|
صانع
الأحلام
الجديدة
بعض
الناس يحلمون
بحياة الكاتب
على طريقتهم
الخاصة في
الحلم بحياة
مخلوق آخر، أو
يتصورون أن
أحلامهم
تتطابق مع
أحلامه، وأن
هدفه من
الكتابة
والحياة
متماثل مع ما
يتمنون، بل
يذهب بعضهم
إلى اقتراح
مقالات
وأحزاب
وحكايات
للكتابة كأن
الكاتب لكي
يكتب فما عليه
إلا أن يصغي
لصوت القس أو
الواعظ وليس
إلى صوته
الداخلي الذي
يصعب شرحه
وفهمه وطريقة
عمله وحتى
هويته
ومصادره وكيف
يحول كل تلك
الخبطة من
التجارب
والصور
والأحلام إلى
عالم مستقل
هندسي يكون
الكاتب في
أحيان كثيرة
أكثر دهشة من
غيره في
الطريقة التي
صنع بها أو خرج
للحياة.
تختلف
طرق الناس في
كل زمان ومكان
في أساليب
العيش وفي
الأماني
والرغبات
والأوهام
والأمراض
والجينات وفي
الأهداف كذلك
ولو على مساحة
غرفة واحدة أو
منزل واحد.
والكاتب
قد يركب
الحافلة
ويستخدم
الهاتف ويذهب
إلى الحمام
ويقضي وقته في
مقهى أو حديقة
ويمشي في
جنازة وكل
الأفعال
اليومية
الأخرى، لكنه
لا يعيش مع
الآخرين على
سكة واحدة في
الأهداف
النفسية
والعاطفية
ولا في شروط
الكتابة
والأحلام
البعيدة
المدى.
وحياة
الكاتب
الخارجية قد
تكون مكشوفة
كليا أو
جزئيا، وقد لا
تكون، لكن من
الخطأ الفادح
الاعتقاد أن
الكاتب هو ما
يراه الناس أو
في صورته
العلنية.
كاتب
من هذا النوع
لا يصلح لهذه
المهنة
الشاقة التي
يرى القارئ
نتائجها
جاهزة لكنه لا
يرى النزيف
الذي أنتجها
ولا الموت
اليومي الذي
حررها من
أعماق موغلة
في الاضطراب
والسكون وفي
السفر وفي
النعاس
والأرق
والخوف
والذهول
والبحلقة في
الأفق أو
الحيطان ولا
في النكد
الدائم في
تصور شكل
الحياة
القادم التي
لا يرى منها
الناس شيئا
الآن لكنها
تعيش في وجدان
ووعي وخيال
الكاتب كل
لحظة.
نحن
لا نسافر على
نفس الخطوط
الجوية ولو
كنا على رحلة
واحدة، ولا
نشاهد
المسافرين
أنفسهم، ولا
نشكر
المضيفات
أنفسهن، ولا
نصل في خاتمة
الرحلة إلى
المطار نفسه
حتى لو حطت
الطائرة على
مدرج واحد: نحن
في أحلامنا
على سكة أخرى!
كما
أننا لا ننتمي
إلى الوطن
نفسه بنفس
الطريقة،
فلكل واحد منا
صورة شخصية عن
هذا الوطن،
ولا ننتمي إلى
الحزب نفسه
حتى لو جمعنا
لقاء واحد،
ولا نجلس في
المقاعد
نفسها في
المقهى
الواحد ولانموت بنفس
الطريقة حتى
لو كبست علينا
قنبلة واحدة.
هناك
تصور لا أدري
كيف خلق وتأسس
وأية تقاليد
أنتجته هي أن
الكاتب حين
يكتب أو يعشق
أو يخطأ أو
يفشل أو ينجح
أو يرفض أو
يختلف إنما
عليه في كل هذه
المحطات أن
يرضي
الآخرين،
وبتعبير أدق
أن يكون ملكهم.
وهذا
غير صحيح،
فالكاتب ليس
محطة قطارات
ولا سفينة شحن
ولا مبولة
عمومية ولا
دار أمل لكبار
السن، ولا
رصيفا مفتوحا
للمارة،
وحياته
الخاصة ليست
بريّة مفتوحة
للصيد والقنص
وسباق
السيارات،
ولا قلبه ساحة
للفرجة أو
للتعريةوليس مطلوبا
منه في كل فترة
من حياته أن
يقدم كشف حساب
عن نفسه كي
يكون مرئيا
ومقبولا
ومحترما
ومقنعا
للجميع.
الكاتب
الذي يحاول
إرضاء الجميع
هو غشاش محترف
وهو سياسي
دجال، وهو لا
يعرف شيئا لا
في شروط
الكتابة ولا
يحترمها ولا
يحترم الناس
جميعا. فليست
وظيفة الكاتب
هي نفسها
وظيفة المهرج
في أن يعرض
أرانبه
وأفاعيه
وحيله
الصغيرة
والكبيرة على
المارة،
وكاتب من هذا
النوع يصلح في
مكتب عقار أو
دلالية أو في
سوق عام مهما
منح نفسه من
صفات وألقاب
لأن الحيلة في
الكتابة
الحقيقية
ليست نفسها في
السياسة ولا
الكذب الذي
يدوم نوعا ما
في السياسة:
الكتابة تعري
صاحبها على أي
شكل كان!
كثيرون
يحلمون
بالحرية
السياسية، أو
في أن يحصلوا
على الضمان
الاجتماعي،
أو في الحصول
على سكن مريح،
وإضاءة عامة،
أو في مؤسسة
قانونية
شرعية عادلة،
أو برلمان
منتخب، أو في
صحافة حرة،
لكن ليس هذا هو
حلم الكاتب
الحقيقي ولا
هو هدفه
الجوهري
والنهائي: حين
يصل الناس إلى
تحقيق هذه
الأحلام،
يكون الكاتب
على سكة أخرى،
وعلى حلم آخر،
بل يكون قد بدأ
يحلم لهم
ولنفسه بما هو
أجمل وأعظم
وأرقى في
شيخوخة
هانئة، في
براءة صريحة،
في آمال
بعيدة، في
سلطة أكثر
عدالة، في يوم
أجمل، في
مفهوم مختلف
للصداقة
والسياسة
والفكر
والمعارضة
والجمال.
والدليل
أن كتاب
العالم اليوم
في الدول
المفرطة في
الحريات
العامة
والفردية
يواصلون
صراعهم
اليومي الشرس
أحيانا
والهادئ
أحيانا، من
خلال صحف، أو
مؤسسات، أو
قنوات، أو
ندوات علنية،
أو مؤتمرات،
ضد دولهم
الشرعية
المنتخبة،
ويقفون على
النقيض من
الدولة أو
الحزب
الحاكم، فهذا
الصراع
يجدد
الحياة، وهذا
الاختلاف
يعطي حيوية
للدولة
والمجتمع
والفكر
والسياسة
والثقافة. كما
أن حاجات
البشر
وأحلامهم لا
نهاية لها،
فلا تتوقف
أحلام الكاتب
الحقيقي عند
تحقيق مشروعه
السياسي
المرحلي، لأن
تطلعات الناس
وآمالهم في
تطور ونمو
وحاجاتهم
تكبر كل يوم
حتى لو تحققت
العدالة
السياسية.
لكننا
من فرط
الضيم صرنا
نشعر أن مجرد
تحية من رجل
بوليس في شارع
يعد عملا
خارقا، ومجرد
مرور
السيارات في
احترام
للقانون هو من
علامات
الساعة،
وبمجرد أن
جنازة عليها
إكليل ورد هي
معجزة، وان
البكاء على
موت كلب في
دولة ما هو
نهاية العالم.
تم
تخفيض
أحلامنا
الإنسانية
إلى مستواها
البدائي
وصرنا نظن أن
كوننا أحياءً
في يوم إضافي
يعد نصرا
شخصيا يعادل
النجاة من
حرب، أو
المرور من فوق
رصيف بدون
إشارات تحذير
وزجر ونهي
يساوي الخروج
من حكم موت،
وأن رئيس دولة
أو حكومة
يضحك، أو يأكل
في مكان عام،
أو يطرد لأنه كذب
مرة واحدة
على الناس كما
حدث مع رئيس
الوزراء
الأسباني
خوزيه أثنار،
هذه الأفعال
التي دخلت في
التقليد
الاجتماعي
والسياسي
والأخلاقي في
دول كثيرة تعد
بالنسبة لنا
من باب
الخوارق.
لذلك
يعتقد البعض
أن على الكاتب
أن يقنع، بما
أننا عشنا
مرحلة وحشية،
برغيف الخبز،
وضوء
المصابيح،
وخطابات
الحرية
والعدالة
والقانون
التي تهرأت من
التداول
وانقلبت إلى
ضدها حتى أنبل
الشعارات
والقيم، وفي
هذا اغتيال
للكاتب شخصيا
وللحلم العام
المشترك أيضا.
حين
يصل الناس إلى
تخفيض
أحلامهم إلى
مستوى الخبز
والضوء
والحذاء
وجواز السفر
والصحيفة،
فإنهم بوعي أو
بدون وعي،
يؤسسون سلطة
استبداد
جديدة، ويحرضون
الحكام
الجدد على السهل
والعادي
والبسيط
وحتى التافه
من مطالب
حيوية عادية
لا ترمى كفتات
بل تؤخذ كحق.
وحين
يصمت الناس عن
الأخطاء
الصغرى أو
الأخطاء
الكبرى، ولا
فرق في ميزان
العدالة بين
سرقة فلس أو
سرقة مصنع،
لأن العبرة في
مبدأ السرقة
لا في نوعها،
يكونون قد
مهدوا الطريق
مرة أخرى
لتأسيس سلطة
الموت.
في
كل قطارات
العالم، في كل
الرحلات
الجوية،
والبواخر،
يصل الناس إلى
محطة واحدة،
لكنهم لا
يذهبون جميعا
إلى الحلم
نفسه. قد تتحقق
الحرية
السياسية
للناس يوما
ما، وقد
يلبسون أجمل
الثياب،
ويتنزهون فيحدائق مشرقة
آمنة،
ويذهبون إلى
المنازل
ضاحكين، بلا
خوف، لكن رحلة
الكاتب تبدأ
من حيث
تنتهيرحلات الناس
وأحلامهم.
الكاتب
الذي يحلم
بالحرية
السياسية
فحسب ليس
كاتبا، بل هو
مندوب شركة،
أو متعهد
بناء، أو بطل
مسلسل انتهت
حلقاته نهاية
سعيدة، لكنها
ناقصة، أوهو صانع خلقه
الجمهور
والظروف
والأوضاع في
رحلة عابرة.
الكاتب
الحقيقي هو صانع
أحلام جديدة،
في ارض جديدة،
في سلطة
جديدة، وليس
هدفه الحرية
فحسب بل
البراءة،
والبراءة
المطلقة.
|