الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 

رسالة إلى سياسي عراقي قبل اغتياله

 

 ( ـ تحدثت مرارا عن دور في الحكومة القادمة كوزير إعلام، هل هذا طموحك أم أن لك طموحات أخرى؟

 

مشعان:ـ رغم أن الجميع يريدني لهذه الوزارة، فأنا أعتقد أني لا أصلح لها. عيني على وزارة النقل لأقدم خدمة للناس.)!

  * من حوار مع مشعان الجبوري في جريدة الشرق الأوسط في 25/ مايو/ 03).

 

 

عزيزي السياسي العراقي فلان الفلاني:

السلام عليكم.

ليس مهما الأسماء لأنك كل الأسماء، وأقذر ما فينا في هذه الأيام هي الأسماء، بتعبير شاعر عربي مات حزنا تحت مطر المنافي.

 

وليس مهما ذكر الحزب الذي تنتمي إليه، لأنك كل الأحزاب، ولأن اسم الحزب عندك يتغير مع تغير العشيقات والزبائن سواء زبائن الحزب أو زبائن الفكر أو زبائن السياسة، ويتغير مع تغير الأحذية والسيارات وحتى الألبسة الداخلية لك ولمن تحب، ومع تغير الوزارات القادمة سواء كان هذا التغيير يتم في مطبخ وكالة المخابرات الأمريكية أو على يد السيارات المفخخة.

 

فأنت لا اسم لك، رغم الاسم الصريح في هوية الأحوال المدنية، فقد يكون أسمك الضباب أو الرمل أو السراب أو الجراد أو الصحراء أو الزحار أو الموت أو الضحك أو الخازوق.

 

أنت، بتعبير أدق، اسم الذين لا أسم لهم، ولا حزب لهم، ولا كرامة، ولا ضمير، ولا شرف.

أنت عنوان نصف قرن الأخير: أنت الحاكم والمعارض والسارق والمناضل والمنفي والعقاري والكاتب والعبقري والخائن والشهيد والقديس والرذيل.

 

وأنت ماء الأواني المستطرقة، تأخذ شكل الإناء والمرحلة والنظام والقوة والمؤسسة والحذاء الذي توضع فيه.

 

وأنت سيد هذه الحقبة بامتياز.

 

 أنت تعمل في كل سلطة وتملك كل مبررات هذا العمل.

تقتل أو تشارك أو تصمت أو تسرق وتملك كل مبررات هذا العمل.

 تخرج أو تهرب، للسياحة، أو على إثر سرقة، أو طرد، وتمتلك كل مبررات هذا العمل.

 

حين تكون مجرما في سلطة، فأنت تخدم الشعب.

وحين تُطرد أو تسرق أو تُسافر أو تعاقب أو تفتح دكانا حزبيا أو مأوى للمرتزقة تصبح مناضلا وانقلابيا في خدمة هذا الشعب( نحن دائما رعايا في الوطن وفي المنفى!).

 

وحين تخون، فأنت تخون من أجل هذا الشعب.

وحين تعود، على أي ظهر، تعود من أجل هذا الشعب.

 

وفي كل مرة تؤسس سلطة الخراب.

 

اليوم أجد نفسي مرغما على نصحك لوجه الله أو لوجه أطفالك ( مع أنني أعرف أن النصح والنكح يتساويان عندك وأنك عنيد مثل تيس جبلي!)، وقبل أن تصلك رصاصة تفجر رأسك الذي لعب كثيرا، وكثيرا جدا أو ربما سيارة ملغومة في الطريق اليك.

 

أنت تعرف أن السلاح، وخاصة بنادق القنص، صارت أكثر من عدد السيارات والطيور والأطفال وبيوت الله، ولذلك فإن مسألة تفجير رأسك من ضحية من ضحاياك المباشرين أو غير المباشرين مسألة وقت ليس إلا وهذا يقلقني جدا لأنك ستفلت بالموت من عقاب القانون الذي لا شك قادم  مهما طال الزمن فهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم.

 

وهذه البنادق مزودة بمنظار لا فرق عنده بين رأس الدبوس ورأسك، وهو قادر على  تحويلك، وأنت تسبح أو تلعب التنس أو تركض في قصرك أو قصورك الجديدة التي فتحها الله أو الاحتلال عليك، قادر على تحويلك في ثوان إلى ديك يرقص في بركة دم.

 

ولكي تتجنب هذا المصير، لأن حياتك، رغم كل شيء، تهمنا، بوصفك مواطنا من واجبه تعليم الجيل الجديد أساليب الضحك والسخرية من الناس من اجل العبرة والدرس، أرغب توجيه هذه النصيحة المجانية لك وللتاريخ وللأيام القريبة القادمة، رغم أنني أعرف، في النهاية، أنك ستتجندل في بركة وحل أو بول أو في حشد جماهيري أو في حديقتك الجديدة أو القديمة.

 

 

 لقد لعبت كثيرا.

ونجحت كثيرا.

ليس لأنك تملك مؤهلات وقدرات ومواهب وشهادات علمية، وليس لأنك ذكي، أو عبقري، بل لأننا بلا مؤهلات عدا مؤهل واحد ووحيد  لا يؤهل أي زعيم  حزب فينا للعمل في ملجأ أيتام أو  مدير سجن أو موظف في دائرة تقاعد عامة: نحن خبراء ردح وهذه نقطة تعرفها ومنها تسللت إلى الوطن.

 

نحن، صديقي العزيز ضباب، خبراء في التشليح وصيحات داحس والغبراء، وثوار طاولات النرد والمستكي( عرق عراقي قديم شهد كل ثورات منتصف الليل، وكل بطولات الوهم والذباب!).

 

ونحن، حضرة الصديق سراب أو خازوق،

 عباقرة في التلويح بسياسة العصا الغليظة، ولو لم نكن نملك هذه العصا، نلوح بأي شيء بما في ذلك الأحذية والمقالات والرسائل أو حاويات الزبل.

 

ونحن كنا ولا نزال نؤسس فهما وحشيا في السياسة يقوم على التنازع بين المجموعات وعلى الافتراس وعلى الحيازة، وليس على خلق مساحات  من التنافس الشريف والواضح للمصالح المشروعة.

 

ومع أنك، رغم شهادات حملتها من مؤسسات ومراكز ومحطات كثيرة، إلا أنني أعرف، وأنت تعرف، أنك لا تملك في المحصلة غير شهادة التطعيم ضد الجدري أو الكوليرا أو شهادة الله وأكبر أو شهادة الأحوال المدنية أو شهادة موقعة من الحاكم العسكري أو المدني الأمريكي تشيد بحسن سلوكك.

أو شهادة موقعة من بنت ليل في ملاهي الوطن الكثيرة  وقعتها لك بختمها الخلفي.

   

لقد حصلت على أشياء كثيرة وامتيازات  مدهشة في السر والعلن، وأعددت جيشا من الانتهازيين للوقوف معك في موسم سيرك عراقي قادم لانتخاب حكومة قد تكون وزيرا فيها أو مستشارا أو بهذا الحجم.

 

قد لا تعجبك هذه الوزارة أو تلك والوطن مفتوح اليوم في العراق على مصراعيه لهذا البازار المخجل، وخاصة الناس تبحث في المقابر عن موتاها، ولكنك في النهاية ستجد نفسك، ما لم تقنع بهذا الكثير والوفير والمثير وتعتزل، متهدلا مثل كيس فجل على مقود سيارتك التي  تشبه مقبرة جماعية في صحراء.

 

لا تريد أن تصدق، لأن هذا النجاح المغري، والمدهش، يعمي، أن الناس ليسوا هم الذين ضحكت عليهم قبل سنوات، ولا هم الذين شاركت في موتهم بهذه الصورة أو تلك، ولا تريد أن تفهم أن الناس كغيوم السماء لا تتكرر مرتين بنفس الصورة.

 

إنه العمى والنجاح الذي أعمى سيدك الطاغية وأسقطه.

 

كنا نحلم كثيرا أن هذه الفاشية القذرة لن تتكرر أبدا. ونردد في كل مكان: إن هذا يجب أن لا يحدث مرة أخرى.

 

لكن مشهدك وأنت تتبختر في الشرفات أو على محطات التلفزة أو الصحف أو في حشود مدفوعة الأجر( على أنك فاتح المدن ومحرر العبيد!) في زمن عراقي صارت الألقاب فيه تباع وتشترى من السوبر ماركت مع ورق الحيض، جعلنا على يقين بأن عودة الفاشية واللصوصية والسطو والجريمة ليس وشيكا جدا فحسب، بل هو حقيقة قائمة اليوم.

 

ان السفاح الهارب لم يتحول الى لص في الخمس دقائق الاولى من حكمه، ولم يتحول إلى جزار مكشوف في اسبوع، بل تزحلق على مراحل، وصار وحشا بتنازلاتنا وقدم اشياء كثيرة مهمة في السنوات الأولى حتى لو كان ذلك طعما وفخا، كما أن حكم العائلة تكون بعد سنوات وليس في ربع ساعة كما هو اليوم.

 

 لكنك وقبل تشكيل اية حكومة سطوت، كما سطا رفاقك المحررون معك على كل شيء منذ الدقائق الأولى.

ألم يكن بالامكان الانتظار شهرا أو سنة؟

 

كنا نحلم بدولة قانون، لكنك ستعيد علينا حكم المسدس وكاتم الصوت والسرداب الأرضي والمحاكم الحزبية التي تضع " المتهم" أمام قضاة ملثمين، بلا شاهد نفي أو شاهد إثبات أو محامي أو نص قانوني أو قاعة محكمة أو وثيقة أو حتى ضحية مفترضة أو جمهور أو جرس محكمة أو شرطة على الباب أو قسم الشهود أو المتهم.

 

 القانون الوحيد الذي ستعيده علينا، اليوم أو غدا، هو قانون المسدس. وهذا هو القانون الذي أخاف عليك منه وبه سيتحول، لا سامح الله، بعد أيام دماغك إلى ( شَعر غجري يسافر في كل الدنيا!) برصاصة من قناصك الذي يجلس اليوم، بلا عمل، ولا ضمان، ولا بيت، ينظف سبطانة  بندقية القنص من أجل أن تلاقي وجه ربك أو وجه بول بريمر أو وجه التاريخ بأسرع وقت وبدون الم أو حتى صرخة.

 

 ستعيد علينا، صديقي المرحوم، كل قانون الذين لا قانون يحكمهم، لأنك أنت نفسك لا تزدهر إلا في الفوضى والاضطراب وغياب القانون.

 

وعادة يبدأ كل شيء صغيرا: الجرائم الكبرى تبدأ حالات سطو هنا أو هناك، وغياب العدالة يبدو رشوة هنا أو خطأ هناك، و الاستبداد يبدو  شعورا بالحيازة والتملك السياسي هنا أو هناك.

 

 هذه الأيام تتحدث أنت ويتحدث أشباهك ممن ويحملون نفس علامة المصنع، عن السلطة على أنها حق شخصي أو عائلي أو عشائري أو حزبي أو عقاري، فتحذف من تشاء وترشح من تشاء في حضور مذيع منبهر من سهولة كلام السياسي العراقي وهو يفصّل وطنا على صورته المشوهة وبلغة جازمة قاطعة نهائية لا تقبل النقاش أو الشك أو الاعتراض.

 

وكل الحروب الأهلية بدأت بنوافذ القنص، وانتهت بحمامات دم. عشاق الاحتلال يتحدثون هذه الأيام بلغة تشبه لغة الرسل القدامى مع الفارق الجوهري في الخطاب النبوي الأول وخطاب هؤلاء الملفق، حيث يتحدثون عن الجماهير بشاعرية وينفون أية فرصة لوقوع حرب أهلية أو فساد سلطوي أو جرائم سياسية، ولا يتكلمون إلا عن ذكاء الجماهير، ووعيها التاريخي،وحضارتها، وادراكها للمخاطر ..الخ خطاب الزور وتناسي أن كل الشعوب التي خاضت حروبا أهلية تمتلك نفس المؤهلات وأرقى، لكن بنية الحروب الأهلية تتأسس على الاحتقان والفساد والبطالة والتهميش والأقصاء والاحتلال وفي ثقافة العنف وفي فهم السياسة على أنها حيازة وحق وعقار وفي منطق الغنيمة، وعلى توفر السلاح أداة هذا التفجر والعنف والطرق المغلقة ولا نعرف كم عدد القتلى حتى نشك في مقدمات الحرب الأهلية ويسقط في كل يوم العشرات وبالإجمال وصل عدد القتلى أكثر من عشرين الف ضحية.

 

 

إن الحديث عن السلطة "كحق"، تحت أي اسم، هو بداية خراب وشيك، لأن السياسة هي مجال عمومي للتنافس الاجتماعي، وأنت تريد بناء زريبة  تحمل صورتك.

 

رغم كل نفوري منك، لكني لا أتمنى لك الشر.

أتمنى أن أجلس معك في كازينو،

أو في مقهى،

أو على ضفة نهر،

لكن بشرط أن تنزع مسدسك،

وأن تنزع  فكرتك الرثة عن هذا الشعب بكونه يمكن أن يخدع مرة أخرى ومن الجحر نفسه،

وأن تنزع فكرة إرهابية تقول أن السياسة هي حق المنتصر، مع أننا جميعا، في النهاية، مهزومون تاريخيا،وأخلاقيا،وسياسيا، وعقليا، ودينيا، وجنسيا، و المنتصر الوحيد هو: الزمن والاحتلال.

 

احترم الزمن

قبل أن يأتي القناص!

  

 
                      العودة للصفحة الرئيسية