الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 

الشتاء الأخير

1

فصول من رواية جديدة

محاولة في تغيير منظور السرد والخطاب الروائي

 

    متأملا لوحة الجدار، كنت أقف كل يوم حين تشتد العاصفة الثلجية، قرب مدفأة خشبية، قديمة، مصبوغة باللون الأسود، قرب حائط رمادي شفاف، يتبدل لونه مع إضاءة المنزل، كذلك هذه اللوحة التي تعكس من الخارج بلدة ذات بناء خشبي، داخل أشجار السرو والصنوبر، التي تبدو متوهجة بألوان دافئة محترقة بخضرة ربيعية شاحبة تشبه منازل هذه البلدة التي أعيش فيها.

لم أكتشف وجود أشخاص على حافة البلدة في وضع مشية مسترخية إلا على نحو متأخر، لأن كثافة الأشجار والمنازل والألوان، والعاصفة الثلجية خارج  منزلي، وصوت الريح، وصوت عواء قديم مرحل من زمن زائل، ربما يكون قد أخفى صور هؤلاء وهم يتمشون على أطراف البلدة، كما كنا نفعل نحن، في بلدة أخرى، قديمة، وفي نهارات مشعة، وبخضرة ربيعية شاحبة، ذلك الشحوب المثير الشبيه بلون الشهوة، أو لون كآبة ضاحكة، أو لون عزلة دافئة، محملة بعطر مطر، أو عطر حمام، أو عطر عشب مبلل، أو عطر جياد صغيرة راكضة على بساط عشبي، وعلى إيقاع موسيقى المطر أو فرح الفراشات أو موسيقى جياد تتعلم المشي والركض والفرح لأول مرة في نهار مفتوح، طليق، شاسع، كفناء جميل مطل على الأبدية.

 

صيد في اسينيرس. كلود مونيه

 

 في المرات التي يشتد فيها صوت الريح، وتحديدا صوت العاصفة الثلجية في الخارج، وصوت العواء القديم، الزائل، النابع من قيعان سرية، الجأ إلى هذه اللوحة، كما إلى غيرها.

أخرج من العاصفة، والثلج، والريح، والمطر، والعتمة الثقيلة، والهدوء المنزلي،المريب،وضجة الأصوات الداخلية، إلى فضاء اللوحة،والشحوب الربيعي المتوهج، المحترق.

كان فضاءً شاسعا بلون رائحة أعشاب ميناء قوارب الصيد، أو قوارب الرحلات نحو مدن وخلجان وغابات وسواحل وجزر مضاءة بالصخور المشعة أو مطر متواصل لا ينقطع منذ  عصور موغلة في القدم، منذ أول شتاء على هذه الأرض.

قلت" لون الرائحة" وأنا أعني ذلك فعلا، فللون في هذه اللوحة رائحة  حية، مثيرة، حتى يمكن القول بثقة كاملة أني أشم رائحة اللون، واسمع عطر أعشاب الخليج، خليج ميناء القوارب، وأتلمس، بأصابعي، وهج الخضرة الذهبية، والصمت الأزلي للسعادة البشرية وهي تفوح عبر نوافذ مكسوة بأشجار تنضح بالضوء الريان.

هذا الضوء العسلي، المحترق، الريان، الدافئ، هو الذي يجعل هذه اللوحة منقذة من الريح والعاصفة الثلجية ومن الوحشة التي تتراكم على القلب، الوحشة التي تصيب قلب الغزال بعطب خاطف كبرق يضرب غابة مطرية.

أحيانا أفكر بخوف غزال داهمته العاصفة، البرق، الريح، الشهوة، الموت، الوحشة، الخوف، صوت تساقط الأوراق المفاجئ، انهمار مطر ليلي، أو دم الرغبة.  

لا تظهر الغابة في الجانب الآخر من اللوحة، كما لا تظهر الغابة في الجانب الآخر لمنزلي، والشيء الوحيد الذي يبدو في اللوحة هو أفق مشتعل بخضرة شاحبة تشبه لون غزال ولد توا على بساط من العشب الربيعي الفتي الندي.

خارج الأفق، توجد أحلامي المهربة من زمان قديم مهجور، زائل، مثل عربات مهملة في عشب أو وحل، مثل عجلة هوائية مرمية في العشب، صدئة، كمقطع ممزق من قصيدة لرامبو عن زوال البهجة والضوء والأشياء المتروكة في العشب.

" الأشياء المتروكة!" كم هي دافئة وصاخبة وحزينة هذه العبارة المشحونة بأسى بشري ناعم ورقيق ومرتجل.

يحلو لي أحيانا، في أوقات العصف الثلجي، كتعويض أو معادل للصخب العاصف، الخروج من الغرفة، والتنزه على أطراف بلدة الرسام كلود مونيه، بلدة لوحة" صيد في أسينيرس" أو أتحدث مع المتنزهين، أو مع عجائز أو صبايا من خلف النوافذ، نوافذ اللوحة، أو أقف على حافة ميناء قوارب الصيد الصغير في انتظار رحلات نحو مدن وسواحل وخلجان وجزر وصخور وجبال وأزمنة وعطور جديدة.

يقع منزلي قرب خليج، وفي سهل جبلي مفتوح، تحاصره الأشجار من الخارج، والعاصفة الثلجية، وهو يشبه مغارة أو  كوخ جبلي منعزل، أو بيت صيفي مطلي باللون الأصفر الذي يشكل مع الخريف قطعة واحدة، متماسكة، حتى يمكن القول أنه بيت الخريف.

  كنت أعيش على هاجس جرس الهاتف الذي خرس بصورة صلبة حتى بدا لي أنه صار حجرا في انتظار مكالمة، لكن مشهد قوارب الصيد أو قوارب الرحلات في لوحة كلود مونيه، أو عطر طحلب الخليج، وظلال الخشب، تلك العتمة الحية، الطرية،المفعمة بالسحر، كانت منقذة من الرتابة والسأم.

ليس سأم الانتظار، بل سأم الشوق المعتق، كنبيذ قديم، أصيل، يحلم بالكأس، والشفة، والرقص، واللحم، وشهوة الصيد أو شهوة الحب أو شهوة غزال مصاب بطلق ناري يحلم بالغابات والسهول والبراري وهو في ذروة النعاس الأبيض، العذب، المخدر، الشبيه بموت زاحف، لكنه منقذ، ومطمئن كعري صريح ومفتوح وأبيض وثري.

لا أدري أين قلت مرة عن عري امرأة ما"إن العري مطمئن حتى في إثارته!". العري الجسدي، عري الأنثى، شبيه بالصلاة، أو حالة توحد، أو لحظة وجد، إنه نوع من التماسك الداخلي الشبيه بتماسك أجنحة الفراشة، أو حلم صوفي.

هذه اللوحة على الجدار هي عري جسدي آخر، مثير، مطمئن، صريح، متوهج، محترق، منعزل، صوفي، له لون رغبة تنام في العتمة والدم والغريزة كما ينام وعل جريح في دغل كثيف.

ليس هناك أحد ما خارج النافذة، نافذة منزلي، هذا المساء الثلجي العاصف، حيث الريح أقوى من كل الأوقات، باستثناء بضعة متنزهين في اللوحة.

يبدو هؤلاء كأنهم يسبحون في الضوء الأخضر الفرح المتوهج بهدوء وانسيابية كما لو أنهم ينبعون من الأشجار أو من النوافذ أو من ظلال القوارب أو من السقوف الملونة" كبيوت للعب الأطفال!" دون أن تكون قاماتهم منحنية أو مشدودة: إنه نوع من المشي الذي لا يحدث إلا على تخوم مدن آمنة، سعيدة، هادئة، منعزلة.

قد يهبط الليل فجأة على اللوحة، ويختفي هؤلاء مع الأشجار والقوارب والظلال والمنازل والخضرة الربيعية الشاحبة المتوهجة، ويمحى كل أثر لرائحة طقس الاحتفال الشعبي هذا، ويزول النهار من الوجود، كما تزول ظلال قامات المتنزهين.

سألني يوسف البابلي في رواية" عزلة أورستا" عن لوحة لبول غوغان فقلت:ـ " اسم هذه اللوحة" منظر طبيعي قرب آرليس1888" وكان غوغان وقتها يعاني من ثقل عاطفي في هذه البلدة، ثم رحل فجأة. هذه اللوحة تعكس رؤية غوغان إلى جنوب فرنسا بعيون أقرب ما تكون إلى عيون سيزان كما يقول النقاد.

المنظر منازل ريفية متداخلة، متراصة، ملتحمة مع بعضها، لون جبس الحيطان يعكس الضوء البرتقالي للسقف والأشجار الخضراء. يظهر كدس تبن بلون أحمر وأصفر وأخضر على بساط عشبي متوهج بألوان دافئة هي الأحمر الفاتر وهو لون سنابل متوهجة في آخر صيف، والأخضر الهادئ، وخطوط أشجار صنوبر خضراء على خلفية من الأزرق الفاتح والأخضر المشع بهدوء وصمت.

كدس التبن المشع وسط اللوحة موجود في لوحة تحمل اسم" قش في صيف متأخر" لكلود مونيه أنجزت سنة 1867".

أذكر أني قلت أيضا: ـ" هذه الألوان المتوهجة ستتلاشى بعد برهة".

"آه الزوال!" خرج صوت بهيمي ضعيف مني وأنا أتأمل بيت العنكبوت في زاوية الغرفة دون أن أرى العنكبوت الذي لا شك يراني في عتمته السرية.

وضحكت فجأة:" إنه أمر قذر جدا أن تكون مراقبا من إله أو عنكبوت أو وحش أو عاصفة أو حائط".

وكما يحدث في كل مرة قد تختفي بلدة كلود مونيه في أية لحظة، أقول تختفي من الجدار، لكنها باقية في ذاكرتي كجزء من مشهد الحياة الذي لا يزول إلا مرة واحدة وإلى الأبد.

أما الظلال، والروائح، والأصوات، والصمت، فكلها باقية في مخيلة إنسان آخر، وهكذا تتواصل المدن والقوارب والفصول والأزمنة والحكايات، وكل حكاية تنتهي تولد حكاية في عقل مخلوق آخر.

الظلال الهادئة، الناعمة، تحت الزوارق، تبدو مختلفة الألوان، ومتباينة في العمق، والشدة، والطراوة: من الأخضر الغامق، إلى الأخضر الشاحب المائي المطلي بذهب اللون الأصفر" قد تكون طحالب بحرية" أو أي شيء آخر، فلا شيء مؤكد هنا غير الزوال.

الزوارق نفسها لا تبدو واضحة تماما، وقد لا تكون زوارق، أو ربما هي قوارب قديمة مقلوبة، متروكة،  حولها الطحلب، والظل، والضوء، والنهار الأزرق الطليق المفتوح" إنه الحنين للأشياء المتروكة في الماء أو في العشب. إنها حكاية زوال الأشياء وبقاء الظل!".

من يدري ربما كان الرسام يعيش صدمة فرح طارئ أو تحت تأثر توهج صوفي نادر عكس حالته في لوحة" العقعق" غلاف روايتي" عزلة أورستا" التي تجسد حالته النفسية الكئيبة، يوم كان يقوم برسم حقل في الجليد: الحقل صامت، ومثلج، تحت سماء شاحبة شحوبا منفرا، قرب مجرى مائي صخري، في مواجهة كوخ جبلي مكسو بأشجار عارية، بيضاء، والمشهد ساكن، رمادي، موحش، حين حط، على غير توقع أو انتظار، عقعق ووقف على باب الحقل الذي يوضع عادة على مدخل الحقول الريفية وهو عبارة عن خشبتين عموديتين وفي الوسط خمسة أعمدة وقف العقعق على الأخير، في حين كانت ظلال الباب تنعكس على الجليد الذي يعكس لونا ذهبيا محترقا هو لون الثلج أو لون شيء آخر من مكان بعيد.

إنها أجمل لوحة عن الانتظار رأيتها، فليس هناك، في العزلة والثلج والسكون والترقب، أجمل من قدوم أحد، أو شيء، غير منتظر، وحين تكون الأرض ساكنة، بدائية، موحشة، مغمورة بالغمر الكوني الأول، والصمت العاري، السائل، كما لو أن الأرض قد بدأت تتشكل في عري بدائي مضاء بنور ثلجي ناعم. 

ومع الوقت تتبدل الظلال، وتتغير، وحتى هؤلاء الذين يتمشون على أطراف البلدة يبدون أكثر ألفة على الرغم من أن ملاقاة غرباء على أطراف المدن أمر غير مريح عكس ملاقاتهم في مقهى صيفي مثلا، أو مقهى شبيه بمقاهي فان كوخ في لوحته" مقهى تيريزا في الليل"  في عام 1888 وهو نفس عام لوحة غوغان "منظر طبيعي.." حيث الليل المسالم، الهادئ، الجذاب، يسيطر على حجر الطريق المحترق بالأصفر والذهبي والمشع بلون دافئ ليلي شبيه بلون حجر بنفسجي أو حلم برئ مرتجل في حديقة عامة.

 

 مقهى في الليل.فان غوغ

 

 في "مقهى تيريزا في الليل" وعلى حائط المقهى على نحو خاص، الحائط الضاج بلون ذهبي مخضر هو لون الصداقة، والليل، والفرح الإنساني بالأشياء الصغيرة، فكرت كثيرا بحياتي التي تشبه هذا الظل الذي سرعان ما يزول، لكن الحائط باق.

 وفكرت على نحو جدي" لماذا حين يتلاشى الظل، لا يسقط الجدار؟!".

في هذا المقهى هناك كراسي فارغة تنتظر زبائن، ربما يأتون آخر الليل، خارجين من البار المجاور القريب، أو قادمين من نزل بعيدة، ربما يهبطون من الشرفات المطلة على المقهى، ربما لا يكون هناك بشر أبدا في المقهى، أو أن أحدا لا يأتي، أو أن أحدا لن يذهب، كما في مسرح عبثي، والشيء الوحيد الباقي والموجود هو اللوحة، لوحة مقهى  في الليل، وهو ليس أي ليل، بل ليل فان كوخ الذي يشبه وجهه أغصان "أشجار مستشفى سان ريمي" للأمراض النفسية، وهي واحدة من لوحاته أيضا.

تبدو طاولة محاطة بكرسيين على أرضية مكسوة بأحجار صغيرة لتعبيد الشارع الضيق وهو أمر شاهدته أيضا في مدينة بيرغن الساحلية في النرويج، تبدو هذه الطاولة كما لو أن أصحابها قد غادروها الآن: رجل وامرأة، أو صديقان، ويبدوان أنهما مضيا في الاتجاه نفسه لأن الكرسيين قد أزيحا في اتجاه واحد.

شكل الإزاحة، والمسافات المنتظمة، تعكس وضعا نفسيا متقاربا، أو في الأقل وجود خطة واحدة لهذه السهرة، وأنا أحب أن أتصور أنهما رجل وامرأة ذهبا إلى مرقص، و أنهما كانا عاشقين.

كانا عاشقين حد الجنون أو الذهول حتى أنهما تركا خلفهما هذه الكراسي المحترقة بالضوء والصمت دونما عودة هذه الليلة وربما في أية ليلة أخرى، وقد لا تكون في حياتهما ليلة جديدة، وليس من المستبعد أن يكون العاشق  قد قرر الانتحار تلك الليلة كي يحتفظ بوهج مقهى تيريزا في الليل.

أما نادلة المقهى، الشبيهة بنادلة مقهى الأوبرا في بيرغن، نورا، فهي تقف بثوب أبيض أمام زبائن مشنوقين بانتظار ما لا نهاية له على الأرجح.

أما الشجرة على يمين الصورة، أغصان شجرة صنوبر أو سرو، فتبدو في خضرة موحشة، تعمق الشعور بكثافة هذا الليل، وهذه الأغصان تشبه إلى حد كبير خطوط وجه فان كوخ نفسه، بل تكاد أن تكون صورته الطبيعية.

إنها نفس كثافة وشراسة أغصان أشجار سان ريمي الوحشية في مصح عقلي للمصابين بالذهان النفسي. ومن يدري ربما يكون الرجل والمرأة أصحاب الكراسي الفارغة، المكسوة الآن بالصمت، والضوء، قد شاهدا من قبل هذه الأغصان دون كلام، لأن هذه طبيعة كل الأشياء المثيرة والمبهرة بين عشاق مغامرين جلسا هنا الآن، قبل يوم، قبل قرون، ثم غادرا المكان وتركاه يغرق بالضوء والصمت وحركة الزبائن الهادئة كما هو الأمر في حركات مخلوقات آخر الليل.

هناك ثلاثة اتجاهات في شارع مقهى تيريزا، وهو كما ذكرت شارع فرعي ضيق، واحد جانبي لا يظهر في اللوحة، والآخر الذي مضى فيه الشخصان، والثالث يبدو كممر مظلم أو نفق طويل، وفي نهايته المعتمة نافذة صغيرة مضاءة، تشبه نافذة كافكا الأخيرة في "المحاكمة".

هذا النوع من النوافذ الذي يضيء في نهاية العتمة يحمل رائحة رهبة مقدسة أو شهوة عارية محتجبة. إنه نوع من الخروج من حصار النهايات أو الأنفاق أو الدروب الضيقة أو من فناء يزحف وقادم له عطر هذا الليل الصيفي الذي لا ينقصه إلا المطر.

رجل وامرأة خرجا من فرع مجاور للمقهى وهما ينحدران الآن بهدوء وسلاسة نحو الكراسي، وثوب المرأة طويل من ثياب القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين حتى منتصفه، في حين بدت طاولات وكراسي كثيرة تحت الضوء في وضع انتظار. تبدو الكراسي في حيوية مدهشة أقرب ما تكون إلى الحساسية البشرية.

لا شيء يبقى على حاله بعد لحظات، فالرجل والمرأة سيغادران المقهى بعد شرب كاس من النبيذ، والزبائن سيختفون في الدروب، والكراسي سترفع من المكان مع حرارة الأجساد الذاهبة، واللون الذهبي المحترق للجدار سيتلاشى ما أن تشرق الشمس، والنادلة سوف تذهب لتنام لكن بعد أن تتعرى تحت ضوء آخر حتى يلمع جسدها بمثل أحجار شارع مقهى تيريزا  في الليل.

أنا أيضا سأذهب إلى النوم كي أعثر عليها في الحلم!

 

 2

المنزل الاصفر. فان غوغ

 

  مقهى دي لا جاري في ارل بالسقف الأخضر والجدران الحمراء وطاولة بلياردو وسط القاعة بلون أخضر عميق، والدخان يتحرك على شكل خطوط متموجة، ونساء يحتسين الخمر وتبدو على وجوههن التالفة والساهمة سمات انهاك متواصل لا يزيده هذا الجو الحلمي الداخن المتوهج بالاحمر غير الرغبة في مواصلة الشرب أو النوم أو الثرثرة حتى على حافة طاولة بلياردو منتظرة وقد ادار الزبائن ظهورهم لها وانغمسوا في أحاديث لا صلة لها بهذا المكان الذي بدا ضاجا بأحاسيس هذا المقهى الليلي.

إنه مقهى بول غوغان في لوحته" مقهى ليلي" في ارل، وهو نفس مقهى فان كوخ في " مقهى تيريزا في الليل" حيث عاشا معا في المنزل الأصفر المطل على شارع و ساحة لا مارتين في بلدة ارل المحفوفة بأشجار السرو وأشجار الدنب وأضرحة العهد الروماني.

كانت "مقهى ليل" فان كوخ تبدو مشعة بلون اصفر ذهبي قمحي مشتعل بالخضرة وتحت سماء بلون أزرق هو لون الأبدية، على عكس مقهى غوغان المعتمة رغم توهج جدرانها باللون الأحمر، فحتى هذا اللون المحترق يزيد من نفي الزبائن عن أشياء كثيرة، وهذا النوع من المقاهي ليس معروفا في العالم العربي إلا ما ندر، لأن الإنهاك الداخلي غالبا ما يتم تسريبه في الصخب وسطوع الأضواء التي تجعل الوجوه شاحبة كوجوه الموتى.

قد يكون الزبائن هم أنفسهم في الحالتين ولا شك أنهما عاشا معا بضعة أسابيع في ارل بلدة زهور عباد الشمس والمصارعة والحقول المفتوحة الطليقة والسماء الصافية الزرقاء وأضرحة العهد الروماني وأشجار السرو المحيطة بالمنازل والشوارع الضيقة التي يقع في زاوية منها ماخور راشيل فتاة الليل التي ستخلق الكارثة.

وفي انتظار جرس الهاتف ليعلن عن المكالمة الموعودة، تطلعتُ هذه المرة خارج النافذة، حيث الأمطار تواصل الانهمار على المنازل والأشجار والخليج والجسر المعتم الضبابي الصغير البعيد فوق النهر القادم من أعالي الجبال بعد ذوبان الثلوج في الصيف.

كانت نيران المدفأة تتوهج بخفوت ونعومة في جو الغرفة الأزرق الشفاف، وكانت حركة النيران داخل المدفأة تعطي الانطباع بأن ريحا هادئة تدفع السنة اللهب على نحو سري وغير واضح، وتنشر على الجدران المكسوة بصور ولوحات وأدوات قديمة ظلالا ملتوية صامتة لا يقطعها غير انفجار صغير خافت للحطب المحترق.

هذا هو الصوت الوحيد داخل الغرفة( ماعدا رشفة النبيذ) أما في الخارج فلا شيء غير صوت المطر ومنظر الأشجار التي تصارع هذا الطوفان المتواصل الذي لا ينقطع كأمطار ثابتة جامدة، كما لو أن اللوحة الحقيقية الآن هي خارج النافذة في هذا المطر الغابي الذي جعلته لوحة" الصرخة" للرسام النرويجي أدوار مونش أكثر وحشية وضراوة، حتى بدا أنه مطر أسطوري معتق.

تحت هذا المطر جاءت يوما سيارة مارسيدس يقودها علي سبتي وتوقفت أمام مستشفى ما في صحراء بعيدة لتحمل جنازة السياب وتنحدر نحو البصرة بهدوء في يوم شتائي ماطر، ماطر على نحو شرس، وهو ينهمر فوق الواجهة الزجاجية الأمامية، حتى توقفت السيارة عند مسجد في الحي القديم، ثم انعطفت لتواصل المسير نحو مقبرة سيد التابعين الحسن البصري في الزبير( المقبرة نفسها التي رفض فان كوخ أن يدفن فيها حسب الوصية) يرافقها ستة أشخاص لا غير، تحت مطر صار مداريا، وحشيا، يضرب وجوه المشيعين بقسوة وتحت سماء رمادية بلون ظهر ذئب.

قبل أن تنعطف السيارة نحو المقبرة، كانت قد مرت بساحة أم البروم، وفي الساحة وهي مكان تجمع عمال البناء الفقراء، انسكبت فوقها ظلال طرية قوية حادة، قبل أن تنحدر نحو المقبرة منزلقة بهدوء مريب يشبه موكب جنازة رجل مجهول أو مهمل مات في دار للشيوخ، وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل محمد خضير يمزج بين عدة جنائز في آن واحد:(جنازة صموئيل بيكت يتبعها ناشره وعدد قليل من الأشخاص، خرجوا بها من دار لرعاية الشيوخ استقر فيها المؤلف في أخريات سنواته، تسبقها جنازة باسترناك المتقشفة استخرجها أصفياء الشاعر ـ الروائي ـ من معتزله في بردلكينو، تمتزجان بتابوت السياب الهابط على ساحة أم البروم ذات شتاء. ثم تخلف عن مزج الصور الثلاث واحدة تمثل العبور الجنائزي الأوفيلي لنص أدبي مغترب ينساب تحت أبصار استراجون وفلاديمير اللذين ينتظران غودو تحت شجرة حور على حافة الجبانة المعاصرة لقلعة العباقرة. ولعل جنازة بيكت أعظم إنجاز في حياته التي يعرفها الاختصاصيون أكثر مما يعرفها هو. وهي الحياة نفسها التي اشمأز منها جان جينيه حين عراها سارتر. لم تكن إلا قداسة بشعة).

ليس هناك أي إكليل للزهور في مقبرة الزبير، ولا موسيقى وداع جنائزية، الأمر الذي سيحصل كذلك من بعد مع حسين مردان ومع الحصيري الذي كان أكثر من نصف( كي لا أقول جميع) مشيعيه هم سكارى حتى أن أحدهم هو المخرج والشاعر خليل عبد الواحد كان يلكزني ونحن في المقبرة وبعد ساعات في الطريق:( قل لي أرجوك من هو الميت فينا! ).

وفي منتصف الثمانينات يخرج خليل عبد الواحد بعد منتصف الليل من بار في بغداد ويستأجر سيارة إلى منزله لكن يعثر عليه منظفو الشوارع في الفجر مقتولا عند عتبة الدار بهراوة نزلت عليه من الخلف. ويتساءل أحدهم بحيرة( من هو الميت؟).

 لكن إكليل الزهور الذي وضع على جنازة باسترناك، في يوم صيفي، قد يكون ترفا غير متوقع بعد تلك الغيوم السوداء التي تجمعت فوق رأسه قبل أن ينقل إلى المقبرة بكفن مفتوح حسب التقاليد، وخلفه عدد من المشيعين من الأصدقاء ومن الريفيين الذين أحبوه، ليدفن تحت شجرة صنوبر عتيقة على هضبة تشبه هضبة ريلكه التي قال عنها( لنا فيها ذكرى الأمس) وعلى موسيقى شوبان الجنائزية دفن باسترناك وتم حفر أسمه مع مقطع من قصيدة له بعنوان" هاملت" من مجموعة أشعار ملحقة برواية" الدكتور زيفاكو":

"الحياة ليست نزهة في الحديقة".

 مطاردا الشمس والضوء والحقول والكروم والفراشات والهواء الصافي والأشياء المتروكة والمنسية كنبي أعزل، كان فان كوخ يجول في ساحات وحقول بلدة ارل جنوب فرنسا، وهي بلدة منعزلة على شاطئ لا زوردي مفعم بالنور والبحر والرمل والحقول والزرقة المفتوحة لسماء كبراري طليقة.

  المنزل الأصفر الغارق تحت المطر الوحشي الآن والذي يرى عبر نافذتي يشبه إلى حد ما منزل فان كوخ في ارل لكن الصفرة هنا ليست كالصفرة هناك مشعة ذهبية محترقة متوهجة كرغبة دفينة مضيئة بضوء مقدس خفي.

 قال لي مرة صاحب المنزل وهو صياد عجوز على ما يبدو أو متقاعد يهوى الصيد يوما:( أحب رؤية منزلي بهذا اللون من بعيد عبر الخليج من وسط الماء كأنه راية معدة لاستقبالي).

 أما منزل ارل أو" المنزل الأصفر" وهو عنوان لوحة لفان كوخ، فقد اشتراه من السيدة ماري جينو صاحبة مقهى المحطة في شارع لامارتين، واعاد ترميمه واعده لزيارة صديقه بول غوغان.

 هذه العجوز التي خجل فان كوخ من الجلوس أمامها ورسمها لولا دفع غوغان لأنه يخجل من النساء الجميلات، هي التي قال عنها البروفي ماريا فارغاس لوسا مايلي:( المرأة الثمانينية اللطيفة التي تدير فندق تيرمينوس فان كوخ، في ساحة لا مارتين، والتي توصلت إلى تفاهم رائع معها خلال نصف الساعة التي جلستها على هذه الشرفة المشمسة، تروي لي، على سبيل المثال، مغالطات بديعة وممتعة حول البيت الأصفر، أتظاهر بأنني أصدقها بحذافيرها، وفجأة على شرف الصديقين الذين شرفا هذه القطعة من الأرض، أتناول كأسا من الأفسنتين. لم أتذوق من قبل قط هذا المشروب ذا النسب الرومانسي والحداثي الشهير، الذي أغرق فيه همومه كل من فرلين، وبودلير، وروبن داريو، والذي كان يشربه فان كوخ وغوغان كما لو أنه ماء.

 كنت أتصوره شرابا كحوليا اكزوتيكيا، ارستقراطيا، له لون أخضر إسهالي، ومفعول باعث على الجنون، لكن ما أحضروه لي كان مستحضرا سوقيا. فالشراب الرهيب له طعم نعناع وسكر معدان علي يد صيدلي، وعندما دفعت به إلى أحشائي، على الرغم من ذلك سبب لي الغثيان. وهذا دليل آخر على أن الواقع المبتذل لن يصل أبدا إلى مستوى أحلامنا وتخيلاتنا).

 وفندق التيرمينوس هو نفسه المنزل الأصفر الذي زال من الوجود بعد قصف الحلفاء في 25يونيو 45، وهو اليوم هذا الفندق الصغير والجميل، وهو ملك العجوز ماري جينو شاهدة العيان على بناء المنزل وتحوله إلى مرسم الميدي، أي مرسم الجنوب، وضحية له. وماذا يهم من يروي الآن هذه الحكاية أنا أم ماريا فارغاس لوسا "مادامت اللعنة التي حلت بنا واحدة" بتعبير بورخيس؟

 من أمام المنزل الأصفر مرت يوما، تحت المطر، جنازة أخرى لمحمود البريكان، عبرت ساحة لامارتين، وحاذت ماخور راشيل، وتخطت محطة القطار التي ركب منها غوغان للمرة الأخيرة بعد حوادث عيد الميلاد المشؤومة، يتبعها بودلير، يسنين، رامبو،ميشيما، همنغواي،سيلفيا بلاث، رينيه كرفيل، السياب، كواباتا، فيرجينا ولف، كامو، أدغار الان بو، عزرا باوند، شايكوفسكي، خليل حاوي، ديستويفسكي، بول سيزان، جكر خوين، وفي الصف الأخير رياض إبراهيم الذي سيموت بدوره، شبه قتيل، على تخوم نينوي وهو يحاول الهرب، وخلف جنازته حفنة من الأعراب من عابري السبيل توقفوا حين مرت بهم الجنازة وفوقها لوحة" الصرخة" لأدوار مونش وهي تعكس غيوما حمراء بلون الدم، أو لون القتل، أو لون الفضيحة الصامتة.

 عبر نافذة في المنزل الأصفر الواقع في زاوية الشارع، وخلال المرور الشبحي للجنازات الذي لا ينقطع، يقرأ شخص ما لا يرى في كل مرة هذا المقطع بصوت هادئ، نبوي، ديني:( يبدو لي أنني مسافر كتب له أن يلعب دورا). ولاشك عندي أنها رسالة فان كوخ إلى شقيقه ثيو وضعها الان رينيه كمقدمة لفيلمه عن فان كوخ.

 وفوق البلدة، من جهة سان ريمي، يشرق قمر أشقر غير مكتمل عبر غيوم زرقاء، قال عنه العالم الفلكي اولسون: إن لوحة" شروق القمر" لفان كوخ رسمت في 13 يوليو 1889، وفي الساعة التاسعة و8 دقائق، وهي فترة وصول القمر إلى سان ريمي. لم تكن هناك ذبذبات غريبة تلك الليلة، حيث أن القمر يتماشى مع الجبل في الليلة التي تسبق ليلة 13 أو تليها، ولهذا تمكنا من تحديد يوم رسم اللوحة بالمكان والزمان. وهذا يعني أن فان كوخ كان يرسم مباشرة الأشياء لكن ليس هناك شيء مؤكد في هذه الحياة. ويتساءل عالم آخر هو براشير: هل قام كوخ بتغيير موقع القمر؟

 وهذا القمر هو الذي ينزلق الآن، هذه اللحظة، فوق المنزل الأصفر، وفوق أحجار شارع وساحة لا مارتين، ويدخل غرف نوم ملوك الليل المنفيين وهم يتأملون الضوء الأشقر النازل على أعمدة النور على نحو ثقيل كأكاليل زهور الموتى.

لاشيء يبقى على حاله، فهذا البيت الأصفر في ارل، يقول ماريا فارغاس لوسا:(لم يعد له وجود ـ الوجود المادي الزائل وليس غيره كما أقول أنا! ـ بعد قصف الحلفاء، وأقيم هناك الآن، في موقع البيت، فندق صغير. صاحبة النزل وهي عجوز متيقظة في الرابعة والثمانين، تعرض على الزبون الفضولي صورة فوتوغرافية لحالة الدمار التي وصل إليها المحل بعد سقوط القنابل. أما محيط المكان بالمقابل فلم يتبدل كثيرا.

ساحة لامارتين باقية هناك، فسيحة ودائرية، مع أشجار الدلب الضخمة المثقلة بالخضرة عند" بوابة الفرسان" وهي إحدى البوابات التي كانت تخترق سور المدينة القديمة ومازالت على حالتها التي كانت عليها أزمنة فان كوخ وغوغان. كما لم يتبدل كثيرا المشهد الروداني الذي يمتد ببطء ومهابة، على بعد أمتار قليلة من هذه الشرفة( شرفة المنزل الأصفر) محتضنا خاصرة الدرب الروماني.

أما ما اختفى من الوجود فهي ثكنة الدرك الصغيرة ـ حل محلها مخزن مونوبريس " السعر الموحد" ـ كما اختفى كذلك ماخور مدام فيرجيني، الذي كان يدعي آنذاك بيت التسامح رقم واحد، واليه كان الصديقان يذهبان، خلال تلك الشهور التي عاشاها معا، مرتين أو ثلاث مرات كل اسبوع، وكان فان كوخ يذهب دوما إلى الفتاة نفسها المدعوة راشيل، وقد هدم أيضا زقاق الخطيئة الذي كان الماخور فيه، من أجل شق جادة فسيحة. لقد كان هذا المكان فيما مضى حيا بائسا جدا خارج الأسوار،يغص بالمتسولين، وبنات الهوى، وحانات الحثالات البشرية، لكن مستواه ارتفع خلال القرن وبعض القرن المنصرم، وصارت تسكنه الآن طبقة وسطى متحفظة).

الآن، هذه اللحظة، لا شيء يسمع غير صوت خشب الصنوبر المشتعل داخل المدفأة، وصوت المطر في الخارج، وهو يضرب منزل الصياد العجوز المنعزل، وصوت الريح وهي تعبر بين الأشجار، وصوت عجلات سيارة نقل الموتى السوداء ترى خلال نافذتي وهي تنزلق عبر الشارع الخاوي بهدوء مثير وصليبها يلمع تحت المطر كيد ممدودة من تحت الأرض، ربما تمضي نحو مقبرة سيد التابعين الحسن البصري في الزبير أو أي مكان آخر، وعلى جانبها المواجه لي ملصق كبير الحجم يقلد لوحة "الصرخة" لأدوار مونش: مخلوق بشري يضع يديه حول فمه ويصرخ بقوة وعنف وذعر.

 ليس سوى المطر الوحشي ينهمر فوق الشارع.

             * بداية: آب 2003  اورستا

  

 
                      العودة للصفحة الرئيسية