صرخة البطريق

كان المطر يضرب النوافذ بقوة في حين
تلوح ثلوج على قمم الجبال البعيدة مع لون رماني هو انعكاس لغسق مسائي لا يُرى لكنه
يترك فوق الجبال الثلجية البعيدة ذلك اللون المتوهج.
حين تظل الشمس مشرقة في المساء ـ وفي
أيام صيفية حتى منتصف الليل ـ تكسو الجبال بلون رماني محترق وقبل أن يتلاشى هذا
الوهج المشع بعد غروب الشمس، تحط كآبة ثلوج منعزلة تخترق عليه النوافذ.
غالبا ما يكون البياض الثلجي المنتشر هو الشيء الوحيد الذي يملأ
الأفق ويتلاشى كل شيء بما في ذلك الأشجار والمنازل التي لا يظهر منها غير دخان
المداخن، حتى الجبال لا تظهر في بعض الأحيان، وتحط على الكون برية من البياض كما
لو أن الأرض تتشكل بصورة مغايرة كل لحظة تحت الغمر الأبيض البدائي.
لكن ذلك المساء كان المطر وحشيا
ومنحرفا وقويا رغم الثلج المتراكم فوق الجبال البعيدة، فقرر فتح التلفاز بعد أن
جلس في مقعده الطويل وسريره أحيانا، فرأى كما يرى في منام دبابتين أمريكيتين فوق
جسر الجمهورية.
قرأ في شريط الأخبار المتحرك ان
القوات الأمريكية قد عبرت بلدة الصيراوي جنوب بغداد، بعد أن اخترقت أدغال البلدة
من مداخلها الجنوبية، ومن قرية العلوية صُفَيَّة، وهي الآن فوق الجسر.
تركزت نظراته فوق الجسر وهو يتذكر على
صوت المطر الوحشي فوق النوافذ ذلك اليوم البعيد الذي علت فيه ضجة بحث في الغبش
الأزرق مع عواء كلاب وطيران مذعور لعصافير ودجاج وبط الحظيرة التي كان الضوء الفجري
يكسوها بغلاف شفاف وردي حالم .
في مثل ذاك اليوم من النهار يكون
الاستيقاظ هادئا حتى ان كل مخلوقات الحقول تنتظره لكن هذه الساعة غيرت كل شيء بما
في ذلك الندى الذي ظهر مهتزا على ضوء نهار مختلف تحت سماء شتائية موعودة بأمطار
وغيوم وعواصف وحكايات ومواقد جمر.
كان البحث يجري في كل الأمكنة التي
يمكن تخيل ان صفَيَّة قد تكون موجودة فيها وهي عدة أمكنة ويمكن حصرها في خطوات:
الحظيرة، وكدس التبن، وقن الدجاج، وكوخ العجول الصغيرة الذي تعيش فيه منذ ان ظهرت
لأول مرة الى الحياة. ليس هناك أي مكان آخر متخيل يمكن أن تكون قد ذهبت اليه بما
في ذلك النهر أو البراري لأن أوانه لم يحن بعد وهو يكون عادة بعد وقت العلف والحلب، أي بعد الضحى.
لكنها اختفت تماما من الوجود على نحو مباغت كما ظهرت قبل سنوات
نسيها الجميع. هذا يحدث للمرة الأولى. ليس هناك احد وضع احتمالا واحدا حول هذا
الاختفاء الغريب ولا أي مكان مفترض للهروب ولا كذلك أي سبب.
ان صُفَيَّة لا تعرف شخصا في هذا
العالم عدا هذه العائلة ولا تعرف مكانا يمكن ان تذهب اليه بمفردها، بل هي لم تركب
واسطة نقل في حياتها مرة واحدة، ولا رأت قطارا او طائرة على الأرض، ولا دفعت يوما
اجرة طريق، بل لا تعرف، خارج الحظيرة، أي عالم اخر قريب أو بعيد، ولم تنم مرة
واحدة في غرفة أخرى عدا كوخ العجول الصغيرة الذي خرجت منه سلالات كثيرة تعرفها
بالاسماء والأشكال والروائح والطباع والنهايات.
كان يوسف قد انتهى من صلاة الفجر ودعا
الله أن تمر عاصفة صفية على خير وأقبل ذاهلا على حلب الجواميس حتى انه نسي أن ينهض
أكثر من مرة وهو يواصل الحلب الأمر الذي وخز ضروع الحيوانات فشرعت ترفس. المكان
الوحيد الذي لم يفتش بصورة دقيقة هو كدس التبن. فكر وهو يفرغ سطل الحليب في
الدنان.
نظر الى كدس التبن فكان سطحه ساكنا
نديا. نادى: صفية، يا صفية. تحرك السطح القمحي المندى فخرج من قلبه مخلوق بلا
ملامح، ومع الوقت ظهرت قامة بشرية مغطاة بالتبن واللون الأسود الفاحم، لون ليلي
حالك السواد، ثم انشقت فتحة كشفت عن
فم آدمي، وخرج صوت ضعيف متهالك لكنه غير مفهوم. كانت صفية تنهض من قيامتها
من التبن كما قدمت يوما من أطراف البرية في غسق صيفي قديم وهي تلف راية خضراء على
حزامها هي كل ما تحمله معها من هوية.
رأى يوسف كما يرى النائم ان قامتها
صارت أكثر طولا، وان صوتها تبدل، بل خيل اليه انه يرى نجمة مضيئة على جبينها، لكن أكثر ما حيره حين تكلمت انه لم
يفهم عدا كلمة واحدة: ( مسافرة). سألها في أشد حالات الجزع والريبة:( في التبن؟)
هزت رأسها.
ذلك النهار سادت سكينة غريبة في
المنزل ولم يفهم احد حقيقة ما جرى ، حتى ان السيد الصيراوي أكبر معمر في البلدة
وصاحب الخان فسر الأمر في جلسة صامتة وكئيبة ذلك المساء على ألسنة الجمر، وأمام
حشد مرتاب، بأن صفية ولدت من جديد من كدس التبن واقترح عليهم تسجيل هذا اليوم
كتاريخ ولادة حقيقي، وطلب حضورها من غرفة العجول. حضرت وطبقة سميكة من السواد تكسو
الوجه والجلد فلا أحد يتذكر انها استحمت يوما أو استبدلت ثيابها منذ ظهورها قبل
سنوات.
ان ظهور صفية الأول صار دليلا على
حالات موت وولادة وأعراس وقتل ومواسم صيف خصيبة ، لكنها ظلت بلا تاريخ، ما عدا
هوية جنسية انثوية لم تشغل بال أحد. باستثناء عدة بيوت متنافرة مجاورة للمنزل، لا
تعرف صفية أي مكان اخر في العالم، ولا تعرف أي حدث عام غير مقتل الملك الذي سمعته
مصادفة ذلك اليوم البعيد ثم عاد عالمها كي ينغلق بتلك الطبقة السميكة التي صارت
عازلا بينها وبين الكون، ولتقيم بصورة أبدية في كوخ العجول، ولطول اقامتها في هذا المكان الفت لغة العجول
تماما، ونسيت لغة البشر، بل لم يعد أحد يهتم بهذا الأمر الذي يعد ترفا لا معنى له
في عالم صفية البعيد.
إن أهم شيء هو ان تقوم بعملها على أحسن ما يرام والباقي ترف. لا هي تحتاج
أن تتكلم مع أحد، ولا غيرها يحتاج أيضا، فهي منذ خرجت من أعماق البرية ذلك المساء الصيفي الغسقي المحمر المتوج
بهالة مشعة في الأفق، وهي تعيش وتأكل وتحلم وتنام في كدس تبن، لذلك ليس غريبا أن
تقول أنها كانت مسافرة في كدس تبن.
تكلمت صٌفيّة مع الصيراوي الذي جحظت
عيناه كما لو انه مات تلك اللحظة وبدا تالفا ومتواريا وذاهلا. لكن الطيور الداجنة
في الحظيرة المجاورة فرجت له بعض كربه ونفخ طويلا في موقد النار كما لو انه يحاول
أن يفهم لكن بلا جدوى. كلاهما كان خائفا من الاخر. في لحظة الهام لا تنقصه في مثل
هذه اللحظات فهم الصيراوي ان صفية مصممة هذه المرة تصميما شيطانيا على قول اشياء
كثيرة كانت مطمورة تحت طبقات وعيها الغائب وان ذاكرتها عادت اليها من هذا السفر
الطويل في كدس التبن.
سألها اذا كانت قد غابت عن الوعي أم
ان شيئا اخر قد وقع؟ فتح في الوجه الأسود شق صغير وخرج صوت عميق هادئ لكنه حاد كما
لو أنها تنادي في البرية: (فقدت الوعي لكني لا أدري كيف وصلت كدس التبن. كنت
مسافرة). رد الصيراوي بصوت مهزوز وهو يتوقع سماع انباء مثيرة: (سلامتك صفية).
تأمل الوجوه القلقة حوله وطلب
الصيراوي أن تقام يوما حفلة بحضور قارئ كتاب وضاربي دفوف وجوقة من مرتلي الآيات
وفي النهاية تختن صفيّة كي لا تحل الغواية ويعم الخراب. ترك الصيراوي يوم الختان
مفتوحا كجرح نازف في جسدها.
(ملعون هذا السفر)، قال ذلك وهو يغادر
تتبعه كلاب منتصف الليل بالنباح وحميد سائس الخيل، في حين كان القمر يخرج ويختفي
من غيوم رمادية تنذر بأمطار رعدية. انسلت صفية، كأي يوم اخر، الى كوخ العجول مثل
سحلية وحيدة وهي تشم رائحة هذه المخلوقات الطرية وهي تجتر الحليب.
سحبت حصيرة القش كالعادة وحاولت النوم
لكنها وللمرة الأولى أجهشت في بكاء متشنج. حين نظرت عبر الكوة، كان القمر قد
تلاشى، وسمعت كما لو أن ذلك يحدث لأول مرة في حياتها صوت المطر ينثال فوق كدس
التبن فشمت العبير الندي، سمعت سقوط أوراق شجرة قريبة، وأحست بدمها ساخنا سخونة
غريبة مثيرة ومبهجة وان هذا المطر يهطل من أجلها، وتمنت لو انها كحيوان صغير يلتف
حول جسده وينام في جحر على صوت المطر وسقوط الأوراق وعبير التبن ورائحة الحليب
وعرق العجول.
لم ينم يوسف تلك الليلة، ولا
الصيراوي،ولا الكلاب التي ظلت تنبح طوال تلك الليالي على قمر يظهر ويختفي، وعلى
مطر لم يكف عن الهطول. أخرج بندقيته البرنو ونظفها على ضوء الفانوس قبل أن ينزلق
في العتمة الداكنة الى المخبأ الخاص الذي خصصه مكانا للحراسة من اللصوص ومن غيرهم
لأن دما قديما في رقبته.
يتذكر يوسف هذه الليلة أفضل من غيرها ذلك الصباح المشؤوم الذي
سيطبع الباقي من حياته بوجع داخلي مقيم كجرح سري لا يندمل ولا ينفتح على اخره مرة
واحدة والى الابد وينقذه من هذا الوخز الموجع.
ذلك الصباح كان يوسف قد قرر بينه وبين نفسه ان تلك هي الفرصة
الأخيرة لغريمه عبط الذي صار يتسلى باحتقاره له كلما التقى به في برية أو ضفة نهر
أو حصاد أو دغل.
كان يوسف شابا ترقص على أكتافه
النجوم، وتخافه وحوش البرية ومخلوقاتها الضارية وكان يؤدي الصلاة في أوقاتها،
وسيما، وحيا، وخجولا، لكنه كان حادا كرمح بابلي عتيق. ذلك الصباح صلى خاشعا وتمنى
من السماء أن ترحمه من هذا العدو السفيه، وكان يردد دائما قبل ذلك الصباح وبعده
كلاما شائعا: الذنب من المقتول لا من القاتل.
لم تشفع له صلاته ولا توسلاته. ظهر له
عبط من بين الدغل كصل صحراوي هائج
أو قدر مرسوم أو لعنة ستوسم الباقي من حياته. رجاه أن يتعوذ الشيطان. قال له انك
في منزلة عمي وانا كابنك. ارجوك ابعد عني. الريح كنست كل توسلاته. قال له يوسف:
إذن، موعدنا الظهيرة في المضيف.
عاد منهكا قبل الظهيرة وهو يسوق قطيعه
وحزنه وذهوله على غير عادته. قال لأمه في شروده: أعطني البندقية. لم تساله أمه
أبدا عن السبب فقد عرفت بحدس الأم. قالت وهو تتأمله مليا بصبر وحكمة وأناة: خذها،
وعساها في حظه.
كانت بوابة المضيف مفتوحة وعبط جالسا
ينتظر مصيره. ركع يوسف على الأرض وهو يرفع بندقيته من كتفه ويصوبها الى صدر غريمه
اللدود. قبل أن يطلق النار قال له آخر الكلمات: خذها يا كلب.
ذهل الغريم المحاصر وبدا عليه الهلع.
وضع ركبتيه حول صدره في وضع حماية لكن الأوان قد فات حين دوت الرصاصات القاتلة
لينهار على الأرض والدم ينز من عدة ثقوب في صدره. حاول أن ينهض ويمشي نحو يوسف
لكنه تأخر طويلا.
حين عاد يوسف، لم تقل له أمه كلمة
واحدة، وقد سمعت رصاصاته قبل لحظات.اخذت منه البندقية ونظفتها وحشتها مرة اخرى ووضعتها
جواره في حين كان يوسف راكعا يصلي وهو يجهش في بكاء مرير مخاطبا سماء رمادية
موحشة.
لم يقدم أحد شكوى عن الحادثة ولم
يتقدم أحد ببلاغ ذلك اليوم ولا في أي يوم اخر في ذلك الزمان، عشرينات القرن
الماضي، ولم يكن السراي الوليد توا يمتلك القوة الكافية، ولم تكن هناك سلطة حقيقية
بالمعنى المعروف غير سلطة الشيوخ، وتُرك الدم للدم.
لم يكن هذا ما يغيظ يوسف ابدا فهو منذ ذلك اليوم لم يقترب منه
أحد حول الأمر، لكن أكثر الاشياء تنغيصا على حياته هي ذكرى تلك الظهيرة المحزنة.
منذ ذلك اليوم وهو يصلي لغريمه عند نهاية كل صلاة ويقيم له كل جمعة عشاء الموتى
مخاطبا اياه في لوعة: أجبرتني على ذلك طاح حظك.
كل مساء جمعة يكون يوسف على موعد في
المساء مع غريمه في صلاته وفي عشاء الموتى وهي عادة درج عليها بلا سهو أو ملل أو
عجز أو يأس. كان القتيل يزوره أحيانا في المنام، ويتسامران، وكان يوسف لا يكل من
جملته المعهودة: أنت أجبرتني.
كان يوسف يقول بلهجة لا تخلو من محبة ان غريمه أخبره أمس بموسم رعي طيب
وأمطار غزيرة وبرية مباركة. بل كان يقدم له بعض النصائح فيما يخص القطيع واللصوص
والحراسة حتى انه أخبره مرة بذئاب شرسة ستهجم عليه في الليل وقد وقع ذلك.
في مساء صيفي عذب والنسيم يمرق بين
السنابل بهدوء كالزمن، ويوسف يروي قطيعه من النهر، ظهر شبح من البرية يقترب،
والأفق محمر بلون محترق. كانت صبية تشد حزاما اخضر على خصرها وتبدو منهكة وشاحبة
وخائفة. سألته وجلة عن اسم البلدة فأجاب. سألها عن اسمها فردت بحياء( صُفَيَّة).
كان يبدو عليها انها قادمة من سفر طويل وعلى وجهها علامات انهاك
وجوع وحزن طفولي موجع. سالها ان
كانت تعرف احدا؟ فردت بأنها لا تعرف احدا ولا أحد يعرفها هنا. سالها من اين جاءت؟
قالت: من البرية. سألها: أين ستذهبين؟ ردت وهي تلوي عنقها بسذاجة تثير الشفقة : لا
أدري.
ذلك المساء عاد بها الى المنزل
واحتضنتها أمه وهي تشمها كبنت غائبة عادت من جديد. تلك الليلة قالت له أمه: (يا
يوسف، هذه صفية أختك أو ابنتك. عسى ان يغفر لك الله ما علق في رقبتك من دم).تلك
الليلة جاء غريمه في المنام بوجه مضيء وهو يقول مبتهجا: غفرت لك دمي يا يوسف، اذهب
فأنت حر.
سمع من مكان حراسته صوت قادم من كوخ
العجول الصغيرة. صوت بكاء بعد منتصف الليل. كانت صفية. كان صوتها يختلط بالمطر
وصوت الأوراق المتساقطة ونباح الكلاب ورائحة الحليب والتراب والتبن الندي. لم
يسمعها تبكي الا تلك الليلة في انتظار وليمة الختان والدفوف ويوم الولادة المأمول.
بدا له ان هذا الصوت الباكي ليس صوت
صفية بل صوت المطر والأشجار والأرض. في الصباح كانت تسقي العجول وتوقد النار وتغلي
الحليب وترش البذور للدجاج والبط ثم تجلس كما في كل يوم في ركنها البعيد في
الحظيرة بقعة سوداء كطائر نافر، مخلوق ضائع، كفراشة حائرة في بركة ماء.
لم ينم الصيراوي تلك الليلة لأن
الوقائع الغريبة التي حدثت ذلك الصباح اصابته بقلق غريب. عاد الى خانه في المكان
الذي صار يعرف بمحلة الصيراوي وظل جالسا تارة وتارة اخرى يتمشى بين الخيول وغرف
النزلاء مفكرا مشوش البال حتى أدركه الصباح على هذه الحال حين فز على صوت سائس
الخيل حميد وهو يلقي عليه تحية الصباح قائلا: خير سيدنا؟ رد عليه: لا خير في وجهك.
لا يتخيل الصيراوي الخان دون ذكر سائس
الخيل حميد الذي ظهر فجأة عند باب الخان قبل سنوات ضائعة. كان جالسا في مساء قديم
عند عتبة الخان، في صباح ماطر، حين لمح شخصا غريب الأطوار، يرتدي جلبابا ممزقا،
شاحب الوجه، أو مزرقه، بنظرات زائغة، وهو يقلب النظر في الشارع الخاوي الا من
المطر وفوانيس معلقة على الأبواب تضاء في الليل وتطفأ في الصباح. طلب منه الدخول
ومنذ ذلك اليوم صار سائس الخيل جزءا من تاريخ الخان.
بعد ذلك بسنوات جاء مصطفى ترك الجندي العثماني الذي تخلف عن
الانسحاب من الجيش التركي في الحرب العالمية الأولى وعاش في البلدة، ثم ظهر في
نهار ربيعي مسكر عزيز صباغ الأحذية، وفي منتصف ليلة بلا قمر عدا الريح تصر في الأبواب
ظهر منشي شالوم أشهر نزّاح في البلدة، واكتملت السبحة بخاتمة الضيوف المزمنين، كما
يحلو للصيراوي ان يقول حين يرق المزاج، بكورجيّة، في ليلة صيف مقمرة، لتضيف نكهة
الاغواء والحيوية في خان الصيراوي.
بوغت الصيراوي وهو يرى قمرا يمشي على
قدمين يدخل الخان ويجلس أمامه كما يجلس قمر مكتمل على حصير. قالت له بحياء يلهب
القلب الذاوي ويحرك الأمل في الأطراف الراعشة من عمر منهك ضاع فيه يوم الولادة بعد
أن انقرض كل الذين شهدوا ولادته من الأهل والصحاب وتناسل فيه الأحفاد حتى تاهت
عليه الوجوه والأسماء والولادات والجنازات: انا مقطوعة من شجرة.
لو ان كل الأشجار تقطع بهذه الطريقة
الفاتنة، فكر الصيراوي، فسيجعل خانه غابة تغرد عليها هذه البلابل الضائعة، ولطرد
كل هذه البهائم التي يقذف له بها الطريق من سائس الخيل وحتى شالوم وهذا الجندي
العثماني الهارب من الحرب، لكن وقار العمر وخور المفاصل والسمعة واللحية البيضاء
المسترسلة جعلته يتريث في سكب مشاعره تحت أقدام هذه الحورية المشعة أمامه حتى يكاد
نورها يعشي البصر والبصيرة. كان قد سمع عدة مرات اغنية شعبية تتحدث عن راهب الدير
الذي خرج من صومعته بسبب ملهمة من
هذا النوع. هو الان يمكنه تصور هذا المروق الرذيل. قال لها وهو يغض الطرف خوفا من
افتضاح المشاعر المضطرمة: الخان ملكك وانت في أمان.
سكنت كورجية في أقصى الخان في غرفة
منعزلة بعيدا عن غرف النزلاء المقيمين والعابرين ولم تكن تظهر الا في أوقات نادرة
وهي تضع نقابا على الوجه زادها بهاء وغموضا وفتنة حتى ان سائس الخيل حميد قد أصيب
بلوثة عقلية طارئة دون أن يفصح عن السبب لكن ذلك لم يغب عن نظر الصيراوي الذي قال
عدة مرات له انه ولد في وعاء لبن وانه يرى في الديجور وفي الوحل حتى لو اصيب
بالعمى. لكن سائس الخيل لم يكن يسمع أو يرى لأنه هو الأخر غارق في عماه البهي حتى
انه عرض على الصيراوي طردها من الخان بعد ان هزت سكينة المكان ودخلته كدخول ثعلب
في قن للدجاج.
في منتصف ليلة صيف شم الصيراوي روائح مختلطة من مسك وزعفران
وعنبر وعطور ورازقي مهيجة قادمة من أقصى العالم. يستطيع ان يحدد مصدر الرائحة ولو
كان في غياهب جب صحراوي. خيل اليه، في النشوة والانخطاف والتوهج، انه يشم رائحة
الجنة، لأن هذه الرائحة ليست أرضية ولا بشرية لأن الخان يعبق برائحة الخيل
والبهائم وعرق السائس والروث، بل هي تنتمي الى عالم المتع الاخروي المقدس.
فكر على نحو خاطف بعرض السائس المجنون ووجد فيه رغم الحماقة بعض
الحكمة، لكنه، ودون وعي منه، توكأ على عصاه ونهض متثاقلا منجذبا كالمجذوب الى تلك
الرائحة التي تتغلغل في خلاياه وتنبت له أجنحة فوق ركام الهرم والسنوات وتيبس
الأطراف.
كانت كورجية تجلس امام مراة صغيرة
وضعتها على وسادتها تمشط شعرها الحريري الذي ينسدل على الوسادة كشلال ضوء أو ماء
أو ذهب حين تناهى الى سمعها صوت عكاز يدق الأرض بقوة. تستطيع، من بين كل الأصوات،
أن تميز عكاز الصيراوي، فهو العكاز الوحيد في العالم الذي تتعكز عليه دون غيره.
منذ اللحظة الأولى التي رأت فيها
الصيراوي شمت في جسده الذاوي، وفي نظراته المطفأة، وفي خفره الشائخ، رائحة الذكر
وعطره الغابي الدفين رغم الهرم الظاهري. هذه الرائحة تشمها الأنثى من خلف أستار
الحديد وهي انذارها المبكر للهرب أو
الاستسلام.استعدت للزيارة حين سمعت ارتطامه بالارض وتوقف صوت العكاز.
كان الصيراوي قد تداعى من صدمة العطر
الذي باغته عند الباب كحيوان شرس. سحبته بهدوء واجلسته على فراشها. حاول ان يقول
شيئا لكنه لم يستطع. حاول أن ينظر اليها لكنه لم يستطع. حاول أن يهرب، أن يموت،
يبكي، يعتذر، أن يطلب ماءً، أن يطردها، أن ينام، أن يمسح شعرها، أصابعها، نقابها،
لكنه قال في النهاية في نوبة قوة مباغتة: خفت عليك من سائس الخيل فقلت أطمئن.
سائس الخيل العريق في الطرق والأدغال
وشؤون القلب والنساء والخبير بعوالم الصيراوي وخانه، سمع الجملة الأخيرة كرفسة
طارئة من فرس حرون. كانت اذنه تلتصق على الباب كمسمار ساخن في شهر آب المحرق حتى
انه كان يشم عطر الموت ولهاث الصيراوي ورائحة الأنثى التي باغتها الهرم والمطر
وضوء النجوم وطراوة ليالي الصيف والخطيئة. سمعها تقول برنة مرحة: شرفتنا
زيارتكم.رد عليها بصوت مخنوق: انت الشرف.
حاول أن ينهض مغادرا لكن دويا هائلا قد وقع وساد صمت طويل أطول
كثيرا من العطر المثير الذي يعصف بالكون وراس سائس الخيل والابدية. بدا كما لو أن
الصيراوي قد نام أو مات أو تلاشى في السكون الضاج. كما لو ان سائس الخيل في حلم
مريب أو في وهم أو كابوس.
من ثقب لا يكاد يرى عثر عليه في لحظة
ظفر رأى سائس الخيل الصيراوي ممددا على الفراش وهي تدلك له جسده الممتد على طول
الغرفة، أطول جسد رآه في حياته التالفة.كان الجسد يصدر صوتا يشبه شخير ثور يذبح
على مراحل وهو يتلذذ بسكين الجزار.
خيل لسائس الخيل المشرد ان الصيراوي
لم يعد بحاجة بعد اليوم لذلك العكاز كي يتوكأ عليه. ان هذا العطر المارق يكفي كي
يمشي عليه كل الباقي من حياته ولو ولد بلا ساقين، حتى لو نسي المشي.
لم ينم حميد السائس تلك الليلة ابدا.
رغم انه عرف الكثير من الليالي الطوال في حياته لكن تلك الليلة بدت له بلا نهاية.
ثعبان صحراوي لم يشرب ماءً منذ عصور سحيقة يرقد عند حافة جدول ماء عذب وزلال دون
أن يقوى على الشراب.
هذا هو الموت يا صاحب الخيول وربيب
الطرق والحرمان والعطش والجسد المنذور لزاوج الحمير والخيل، يامنتج البغال والأرق.
من مسافدة حمار الخان مع الفرس يولد البغل. أصل البغل حمار يا حميد السائس وانت
أدنى منزلة منه. كومة العظام المنخورة أشجع منك الليلة. هو يرقد الان بسلام تحت
الأصابع الرقيقة وانت في مواجهة حائط ينهال عليك بالتراب والهوام والعقارب والكبت
والأرق.
كان يغلي في مواجهة حائط، حين سمع
صهيل جواد يرج المكان. لم يكن أي جواد في العالم يصهل تلك الليلة.كان قلبه يصهل
مثل جواد سقط في حفرة نار. كان السكون يعم الخان كما لو ان كل الأصوات قد غادرت
العالم حتى الغبش حين سمع عكازا يدق الأرض بقوة على صوت اذان الفجر وصياح الديوك
وجسده المرتعش وهو ينفصل عنه كثوب الأفعى.
طوال الليل كان منشي شالوم يحاول أن يحبس أنفاسه حين سمع الارتطام
الأول قرب باب كورجية وانقطاع دوي العكاز على الأرض. لكنه لم يغادر غرفته الكئيبة
والعارية الا من فراش بال وعدة صحون وخرج وثيابه تفوح منها رائحة نتنة أدمن عليها
من طول المعاشرة.
شالوم يعرف من خبرة القلب والجسد ان
الصيراوي انسان طيب ولطيف المعشر وهذا لا يقلل من شأنه على اية حال. الصيراوي
آواهم جميعا بلا شروط وهذا خانه رغم كل شيء وبيته وهو حر ولم يفعل شيئا يستحق عليه
اللعنة. قبل الفجر نام شالوم على حلم جديد في ان يعثر على عمل في الصباح ويغوص
في حفرة قذرة آخر مساحة للأحلام
الممكنة.
انقطع غريم يوسف عن زيارة الأحلام
فترة من الوقت بعد قدوم صفية لكنه وفي اغفاءة قصيرة ليوسف في حراسته الليلية ظهر
من خلف كدس التبن وفي ضوء القمر بثياب بيض براقة ووجه ضاحك. اقبل كما يقبل فارس
وضاء الوجه، بهية الطلعة، يكاد أن يطير في الشعاع القمري الشفاف. قال يوسف مستقبلا
فرحا: تأخرت عني؟ رد عليه وهو يعانقه:قلت لك آخر مرة انك حر الان. كنت اريدك ان
تنسى حكايتي معك. صارت ذكراي عقابا لك. سأله يوسف: ما الذي جاء بك اليوم اذن؟
أجاب: قلق على صفية. رد يوسف حالا: صفية اختي. رد عليه معتذرا: اعرف ذلك أكثر
منك.أنا مت مرة واحدة لكن صفية تموت كل يوم. مع السلامة.
جلس الصيراوي في الصباح على عتبة
مخصصة في باب الخان وهو يتأمل المارة، حين مر موكب عاصف وشاهد كما بين النوم
واليقظة سيارة شرطة، بعد تأسيس مركز الشرطة الجديد، ربط عليها رجل يرجم بالحجارة
والشتائم من جموع غاضبة مزمجرة. نهض على عكازه مستفسرا فجاء الجواب: هذا الزاني
عمل عملا مشينا مع ابنة اخته.
ضحك الصيراوي حتى دوت ضحكته عاليا
لكنها ضاعت في صخب الجموع الغاضبة. لا أحد عرف سر ضحكة الصيراوي لكن سائس الخيل
حميد أقترب منه قائلا: (سافل ويستحق الرجم). رمقه الصيراوي بنظرة خارقة فشعر حميد
ببرودة تعريه. قال الصيراوي: (مغتصب؟)، رد سائس الخيل بريق جاف: اعترفت هي قبل
الذبح. جلجلت مرة أخرى ضحكة الصيراوي حتى فرت عصافير شجرة النبق القريبة وتلاشت في
الضوء النهاري المغبر من أثر الموكب العاصف.
في المساء همس عزيز الاسكافي القادم
من السوق وفي مشيته عرج مزمن، في اذن الصيراوي قائلا ان الرجل بريء وان الفتاة قالت
ذلك كي تنجو من الموت وهو اعترف تحت التعذيب ايضا وان هذه الجموع غوغاء وانه هو
شخصيا مريض اليوم.
لم يكن عزيز يعرف وقائع تلك الليلة وهي لن تهمه على أية حال وهو
يشعر نحو الصيراوي بامتنان كبير وان الخان بيته هو ايضا، كما أن نظرته الى كورجية
ليست طيبة. فماذا تفعل امرأة حسناء في خان للمشردين وعابري السبيل والزكَرتية
العزاب؟
أما مصطفى ترك فلم يعلق بشيء هو
العليم ببواطن الامور والتزم بحكمة
تتحدث عن فوائد الصمت للغريب، خاصة وانه أقدم سائق أجرة في البلدة منذ
عشرينات القرن الماضي وظل يعمل بالسيارة القديمة نفسها من نوع روزرايز حتى أقعده
الكبر. ظل صمته يتراكم على وقائع كثيرة ومثيرة وحين دخل في الثمانين من العمر صار
يهذي بوقائع غريبة وقعت في البلدة
مسببا حرجا كبيرا لعلية القوم والاسر المحافظة حتى ان المارة صاروا يتجنبون
أن يقع نظره عليهم تلافيا للفضائح.
صارت حياة مصطفى ترك مثل موته مشكلة
حقيقية. صار صمته مثل كلامه مريبا. الوحيد الذي يخشاه هو الصيراوي. نظرة واحدة من
هذا الأخير تكفي لاعادة الذاكرة لهذا الجندي العثماني الذي تذكر في سنواته الأخيرة
وطنه فصار يرفع في غرفته علم تركيا وصورة كمال أتاتورك ويجاهر بوطنيته كما لو ان
ذاكرة المنفى تلاشت، في نهاية المطاف، كي تظهر ذاكرة الأرض الأولى. علق مرة على
ذلك شالوم قائلا: مصطفى ترك ولد من جديد.
تساءل مرة حميد السائس وهو يتسامر ذات
ليلة مع شالوم: ماذا سيحصل لو ان ذاكرة كورجية عادت اليها في نهاية المطاف؟ اما
يوسف فهو الوحيد من بين أصحاب الصيراوي وزوار خانه الذي ظلت ذاكرته مقيمة في أحداث
تلك الظهيرة الملعونة كأن الرصاصات التي اطلقها على غريمه انما أطلقها على الأيام
القادمة وصار شبح الميت يطارده حتى في الحلم رغم الصلاة وطقوس العشاء والدعاء
والوعد بزيارة بيت الله الحرام.
كان الصيراوي يجلس على عتبة الخان في
مكانه المعهود وقد بلغ من العمر عتيا، في صباح ربيعي عذب، حين مر موكب صاخب من
أمام الخان يختلف عن موكب السنوات الماضية، بضجته وجنده وشرطته وسياراته وهتافاته.
سأل عن الأمر، فقيل له: انه موكب رئيس الجمهورية. جلجلت ضحكته عاليا وضاعت كما في
المرة الأولى في الضوء النهاري المغبر. قال له شالوم: تبدو فرحا بالموكب؟ رد
الصيراوي ضاحكا بقوة هذه المرة قائلا بلهجة ملغزة: (مغتصب؟).
لم يفهم شالوم لكن سائس الخيل حميد تذكر سؤال الصيراوي عند مرور موكب
الرجل المرجوم وضحك هو الاخر حتى فرت العصافير وحطت فوق حيطان الخان الذي بدا ضاجا
بالصهيل والخيل والأفراس والليالي الدافئة
والمخلوقات البشرية التي يطردها النهار الى الخان، فتلوذ بالليل والجدران
والأحلام المسروقة والحكايات الليلية التي لا تنقطع عن جسد أو عن وطن أو مكان نظيف
آمن للنوم والحلم والأمل.
حميد السائس قال لكورجية وهو يندس في
فراشها، تلك الليلة، ان الصيراوي شتم الرئيس خلال مرور الموكب الرئاسي من أمام
الخان، فسألته وهي تغطي شعر عانتها التي كانت تلمع تحت ضوء الفانوس مثل راية حرب
مذهبة على سارية: كيف عرفت؟ قال لها وهو يعجبن نهدها بيده التي ملت من فروج الخيل
: سمعته يقول اليوم لدى مرور الموكب: مغتصب؟ سمعت هذا السؤال منه عند مرور موكب
الرجل الملعون صاحب الخطيئة السيئة الصيت.
لم ترد عليه كورجية لكنها شعرت وهو
يخور فوقها كثور هائج ان الصيراوي على حق وتمنت لو عاد الان شابا بدل هذا السائس
الراكض فوق جسدها كجواد محترق في سهل مفتوح.
عاد نزلاء خان الصيراوي جميعا في مساء
شتائي عاصف وبارد وكئيب ما عدا شالوم. لم يعد شالوم ذلك المساء ولا في أي سماء
اخر. سقط في حفرة خراء ومات. نهاية محتومة كقدر محارب في أن يموت في ساحة حرب.
ودعته البلدة وفق تقاليد حرصت عليها مع الغريب والفقير والمشرد حتى حدود البلدة
لكن احدا، عدا كورجية، لم يبك عليه. حلت الكآبة على الخان ومعها ذكرى الموت.
أكثر الذين ذعروا من هذا الموت الطارئ
هو مصطفى ترك. شعر ان الموت أقرب اليه من حبل الوريد. فكر في أن يحمل حقيبته ويرحل
لكنه عدل عن ذلك معللا الامر بصحة طيبة وميتة بعيدة. في أسوأ الأحوال لن يموت
بطريقة شالوم المهينة. لكن من يعرف والايام كما تقول الأغنية التي طالما سمعها من
الراديو مثل السحاب؟
كلما حل مساء بارد أدار وجهه نحو الشمال، نحو الوطن البعيد، نحو
تركيا التي رفض العودة اليها يوم كان محاربا والتي يحن اليها اليوم كطائر مهاجر
يلتفت نحو أرض الهجرات عند مقدم الربيع.
مصطفى ترك يرفض أن يموت وحيدا حتى لو
كانت أرض الله واحدة وواسعة لكنها تضيق حين يفيض القلب بالحنين عن مساحة الصحراء.
انه ومنذ ترك العمل لا يعيش في الخان، بل في الأماكن القديمة، ولا تبهجه سوى
الأمطار الأولى، كما لو ان الأمطار كل تلك السنوات كانت تمطر حجرا عليه.
فكر تلك الليلة
مليا كما لو انه لم يفكر من قبل: يوم ترك جيشه، كانت بلاده تتفسخ، واليوم
ها هو يفكر بترك هذه البلاد الجديدة وهي على أعتاب تفسخ. لم يعد يرى في هذه البلاد
عدا الموت في الشوارع. ظل صامتا صمت القبور كل تلك السنوات لكن ذاكرته تخونه اليوم
وصار يهذي بما سكت عنه وهو مما لا يقال.
سمع كما في منام صوت تأوهات من غرفة
سائس الخيل ولم يكن يعرف حقيقة ما يجري لأن حميد المشرد غالبا ما يتأوه في أعماق
الليل حتى حين تكون كورجية خارج الخان . سمع من بين طبقات العتمة صوت شالوم يقول:
(عد، يا مصطفى من حيث جئت قبل فوات الأوان). حاول أن يشعل الفانوس لكن النهار
فاجأه فنام على صوت مطر بعيد.
لا تتذكر صفية من حياتها السابقة الا
ذلك المساء المتوهج المحمر الذي التقت فيه بيوسف على حافة النهر قادمة من أعماق
البرية كأنها ولدت من تلك العتمة المسائية الدافئة. اليوم وهي تصغي لصوت سقوط
المطر، تساقط الأوراق، الريح، تشعر بما يشعر به حيوان صغير برهبة خفية من عالم
موحش لكنها تشعر كذلك بحرارة غير معهودة تدب في أوصالها.
تبكي لأول مرة في هذا الكوخ، تحس بشيء
ما في أعماقها يتفتح. قررت أن تغسل جسدها وشعرها في الصباح بعد ان صارت مثل أرض
الموقد سوداء حتى ان الصبية يخافون منها.
بعد منتصف الليل سمعت كالعادة خطوات
يوسف وهو ينحدر بهدوء نحو مكان الحراسة. لا تتخيل صفية حياة بدون هذا الرجل الغريب
والحنون والطيب. لا تتخيل ايضا انه هو الذي اطلق النار على غريمه العنيد. لكنها من
حزن يوسف الطويل، ومرارته، واسفه، وصلاته وقرابينه للقتيل تتفهم روحه ولوعته. تسمع
كثيرا عن احلامه الليلية وهو يرويها لأمه على موقد النار لكنها لم تحلم أبدا. تمنت
لو تحلم مرة واحدة كي ترى هذا العالم المدهش الذي يثير خيالها أكثر من غيره، أكثر
من هذه الحظيرة.
في الأيام الأخيرة سمعت عن حرب وقعت
على الحدود. حدود عالم صفية هي الحظيرة. ما من حدود خارجها. قتلى. جنازات. مواكب عزاء هنا وهناك. يوسف يروي
حكايات عجيبة عن الحرب يسمعها من الراديو. لا أحد يروي لصفية كما لو انها خارج
المكان وخارج الحياة لكنها تسمعه يروي لأمه وزواره. مرة سألها أحد زوار المنزل عن
الحرب فقلبت يديها.
فكرت أن تسأل يوسف عن سر الحراسة المستمرة لأن الميت شبع موتا
وأهله نسوا الواقعة وقد مرت سنوات طويلة على ذلك لكنها صمتت في اخر لحظة حين سمعته
يقول يوما لضيوفه ان الحراسة بالنسبة اليه صارت انتظارا لزيارته في الحلم. قال: لم
يزرني في منام اخر عدا مكان الحراسة. هناك أعرف أخباره ويطمئن قلبي.
ولد امس عجل صغير تكاد تشم رائحته الندية. لا يزال مبقعا بدم
الرحم وماء الولادة. لحسته أمه طوال الوقت ومع ذلك فان رائحته تملأ الروح. تشعر
بلسانه على وجهها حارا طريا وسيكون صديقا لفترة طويلة في هذا الكوخ الذي تنهمر
فوقه الليلة أمطار غزيرة وتصفر في زواياه الريح والعتمة.
لا تدري كيف وجدت نفسها تحت أكداس التبن ذلك الفجر. كل ما
تتذكره انها شعرت بأنها على وشك نوم ثقيل داهمها ولا شيء غير ذلك. كيف انسلت في
التبن؟ ماذا تفعل؟ ماذا حصل بعد ذلك؟ والأهم من كل ذلك ماذا يريد الصيراوي من
حكاية الختان؟ وأي جزء من جسدها سيقتطع؟
مدت يدها الى مكان ما أسفل البطن،
فشعرت بهوة تنفتح على ليل مجهول. خافت.ليل حار ولزج. ليل مخيف ومقدس وسري. لو مدت
يدها أكثر فإلى اين يقود هذا الليل؟ لو مدت يدها الى هذا المطر الى اين يقودها هذا
المطر؟ لو مدت يدها في الظلام فإلى اين ستصل؟ كان العجل الصغير يرنو اليها فعانقته
ونامت بلا جسد ولا حلم ولا ذكرى الا على صوت المطر.
هي لا تعرف غير هذا المطر. هذا المطر،
هذا الليل، هذه الحظيرة، هذه العجول، هذا الرجل، وذلك المساء القديم يوم خرجت من
عتمة البرية الى عتمة الذاكرة. سفر بين عتمتين وسفر واحد في كدس تبن. لم تعانق احدا، ولم يعانقها احد عدا
العجول الصغيرة. لا تنتظر من هذا الليل غير نهار يشبهه ولا فرق بينهما الا في اللون لا في الرائحة ولا
في الضوء.
قبل أن يموت منشي شالوم تلك الميتة
الكريهة، تسلل بقوة خفيةً الى عالم كورجية السري المغلق كعالم الخان الذي تدخله
الحكايات ولا تخرج منه الا فيما ندر، بل لا تخرج منه نادرا الا عن طريق سائس الخيل
المهذار. شالوم ومنذ أول نظرة
لكورجية حدس ان خلف هذا الوجه القمري تستلقي حكاية مختلفة كحصاة ملونة في
بركة ماء. وبما ان عالم الصيراوي قد بدأ يضيق وذاكرته توقفت على عوالم داخلية
متلاشية، فقد صار يتسلل في أعماق الليل الى غرفة كورجية حين يكون حميد السائس في
زيارة لضريح أو امام وخاصة في مواسم عاشوراء وهو تقليد حرص عليه حتى في أسوأ ايامه
فجورا كي يعود طفلا وتمحي كل الذنوب كما كان يقول بصوت طفولي وهو يروي وقائع السبي الكربلائي بصوت حزين ومجروح.
حرصت كورجية على وضع شالوم في
الاختبار لعدة سنوات قبل أن تبوح بحكايتها الحقيقية وكان من جانبه يشم في الهواء،
رغم تعطل حاسة الشم لديه من معاشرة القاذورات، رائحة حكاية عميقة ومحيرة خلف هذا
النقاب المزيف الآسر الذي كان يشعل لدى مروره فتنة الغواية في القلوب، خاصة قلوب
هؤلاء الذين قذفوا الى هذا المكان من عوالم غامضة أو ارحام منسية.
ان اسمها الحقيقي ليس كورجية فهذا اسم
مستعار لراقصة ملهى الف ليلة وليلة الشهير في بغداد حبابة وكان اسم أبيها عبد الله
عازف الكمان المعروف في ملاهي بغداد منتصف القرن الماضي. كانت حبابة عبد الله لا
تعمل عادة في ملهى يعمل فيها الوالد كي لا يعرف احد انها مسلمة، وهو تقليد كان معروفا
في تلك الأيام، فحملت اسما ثانيا هو ماريا يعقوب.
مع الأيام حاولت الغناء بعد أن ذاع
صيتها في الملهى لكن جمالها الحالم وهي ترقص على ايقاع الطبال سليم غندور كان يسلب
القلوب والعقول والرصانة حتى من اصحاب المقامات العالية كما تروي لشالوم في ليلة
غياب حميد السائس وسفره الطقسي الى كربلاء، حتى كان ذلك اليوم المشؤوم يوم وقع في
هواها ابن تاجر غني فطار كل شيء فيه بما في ذلك عقله ونقوده وحياته. كان يزورها
دائما في شقتها في الكرادة الشرقية حين لا تكون في نوبة عمل أو قادمة منه. عرض
عليها الزواج فلم تقبل ولم ترفض لكنها عاشت معه كعشيقة سرية بصورة كاملة ولم يكن
هذا يرضيه.
كانت أعصابه تتهاوى وهي تزداد غنجا
ودلالا وجمالا. طلب منها ترك العمل في الملهى فرفضت. حاولت التخلص منه بكل الطرق
فلم تفلح. حين كانت تصعد على مسرح الملهى وتغني أغنية الجارية حبابة للشاعر ابن
الاحوص، كان العالم يغيب عن ناظريه فيدخل في تيه حريم خليفي وقصور مترعة بالدهشة
والغناء والرقص والنبيذ والعشق فينسى حتى اسمه الحقيقي:
ألا لا تلمه اليوم إن يتبلدا
فقد منع المحزون أن يتجلدا
اذا انت لم تعشق ولم تدر ما الهوى
فكن
حجرا من يابس الصخر جلمدا
واني لأهواها وأهوى وصالها
كما يشتهي الظمآن ماءاً مبردا.
وكما انتهت حكاية حبابة الجارية مع
الاحوص نهاية حزينة حين نفاه الخليفة عمر بن عبد العزيز الى جزيرة دهلك في البحر
الأحمر، لتعرضه لنساء الأسر الشريفة، وماتت حبابة بعد أن شرقت بحبة رمان، انتهت
حكاية غرام حبابة الراقصة أو ماريا يعقوب تلك الليلة الكالحة السواد حين دخل عليها
العشيق السري ثملا، تالفا، وقد هددها بالقتل ان لم تترك العمل في الملهى. كان رفضها قاطعا هذه المرة وهددته
بالطرد من المنزل ومن عالمها الخاص.
ذهب الى الحمّام ثم ندت صرخة موجعة
متأوهة كصرخة حيوان ذبح فجأة. حين وصلت ماريا وجدته نصف مذبوح ونصل السكين مغروز
في الظهر النازف. خطر ببالها حالا
ان شخصا ما في المنزل والا
كيف غرز السكين في الظهر؟
في الفوضى والهلع والارتباك فكرت ماريا
ان حياتها توقفت عند ذلك اليوم وانها ستقضي العمر كله في السجن أو الشنق. حملت
معها تلك الليلة كل ما تملك من مال وحلي وخرجت الى الشارع بحقيبة واحدة لا أكثر.
ومن محطة السيارات الى هذه البلدة ثم خان الصيراوي. لم تزر بغداد الا مرة واحدة
بعد كل هذه السنوات.
مات الأب أو اختفى أو شنق أو قتل. قيل إنه هرب خارج الحدود على
قدميه بعد ان عرفوا ان ماريا هي ابنة عبد الله عازف الكمان المعروف، وقيل إنه
اغتيل أو مات في السجن. وكما نفي الاحوص الى جزيرة دهلك، نفيت هي الى خان الصيراوي
كي تصير حقلا لشهوات هؤلاء المشردين الذين خرجوا من ارحام مجهولة الى عالم الحيرة
والخوف والرغبات الناقصة والمهربة.
طلبت من شالوم مرة أن يساعدها في
الهروب خارج الحدود، كي تتخلص من هذه الحفرة الجديدة، حفرة الخان، وعوالمه، ووعدته
بمال كثير، لكن منشي شالوم الذي تقلصت حدود عالمه بحدود بالوعة الخراء، لم يعد
يعرف ان حدودا اخرى للعالم غير هذه، وتصور ان ماريا تمزح معه لا أكثر. لكنه وعدها
بالحصول على وثيقة ولادة ـ جنسية ـ بعد أن تم تثبيت الاسم الجديد وتاريخ ولادة
مزيف ومحل ولادة مزيف فصارت تدعى حسب الأوراق الرسمية بكرجية عبد العزيز الاحوص كي
لا تنسى عالم الجارية حبابة.
الصيراوي من جهته اكتفى في السنوات
الأخيرة بطقس التدليك الليلي الذي كان أشق عليه من هجوم حفنة ذئاب كما كان يقول
بينه وبين نفسه في خلواته. مرة واحدة فقط حاول أن ينهي العملية كاملة لكنه سقط
كجورب عتيق تحت قدميها وحملته كسمل
ممزق كي يستقر على صدرها العاري مثل برية من البياض والموت والشهوة والجنون البهي،
أما هو فكان يئن لا تدري هل من الم أم من الخيبة المصاحبة لهذه الشهوة العاجزة؟
ما عدا هذه الطقوس الليلية فلا شيء
للصيراوي ما يطلبه من ماريا يعقوب التي تحمل اسم كورجية عبد العزيز الاحوص والفارة
من بغداد، راقصة الملهى، والمتهمة بجريمة قتل عشيق وجد مقتولا في حمامها بيد
غامضة.
حين مات منشي شالوم في تلك الوقعة
الشنيعة مات معه سر ماريا. عادت مرة أخرى في هذا الخان وفي المحلة الذي صارت تعرف
فيها بعض النساء بعد أن اشترت ماكنة خياطة كي تبرر وسيلة العيش، عادت من جديد بلا
هوية أو ذاكرة اضافية وغرقت في سرها
كما غرق مصطفى ترك في هذياناته وصار يتحدث عن فضائح ووقائع ظلت مستورة أكثر من نصف
قرن، كما غرق الصيراوي في ذكريات عالم بعيد، كما غرقت صفية في حاضرها الصلب الراسخ
المتين بلا ذكريات، كما غرق يوسف في حوادث تلك الظهيرة المهلكة.
الوحيد الذي كان مغلقا على عوالمه هو
عزيز صباغ الأحذية. ان ذاكرته مثل
صندوقه لا تنفتح الا عند
الحاجة وفي اقتصاد وتحوط وحذر مفرط للغاية، أما حميد سائس الخيل فهو يروي وقائعه
اليومية في كل مكان كما لو ان حياته، كجسده، ليست ملكا له بل ملكية عامة، لكن شيئا
واحدا حرص على أن يكون بعيدا عن الهذر هو عالم الخان وخاصة عالم الصيراوي الذي شرع
في سنواته الأخيرة يروي حكايات غامضة عن ملوك وزيارات وحوادث قتل وثورات وحوادث سطو واغتصاب جنسي وحروب
واغتيالات سياسية ودسائس كان شاهدا عليها أو كان في بعض الأحيان شريكا.
روى مرة لمصطفى ترك الذي كان هو الاخر
يعاني من بعض التشوش ويبادل الصيراوي حكايات مماثلة على سبيل التحية أو التحدي أو
الزهو وهي عادة كل منسحب الى نفقه النفسي السري، وعوالمه الكهفية، كيف ان الملك
فيصل الأول قد زاره في الخان وقضى ليلة كاملة على سطحه يراقب البلدة والنجوم
البعيدة وفي الصباح قال للصيراوي وهو يشد على يده: انت منذ اليوم صاحبي الوفي.
من جانبه رد عليه مصطفى ترك ان وفاء
الملوك مثل وفاء القطط، وسرد حكاية لا تقل اثارة حتى لمصطفى المذهول من تطور
الحكاية خلال الحكي. روى له كيف انه نقل الزعيم عبد الكريم قاسم يوما مع نفر من
الأفندية الى مكان مجهول خارج بغداد قبل الاطاحة بالملكية وحين زار الزعيم البلدة
في موكب تاريخي لا ينسى بعد أن أقاموا له جسرا متنقلا على عجل كان اعجوبة تلك الأيام، لوّح له بيده باسما والتقط
صورة تذكارية معه لم تصله حتى بعد مقتل الزعيم، وحسنا فعل المصور كي لا تصبح تلك
الصورة دالة عليه بجرم سياسي كما تطورت الامور في السنوات التالية.
ماريا يعقوب وحدها محرومة من الحكايات
وعليها تقبل العيش حتى اشعار اخر تحت اسم غير حقيقي، ونقاب غير حقيقي، وحياة غير
حقيقية، فكما ان هؤلاء محكومون بالعيش في هذا المكان والى الابد، وملزمون برواية
الحكايات الى الأبد كي تبرر معنى وجودهم، فإن صفية محكومة بالنسيان، نسيان الماضي
كله، نسيان الجسد كله وقبول العيش مع زريبة عجول هي كل حدود عالمها الذي تقلص هو
الاخر كعالم منشي شالوم، او حميد السائس، أو الصيراوي، أو كورجية، أو مصطفى ترك،
أو عالم يوسف وغريمه الذي يحاصره في الحلم بعد ان حاصره في الحياة.
لا تعرف كورجية لماذا يصر الصيراوي
تحت التدليك على سرد حكاية مطولة مملة كل مرة بلا توقف؟ هل ان ماضيه البعيد يكون
تعويضا عن عجزه المتهالك الفظيع المحزن؟ هل تستطيع الذاكرة أن ترقع ثقوب الحاضر
الخاوي؟ روى لها وهو بين اللوعة والموت واليأس كيف ان احد رجال ثورة العشرين زاره
في الخان مطاردا وهاربا مطلوبا للصلب في ليلة ماطرة فسمح له بالدخول.
روى له الرجل حكايته كاملة بدون
مواربة. قال له الصيراوي: لذلك سوف تنام في الخان رغم ان الغرف مزدحمة بالزبائن
الليلة. قال له الرجل على موقد منتصف الليل، وكان الصيراوي يومها شابا مليئا
بالعنفوان والقوة والأمل،ان اسمه عبيد الدفار وان الجندرمة الانكليز يطاردونه في
كل مكان وانه مهدد بالصلب. رد عليه الصيراوي بحماس: تصرف كأنك في بيتك. شكره الرجل
كثيرا وغادر الخان بعد عدة أيام.
الشيء الوحيد الذي لا ينساه، يقول
الصيراوي بلوعة، ان الرجل ( صلب) بعد ذلك بفترة قصيرة من قبل الانكليز حين مسك
نائما على اثر وشاية، فبكى وهم يشدون وثاقه أسفا لأنهم ضبطوه نائما وحيدا أعزل.
يضيف الصيراوي بحزن واضح: الرجال تبكي من الضيم.
لم يفطن الصيراوي ولا حميد السائس ان
كورجية ليس لديها ما ترويه من حكايات عكس كل نزلاء الخان كما لو انها محكومة
بالنسيان ودفن عالمها عميقا، بعيدا عن ضوء النهار، وكما لو انهم وحدهم محكوم عليهم
بالحكي العلني المفتوح.
بين ذاكرة صفية المعطوبة، وذاكرة
ماريا المقموعة، يقف عالم مصطفى ترك الذي صار يتحرك بلا حدود متجاوزا كل المحرمات
والنواهي ربما عن بدايات خرف أو عن قناعة بأن ما لديه من أسرار خطيرة يكفي لامتلاك
سلطة ما دون ان يدري ان الامور في السنوات الأخيرة لم تعد خاضعة لسلطة الحكاية بل
لحكاية السلطة، وهو لا يعرف عالم كورجية الخفي الذي يجسد كل هذه المعادلة الظالمة،
وان زمن شهرزاد قد توقف وحلّ السيف
بدل الحكاية.
في أعماق ليلة شتائية طويلة وعاصفة
والريح تتسلل كلص بين فتحات الأبواب
والحيطان وتمرق عبر الأكواخ، قرر يوسف مكاشفة أمه في أمر ظل يقلقه طويلا خاصة بعد ان سمع من صديق حكاية المغني
مسعود العمارتلي الذي بدل هويته وجنسه وارتدى العقال واليشماغ والعباءة وصار يتصرف
كرجل مع انه امرأة واسمه الحقيقي مسعودة، وهاجر الى مدينة العمارة ثم بغداد، حيث
لا يعرفه احد وذاع صيته كمطرب كبير حتى انه نفسه نسي جنسه وتزوج مرتين، لكنه في
المرة الثانية وقع وقعة صقر في فخ، لأن "الطائر الحذر ينصاد من منقاره"
كما يقول المثل، فقرت زوجته الثانية بعد افتضاح الامر وقد صدمت أن تضع حدا لحياته
فدست له السم حتى مات مسعود ـ مسعودة ـ مسموما وكشف أمره في مشرحة في احدى
مستشفيات بغداد.
قالت له أمه بقناعة لا تلين ان هذا هو
أول شيء قامت به عند قدوم صفية من البرية ذلك المساء وان كل شيء على ما يرام.على
محياها بدا هرم ثقيل وفاح من جسدها عطر شيخوخة طاعنة تبدت في ذبول الأصابع التي
صارت كأعواد خيزران جافة.
في الفترة الأخيرة صارت تروي حكاية متخيلة عن المستقبل، عكس
مصطفى ترك الذي صار يروي حكايات حقيقية عن الماضي، في حين اكتفى الصيراوي بمزج
الماضي بالحاضر بالمستقبل، المتخيل مع الحقيقي، أما ماريا وصفية فهما في وضعيتين
متقابلتين : الأولى جريحة ماضيها الذي صار ظلا يتبعها، والأخرى جريحة حاضر لا يكف
عن محاصرتها كل لحظة، فلا ماضي الأولى لها، ولا حاضر الأخرى ملكها.
قالت الأم ليوسف يوما انها رأت في الفجر غريمه القتيل عند باب
الحظيرة بوجه غاضب عابس متوعد لكنه اختفى كشبح، حين حدقت اليه وجها لوجه. ومرة،
تضيف، رأته يدخل كوخ العجول ثم يخرج مهرولا. لم يتكلم يوسف ولم يرفع رأسه بل حرك
نار الموقد بعود جعله يغوص عميقا في الرماد حتى سمع صوت تكسره.
بعد يوم واحد من عودة حميد السائس من
كربلاء، طعن في مقهى في سوق البلدة بسكين في الخاصرة من قبل غلام هام به حبا أفقده
ما تبقى له من صواب. وهو يهذي بين الحياة والموت، طلب السائس الجريح أن يحتفظ
بالسكين القاتلة كذكرى اذا قدر له أن يعيش، وحين غادر المستشفى بعد عملية جراحية
ناجحة، وعدة قناني دم تمنى حميد أن تكون من دم المحبوب، علق السكين على جدار غرفته
دونما غسل كي تظل ذكرى الطعنة حاضرة على الجدار وفي الخاصرة.
ذلك اليوم أرعد الصيراوي وأقسم اليمين
على طرد حميد السائس على هذه الجريمة لكن تدخل كورجية وطقس التدليك الليلي وحاجة
الخان الى سائس مسافدة بين الفرس
وحمار الخان المخصص لهذا الغرض
وهو مصدر دخل ضروري حال دون ذلك. لكنه لم يعد ينظر الى السائس كما كان يفعل
من قبل.
هذه هي الحكاية الوحيدة التي تعتبر
تمردا على شروط الاقامة وسلوك النزلاء. فكر الصيراوي على وجه اخر: ما علاقته بسلوك
النزلاء وقد دخل الخان مئات الافراد من ملوك وزعماء وثوار ولصوص وقتلة وسياسيين
ومشردين بما في ذلك كورجية التي تقبل وجودها هنا بلا شك أو مساءلة؟ أعماه، يقول مع
نفسه، وهجها وبياضها عن كل شك.
من بين كل نزلاء الخان، فإن عزيز صباغ
الأحذية هو الوحيد المؤتمن على أسرار الصيراوي خلا أسرار القلب فهذه أسرار يحب أن
تمضي معه الى القبر دون أن يتخيل مرة واحدة تلصص حميد السائس على غاراته الليلية
ولا دراية منشي شالوم بالامر، وربما
مصطفى ترك الذي صار يهذي بوقائع غريبة.
روى له عزيز في الليلة الماضية وبعد
مرور عدة أعوام على موكب الرجل المرجوم والبريء، كيف ان الرجل مات في السجن كمدا
وقهرا وذلا. حكى تفاصيل دقيقة عن نهار القتل. قال انهم حفروا قبرا للفتاة وهي
جالسة تنتحب بهلع، بحضور شيخ دين، وطلبوا منها أن تشارك في الحفر وبعد الانتهاء
استلقت داخله مفصلا على قياسها وداخل الحفرة القبر عقدوا لها محاكمة عاجلة.
اعترفت الفتاة المذعورة بمسؤولية
الرجل البريء كي تنجو.انهالت عليها السكاكين والخناجر والفؤوس. طلبوا منها وهي
تنزف أن تشارك في طعن جسدها ففعلت بحماس كما لو انه لم يعد جسدها بل صار عبأ ثقيلا
تريد التحرر منه.
مرق في خاطرها وهي تنزف مرج أخضر ودغل
كثيف وشاب يطاردها في الحقل حتى امسك بها في نهاية لعبة درجوا عليها في بعض أمسيات
الصيف الحارة. أوشكت على قول شيء اخر لكن طلقا ناريا في الرأس حال دون ذلك فتأوهت
كأوزة في بركة دم. تلك الليلة لم يشرق قمر على أي مكان عدا حفرة الموت.
خلال مرور الموكب الرئاسي الصاخب من
أمام الخان في أوائل ثمانينات القرن الماضي، دوت ضحكت الصيراوي مجلجلة في الضوء
النهاري المغبر، ولا يزال حميد السائس حتى بعد الطعنة الغادرة من يد المحبوب العاق
يتذكرها جيدا ، بل يتذكر بقوة كما اليوم تلك الجملة المخيفة التي تفوه بها
الصيراوي، الجملة الخطرة والملغزة: (مغتصب؟)، لكن البريق الصاعق لجسد كورجية وهي
تستسلم له كلما هاجت أشواقه الليلية جعلته يتجنب ذكر الحادثة ويطويها مع أسرار قليلة
في حياته لا تعني احدا غيره. رائحة حميد، تفكر ماريا، خليط من عرق الخيل والتبن
وبهيمة تستحم تحت المطر.حيوان غابي دخل سهوا في الخان.
شعرت ماريا ان جسدها صار وليمة معروضة
للجميع بما في ذلك نزلاء الخان العابرين، فقررت الهرب بعد مرور عدة أعوام على تلك
الحادثة. زارت صديقة قديمة راقصة في ملهى ليالي بغداد في شارع السعدون وابنة عازف
سنطور شهير. عناق حار ودموع. ذكريات وحكايات. قالت لها سوزان واسمها الحقيقي زهور
عبد اللطيف، ان والد القتيل هو اليوم مسؤول كبير في الحزب الحاكم بعد الانقلاب،
وان قضيتها لم تخمد نيرانها بعد، وعليها أن تواصل التواري حتى النهاية. قالت لها
أيضا ان والدها ربما يكون قد قتل أو اغتيل. طلبت منها المساعدة في الهرب خارج
الحدود لكن سوزان قطعت ترددها بشكل حاسم قائلة: (لم تعد الامور كما كانت. أرجوك لا
أحتاج مشاكل، حبابة حبيبتي، أرجوك). غنت ماريا للمرة الأخيرة قصيدة الاحوص وأجهشتا
معا في بكاء طويل متشنج مرير.
غادرت منزل زهور أو سوزان وصممت على
المرور من أمام ملهى الف ليلة وليلة رغم المطر والريح والتوجس. شاهدت بقلب متفجع
موسيقيي الفرقة يدخلون بوابة الملهى هربا من المطر: عازف السنطور، الناي، العود،
الكمان، ضارب الطبل، عازف الكمنجة، الجوزة، الطنبورة، الزنجاري الخ..
لا تدري كم مر من الوقت حين وجدت نفسها تمشي خلسة الى جوار
الجدار الخارجي للملهي. سمعت كذكرى طفولية تلك الأغنية التي طالما غنتها بلوعة
وحرقة وهي قصيدة للشاعر محمد سعيد الحبوبي النجفي التي اشتهرت بها المطربة زهور
حسين:
لح كوكبا وامش غصنا والتفت ريما
فان عداك اسمها لم تعدُك السيما
وجه اغر وجيد زانه جيدُ
وقامة تخجل الخطى تقويما
فلو رأتك النصارى في كنائسها
مصورا،
ربّعت فيك الأقانيما
التفت بعباءتها لكي تعود الى البلدة
والى خان الصيراوي الذي بدا الظلام من الخارج يتكوم فوقه بلا ضياء ولا نجم ولا
أمل.
بين الشك واليقين، تردد يوسف مليا في
قبول حكاية أمه عن عودة الغريم القتيل لكنه قرر أكثر من مرة السهر حتى الفجر من
مكان حراسته كي يرى بنفسه. لم يظهر احد لا في ذلك الفجر ولا في غيره لكنه زاره
مرات في المنام ولم يظهر عليه أي تبدل في ملامحه.
كان يبدو في كل المرات وديا بشوشا.
على موقد الجمر الليلي اخبر امه انه سيقوم غدا بزيارة ضريح الامام وسيقوم أيضا
بزيارة قبر غريمه في المقبرة العامة المسماة وادي السلام. عثر على القبر بمشقة في
مقبرة صغيرة مخصصة للبلدة بعد توصية من الصيراوي لمتعهد الدفن. وجد حفرة وحفنة
عظام متناثرة. قال المتعهد معتذرا ان القبر أهمل منذ سنوات ولم يزره أحد فنبشته
الكلاب. جمع يوسف حفنة العظام في مكان واحد وقرأ عليها سورة الفاتحة. خاطب كومة
العظام بلوعة ومرارة: (أرجوك أن تكف عني. خربت عليّ حياتي حيا وميتا). لم يسمع
شيئا سوى الريح تمر فوق العظام وتحمل معها الغبار الصحراوي الأحمر.
في تلك اللحظة بالذات كانت صفية تستحم
في الكوخ وهي تتعرف ذاهلة على جسدها الذي نما بعيدا عنها حتى انها لم تتعرف عليه.
كانت عيون العجول الصغيرة حمراء كعيون قطط في الظلام. كان شعرها الطويل المهمل
يتهدل في حضنها وهي راكعة تستحم مثل قبضة سنابل تلمع تحت الشمس. كانت تحاول أن
تمسك كل ذرة من جسدها وتخاطبها.
وهي تنهض سمعت رنين شعرها وهو يرتطم
بجسدها كسلاسل ذهبية. دخان غريب يطلع من جسدها كدخان مواقد الليل. احتضنت جسدها
ودارت في الكوخ بنشوة تصعد من أعماقها المنسية. تلك كانت المرة الأولى التي تشعر
فيها انها تمتلك شيئا في هذه الحياة.
صرخت كورجية بعد منتصف الليل، والمطر
ينثال فوق الخان، حادا، وحشيا، متواصلا، لكن أحدا لم يسمع صرختها الضائعة، حتى
حميد السائس الذي يسمع دبيب النمل لم يسمع. لمع نصل السكين تحت الضوء الساطع كظهر
ذئب يلمع تحت شمس مهلكة في ظهيرة محرقة. شمت رائحة الدم كما تشم الموت. سمعت ضرب
طبل ايقاعي متوازن عنيف وجسد يرتطم بالأرض. حين أفاقت من النوم، سمعت العكاز
الوحيد الذي يجوب الليلة في طرقات العالم.
لم يعد هناك مطر ولا حلم. لا موت ولا حياة. لا يأس ولا أمل.
وكما تفعل صحراء تحت الشمس في استسلام نهائي وقدري، استلقت على الفراش فاتحة
فخذيها، مغمضة العينين، دون أن تهتم بمن يكون القادم.
كانت تسمع فوقها فحيحا قادما من غابة
مطرية، وهي تشم رائحة الدم، وتسمع طبلا ايقاعيا متوازنا كأنه قادم من غابة بعيدة
مضطربة. يتصاعد الفحيح ومعه الطبل. طبل يأتي من الداخل مع هدير الدم المغلي.
ليلة الخميس تضج بطبل الختان والحفل
والرقص الجماعي والاغاني وصفية في
الكوخ تحاول في اللحظات الأخيرة أن
تتمرآى على بقايا مرآة في حائط
مقشر، أمام عيون العجول الحمر.
طبل داعر وحشي لم تسمعه من قبل خارج
حدود الحظيرة. طلقات نارية في الخارج. صراخ وطبل. سمعتهم يتحدثون عن قدوم جنازات
جديدة قادمة من الحرب. طبل وجنازات. عيون حمر في عتمة الكوخ كعيون ذئاب هذه المرة.
أقدام تركض في اتجاهات متقاطعة كما لو ان حريقا نشب فجأة أو كما لو ان طيورا تتصادم في الظلام.
أمام المرآة لا ترى غير وجه لا
يشبهها. لا تعرف من يحدق بمن؟ لو هشمت المرآة، فكرت صفية، هل ستختفي هي الأخرى؟
احتضنت جسدها بلوعة وهي تبتعد عن المرآة . تذكرت ذلك الغسق المسائي المتوهج
بالحمرة وهي تسحب شعرها في كل الاتجاهات كما لو كانت تأمل بالطيران مثل أي طائر في
شرك يفرد جناحيه للريح. تأجل حفل الختان بعد قدوم الجنازات وعلا من المنازل
القريبة صوت القرآن وغرق الناس في أحزان متواصلة.
بوجه مذعور وعينين طافحتين بالأسى،
دخل عليها حميد السائس على غير عادته وكانت كورجية قد غادرت توا كوابيس الليل. قال
لها بقلب مجروح ان شرطة الأمن سألوه عنها:( ماذا قالوا لك؟) سألته متوثبة فأجاب
خافضا رأسه:( ماذا تعرف عنها؟ من أين جاءت؟ الخ.. الخ ..). الآن اكتملت حلقة النار
والحصار يا حبابة عبد الله، من راقصة ومغنية الى مجرمة هاربة وعاهرة مشردين الى
مخبرة للأمن أو قوادة.( قلت لهم ان اسمك هو كورجية عبد العزيز الاحوص. فتاة شريفة
وتعيش من عملها كخياطة. لا حسب ولا نسب
بالنسبة لي في الأقل. قالوا انهم سيأتون لزيارتك الليلة). ماذا بعد كل ما
حدث؟ حدثت نفسها وهي تتأمل وجه سائس الخيل الذي يهرم مع الوقت.
راقصة، مغنية، مجرمة، خياطة، عاهرة،
أم ماذا؟ حبابة، ماريا، كورجية؟ كل هذه الأسماء، كل هذه المهن، لم تخترها بارادتها
. منذ أن كانت طفلة وهي تأتي مع الاب الغائب اليوم الى الملهى حتى تصورته مكان
العيش الوحيد في العالم. رضعت الطبل والكمان والسنطور والشعر كما رضعت من بعد
التشرد والخوف والذل والنفي والخضوع والانتظار والليل والفحيح والروائح النتنة.
ماذا عندك ستخسرينه يا حبابة أو ماريا أو كورجية أكثر مما خسرت؟ ماذا سيتغير؟
مخبرة أو قوادة للحزب أو للأمن. خرجتِ من الملهى مجرمة مطاردةً، وسيكون مصيري في
خان الصيراوي قوادة ومخبرة. لكن على من؟ على حميد سائس الخيل؟ على مصطفى ترك؟ على
عزيز الصباغ؟ على عكاز الصيراوي؟ على المطر والليل والقذف والبغال والنجوم؟ على
من؟
شعر حميد السائس المهتاج بأن كورجية
أقوى من كل ما شاهده في يوم اخر. طلبت منه أن يتركها وحدها. قالت انها ستنتظرهم
هذا المساء، وليس عندها ما تخاف منه أو عليه. نظرة ماكرة من عيني السائس أصابتها
بدوار مباغت. هزته بعنف فاجأها قبله:( هل هناك شيء اخر يا حميد؟ قل لي). بوغت وارتد
الى الوراء قائلا: ( أبدا. لكني اخشى عليك.. لست مقتنعا بحكايتك... لا يمكن ان
يولد مخلوق من ثقب حائط).
مطر وحشي يضرب حيطان الخان في المساء
ومنذ الصباح. كورجية جالسة ساهمة وقد تعطرت وتركت شعرها الطويل ينسدل على كتفيها
حتى منتصف الصدر. تذكرت ان راقصة ملهى ليالي بغداد راحيل سلمان قالت لها يوما
ضاحكة وهي في أول الانزلاق نحو عالم الملاهي ان الرب نفسه بارك زواج غومر بنت
الليل من النبي هوشياع فأنجبت منه ولدا وابنة كما تقول التوراة.
حاولت أن تظهر كل مفاتنها المخبوءة.
في المرآة طالعها وجه ماريا القديم، وسمعت اصداء اغنية بعيدة، وصورة طفلة ترقص في
الملهى الليلي على طبل حاد وعنيف أمام جمهور هائج. سمعت وقع أقدام قرب الباب.فتحت.
دخل شابان يحملان أوراقا. اعتذرت عن بساطة المكان. جلسا صامتين أو مفكرين. قال لها
أحدهم إن عليها أن لا تقلق. قالت ليس عندها ما تقلق عليه. قال الاخر: حسنا، مجرد
تحقيق أولي روتيني نقوم به مع الجميع.سألوها عن الاسم والولادة والمكان والعائلة
الخ. قالت ان اسمها كورجية عبد العزيز الاحوص، ومكان الولادة البصرة عشار، المهنة
راقصة في ملهى ليلي، تركت المدينة بعد شجار عائلي. سألها أحدهم: هل فكرت في
العودة؟ أجابت: مرات لكن الظرف العائلي غير مناسب. سألها الاخر: لكن كورجية اسم
يهودي كما أتصور؟ ردت عليه باسمة: والدي اختاره عند الولادة كي استطيع العمل في
ملهى كما يقتضي العرف. سؤال: هل والدك مسلم؟ جواب: نعم. كذلك الوالدة. قال لها
الاخر: هل انت مستعدة للعمل معنا؟ ردت: في أي شيء؟ المساعدة في معلومات مثلا؟ ضحكت
كورجية بعمق وامتلاء هذه المرة قائلة: على من؟ هل هناك في الخان من يشكل خطرا على أحد؟ قال لها أحدهم بحدة
مكتومة: نحن من يقرر ذلك. قالت: اتفقنا اذن. قال لها الآخر وهو يمسك شعرها الطويل
المشع الفاحم المعطر: شعرك جميل. حرام هذا الجمال يذوي في هذا الخان القذر. قالت
بغير تردد مشجعة: تستاهل. بخبرة راقصة وأنثى عرفت كورجية ان هذا هو الغرض الحقيقي
خلف الزيارة ولا شيء غيره.
في أعماق الليل، على صوت مطر لا
ينقطع، سمعت كورجية وقع خطوات تقترب، ليس صوت الخطى التي تعرفها، وحدست بذكاء
الأنثى من هو القادم. فتحت الباب حتى قبل أن يطرق. شمت رائحة الخمر والذكر ورغبة
محمومة تنبعث من الجسد الفتي الذي لامس
شعرها هذا المساء.
بدون أدنى كلمة تعرت تماما بعد أن
أطفأت الضوء. أحست بأصابعه تتلمسها قطعة فقطعة.فحيح اخر في هذه العتمة الباردة.
أغمضت عينيها كما يفعل انسان مداهم في كهف قديم في انتظار الاغماء أو الموت أو الرجاء.
خيل اليها ان انفاس حميد السائس
المتلصص تفح خلف الباب الموارب. ان سائس الخيول العريق يشم رائحة الجسد العاري على
مبعدة أميال كما يشم الحيوان رائحة مرور الانثى في البراري، كما يشم المحتضر رائحة
الموت من جسده، كما يشم الضبع رائحة فريسة ولدت توا. فحيح وطبل.
عاد صوت الطبل الايقاعي قويا حادا مدويا هذه المرة.سمعت حشرجة
فوقها.سكن الرجل وغادر في الظلام كما لو أن شيئا لم يحدث هذه الليلة أبدا، كما لو
انه دخل في مبولة عمومية وخرج، كما لو انه مر من تحت مصابيح عامة، أو مر فوق ظلال
ليلية أو تحت سحاب مرتحل أو مر من محطة سفر. وحده حميد السائس كان يجلس وحيدا في
غرفته تلك الليلة وهو يغرز اصابعه في تراب الحائط المتهالك. وحده الحائط يعرف
أحزان المنفيين.
مثل كل مخلوقات المكان، فإن حمار
الخان مجهول الأصل هو الاخر. قال الصيراوي انه عثر عليه تائها في البرية بعد موت
الحمار القديم المخصص للمسافدة بينه وبين الخيل، وتمكن حميد السائس من ترويضه
بمشقة ولا يعرف الصيراوي، يقولها ضاحكا، من روض من؟
يأتي الريفيون بأفراسهم الى الخان وتسلم لحميد الذي يتولى الباقي.
يقوم شخص ما بمسك لجام الفرس في حين يقوم حميد بجلب الحمار الضخم والقوي البنية
ويقربه منها. بعد شم رائحة الفرس من الخلف، يتشنج ويصعد بعد أن يكون عضوه قد التصق
ببطنه، فيتولى السائس مسك العضو المنتصب ويدخله في المكان المطلوب حتى يتراخى
وينزل وهو يواصل شم مؤخرة الفرس والتمسح به.
جفل مصطفى ترك حين قال له الصيراوي
على غير توقع في جلسة ليلية على
موقد الجمر في الخان وفي الهواء رائحة ربيع وعطر أزهار وأريج تفتح براعم: (قلت لك
ان الملك غازي قتل في حادث سيارة وليس صدم). شهق الجندي العثماني القديم وكاد أن
يبتلع لسانه لكنه استدرك قائلا: انت لم تقل هذا أبدا. كما انني كما تعرف لا أتحدث
في هذه الامور.
لا يزال الصيراوي يتذكر جيدا وقائع
ذلك النهار الذي قتل فيه الملك غازي في حادث سيارة غامض كأنه حدث بالأمس( 4
-5/4/1937). يتذكر انه في ذلك النهار كان قد انتهى من بناء اخر غرف الخان التي
تسكنها اليوم كورجية وقام بعملية
تسافد سريعة مع فرس حرون، واستعد لصلاة الظهر يوم سمع نحيب امرأة يأتيه من أطراف
البلدة التي لم تكن بحجم اليوم.
تقع البلدة على حافة نهر دجلة العريق
في القدم ويستطيع هو الصيراوي ان يقسم على انه هو مؤسس هذه البلدة ويعرف كل شجرة
فيها وحجرة وبيت ونغل ومقهى مع ان كتاب مؤرخ البلدة الوحيد صيدلي الأعشاب الطبية
لا يذكر ذلك في كتابه عن تاريخ البلدة.
يتذكر جيدا تلك الأيام يوم كانت
البلدة تنام وتصحو بسلام وطمأنينة قبل زمن الأحزاب والانقلابات ومركز الشرطة
ودائرة الأمن. كان كل شخص يتوجع يشاركه الجميع، كل امراة تطلق يطلق معها الجميع،
كل محتضر ينام قربه الأصحاب والجيران والاقارب والغرباء حتى يموت، كل مصاب بالحمى
يتألم معه الجميع، كل غريب يحزن، يتذكر الناس حزن الغرباء، كل فقير يموت يخرج معه
الجميع الى أطراف البلدة وحتى المقبرة، وكان اليتامى يرتدون أفضل من غيرهم، وكانت
أراجيح العيد مهرجان فرح، لا أحد ينام جائعا لأن النخل وفير وبساتين الفاكهة تضج
بالثمار، والنهر يجري كما كان يجري منذ اول يوم أشرقت فيه الشمس على هذا العالم،
وكانت حيطان المنازل الطينية محمية بالشوك وكسر الزجاج، وأكثر من ذلك بالعرف وقدح
شاي شرب يوما، حتى لصوص ذلك الزمن كانوا لا يتجاوزون على حرمة فقير أو أرملة أو
عجوز أو يتيم أو غريب الدار. حتى لصوص ذلك الزمن كانت لهم مرجعية. ديك واحد يأمر
البلدة بالنهوض من النوم قبل أن يتأسس الجامع، صرخة استجارة تهز السكون العام وتجعل
النجوم ترتعش، حتى كلاب البلدة كانت لا تنبح على امرأة أو طفل أو شيخ طاعن في
السن، وجنازة واحدة تحول البلدة الى
مأتم، وعند كل مساء يرتفع عواء الثعالب من الغابات المجاورة المحيطة مختلطا بنباح
الكلاب وأعراس الصيف وفرح الخيول وبريق النجوم، حتى القمر كان يشرق بالمحبة والنور
والعافية وليس هذا القمر الأصفر الغريب، عبّارة واحدة تكفي لنقل كل سيارات البلدة،
مداخل البلدة مفتوحة للجميع من كل الجهات، ولم يعرف أحد بعد عادة غلق الأبواب
وشراء الأقفال الثقيلة، نخلة واحدة وشبكة صيد وبقرة أو جاموسة أو عنزة تكفي لعائلة
كاملة، الفوانيس معلقة في فضاء الليل مثل كواكب مشعة حتى الغبش، قبل يأتي زمن
المصابيح والمشانق والخوف والأقفال.
قالت المرأة للصيراوي بعد أن اهتدى
لمصدر النحيب: (قتل الملك غازي اليوم). لم يكن الصيراوي قد شاهد الملك حتى ذلك
اليوم رغم انه في حكايات ليلية أخيرة قد روى عنه بعض الوقائع التي تجعل قلب مصطفى
ترك يضرب كحافر جواد مفزوع. أضافت المرأة: حادث سيارة، يقولون.
اليوم يقسم الصيراوي بالمصحف الكريم
على ان الملك غازي قتله الانكليز في حادث سيارة مدبر وترك الامر لوصي مخنث يقضي
معظم وقته في ركوب الخيل مع جاكي
خيول مريب، وفي قيادة السيارات، وفي رعاية ولي عهد لا يزال طفلا . كرر ذلك على
مصطفى ترك مرة أخرى فنهض الأخير محتجا وتوارى في ظلام الخان.
في تلك اللحظة كانت كورجية تحلق شعر العانة بأدوات حلاقة حميد
السائس الذي قال لها ان ذلك يسعده كثيرا كي يشم رائحة ذلك الشيء كعطر نباتي بري مسكر.
دون ان يرفع راسه واصل الصيراوي سرد
حكاية الملك غازي حتى بعد ان غادر مصطفى ترك الغرفة: قبل ليلة مقتل الملك غازي
حلمت بطائر أسود يحط فوق غرفة حميد السائس حتى قبل وصوله الخان ولا أدري لماذا
الطيور السود في الأحلام لا تحط الا على تلك الغرفة؟ ترك ورقة كانت في منقاره
قرأها لي أفندي مار من أمام الخان تقول ان الملك غازي سيسبح نهار غد في بحيرة
حمراء. قلت لك ذلك يا مصطفى ترك في صباح نفس اليوم. هل تسمع؟
حين رفع رأسه كان مكان مصطفى ترك فارغا، لكنه واصل كلامه الى
الليل كما لو انه يروي كي لا يموت أو يجن: حدث الأمر نفسه ليلة مقتل الزعيم قاسم(
9 شباط ،1963) رحمة الله عليه، جاء الطائر الأسود نفسه فوق الغرفة نفسها عند وصول
السائس الى الخان بوقت قصير كما لو ان الطائر الأسود كان نذير شؤم بقدومه،ونفس
الحكاية والورقة في المنقار. في الصباح
اعلن الراديو خبر مقتل الزعيم ثم كانت صورته على شاشة التلفزيون جالسا على
كرسي وقد خرمه الرصاص.
لم يصدق أحد حكاية مقتل الزعيم تلك الليلة ولا في ليلة أخرى
وقالوا انه تمثال شمع وانها خدعة
والى اليوم ما يزال هناك من ينتظر قدومه. هل تسمع؟ طرق باب الخان طارق في الليلة
التالية لمقتل الزعيم في منتصف الليل وكان المطر الشباطي ينهمر بجنون. خرجت بنفسي
وفتحت الباب. وجدت رجلا بعقال وكوفية بهي الطلعة، حسن الوجه، مضيء الملامح، عليه
انهاك سفر أو ألم دفين، طلب مني المبيت هذه الليلة. دخل. حجزت له أفضل غرف الخان
وهي غرفة منشي شالوم رحمة الله عليه الذي كان في زيارة لضريح النبي العزير في
البصرة. قلت له وانا أستيقظ من بقايا منام عكر ان وجهك ليس غريبا عني؟ تبسم الرجل
البهي الوجه ولم يقل شيئا. قلت مرتبكا: ألست أنت الزعيم؟ قال لي بهدوء رجل صومعة
هادئ: ذاكرتك قوية. لم يقل أكثر فقلت بما يشبه الغيظ الرحيم: كيف ذاكرتي قوية وانت
حتى اليوم ملء السمع والبصر؟ لم يزد حرفا لكنه في الصباح كان قد توارى تماما بعد
ان ترك لي اجرة المنام عند رأسي وفي فراشه وجدت بقعة دم باقية حتى اليوم في فراش
شالوم الذي قال ان دم الأبرياء بركة. هل تسمع يا مصطفى ترك؟ منذ تلك السنوات تواصلت
زيارات الطائر الأسود ولم تنقطع حتى بعد الانقلاب الأخير ونشوب الحرب على الحدود
الشرقية.
كان يمكن لهذه البلدة، يقول ضاحكا حتى بعد ان تأكد له مغادرة
مصطفى ترك الغرفة، أن تكون امارة وأكون أميرا عليها لو لا فوضى الأحداث، وتكون
كورجية، ترتفع ضحكته، أميرة في هذا الخان الذي كان من الممكن أن يتحول الى سراي
كبير، ويصبح حميد السائس بدل
السباحة في مني الحمير وحمل العضو المنتصب، مسؤولا في قيادة الجيش أو الشرطة أو العسس السريين. لكن ما حاجته الى
كل هذا الهوان وقد صار الموت للوجهاء والأعيان والزعماء والشيوخ المتصارعين على
المناصب كديوك الرهان خاتمة منتظرة مثل نزول المطر؟
قبل سنوات ضاعت عليه من كثرة القتل
والموت الهاطل على حياة البلدة قُتل شيخ قبيلة في النادي على صراع حول مجلس النواب
الملكي. قام باطلاق النار أحد عبيد الشيخ الغريم وهو عبد مخصي. هل كان هذا المخصي
جزءا من صراع السياسة أم انه ينتقم من خصيه العلني المشاع وهو تقليد شائع بين بعض
شيوخ القبائل كهوية لخدم الشيخ وعلامة تحذير للحريم؟
صار الصيراوي في الفترة الأخيرة يتأخر
عن طقوس التدليك الليلية بعد أن تحولت في نظره الى حفلة جلد، فلا هو قادر على
اكمال العملية ولا هو مقتنع بالمقسوم.كل حشرجة تصدر منه وهو متهالك تحتها تحرق
ابواب السماء، يقول الصيراوي ثم يتعوذ من الشيطان الرجيم.
هذا الصباح المشؤوم سمع كما في منام
أو كابوس صرخة سائس الخيل حميد وهو
يرغي مثل بعير ضائع في برية وقبل الصرخة سمع الارتطام المدوي كهزة أرضية
ففكر أول الأمر ان الخان تداعى كله على رأسه. آخر ما خطر بباله أن يكون حمار
التسافد الذي يمثل نصف دخل الخان قد مات فجأة وهو ينط على فرس تشبه في جمالها جسد
كورجية وهي تتعرى متلوية تحت الضوء كغزال يستحم في الدغل تحت الشمس في ظهيرة
مهلكة.
قال سائس الخيل حميد إن الحمار سقط
ميتا قبل أن ينزل وقد هزته رعشة طويلة كما لو أنه صعق، أطول رعشة رآه فيها حتى خيل
اليه ان الحمار فقد عقله ولفرط الرعشة وسكون الفرس ورائحة عرق الخيل والبهيمة وهي
تنز من الحيوانين الملتحمين شعر السائس حميد بعضوه ينتصب حتى أوشك على القذف وهو
امر حصل عدة مرات سابقا لكن الارتطام المريع بالأرض وانهيار الحيوان السريع
والخاطف والمباغت أوقف كل شيء.
تلك الليلة شعر حميد السائس بخوف داهم
وقلق و بهياج جنسي لم يعرفه في حياته و فكر باحتمال أن يتعرض هذه الليلة أو في
غيرها لمثل مصير الحيوان المفجع فوق كورجية التي صارت في الفترة الأخيرة تشعله في
السرير الجديد كما لو انها قررت التخلص منه بطريقة الشهوة المحرقة أو لسبب آخر لا
يعرفه.
كان قد اغتسل جيدا لأن كورجية تشعر
بنفور وتقزز من الرائحة الكريهة المنبعثة من جسده كرائحة حيوان في بركة بول، تقول
له دائما، وحلق شعر الابط والمنطقة السفلية وتعطر بقنينة عطر عثر عليها وهو يكنس
غرفة احد النزلاء العابرين واحتفظ بها لنفسه لمثل هذه المهمة. كان الصيراوي يقول
لبعض جلاسه وبلا مناسبة : ( ان لحية الشيخ مكنسة عند حميد السائس). أي انه لا
يحترم أحدا بل يخاف.
هو حميد سائس الخيل يعترف ان خان
الصيراوي لا معنى له بدونه، وان شخصا آخر غيره لا يقبل بهذه المهمة القذرة التي
جعلته خبيرا في شهوات البهائم أكثر من أي شيء آخر، حتى انه في بعض لياليه مع
كورجية يستحضر صورا متخلية عن بعض الوقائع الجنسية المثيرة بين الحيوانات لكي
تزيده لهبا وشوقا وموتا وحريقا.
كان المساء قد هبط، مساء ربيعي آسر
وعذب،والنسيم يمرق على وجهه بنعومة وبهجة، حين انسل الى غرفة كورجية التي كانت
مضاءة بالمصباح الكهربائي المشع بعد أن أنقضى زمن الفوانيس في الخان وفي الشارع،
لكنه وهو يقترب لم يسمع الصوت المألوف حين تنحنح خافتا ولم يفتح احد الباب كما كان يجري من قبل، وحين دفع الباب برفق ودخل وجد
رجلا يحدق اليه عبر الحائط بعيون مليئة بالشهوة والذعر والذهول. كان وجه حميد
السائس نفسه في المرآة لكنه لا يشبهه كثيرا في هذه اللحظة بالذات وبالكاد تعرف
عليه وهو غاطس في هوة ذهول لم يحسب حسابه يوما.
لم تظهر كورجية في ذلك الليل ولا في
كل الليالي القادمة التي مرت على الخان وصارت غرفتها مزارا للصيراوي المنتحب وحميد
السائس وحتى مصطفى ترك شعر بغصة دفينة لأن وجودها في هذا الخان الذكوري كان يمنح
المكان ميزة المكان البشري القابل للاقامة رغم شعور النفي المقيم في اعماق الجندي
العثماني القديم الهارب من جيش مهزوم منسحب. ان الجيوش المهزومة، يقول مصطفى ترك
دائما، وهي حكمة سمعها من اجداده، لا آباء لها ولا أبناء ولا قادة،لكن النصر له
ألف أب.
حميد السائس نفسه حوّل غرفة كورجية
الى ضريح بعد ان انتقل اليها وصار يذوي مع الأيام وفترت همته في الشغل حتى بعد
الحصول على حمار مسافدة آخر أقوى من قتيل الشهوة لكنه أكثر رعونة ولا يشابهه في
الطباع، يقول الصيراوي ضاحكا من داخل حزنه الخفي، الا حميد السائس.
لم يفكر أحد في العثور على كورجية بعد
اليوم ولا في أي مكان مفترض سافرت اليه كما لو انها ماتت ولم تترك خلفها سوى
الذكرى، والذكرى، يقول حميد السائس وقد سمع هذا الكلام من بعض النزلاء، ناقوس يدق
في وادي النسيان، فصور حياتك قبل أن تنفجر. وقبل أن تنفجر حياته تحول حميد، بدافع
من الياس أو الانتقام أو الجنون، الى راوي حكايات عن نسخة حياته السابقة والوحيدة
التي تستحق ان تعاش وتروى مع كورجية وغرامياته السرية وشبقه الليلي البهي خاصة حين
يأتي من عمل منهك مثير ومحفز أو تحت مطر ليلي ينهمر فوق الخان وفوق قلبه وهو يشتعل
باللهب والأنين المحرق.
تركت خلفها عطرها على الفراش وفي
أرجاء الخان وتلاشت كما لو انها لم تكون موجودة ابدا، كما لو انها حكاية متخيلة من
حكايات الصيراوي أو هذيانات مصطفى ترك، وصار هذا العطر القوة الحقيقية في الخان
والباقي ليس أكثر من أشباح أو صور وهمية تنتجها مخيلة منهكة من الزمن والليالي
والأمطار الطويلة المملة كساعات أزمنة الهرم لكائنات تعيش في جوار بين أوجاع الخيل
وأوجاع الليل، ونٌسيت من الناس والموت والسماء وحكم عليها بالتذكر أو بالنسيان أو
التخيل.
لم تعد كورجية موجودة لأنها أصلا لم تكن موجودة كوجود بشري
محترم. حلم عابر مر على ليالي هذا
الخان مثل كل النزلاء المارين الذين تركوا عطرا أو ذكرى أو خاتما أو بقايا صور كما
تترك الريح من صور على الرمل.
جفل حميد السائس، في احدى الليالي،
على صوت عكاز يضرب الأرض بعنف وقوة كما لو انه يحاول ايقاظ الأرض النائمة يقترب من
باب غرفته التي صار يقضي جزءا أكبر من نهاراته الفارغة ولياليه الخاوية والشاحبة
والمملة فيها، لكنه فز مذعورا على صوت الصيراوي وهو يقول مرحبا: حمد الله على
السلامة كورجية، ما هذه الغيبة؟
شعر السائس انه بلا أقدام وان روحه صعدت من أعماقه المليئة بالحصى
والطين والعشب والماء والغابات والبهائم والكهوف وصور الوحوش والعواصف والأمطار
والبروق والروث، ولم يفلح في النهوض، حتى انه أحس بغيبوبة بطيئة تزحف على جسده،
ولم يفق من شلله الا حين رأى نصف العكاز يدخل الغرفة تتبعه أقدام ثقيلة كما لو
انها مربوطة بسلاسل ثم أطل وجه الصيراوي كقادم من قبر، شاحبا وتالفا، ومسحوقا، وهو
يشمل الغرفة بنظرة طويلة فاحصة مدققة دون أن يتكلم، ثم غادر المكان بنفس الطريقة
المتمهلة، وصوت عكازه يرج الفضاء، كما لو ان وجود السائس من عدمه ليس مهما، حتى
تلاشى ضرب العكاز مع المطر المنهمر بوحشية.
لا يتذكر حميد السائس ولا أي واحد في
الخان بما في ذلك الصيراوي الذي تساوت عنده الأيام والفصول وتشابهت عليه وجوه
الخيل والبشر والاشجار والأشباح، الموتى والأحياء، الموت والحياة، نار الموقد أو
نار الجسد، عطر الشيخوخة أو عطر التراب أو عطر كورجية، لا أحد يتذكر متى وصل ساعي
البريد في ذلك الصباح المنسي، مثل كل الصباحات، حاملا رسالة الى الصيراوي، وهي
الرسالة الوحيدة والأخيرة أيضا التي وصلت الخان منذ تأسيسه في عشرينات القرن
الماضي.
وقف الصيراوي عند عتبة الخان على كرسي مخلع، تهرأ من وسطه،
وتقشرت مسانده الخشبية المليئة بخطوط ورسوم وبقع، منتظرا مرور شخص ما لكي يقرأ
الرسالة. عثر على صبي مار فقرأ هذا الرسالة وهو يحدق في عيني الصيراوي المأخوذ كما
لو انه في حلم مضطرب:(السيد الصيراوي المحترم.. لا استطيع نسيان أيامي معكم في
الخان، ولا وقائع تلك السنوات الغريبة، ولا وجوه النزلاء فهي حية تعيش معي اليوم.
انا اعمل في نفس مهنتي السابقة كراقصة في ملهى ليلي في باريس، واسمي الحقيقي عاد
كما عادت أشياء أخرى كثيرة. آسفة لكل ما سببته لكم من قلق، ولا يتخيل أحد انني
تعمدت ذلك لكنها ظروف خاصة معروفة لدى بعضكم وخاصة العزيز حميد السائس الذي أرجو
ابلاغه تحياتي الحارة، ولكل نزلاء الخان من عزيز وحتى مصطفى ترك الذي أتمنى أن
يكون قد عاد الى وطنه الأصلي، أتذكركم كلما نزل مطر وفاحت أرض بعطر التراب. كورجية
عبد العزيز الأحوص أو حبّابة عبد الله ، باريس).
لا الصيراوي ولا حميد السائس ولا عزيز
ولا مصطفى ترك فهم شيئاً مما جاء في الرسالة عدا كلمة باريس التي تطوع مصطفى ترك، ضاحكا، في شرح مفصل
عنها سمعه مرات من مسافرين عن شوارع نظيفة لامعة تحت المطر والشمس، وجسور عجيبة،
ونساء عاريات أو شبه عاريات ومحلات تضم العجائب وسيارات فاخرة وسينمات وحدائق خلابة ومدن مسحورة وطائرات عملاقة
وخمور علنية وكنائس وشعور شقر وقبور ملكية لأباطرة وملوك وكهنة وغير ذلك الكثير
مما يروى. قال له الصيراوي وهو يرمش بعينيه المكسوتين برموش بلون الثلج: (بدل أن
تكحلها، عميتها. هل تقول ان كورجية في باريس وهو الان راقصة؟) رد عليه مصطفى ترك
وهو يهم بالنهوض: (هي تقول لا أنا. ألم تسمع" مهنتي السابقة" يعني انها
كانت راقصة حضرة الصيراوي وليست علوية. في أمان الله).
غرق الخان في السكون والظلام والحيرة
ولا صوت أو حركة غير صوت انهمار المطر كما لو ان الزمن والفصول والحوادث لا تتجدد
بل تتكرر، ونسي النزلاء حتى الموت الطارئ والشبقي للبهيمة وهو يسقط من الفرس جثة
نافقة تاركا سائس الخيل في وساوسه التي لا تنقطع، وبدا ان الأقدار تختار نهايات
قاسية لمصائر جميع سكان خان الصيراوي بين ميت وهارب ومطارد ومنتظر لسفر أو ميتة
عاجلة أو نهاية لهذه الحكاية الطويلة.
صار الصيراوي يشكو، في السنوات
الأخيرة، من العقاب الالهي لأن الموت نسيه أو انه مات في الحياة منذ زمن طويل، فلا
أحد في البلدة، بما في ذلك هو، ولا مؤرخ البلدة الوحيد، يعرف في أي قرن أو مكان
ولد، ولا أحد يعرف من أين جاء مثل كل مخلوقات الخان التي ولدت من العدم كما
بزغ يوما حميد سائس الخيل قادما من
اللاشيء أو مصطفى ترك الذي خلع نفسه من جيش مهزوم أو عزيز الذي يبدو انه ولد وفي
جسده الصبغ والفرشاة وصندوق الشغل أو كورجية التي جاءت من التيه الى التيه، حتى
الملوك والزعماء الذين تصور الصيراوي زياراتهم مات بعضهم قتلا أو صلبا بلا قبور أو
شواهد. الشيء الوحيد الحقيقي هو الخان وكل شيء آخر دخان وريح.
لكن هذا السكون الثقيل ليس الا سكونا
مؤجلا وعابرا وسرعان ما تمزقه صرخة
مباغتة من أطراف البلدة أو عواء ذئب أو جوقة ثعالب أو مرور نيزك محترق علامة على
ان روحا قد صعد الى السماء كما يقال في مثل هذه اللحظات، وفي غمرة السكون والمطر
والظلام ندت صرخة بعيدة مرقت في شوارع البلدة لتستقر في الاذان المرهقة والمنهكة
في ليلة لم تعد في ذاكرة احد، لكنها تركت علامة في المكان: ذبح رزوقي زوجته ورماها
في البئر، وفي ليلة أخرى مات حائك السجاد نصف الأعمى، وحيدا، بعد منتصف الليل وهو
يحاول اشعال الضوء لكي يرى الموت المداهم، وفي الايام المتوالية مات العطار جواد
بكي صاحب الدكان الصغير أو الشق في فتحة في الحائط كما لو انه لم يلد ابدا.
لكن كما للموت شروطه، فللحياة شروطها كذلك، فالأشجار تورق،
والثمار تنضج والأوراق تبرعم والأمطار تنثال والنجوم تضيء والأرحام تضج بالأجنة،
وكما للموت صرخاته فللحياة صرخاتها. دورة تقاطع بين الليل والنهار، الصحراء
والمطر، والغياب والاياب، القتل والحب، الجفاف والخصب، الفيضان والذبول، ولا مسافة
بين موت حمار الخان وبين موت ملك أو زعيم أو نزّاح.
كل شيء يمضي الى التراب والنسيان عدا
الحكاية التي يرويها كل مرة شخص ما على موقد نار أو كرسي عتيق أو سرير غادره العطر
كما تغادر الروح الجسد او القطار سكة الحديد أو الضوء السماء.
ليس الا الذكرى يا حميد السائس تدق في
وادي النسيان فصورها قبل أن تنفجر، لذلك نبت ذات صباح أمام مصور البلدة صبيح فيزي
بصندوقه الأسود الطويل وكرسيه المسند على شجرة قرب السراي القديم المتهدم، بعد أن
انتشرت كالفطر بنايات وشعارات وأقبية وسراديب، وطلب التقاط صورة وسط دهشة المصور.
تأمل حميد السائس صورته مليا كما لو
يحدق بصورة عقرب ونسي كل شيء.زحفت التجاعيد على وجهه كأرض شققها الجفاف، ورأى
الأخاديد تنتشر كقشور جذوع الأشجار، وأرعبته النظرة المطفأة من كل علامة للحياة
كما لو ان الصورة التقطت لميت مجهول في مشرحة. خطر له تلك اللحظة الموت الصاعق
لبهيمة الخان فشعر بالاضطراب ورعشة باردة تزحف على جسده من الأسفل كصل صحراوي
ناعم.
لم ينم تلك الليلة أبدا حتى صياح ديك
الفجر الذي لا يثق حميد به لأن هذا الديك الأعور يصيح أحيانا في المساء أو منتصف
الليل بعد أن اختلط عليه الزمن كما
اختلطت الأيام على نزلاء خان الصيراوي. كورجية، فكر، ترقص في ملاهي باريس منتشية
بالحرية والمرح وخلو البال، وهو يجاسد
بقايا عطر وسرير وفراش مع الهوام والحشرات وروائح البهائم وموت مرتقب
لمخلوقات الخان التي تتعفن مع الأيام والمطر والشمس والليالي. تطل عليه صورته من
الحائط كما يطل الموت، كما يطل صقر على فريسة نائمة في دغل صيفي مشمس.
كان يجب، فكر، أن يُخلق كذئب أو حصان
أو نسر أو شجرة أو محارب وليس سائس خيل قضى نصف عمره، بدل حمل السيف أو
القلم، في حمل قضبان البهائم، وبدل
أن يكون دليل السفن الى المرافئ، أو دليل الغيوم الى البحر، أو دليل النجوم الى
الأرض، صار دليل قضبان البهائم الى فروج الخيل التي تتكرر كالانقلابات العسكرية.
وكما تقلص عالم الصيراوي في حكايات مختلطة
عن ماضيه، وتقلصت حياة مصطفى ترك في عودة أخيرة لوطن قديم، تقلص عالم حميد السائس
في طقوس لا تنتج الا البغال حتى قيل يوما ان هذا السائس هو الأب الحقيقي لكل بغال
المنطقة.
لا يزال يتذكر بقسوة كيف ان يوسف
المعيدي طرده، بل أهانه، حين طلب منه يد صفية أو لطخة الظلام ويومها كاد أن يفترس
كل شيء في طريقه كضبع جريح ومحاصر بالنار. حتى صفية المنسية المهملة التي نساها
الموت كما نساهم صارت نائية عنه مثل
سراب الصحراء. لكنه لم يمل أو يكل فصار يزور مراعي الجاموس في الربيع والصيف وهو
يراها خلف القطيع في تلك السهول المعشبة والأراضي التي لا يحدها غير القمر في
الليل والشمس في النهار.
تحت ظلال الظهيرة حين يشتد الحر
وتحترق الأرض ويظهر السراب وتغرق غابات النخيل البعيدة بالضوء النهاري المحرق
والسكون الذي يشعل الحجر، السكون الذي يبدو لكثافته صلبا وثقيلا، كأن لا أحد في
هذا العراء المفتوح، كانت صفية تستلقي في انتظار برودة الظل والهواء والعشب والماء
والتراب متأملة الأفق الشاسع، من خلف اللثام، وهي تشم رائحة عرقها، كما تشم
البهيمة رائحة المطر، سقوط الأوراق، مرور الظل، أنين الحجر تحت الشمس، صوت جريان
الدم تحت الجلد.
ظهر لها من الظل أو السراب أو من
الشوك أو النباتات البرية أو من العدم السرابي، سائس الخيل نصف عار، وهو يجأر
كحصان مصاب برمح، فأحست بقايا الأنثى فيها بالخطر وتحفزت للمواجهة، لكن غريزة
السائس فيه جعلته يشم رائحة أنثى على وشك الصراخ أو الموت أو القتل، تلك الرائحة
التي لا ينساها ابدا هو خبير شهوات الخيل، خاصة حين لمح الخنجر يلمع في يدها تحت
الشمس أو بالعكس، فذاب في ظلال الظهيرة المهلكة، وظلت هي متحفزة، وحيدة، وحدة نبتة
في برية شاسعة لم يصلها أحد.
كانت ترقب ظل السائس وهو يتلاشى في
الضوء والسراب ويضمحل،حين لمحت في يدها الخنجر اللاهث يتراقص عليه النور الحاد،
فاستلقت مرة اخرى تحت ظلال عباءة نصبتها كخيمة من هجير الظهيرة. لا تعرف على وجه
التحديد ماذا يريد منها هذا السائس، فلاشيء عندها يستحق هذا الجنون الذي أججته هذه
الظهيرة المشتعلة في قلب حميد سائس خيل خان الصيراوي؟
كانت البهائم ترغي تحت النار الحامية
وأشعة الشمس تحبس الهواء وتحرق الظل والعشب والعباءة، ومن قلب عزلتها الماسية،
عزلة نجم أو حجر متروك في برية، التفت على جسدها، كوردة محترقة، أو كسحلية تلهث من
الظمأ والشمس، وغفت قليلا، لكن رغاء البهائم وهي تنحدر نحو النهر أيقظها كما لو من
منام عميق وطويل.
غطس القطيع في الماء،وتلاشت الظلال،
والسراب،والغبار، الخانق،وكحيوان
مائي غطست، عارية لأول مرة، في الماء، ولاشيء فوقها أو خلفها الا صمت الماء وسكون
السهول التي لا على تخومها سوى صحراء بعيدة رملية موحشة في سبخ أبدي يتوهج ليلا
على ضوء قمر تنبح عليه كلاب بعيدة، وبدو ملثمين.
هذا هو الشيء الوحيد الذي بزغ في
ذاكرة صفية من عالمها القديم المنسي وهو تطفو فوق الماء في عزلة تلك الظهيرة
الحادة كنصل الخنجر، والضاجة بسكون أرض ساخنة ونحيلة كخصر غزال.
كانت تمسك نهديها الصغيرين البريين
وهي تحاول أن تتعرف على تفاصيل جسدها المنسية ودهشت لبقع سوداء تتقشر منه وتطفو
فوق الماء.كانت مثل أفعى تنزع جلدها شيئاً فشيئاً، وتتفتح في وهج عزلة الظهيرة
كبذرة تقوم من موت طويل.كانت تسمع من يوسف ان البذور تموت في موسم وتحيا في مواسم
أخرى مهما تعاقب الزمن. لكن طبول ذلك اليوم المؤجل عادت تدق في رأسها وحشية حادة
وعنيفة. لا تعرف على وجه الدقة أي جزء من جسدها سيقتطع، لكنها رغبت في أن تغوص
عميقا في الماء حتى صار سطحه ساكنا كما لو أن احدا لا وجود له في هذا العالم ابد
وشعرت بوحدة صافية وصور غريبة نائية ومقصية تتحرك في مخيلة تنهض من الرماد.
حين رفعت رأسها صعقت من وجود جثة
طافية تقترب منها ولمحت برعب ان الجثة مربوطة اليدين بحبل الى الخلف كما حدث ليوسف
عدة مرات. هذا المنظر قطع الاسترسال الطبيعي للصور المتدفقة تحت الماء وعادت صفية
الى الطلسم واللغز بلا تاريخ عدا ذلك الغسق المسائي المتوهج بالألوان الحارة
والمشعة.
حين عاد سائس الخيل الى الخان، وجد جنازة يُصلى عليها قبل أن
تحمل،كجنازة منشي شالوم، والصيراوي يقف بعيدا ووحيدا وأعزل وهو يشرق ببكاء متشنج.
كانت تلك جنازة عزيز صباغ الأحذية. على عجل تم اخراج شهادة ولادة ووفاة لأن الميت
لم يكن يحمل أوراقا رسمية أو اية وثيقة أخرى والشيء الوحيد الذي تركه خلفه هو
صندوق الشغل وصرة نقود امانة عند الصيراوي كمصاريف دفن.
تلك الليلة لم ينم مصطفى ترك حتى صياح
ديك الخان الأعور. كم تمنى لو انه يستطيع بما تبقى من قوة أن يرحل الى الاناضول
قبل أن يكبس عليه الموت في هذا الخان الذي يبزغ النزلاء فيه من السراب ويمضون الى
السراب لا أثر ولا ذكرى؟ كان يقول ردا على سؤال متكرر( لماذا تعود؟) قائلا:أريد أن
أتخلص من الأحلام التي تعض قلبي. جسدي يتألم من الغربة كمن يتألم من مرض.
تلك الليلة تحدثت صفية ليوسف المذهول
عن صحراء رملية موحشة وحجر ساخن وكثبان متحركة وبدو ملثمين وجثة طافية. من جانبه رأى يوسف وجه صفية
وقد عاد صافيا كما عثر عليها ولم تعد تلك البقع السود تكسو وجهها.
شعر بابوة حبيسة تتفجر في أعماقه
كمياه الينابيع التي شاهدها يوما في الجبال في موسم جفاف قديم، وتذكر موت ابنته
الوحيدة بقرن فحل مستثار ثم رحيل زوجته بعد ذلك بوقت قصير، وحرك جمر الموقد وطلب
ماءً وتركه ينسكب على صدره ولم يعد منذ تلك اللحظة يرى غريمه الميت لا في الحلم
ولا في الخيال ولم يعد شبحه يظهر في الفجر.
شعر يوسف انه حر اليوم أكثر من أي وقت
آخر كما ان صفية حرة كزهرة برية تتفتح في عتمة دافئة تحت جدار متهالك. سألته بصوت
خافت:( وحفل الختان؟). قالت أمه وهي تحرك الجمر حتى بان الرماد:( تلك رغبة السيد
الصيراوي وأهالي البلدة يا صفية). بصوت خفيض كأنها تكلم نفسها قالت صفية قبل أن
تنهض مغادرة الغرفة وربما لم يسمعها أحد:( ستحل اللعنة).
حين صارت البلدة تكبر كل يوم، فإن طرق
الوصول الى الخان تعددت: لم يعد الخان كما في السابق مكان الاقامة الوحيد في
البلدة للغرباء والعابرين والقرويين، بعد أن تأسس أول فندق حمل اسم ( فندق
السعادة)، لكن الخان ظل المكان الوحيد للقادمين من الريف على ظهور الخيل أو الحمير
أو المشردين والمعوزين، أو الراغبين في الحصول على بغل أو أمل.
يمكن الوصول الى الخان، مثلا، من دروب
متعددة، لكن أهمها هو درب السوق
المسقوف مكان اجتماع البلدة الكبير ومكان التسلية والتسوق والحلاقة وشراء الحاجات
لأنه يحتوي على كل ما يحتاجه المرء من دكاكين اللحوم وخياطة وأحذية وطعام وخضروات
وعدة مقاهي، خاصة مقهى الأرملي التي تعود يوسف وصحبه الجلوس فيها قبل عبور النهر
الى جزيرة ربيضة على الضفة الأخرى من النهر حين تجدب الأرض، قبل أن تتحول تلك
البقعة المزهرة في السنوات الأخيرة الى منتجع لكبار مسؤولي الحزب الحاكم، وأزيلت
كل الأشجار والمراعي والحكايات، ولم يعد القمر يشرق على غابات فاتنة بل على شقق
حجرية ترى من ضفة النهر الأخرى غارقة في السر والضوء والعزلة والأبراج.
في ربيضة، قبل أن تزال، كما في
البلدة، ولد جيل جديد من العجول والأطفال والاحلام، كما مات فيها على مدار السنوات
جيل آخر. أما أشهر حلاق في السوق المسقوف فهو حسين الدهش الذي مات على اثر نزيف في
الفم بعد قلع سن وسيرث هذه المهنة
ولده علي حسين الدهش، مدرس التاريخ، الذي حلق رؤوس جميع سكان البلدة حتى تخصص في
حلاقة النساء في منازلهن، وسيهرب يوما أواخر سبعينات القرن الماضي بعد حملة سياسية
بوليسية شرسة الى بغداد مع الرجل الجالس الآن قرب النافذة الماطرة والثلج المتوج
هامات الجبال البعيدة التي ترى عبر النافذة والخليج المعتم.
علي الدهش أول من نبه في جلسة سمر في
محلة الصيراوي على مبعدة أمتار من الخان ثلة أصدقاء كانوا يومها مشغولين بأحلام لا
تقبل بغير حليب النجوم، الى ان كورجية تثير ريبته، وهو أمر يشاركه فيه كثيرون من
المحلة، لكن علي ذويب مدرس اللغة العربية والدين والذي عاش صحوها سكرا كما يقال،
قال له حاسما الأمر: (لم يعد لدينا غير فرج كورجية؟ تبقى عقلك بأيرك؟)، فرد عليه
فالح حمد رسام البلدة وربيب السجون مثل كل الأصدقاء المحلقين على مائدة شراب:( علي
يشم رائحة الفرج ولو كان في الصين). أما مالك عبد الله فعلق ضاحكا:( انتقلنا
من تغيير العالم الى تغيير الخان).
على ذلك قال علي الدهش:( أحسن من حديث السياسة وزجاجة بيرة توضع في الأسفل على أية
حال). كان ضوء القمر يغمر المائدة ورائحة شذى الأشجار تملأ الليل، لكنها رائحة
تخفي خلف شذاها المسكر أكثر من مجهول.
مقبرة الأطفال تجاور البساتين،
وخلفهما النهر، وخلف النهر جزيرة ربيضة، ابعد من ربيضة شمس تشرق من الأفق الشرقي،
صاعدة من بين غابات النخيل. المقبرة مكان للحزن مغلق على البهجة ـ قبل أن تزال
فيما بعد كربيضة ـ لكن البساتين فضاءات مفتوحة على الأفق كالنهر،كربيضة، ومكان
العقاب الوحيد قبل أن تتأسس كثير من الأماكن، كان السراي الذي لا يشبهه في قتامته
وكآبته ونفوره سوى المقبرة.
وكما للسراي حكايات، والمقبرة أيضا،
ومنظمة الحزب الحاكم، كذلك للنهر وهو الأعرق من كل معالم البلدة وهو يجري قبلها
كما سيجري بعدها الى الأبد.
تأسست البلدة على ضفة النهر وليس
العكس. حين تضيق الصدور كان الناس يذهبون الى النهر، لكن حين يضيق النهر كان يجتاح
البلدة وهو أمر حدث عدة مرات في بدايات القرن الماضي، ويوم كان النهر يفيض فإنه
يفيض بالماء لا بالجثث كما حصل في الفترات الأخيرة من القرن، ومن يدري، يقول رويّح
الأعمى، ربما سيظل ينقل الجثث لسنوات طويلة قادمة.
الصيراوي صار يجلس على ذات الكرسي، مع
اختلاف الضوء والظل، ويحدق في الفراغ، حتى انه صار ينسى اسم الخان، وينادي حميد
السائس بالحمار وبالعكس، وفي لحظة
الهام نادرة قد لا تتكرر تذكر مرور الموكب الرئاسي في ذلك الصباح الربيعي فصاح:(
خال البغل حصان).
جفل مصطفى ترك وهو الوحيد في العالم
الذي فهم المعنى المهلك خلف هذه الجملة القاتلة. تحسس رقبته وغادر المكان. مصطفى
ترك نفسه صار ينسى مكان الخان حين يأتي من مقاهي السوق، فيسأل عن حميد السائس، حتى
نقل الى غرفة صغيرة في سوق القصابين بعد أن صار أكثر وقاحة وشراسة وعصبية وهناك
قطع كل صلة له بنزلاء الخان، وربما بالعالم وصار يُرى متجولا بعد منتصف الليل في
الشوارع وحين يسأل عن سبب هذه النزهات الليلية كان يقول كالمباغت:( ليل؟ كنت أظنه
النهار).
مقبرة الأطفال جرح جسدي عميق في قلب
البلدة وفي الليل تنتشر أساطير عن خروج الأطفال الموتى للضحك واللعب، أما بساتين
الضفاف ـ ومنها بستان عبد الله الفاضل الذي سيهرب الى ايران مع الأسرة تاركا كل
شيء للثعالب والليل والعسس بعد ان اختفى كل اثر لفاضل وفرات في حملة
بوليسية شرسة ـ فتخفف من كآبة المقبرة التي نُسيت، قبل أن تزال (الرجل الجالس خلف
نافذة المطر دفن فيها ثلاثة من اخوته الصغار) حين صار الموت المتجول الوحيد في
بلدة الصيراوي وما جاورها بعد ان أطفئت فوانيس الليل.
في شارع جهار مردم في مدينة قُم
الايرانية، في منعطف طريق، سيلتقي الرجل الجالس خلف نافذة المطر الآن مع عبد الله
الفاضل الذي كان يمشي متمهلا ونائيا كنسر جريح، ومرا من أمام مقهى فارس جبار
المرهج، مطرود هو الآخر بسبب دم فارسي عثر عليه في دمه من عدة أجيال، وصادفا في
المقهى خضير عباس المرهج المعلم الخمسيني لجيل والذي وجد نفسه في صباح كريه مقذوفا
على الحدود مع عدة عوائل في ثياب النوم على طريق كرمنشاه في هجرة حزينة نحو مدن
التيه ليعمل من بعد بائع خضار في زقاق ضيق في قم مع بقية أفراد العائلة عقيل وهادي
ويس والخ.
كوعل شره للصداقة والدفء والشعر وحنان
العائلة والشراب، نزل حسين عبد المهدي الى هذا الزقاق قادما من خيبة الجبل بعد أن
اكتشف ان الثورة في الكتب ليست هي نفسها في غابات السرو ليموت بعد ذلك في انتفاضة
عارمة بعد حرب الخليج الثانية، الموت الذي طالما حلم به وطارده ونفذه تاركا الرفاق
يمارسون طقوسهم التاريخية المدارية في التأبين واحتفالات الموت وخطب الدخان والغرف
المغلقة وصخب النبيذ الذي يحول المكان الى عرس "واوية" ثعالب،حتى صار
بعضهم يخجل من اسم صويحب الريفي وجرحه"جرح صويحب" أشهر جرح في قصيدة
لمظفر النواب لفلاح قتل على يد الاقطاع فطلبت حبيبته من صاحباتها ان لا يقطرن
الكحل فوق الدم لأن جرح صويحب ما يلتئم من وجع الكحل النازف مع الدمع على الجرح.
فارس المرهج لا يمل من سؤال الرجل
الجالس الآن قرب نافذة المطر ـ تلك
الايام في مدينة قُم قبل أن يدخل في هجرة أخرى ـ عن ارض له تركت قبل أن يبنيها قرب
منزل الرسام فالح حمد، تلك الأرض التي أوشكت ان تفقد فالح صوابه كلما مر من أمامها
في الفجر في الطريق الى الثكنة.
كان يرى نارا تقدح من شجرة النخل
الوحيدة في تلك الأرض الخلاء. لم يصدقه أحد لكن اثار النار كانت واضحة على الجذع
المحروق. ظل فالح يروي حكاية النار القادحة من جذع النخلة بكتمان كمن يحكي عن سر مخيف أو عن
علامة.
فاضل وفرات عبد الله الفاضل( قبل
الاختفاء لسنوات والظهور في ايران بعد هجرة العائلة)سينضمان الى ثلة الدهش،وعلي
ذويب(سيقضي أوقاتا سعيدة في مبنى المخابرات)وفالح حمد( السجن والحرب) والرجل
الجالس الآن قرب نافذة المطر(السجن،الحرب،المنفى)وليد،نضال جاسم العذاري(السجن)
ومالك( الأسر) ومانع مهدي(سيطرد هو الآخر مع الأسرة الى ايران) وبشير الشراوي( في
منفاه الدنماركي)وغيرهم شكلوا على مدى عقود بؤرة سياسية مضادة،خلاقة، في البلدة رغم كل الويلات والاغراءات،وجسدوا
المثال، وهم في عمر الزهور، وكثيرون منهم أخذوا طريقهم الى التيه أو المنفى أو
السجون أو الأسر أو المرض او الحرب. ذلك الجيل الذي ولد منتصف القرن الماضي داهمته
السجون أو المنافي أو الحروب أو شيخوخة مبكرة أو الكوابيس وهو على الطريق دون أن
يمر بمرحلة الطفولة اختصارا للوقت.
بعض أفراد الثلة ظل ينزف بلا موت ولا
حياة في كل الأزمنة المتعاقبة. لم ينج أحد من هؤلاء من النار التي تحرق ولا تميت
وهذا هو الهوان. سالم حمزة القرعاوي، أو الروائي المجهض، ظل على مسافة من الثلة
دون ان يكون بعيدا،لكنه عاش وحيدا في دروب بلدة محرومة من الفرح والضحك والتخيل،
يدخل السوق ويخرج بقامة منكسره وحزن دفين، لا هو قادر على الشكوى ولا على الصمت،
يلوب مثل وجع الحمام العراقي بصمت على منارات الأضرحة أو أعمدة الكهرباء أو قرب
مصباح ليلي كورّاق عباسي خارج من حكاية قديمة.
الخان يواجه زحف البلدة، لكنه راسخ
مثل ظلال الحزن، حتى نتأت من خاصرته يوما مقهى، ففقد سكونه القديم، لكنه ظل يجذب
التائهين والضائعين والباحثين عن النوم أو الغرباء الهاربين من هجير الظهيرة وظل
الصيراوي وحده يروي حكايات لليل. أما حميد السائس فصار ينتظر مواسم العزاء في
عاشوراء على نار ويضرب السلاسل على ظهره العاري الممزق بقوة وهو يصرخ من أعماقه
الجريحة. علّق علي حسين الدهش على ذلك مرة قائلا: حميد سيقتل نفسه من أجل كورجية.
علي ابراهيم المصري الذي عمل حدادا في
البلدة رفض النوم فيه حين عرض عليه الرجل الجالس الان خلف نافذة المطر، وفضل
الاقامة، يقول ذلك ضاحكا، في "فندق السعادة".
علي المصري، اليساري الأسمر والصعيدي
المحروق بكل نيران الأرض، قال وهو ينزل مطار بغداد لأول مرة أواخر السبعينات وهو
يرى عبر شاشة التلفاز خال الرئيس يلقي محاضرة في التاريخ:( هذا بينوشي عراقي)
ويقصد الجنرال التشيلي.
غادر علي الى بيروت وعمل في المقاومة
وانقطعت أخباره بعد أن تعرف على ثلة المهجورين والمطرودين والمحرومين من السعادة.
كان يقول ساخرا:( انا الوحيد المقيم في السعادة). وقبل أن يسافر وكانت غيوم رمادية
تنذر بصواعق وأمطار ورعود كثيرة قال علي المصري للرجل والمودع الوحيد الجالس الآن
خلف نافذة المطر: ستكون أنت ومن معك من الجماعة على درب تيه آخر، منفى، أو سجن، أو
موت. خذ حذرك. قد تحتاج يوما الي وهذا هو اسمي الحركي "حورس" لا تستعمله
الا عند خطر وشيك وحقيقي.
بلا عكاز، يشم الطريق والبشر والروائح
والحفر والاعمدة، كان رويّح، يقيس المسافات، وحين سأله مرة علي المصري قبل أن
يسافر بأيام هل يؤلمك هذا الليل، أجاب رويّح وهي يحدق نحو فراغ ضاج فوق هامات
الأشجار:( شبه الظل هذا بطيء ولا يسبب أي ألم. إنه ينزلق فوق سفح ناعم، ويبدو
كالأزل) قال ذلك المقطع لبورخيس ومضى يشم الطريق.
يوما قيل إن رويّح سقط في حفرة لكنه
حين سئل عن هذه الحادثة النادرة في حياته أجاب:(الذي سقط هو الظل). في ليلة ماطرة
والريح تصفر في الأبواب كان رويّح يردد: ( المطر يتسكع مثل ضبع أعمى). حذره مالك
عبد الله من مخاطر هذه اللغة التي قد تفسر على غير وجه وتعتبر شتيمة سياسية ويجد
نفسه في ضيافة فهد أو تمساح أو كلاب
شرسة فرد عليه وهو يرفع عينيه بعيدا:( روح.. روح.. مستقبل الجّرة قحف). لم يفهم مالك
شيئاً وانصرف يتعثر بخطواته وهو يردد:( من قلة الخيل شدوا على الكلاب سروج) قبل أن
يقع في الأسر في ديزفول وينجو من مطاردة طويلة وينضم معه بعد فترة قصيرة ابراهيم
النهر في قفص الأسر وهو من الأسر العريقة التي قدمت مناضلين وشهداء وسياسيين
ومنفيين. منزل عائلة النهر يقع في على مقربة من نهر دجلة قرب أول مدرسة ابتدائية
للرجل الجالس الآن خلف نافذة المطر كما يظهر سياجها،من جهة اليسار،في لوحة لفنان
مغمور ربما اسمه حسن بدر(يبدو الدرب الترابي في اللوحة محمرا من وهج ظهيرة ساخنة
والمضي في الدرب عبر الأشجار يقود الى النهر ومكان العبّارة القديم)، وينفتح
المنزل على الريح والضوء والنجوم. قال في هذا المنزل ضابط الأمن "وافي"
يوما :( أشك حتى في عصافير هذا المنزل اللعين) .
على مبعدة خطوات تقع السدة الثانية للنهر، من هذه السدة، على
اليسار، يكون الطريق الريفي نحو منزل عبد الله الفاضل، والمضي فيه يقود الى الجسر
الذي يتمدد بين غابات وبساتين مزهرة وعامرة بالثمار والضوء والسر والظلال الدافئة.
حين مر الموكب الرئاسي من فوق الجسر قبل أن يمر من خان الصيراوي، قيل إن شحنة
متفجرات قد وضعت تحته لكنها كُشفت.
الجسر لا يربط البلدة بالعاصمة فحسب،
بل يربط شرق البلاد وغربها مع عدة جسور في أماكن بعيدة. يقول شريط الأخبار
المتواصل أمام الرجل الجالس قرب نافذة المطر :(القوات الأمريكية عبرت الجسر قبل
يوم وتقف الآن على جسر الجمهورية في قلب بغداد).
ضيوف جدد وصلوا الى خان الصيراوي بعد
أن خلا الا من سائس الخيل والصيراوي وحمار الخان وعصافيره وروائح التبن والروث
وعرق البهائم المغادرة وسنونوات تغيب أواخر الخريف وتعود في بدايات الربيع.
النزلاء الجدد هم فريق سيرك قدم من
العاصمة، لكن ما أبهر الجميع، بما في ذلك سكان المحلة، هو انهم حملوا معهم قرودا
لألعاب السيرك الذي أقيم منتصف النهار في ساحة عامة.كان رويّح الأعمى يقف بين
الجمهور المحتشد حين سأله سالم حمزة القرعاوي:( هذا سيرك قرود يا رويح وأنت ضرير).
رد عليه رويح بانزعاج:( هل نحتاج الى قرود جديدة؟ أنا أبصر ما لا تبصرون).
انصرف وهو يمشي بصورة مائلة مادا
أصابعه كأنه يشم بها الطريق مرتلا أبيات شعر للصوفي عبد الكريم الجيلي:(شربنا
فبحنا فاستبيحت دماؤنا/ أيقتل بواح بسر الذي يهوي/ وما السر في الأحرار إلا وديعة/
ولكن إذا راق المدام فمن يقوى؟).
قاطعه في الطريق نضال جاسم العذاري
الخارج توا من السجن لفراره من الحرب: (تشتهي الموت، يا رويّح، لكنك لن تجده. كيف
حال الطريق؟) فأجاب رويح بنظرته المتعالية بقول البسطامي:( غب عن الطريق، تصل
اليه). وأضاف قولا لابن عربي: (لو كانت الطرق واضحة، فما حاجتنا الى الحكمة؟).
كلام يشبه هذا ردده عبد الله الفاضل
في شارع جهار مردم ـ الأئمة الأربعة ـ قرب ضريح يلمع فوقه هلال مذهب تحت قمر لا تعوي عليه الثعالب كما كان
يحدث في بستانه على ضفة نهر الموتى. لا يخطر ببال أحد انه قد يأتي يوم يكون فيه
عواء ثعلب أو نباح كلب منتصف الليل ـ كما حدث للرجل الجالس الآن خلف نافذة المطر
وهو يعبر الجبال الايرانية الباكستانية" بعد عبور الحدود العراقية من قبل"،
في ليلة شتائية باردة عبر الجبال بقميص الصيف في 17/1/1989 من قرية تافتان ـ أكبر
حفار في أقبية الذاكرة والحبل السري الذي يشده بهويته القديمة. هل هناك ليل عراقي
في بلدة الصيراوي وفي غيرها بلا نباح كلب أو بلا لون الطين وهو اللون الطاغي على البيوت والوجوه والذاكرة؟
عبر الكوجر أو الأسد الأمريكي، يقول
شريط الأخبار المتحرك، قرية العلوية صفية قادما من بابلون الزانية حاملة العقاب
الإلهي بتعدد الالسن والتشوش حسب الوصف التوراتي ومن مداخل أخرى ومر فوق الجسر وهو
يزحف الآن فوق الطرق المؤدية الى العاصمة تحت عاصفة ترابية مصفرة بحيث لم تعد
الرؤية ممكنة على مبعدة أمتار، في حين كان المطر عبر النافذة قد كف عن الهطول لكن الوفر الثلجي واصل الانهمار فاختفت الجبال والأشجار وصار الخليج بلون
الرماد، أما الطريق نحو العاصمة فقد صار، يقول شريط الأخبار، شاحبا كصحراء تتشكل
توا والآن.
طبول وحشية حادة تمزق سكون البرية
وتصل حواشي بلدة الصيراوي بايقاع متوازن كطبل بدائي ينبثق من أعماق غابة بدائية.
كانت صفية تجلس في كوخ العجول ذلك الصباح وهي تحتضن بقايا المرآة وقد سرحوا لها
شعرها الطويل كحبال القنب حتى تكوم في حضنها في تلك العزلة الموحشة.
طبل عنيف يرج الأرض مع تراتيل المقرئ
الأعمى وأصوات دفوف مدوية. مر في خاطرها تلك اللحظات غسق مسائي محمر وصحراء
ورمل ونبعت من مكان ما صور وجوه
تتكون كما لو تتجمع تلك اللحظة في بؤرة المرآة. شعرت برائحة جسدها يحترق ويخرج منه
مخلوق آخر كما سمعت في اللحظة نفسها خطى تقترب منها، ودوي الطبول يتصاعد مع ضجيج
أصوات مهللة مبتهجة.
لا تدري اذا كانت صرخة عميقة حادة
مدوية قد خرجت منها أم لا، لكن الرجل الجالس الآن خلف نافذة الثلج المنهمر يتابع
شريط الأخبار والصور، يتذكر ان صرخة وحشية قد اندلعت ذلك الصباح، وهو نفسه تذكر
تلك الصرخة حين توقف يوما أمام لوحة(الصرخة)
للرسام النرويجي ادوارد مونش. كائن بشري داهمه رعب مفاجئ في غسق مسائي عكر يطلق
صرخة ضائعة على ضفة بحيرة سوداء مضطربة كهاوية موحشة وتحت سماء يتشابك فيها اللون
الاحمر والأصفر والأزرق في تداخل مخيف.
حين وُضعت صفية بين يدي امرأة عجوز
وقد وثقوا يديها وباعدوا ساقيها على دوي طبول آخذة في التصاعد، لمعت الشفرة تحت
نور الصباح المعفر بالغبار والنظرات المختلسة والصلوات والتراتيل وأمواج الماء التي خيل لصفية أنها تغمرها
الآن في غبطة طارئة وتتلاشى كدخان.
الرجل الجالس خلف نافذة الثلج يرى الآن
الدبابتين الأمريكيتين تستقران فوق جسر الجمهورية الذي بدا أطول مما هو عليه في
الواقع تحت سماء بلون الرماد مثل لون الخليج أو لون رماد المواقد القديمة.
حين أطلقت دبابة طلقة نارية نحو فندق
فلسطين ميرديان من فوق الجسر، على دوي طبول قادم من أزمنة متلاشية أو من برية
موغلة في القدم، أحس برعشة البطريق وصرخته وهو يعيش العاصفة مرتين: حين تزحف تحت
الجلد مرة، في الدم، قبل الهبوب، ومرة اخرى حين تهب، وانتبه الى ان زمنا طويلا مر
وهو على هذه الهيئة.أغلق التلفاز وهو يقول:
ياه !....نهار طويل وممل!
النرويج،شتاءً،2006