب لا وجود لهم
ولا وجود لحزب ايضا، مع عشرات التهم السوقية التي ينضح عرقا منها أي جبين متفسخ. ولا أدري متى يأتي ليأخذ نسيج
عنكبوته الذي تمزق؟!هل يمكن تسمية هذه( مواجهة ثقافية)؟!
ـ لكن الم تحصل مواجهات من غير هذا النوع ؟
ج: المواجهة الحقيقية بيني وبين الكتاب هي صامتة وسرية وتدار بادوات من خارج
الثقافة. بعض الكتاب، ونحن لدينا ما يمكن تسميته بالحرس القديم في الأدب ايضا كما
يوجد مثله في السياسة، وجدوا في هذا القادم من البرية تهديدا لهم. هذا أمر اثار
حيرتي. ان ساحة العمل الادبي واسعة وتتسع للجميع كما ان الرواية لا تخضع لقوانين
السوق والسياسة: لا ينفع اسلوب "التسقيط" مع روائي كما ينفع مع سياسي
لأسباب لا عد لها. وبدل مواجهة ثقافية حقيقية يلجأون الى وسائل صبيانية من موروث
السياسي في أردأ النسخ: التجاهل، خلق صورة خرافية عن شخص لم يلتقوا به أبدا، ولن،
وكل ذلك ليس من اجل الثقافة ولا من اجل السياسة ، بل من اجل مواصلة الاتكاء على
وهم الامتياز الادبي العقاري مع ان هذا الوهم نزع الان وهم عراة بل اكثر عريا من
سجناء ابي غريب. وقد يكون مثيرا لك اذا عرفت ان احدا في اوروبا لم يلتق بي أو
يعرفني بالوجه من كل هذا الوسط الأدبي واذا سهوت عن اشخاص فهم ليسوا اكثر من اربعة
او خمسة، ومع ذلك يكتب هؤلاء عني بلغة العارف بل يجهلون حتى عمري الحقيقي الذي
اجهله بدوري!
وقد يكون غريبا اذا قلت لك اني
اقرأ في رسائل بعض الكتاب لي مواقف
عن رواياتي واسمع بمواقف اخرى عكسها تماما. ولو قررت يوما أن اكتب كتابا خاصا عن
تاريخ هذه الحقبة ونفاق البعض بالوثائق لعرف الجيل الجديد حكاية مختلفة عن تاريخ
الادب العراقي على امتداد هذه المرحلة الرمادية المتواصلة بلا انقطاع!
ـ
هذا كلام عام هل من مثال على ذلك ؟
ج:أحد هؤلاء كمثال وهو روائي ايضا قال للكاتب عدنان حسين احمد ان سيرة حمزة
الحسن الروائية( الأعزل) لا يكتبها غير روائي غربي محترف على درجة عالية من الصنعة
والموهبة. قال له عدنان: في الأقل اكتب له رسالة شكر لأنه اهداك كتابه؟ فرد
الروائي: لا. لأن الحسن كتب لي اهداءً خشنا!
هذه هي تقاليد( الروائي العراقي) التي اورثها لجيل اخر. يصبح الاهداء
مشكلة، ويصبح عدم الشكر على هدية "موقفا!". ومع ان حكاية الاهداء الخشن
هي مزحة خشنة مدرعة وهي ليست اكثر من تبرير لقمع روائي (جديد) صار تهديدا وقطع
طريق التشابه والعادة وسكون الأشياء، الا ان السؤال هو: ماذا كان سيحدث مثلا لو
كنا معا في مؤسسة برلمانية واختلفنا أنا وهو؟ اذا كان "اهداء " سبب هذه
المشكلة، فماذا سيحدث لو كنا اختلفنا على مصير وطن؟! بل ماذا سيحدث لو ان روائيا شابا مبتدئا وقع تحت هذه
الحوافر؟! احيانا تكون الأمثلة الحية أكثر قدرة على تقريب صورة الخراب المتعدد
الوجوه والأشكال.
ـ يكثر
تبادل الاتهامات بين المثقفين العراقيين
الذين يقيمون في المنفى بشكل
لافت للانظار لماذا برايك تتضخم هذه الممارسات
المرضية لدى المثقف العراقي ؟
ج: رغم اننا اجبنا على هذا السؤال أكثر من مرة، الا ان تكرار الاجابة بتوسع
هو امر قد يكون مفيدا. ثقافة مغلقة وتاريخ مسدود.
هذا بايجاز شديد مكثف أحد أكبر وجوه الأزمة العراقية وحتى العربية. وبين هذين
العنوانين تنمو الكثير من العقد والأمراض والتشوهات. ليست المسالة محصورة في
اتهامات المثقفين بل هي ظاهرة عراقية عامة. وسأعود للأمثلة وقد تكون الأغرب: كنا
سنة 89 في سجن في اقليم بلوجستان في الباكستان اسمه" كويته" بعد عبور الحدود
الايرانية بلا أوراق وليس لدى البعض ملابس لائقة وبدون نقود. صار عددنا اكثر من
مئة سجين في فترة من الفترات لكثرة الهروب من السلطة وجرائمها. لكن الغريب في
الأمر، ونحن من أطياف عراقية مختلفة عرقيا ودينيا وقوميا ولغويا وحزبيا صنعنا
السجن على صورتنا. أي جعلناه اكثر تشوها من قبل. صار سجونا. حملنا معنا سجوننا
الداخلية اليه. هناك قاعة خاصة باليساريين. قاعة خاصة بأهالي هذه البلدة الشمالية.
عزل هذه عن اخرى من نفس المنطقة. معارك بالسكاكين بين هذا وذاك على خلفية صراعات
سياسية أو قومية أو دينية وحتى على غلمان!
ان نقيب السجن وهو هندوسي اجتمع
بنا مرة وقال انه خجل مما يجري في قاعة( السياسيين!) لأن قاعات القتلة أهدأ!. ان
هذا مقزز ومخجل الى ابعد حد. قال ايضا أنه يخجل من الحديث معنا فهو يحترم موقفنا
كسياسيين ولكن اتضح له مع الوقت والتجربة ان قاعات المجرمين تحتفظ بتقاليد عائلية
وشخصية ووطنية. قال بمرارة: كل يوم تصلني منكم اكثر من عشرين رسالة عن:( فلان اسمه
مزور، اخر مخابرات، ثالث يخطط للهرب من السجن!) وهذا يؤخر خروجكم من هنا ومن
مصلحتي كشرطي أن اعرف هذه الحقائق
لكنها تضر بكم وحدكم!
ـ ربما لان الازمات السياسية تصدرت
الواجهات واحدثت تشوهات في النفوس ؟
ج: كنا نقول اول الأمر ان هذه هي أمراض السلطة لكن من بعد لم يعد هذا
التفسير مقنعا أو مبررا. بعضهم يعيش اليوم في أكثر الليبراليات انفتاحا بل تطرفا
ومع ذلك يهددك على إثر وجهة نظر أو مقالة بأنه سيحول القضية الى مسألة عشائرية!.
انه خراب قديم ومعتق.صحيح ان السياسة تصدرت الواجهة لكن جوهر
الأزمة أعمق من ذلك بكثير. حين حاولنا فتح كيس الصديد في رواياتنا تعالى الصراخ
والعويل والجعير: هناك شخصية عراقية نمطية تحب صناعة الواجهة العلنية الطيبة، أما
الواجهة السرية، وهي مجال عمل الرواية تحديدا، تظل سرية ومغطاة بطبقة كثيفة من
الطلاء، لكن الويل لمن يرفع هذا الطلاء السميك والهش ايضا. هذا السؤال عن السبب لا
يحتاج اجابة بل يحتاج الى اسئلة فهناك اسئلة لا يتم الجواب عليها الا باسئلة
واعتقد ان المسافة بينا وبين الحرية، حتى بمعناها السياسي العام، أطول مما نتوقع،
فكيف نصل الى البراءة ونعيد بناء ربيضة من جديد؟!
ـ يقال ان الضحية تقع عليها ظلال الجلاد فتصبح مستبدة مثله
، هل هذه
العدوانية هي ظلال لممارسات النظام السابق الوحشية ؟ وكيف يتمكن المثقف العراقي من
النهوض ثانية ونشر ثقافة جديدة يعلو
فيها صوت الحب على سموم الكراهية؟
ج: نبدأ من النهاية: صوت الحب لن يرتفع في هذه الحقبة. هذه حقبة الرصاص
والموت والتصفية. من ينادي اليوم بالحب يصبح جسده ميدان رمي مثل راهب رواية(
الاخوة الاعداء) لكازنتزاكي حين كان يصرخ المحبة .. المحبة، بين أطراف متحاربة
فضاع صوته في الريح.
اكرر دائما عبارة المفكر فرانز
فانون بأن الضحية تبحث دائما عن ضحية وهي تبحث تحديدا عن ضحية هالكة ولا تقترب من
ضحية قوية في أقذر سلوك انتقائي عرفته البشرية.
ـ لماذا برايك ؟
ج: لأن جلادها الاول زرع في داخلها الجبن من القوة والقوي. مثلا: ان كل هؤلاء
الذين كتبوا واشاعوا الكثير من الحكايات المغرضة والملفقة حتى بسذاجة وسطحية لو
كان عندهم اقل احتمال بأنني اشكل خطرا على نملة او عصفور او وردة لما فعلوا ما
فعلوا ولو كانوا في أبعد نقطة في
الأرض. استخدم نفسي هنا كمثال للتوضيح كي لا اذهب الى امثلة اخرى. في كل رواياتي
حديث متواصل عن هذه القضية: مدى مسؤولية السلطة الفاشية؟ وفي كل مرة أجد ان السؤال
يولد سؤالا: لكن بعض هؤلاء خارج السلطة الان وفي دول مختلفة تماما؟ ومرة اخرى
السؤال بدل الاجابة: هل السلطة هي جيش وشرطة فحسب أم عقلية؟ وهنا ينفتح السؤال على
أفق اخر وعلى تعريف آخر لمعنى السلطة. نحن نرى السلطة في الحجوم الكبيرة، في
الحكومة والحزب.. الخ ، لكنها موجود في الهوية والخطاب والنص والعائلة والقيم
والتاريخ والجسد والثقافة. انها موجودة في الحجوم المجهرية وهذا ما وصل اليه تاريخ
الفكر الحديث. سيصبح من عدم الدقة تكرار ان تلك السلطة وحدها شريكة في خراب عريق
ومعتق: حتى تلك السلطة الوحشية كانت نتيجة منطقية لتاريخ مغلق وثقافة منهارة. وهذا
التاريخ المغلق انتقل اليوم من حرب التقارير والاتهامات الى حرب شوارع وبالسلاح
هذه المرة، ونحن دخلنا في أخطر المراحل دون ان ندري، أو يدري هذا المثقف الذي هو،
في نماذج ليست قليلة، صورة من الحزبي لكن على ثقافة. ان من المضحك ان يتحدث الكاتب
العراقي عن رؤيا المستقبل والرصاص يطرق على باب بيته دون ان يمسك في الأقل بهذا الجرح.
ما الذي يجعلنا اذن نفيق اذا كانت حربا كونية ثالثة جرت على ارضنا، واخرى اهلية
تطرق الأبواب، و(المثقف) متكئ على تصريحات السياسي الكاذبة؟. هناك شعوب افاقت من
بيان أو نداء أو قصيدة أو رواية أو
حادث سقوط جسر أو كذبة رئيس وزراء ، اسبانيا مثلا، أما نحن فلن يهزنا حتى سقوط
كوكب على هذه الأرض، ما دام عقل الأمة، ضميرها، غائبا أو مغيبا او مقصيا أو مطاردا
أو مهمشا. من المخجل القول، وهذه حقيقة، ان من يخطط لمستقبلنا اليوم هو المثقف
والمفكر والخبير والتقني الأمريكي والانكليزي والغربي الذي جاء مع الاحتلال، في
حين يتصارع( المثقفون) العراقيون على الأسلاب.
ـ في رواية (سنوات الحريق) توقعت ان حريقا ومجزرة قادمة
ستكون الخاتمة واليوم كيف ترى الخاتمة ؟
ج: اليوم أقول انها لن تكون الخاتمة. كانت خاتمة لحقبة الفاشية الأولى.. في
(الأعزل) كان البناء الروائي كله يقوم على فكرة محورية: هذا المجتمع سينفجر يوما
من داخله في ظروف قادمة. هو اليوم انفجر او يكاد ولا أدري متى نقرع الأجراس؟! حتى
حكاية التماهي مع الجلاد لم تعد مقنعة لأن هذا الجلاد هو الآخر تماهى مع اسلافه:
وهؤلاء يرقدون الان في الذاكرة في انتظار فتح الباب في لحظة غضب. انه عطب بنيوي
عميق أبعد من حدود السياسة!
ـ ماذا اعطاك المنفى ؟ وماذا اخذ
منك ؟
ج: اعطاني المنفى ما سلبه مني
الوطن. لا احب ان اردد العبارة الشائعة بأنني في المنفى اكتشفت الوطن رغم
صحتها، لكن المنفى، وهو مفهوم نسبي
وشخصي، عاد وأخذ مني اشياء كثيرة خاصة حين يشاركك العيش في هذا المنفى جلادك بكل
معنى الكلمة. فسد المنفى، كما فسد الوطن. ان العنوان الفرعي لرواية( عزلة اورستا)
الصادرة قبل سنوات هو: "سرقوا الوطن، سرقوا
المنفى!" ماذا تبقى لنا اذن؟ المنفى ليس مكانا فحسب بل ذهنية ونحن كنا
في المنفى المتعدد الوجوه داخل الوطن: منفى اللغة، ومنفى الجسد، ومنفى العقائد.
اردد في عزلة اورستا: اذا اخذوا منك الوطن،
واعطوك منفى فهذه مقايضة مقبولة، لكن ماذا يحدث اذا أخذوا منك الوطن والمنفى؟! لا
أجد غير كلمة واحدة تختصر هذه القضية: انه الجحيم!
ـ يتداول مصطلح جديد في الوسط الثقافي العراقي
هو : كتّاب الخارج وكتاب الداخل .. كيف تقيم هذا المصطلح ؟.. وهل هنالك فجوة نفسية
– معرفية بين الأثنين ؟
ج: كنت اول من كتب عن هذا الموضوع يوم كتبت مرات عن الشاعر رعد عبد القادر،
وعن غيره، في منتصف عام 96 في جريدة الوفاق
ويوم كانت الكتابة عن كتاب( الداخل) جناية. وقد دفعت الثمن مرتين: مرة على يد بعض
هؤلاء الذين كتبت عنهم حين تحولت كتابتي عن أحدهم الى قضية قال انه سجن بسببها
وانني( بدون قصد يقتل القتيل ويمشي في جنازته!) كما كتب احدهم بكل وعي وخفة. أي
صارت الكتابة عنه وهو في العراق قتلا في محاولة لصنع تاريخ شخصي"
نضالي!" على حساب يد مدت بنظافة وسخاء. ندمت حد الوجع. ومرة اخرى على يد
خصومهم حين صارت هذه الكتابة دفاعا
عن كتاب السلطة وهذا تبسيط سخيف قادم من الميراث الحزبي المعروف.
نحن نعشق الثنائيات كثيرا: الوطني وغير الوطني، التقدمي
والرجعي، المريض والسليم، الشريف وغيره، مع المحتل وضده، مع السلطة أو ضدها، أدب
داخل/ أدب خارج.. الخ. لم يعد هذا العالم ممكن التفسير حسب هذه الثنائيات. بدون
الخروج من هذه الشبكة من المفاهيم سنعيد انتاج سلطة جديدة تقوم على مبدأ الحدود القاطعة. الأمر اكثر تعقيدا. لم اقرأ مثل هذه
المفاهيم عند الشعوب التي عاشت مثل
محنتنا. غدا ستتناسل ثنائيات أخرى وهكذا. اعتقد ان الابداع الحقيقي لا مكان له.
ـ كيف تقيم منافذ النشر الجديدة ،
لاسيما الإنترنت منها ، التي لم تعد تمارس سلطة الرقيب على النص ؟
ج: لست من هواة الكتابة في أكثر من موقع. هذه عادة قديمة وجديدة. مثل اية
ظاهرة جديدة وقع الانترنت في الفخ. صنعناه احيانا على صورتنا: هذه حرفة تتكرر حتى
في السجون. بعض المواقع السياسية وهي معروفة تجاوزت في سلوكها ما كانت حتى أقذر
سلطة فاشية تخجل منه في اعلامها حفاظا على المظاهر وليس خجلا. لكن منابر النشر
الجديدة في العراق هي امر مفرح وسار. انفتحنا على جمهور اوسع بل اثقف. التواصل
افضل. هامش نشر العمل الابداعي اكبر.
ـ ماذا
قدم لك الإنترنت؟
ج: الصداع وضياع فرص الكتابة الروائية واصدقاء رائعين اخشى موتهم وعرفني بالشاعر
عبد الرزاق الربيعي مبدعا ومثقفا وكاتبا
ظل بعيدا جدا، ونائيا، عن كل ما يجرح كرامة الانسان ويلوث الاصابع وهذه
معجزة هذه السنوات!
ـ
هذا لطف منك يشعرني بالارتباك شكرا جزيلا وطبعا لا يمكن
ان ننسى دور موقع ( كتابات ) والصديق اياد الزاملني في اتاحة لنا هذه الفرصة فرصة
التواصل مع ابداعاتك بشكل يومي
تقريبا وبهذه المناسبة كيف
تصف تجربتك في ( كتابات ) ؟
ج: تجربتي مع موقع ( كتابات) مثل زواج المتعة أو الزواج الكاثوليكي. في كل
مرة عقد زواج وطلاق ومحاكم وفضائح ثم نظهر في الحفل في لحظة عناق كأن شيئا لم يقع.
كلما حاولت الهرب من الموقع للتفرغ للكتابة الروائية، طاردني بالمعنى الحرفي الأخ
اياد الزاملي من مكان الى مكان. في اخر توقف لي، كانت رسائله تصلني رغم اني كتبت
له رسالة اقول له اني في مكة لأداء "العمرة"!
ولا أعتقد انه صدق لأن الأمر يشبه
حكاية الثعلب والدجاجة التي قرأناها صغارا، حين رأت الدجاجة الثعلب في قارب وسالته
وهو بلحية ومسبحة طويلة فقال: ذاهب الى الحج. ولم يكن هناك حج ولا هم يحزنون!
لو لا هذه الملاحقة لما كتبت أجمل ما عندي. انا أحتاج الى من يطاردني بهذه الصورة كي اكتب. كما ان
نشر رواية" سنوات الحريق" سهل التعارف على عدد كبير من القراء الذين
اكتشف بعضهم ما هو أبعد من الرواية. اليوم أعد العدة لسفرة اخرى ولكني لا اعرف
ماذا ساقول؟
هل سيصدق لو قلت له اني ذاهب في بعثة للصليب الأحمر الى دارفور؟
هل سيصدق لو قلت انني ذاهب الى السجن بتهمة قتل شخوص روائية؟ هل سيصدق لو قلت له
اني ابحث عن عمارة من عشرة طوابق لأنتحر من فوقها؟!
23/7/2004
|