|
من يستطيع ان يسجل أو يعيش أحاسيس أشواق طائر الليل وهو في
الطريق الى العش الأول والبيت الأول والشجرة الاولى خاصة اذا كان
هذا الطائر مهاجرا أو منفيا؟ مرة وجدتُ
السيدة سيسيل وهي معلمة ورسامة ومالكة
أبقار
حزينة وصامتة صمت من يغرق في كآبة عميقة.
عند
السؤال فاجأني جوابها حين قالت:
ـ هذا الصباح فتحت العش الخشبي الموجود على جذع
الشجرة فوجدت الطائر الذي هاجر في الخريف الماضي قد عاد أمس ومات
في نفس ليلة عودته..!
عاد الى نفس البيت
في الربيع
والى نفس العش ومات في ليلة وصوله. ترى
هل كان يستعجل الوصول ليموت في عشه الاول قادما عبر البحار
والجبال والصحارى والليالي؟
سألتها عن سر الانزعاج فأجابت: كل شيء في هذه الحكاية مزعج لكن
ما هو مؤلم أكثر انه مات في هذا الوقت بالذات.
وهذه الحادثة قد تكون قريبة الى حد ما من موضوع رواية الروائي
العراقي مهدي عيسى الصقر
(
أشواق طائر الليل)والصقر
هو احد جيل الرواد في الكتابة القصصية والروائية وله:* مجرمون
طيبون ـ 54 ـ قصص* غضب المدينةـ قصص ـ 60* حيرة سيدة عجوز ـ قصص
ـ 86*أجراس ـ 88ـ مختارات* الشاهدة والزنجي ـ 87ـ رواية* أشواق
طائر الليل ـ 94بغداد ـ رواية* رياح شرقية..رياح غربية ـ رواية
تحت الطبع وربما صدرت.
ان رواية اشواق طائر الليل هي سيرة ذاتية روائية للشاعر العراقي
بدر شاكر السياب وان لم يأت ذلك في الرواية صراحة أو
اسما،
كما ان غلاف الكتاب حمل اسم "رواية" وليس سيرة ذاتية وهذا لا
يعني ان عقد القراءة المكتوب على الغلاف " رواية" ملزم للناقد أو
القارئ المهتم لأن النص الادبي هو الذي يمنح الرواية نوعية
التجنيس أو الصفة أو الهوية وليس التعريف الخارجي الذي يريده
الروائي
ولا شروط الكتابة المسبقة.
إن قضية هوية النص الروائي
قضية لم تفهم على نحو واضح في النقد العربي أو النقد المتعجل
والصحفي المكرس لملء فراغات في صحيفة وغالبا ما يتصدى لهذه
القضية أنصاف كتبه وهواة بدون ادنى معرفة لموضوع هوية النص. إن
هوية النص يحددها العمل الروائي نفسه وليس شروطا خارجية معلبة
جاهزة يتم تلبيس النص عليها فإن جاءت حسب المقاييس يكتسب هذا
النص هويته الروائية وإذا خرجت عن هذه المقاييس( وهذه ميزتها
وفرادتها) تصبح نصوصا تبحث عن هوية، أي ان هذا بالضبط مصدر قوتها
ودليل تميزها. وقبل أيام كتب أحد هؤلاء" نقدا" عن روايتي "
المختفي" وبعنوان وثوقي وعظي كما لو أنه ضبطني متلبسا بالجرم
المشهود( المختفي رواية تبحث عن
هوية!) وهذا هو طموح أي نص
روائي أو أدبي أن يبحث عن هوية نصية مغايرة.
حين تخرج رواية عن السائد من الأشكال ولا تكون شبها بهوية نصية
أخرى فلاشك أنها تستحق فعلا أن تبحث عن هوية مغايرة، وحسب الناقد
الفرنسي برنارد فاليت في كتابه( تقنيات النص الروائي) فإن
الرواية من بين كل الفنون والاداب هي اللون الوحيد الذي لا يخضع
للتجنيس عكس الشعر والمسرح، بمعنى أن كل رواية تحمل هويتها
بنفسها خارج شروط النقد وقواعد الكتابة المسبقة.
الحدود ليست صارمة وجازمة وقاطعة بين السيرة الروائية وبين
الرواية، لأن الرواية تستعير الكثير من تقنيات السرد السيروي،
كما ان هذا يستعير ادوات وتقنية الرواية حتى تداخلا بصورة عضوية
وصار من الصعب الفصل بينهما
إلا
لأغراض البحث والدراسة.
لاتوجد سيرة روائية حرفية تتطابق مع السيرة الاصلية، كما لا توجد
رواية تنقل واقعا كما هو الى الورق، و إلا ما قيمة الفن أو الأدب
اذا كان نسخا للواقع وليس صياغة جديدة له ورؤيا مغايرة ومغامرة
تكشف، وتوضح وتضيء وتزلزل وتزيل
النقاب أو القناع عن واقع شديد التخفي ويرتدي عشرات الاقنعة
والواجهات والوجوه.
ان مهدي عيسى الصقر في هذا النص حاول الاقتراب من سيرة الشاعر
الكبير السياب لكنه أخفق على نحو واضح في تصوير حياة هذا الشاعر
حين ركز على الجوانب الجنسية والعاطفية في حياة الشاعر الذي كان
يحترق بنيران كثيرة، وأشواق كثيرة، وأحلام كونية وانسانية بيضاء،
وتكوي دمه قصائد لم تخرج بعد لذلك فإن اختزال أو اختصار حياة
السياب التي تتسم بالعمق والغنى والشمول والتعقيد والصحة والمرض
والعبقرية والحزن والفشل والامل والموت والشعر والمنفى وحروب
الثقافة
(حين
وجد نفسه يوما وهو في قالب الجبس في بيروت في مواجهة مع افندية
وغوغاء
حزب عراقي معروف فسرقوا
حافظة نقوده وضربوه
في شارع الحمراء
وشهروا به
وصاروا اليوم يتباكون عليه
كما يذكر
محمد الماغوط!) أقول
ان اختصار حياة ضخمة ومتنوعة بهذا الشكل هو عمل غير دقيق ابدا
يصل إلى مستوى التحريف وأن كان ذلك غير متعمد.
ان الرواية الجديدة ـ والصقر يكتبها منذ عشرات السنين ـ هي فن
التمرد والمشاكسة وتهديم المتاريس الاخلاقية الزائفة، وتهشيم
اللغة القديمة واعادة تركيب اللغة التي فسدت هي الاخرى، وهي فن
المعارضة بامتياز،
والنص
الروائي الجيد
حتى لو طمس اليوم أو غدا فإنه سيقرأ
في الايام القادمة كما يقول بورخيس عن قناعة وتجربة وحكمة" لأنها
من الاعمال التي تعرف طريقها الى قرائها ولو بعد زمن طويل".
إن الخطاب الروائي يتقاطع ويتعارض مع الخطاب السياسي.
الخطاب الروائي خطاب زلزلة، والخطاب السياسي خطاب اقناع.
الخطاب الروائي خطاب عصف وشك وبحث وتيه. والخطاب السياسي خطاب
تثبيت واجوبة ويقين.
الخطاب الروائي يثير اسئلة، والخطاب السياسي يقدم اجوبة.
الخطاب الروائي يزعج ويلعن ويهجو ويحرض ويقسو على الجمهور.
والخطاب السياسي، خاصة في عالمنا الثالث، هو خطاب مداهنة ومراعاة
وتملق وتقديس أخطاء الجمهور من أجل الكسب.
يخسر الروائي اذا كتب كما يريد الجمهور.
ويربح السياسي اذا تبنى خطاب الناس.
الخطاب الروائي لا يسعى الى كسب الجموع بل استفزازها من اجل
الاسئلة الحقيقية، والمحيرة، والجوهرية.
والخطاب السياسي يسعى الى هذا الكسب.
الخطاب الروائي لا يفكر في صندوق
الاقتراع أو ربح الاصوات.
في حين تشغل هذه وتحتل عقل السياسي.
ان خسارة السياسي للجمهور هي نهاية حياته
وخسارة الروائي للجمهور هي بداية.
نحن، إذن، أمام خطابين من طبيعتين مختلفتين، والخطأ الشنيع هو في
الدمج بينهما، والتعامل مع الخطاب الروائي بأدوات وذهنية وعقلية
وتقاليد الخطاب السياسي، وهذا الالتباس ناتج بسبب غياب التقاليد
الثقافية وتراكم الذاكرة المعرفية والروائية وسيطرة القراءات
السياسية على الخطاب الادبي.
أي نحن أمام هيمنة الايديولوجيا حتى في القراءة.
هذا الفصل بين الخطاب السياسي والروائي كان لا بد منه في الحديث
عن رواية أشواق طائر الليل،
لأن هذه الرواية وان ابتعدت عن طرح رؤيتها للشاعر المريض في
مستشفى ويعيش على اشواقه في انتظار الصحة والعودة والحب
والعافية، إلا ان تلخيص حياة السياب بهذا الصورة قدم رؤية سياسية
وان من خلال لغة روائية شفافة، لأن الرؤيا ليست لغة
فحسب،
بل هي تحديق خلف الاستار والحجب والجدران والذي لا يرى وقراءة
المخبوء والمطمور والمستور والمختفي والذي لا يقال إلا همسا أو
بوحا أو سرا.
لكن هذه الرواية لا تقفل، وهنا العزاء، باب الكتابة عن حياة
هذا الشاعر المبدع السياب وستظل حياته مادة لنصوص كثيرة قادمة
كما حدث لحياة كل شعراء التاريخ وكتابه وفنانيه وشخوصه الكبار
وسيظل مشروعا شخصيا أن اكتب يوما سيرة روائية عن حياة هذا الشاعر
الخالد.
إن بطل " أشواق طائر الليل" هو جسد/ حطام/ شهوة مهشمة/ كومة عظام
تنحدر نحو الموت.لكن
تبقى اشواق هذا الطائر هي الاقوى:
حتى حين مات الجسد، وجدنا انفسنا أمام ذات الاشواق.أشواق طائر
آخر.في
مكان آخر
قد يكون مثل طائر سيسيل العاثر
الحظ الذي مات في يوم عودته وفي العش وحيدا، بدون ان يعلن حتى عن
قدومه.
لم تجد سيسل إجابة..وزرعت
اسئلة كثيرة عندي ربما لن أجد لها اجابة ابدا ايضا:
لماذا
لا
يريد طائر الليل ان يموت في ارض غريبة؟! |