|
هذا ليس كتابا بل حشرجة طائر ذهبوا لتخريب عشه فلم يجد بين يديه
قوة غير الصراخ والهتاف والتحذير وقذف الرماد على الوجوه.
لا تقلع طائرة من بحر أو قاعدة إلا وكان هذا الكتاب خلفها او
قبلها أو بعدها، ولا تسافر بارجة حربية ولا ينعقد مؤتمر ما
لتقاسم الغنيمة إلا وكانت هناك صرخة أو مقالة أو أظافر مغروزة في
عمق الأرض والوجدان والساعات.
نوع من السباق لوقف المذبحة. نوع من صلاة العاجز أمام وليمة
القتل. نوع من البكاء النظيف في محفل الموت. نوع من النشيج المر
على وطن صار وليمة.
كم احتاج هذا الرجل من الدم والاحتضار والخنق والكوابيس والغصة
وارتجاج المخ والضغط والانهيار كي يكمل هذا الكتاب؟
هذا الكتاب كتب أو نزف بتعبير أدق تحت ظلال الحرب ورافقها من
مرحلة الاعداد والاستعداد حتى خروج الوحش من الغابة والى اللحظة
التي وزعت فيها الطائرات مخلوقات الغوريلا كي تستحم في شوارع
بلاد الرافدين.
كم احتاج هذا المؤلف أو الجندي أو الطائر من عذابات لكي يكمل هذا
الهتاف الاحتجاجي على جريمة قتل وطن؟ وكم تحمل من ظلم فادح من
قبل أحفاد يهوذا الاسخريوطي كي يكمل هذا النزيف المر؟
من يقرأ هذا الكتاب يعتقد ان هذا الرجل لا يملك غير الكلمة
سلاحا في وجه أهوال قادمة. لكن هذه الكلمة وان كانت لا تقوى على
وقف حشود الطائرات والجيوش والبوارج الحربية الا انها ،كما اثبتت
الأيام، الأدق، والأصدق نبوءة وشهادة على ما يجري اليوم.
لم يكن علاء اللامي يكتب هذا الكتاب( يوميات المجزرة "
الديمقراطية" في العراق) بل كان يكشف وينبئ ويستشرف حتى داخل
الضجة والغبار والازدحام وضياع العقل سواء من الذين خططوا للحرب
أو الذين هتفوا لها هتاف الحشرات للعق الدم.
والذين حاولوا حشر علاء اللامي في هذه المقالات، التي كانت تولد
بين يدي القراء في صحف ومواقع يوما بيوم ولحظة بلحظة على وقع
طبول الحرب، مبقعة بالدم والأمل والحزن والمطر والعجز والقوة،
وبكل ما يقتل ويبلبل، في خانات ( المع هذا أو ضد ذاك) تحدثوا عن
كاتب آخر غير علاء اللامي.
اخترعوا كاتبا صغيرا انتهازيا خائنا مراوغا وفصلوه على مقاسهم
وأحجامهم وتوجوه كمؤلف. ليس هذا هو الكاتب الحقيقي لهذه
المقالات. فهذا الرجل الطفل لا يصلح لمهنة الكتابة السياسية في
هذا الزمن العراقي الرديء لأنه لا يعرف كيف وأين يبيع ويشتري. هو
بارع فقط في خلق الخصوم لا لأنه مقاول أو صاحب عقار أو مالك
بنك أو مزرعة بل لأنه صاحب ضمير وهذه شناعة جديدة في هذا الزمن.
قلت له ذلك مرات وقال له أيضا آخرون.
ومن يريد أن يقرأ اللامي جيدا عليه أن يخلع ذاكرة العقل السياسي
العراقي بما فيه من أهواء وتراث حقير في التسفيه والوشاية
والانحيازات الصغيرة والخلافات العقيمة. وهذا محال إلا لقلة من
البشر. لذلك سيظل هذا الكتاب بحاجة الى قارئ. قارئ في حجم
الكاتب نفسه. شجرة صنوبر. أو طائر حزين يضرب الكون بجناحيه وهو
يرى المخالب هرعت نحو العش. قارئ يقرأ كطائر مفجوع بخراب عشه.
"أوقفوا هذه المجزرة".
يصرخ الكتاب، عصفور الرعب، كله بهذا الهتاف المر.
" البرابرة قادمون".
فلماذا مجلس الشيوخ عاطل؟ ولماذا هذا الازدحام؟ ولماذا هذا
الاحتفال؟والخطباء؟ ولماذا هذا الانتظار؟
هل لأن قدوم البرابرة هو نوع من الحل؟
هل هو نوع من الانقاذ من السأم ورتابة المشهد حيث لا يكفي قتل
أكثر من مليون ضحية في حصار الابادة؟
حين يسقط صاروخ على مصفاة الدورة مثلا، يقترح علينا هذا المؤلف
أن نكتب معا هذه القصيدة:
( تعالوا لنكتب القصيدة
عن هذا الكرسي الحزين
هذا الكرسي البغدادي الحزين
حيث كانت تجلس أمي
وتحدق بصمت
في الطائرات الأمريكية الأليفة).
هكذا يخجل هذا الرجل من أن يقف أمام العالم ويتعرى من بكاء
الرجال الكبار فيستدعي القصيدة، ويستدعي الأم كشاهد على مشهد
الجريمة. لماذا القصيدة ولماذا الأم علاء أمام الطائرات؟ وماذا
تنفع القصيدة والثدي أمام الغوريلا؟
أعرف تماما أن حضور هذه الرموز النظيفة في ساعة نحس وقذارة هو
منقذ من الجنون والوساخة، فحن لا نصير ملوثين بالحرب بل الحرب
تكشف وتعري وتفضح كالحب، كعبور الصحراء، كعبور النهر.
هذه الحرب عرتنا من ورقة التوت كما انها قتلتنا.
يخرج جنرال عراقي في الدنمارك هاربا بمساعدة المخابرات
الأمريكية، ويحتار البوليس الدنماركي بحثا عنه( هكذا قالوا!) لكن
الكاتب يسبقه،حتى قبل وصوله حشود القوات الامريكية بمقال عن(
الحصان الطائفي السعودي المجرم!).
يلتحق حصان آخر بحشود الغزاة هو الصالحي القائد السابق في فرقة
عسكرية وعضو فرع في الحزب الفاشي، فيركض المؤلف قبله بمقال( حصان
عسكري آخر يلتحق بغزاة وطنه!).
يا إلهي!
ماذا يريد هذا الرجل؟ لو كانت للكلمات قدرة الحجز والاعاقة
لاستطاع هذا الكاتب وقف حركة الكون والبوارج والطائرات وكل
الجنرالات والعقداء الملتحقين بحفل الغنيمة. لكن للكلمة، كما
لجناح طائر داهموا عشه، قدرة الصراخ، والتوقع، والاشارة،
والانذار، والأمل.
تسقط قنبلة في البصرة يصرخ هذا الرجل بعنوان عريض( دير ياسين في
البصرة)تتقدم الجيوش فيصرخ في مقال( المجزرة الكبرى لم تقع بعد
يا عبيد الغزاة) يلتحق ضباط صهاينة بموكب الغوريلا فيكتب هذا
العنوان( أربعون ضابطا صهيونيا يساهمون في غزو العراق)، وعلى
الجانب الآخر، جبهة العقل والفكر والتحليل، هناك مواجهات فكرية
سياسية مع خدم ورموز خيانة فكأن هذا الطائر لا يصرخ ويومئ ويشير
وينذر فحسب بل وأيضا يحلل ويشرح ويحاور.
كيف يستطيع هذا الرجل أن يتوازن وهو يمشي على هذه المسافة العصية
جدا، والضيقة جدا، والحادة جدا، بين المنطق وبين الجنون العارم؟
هذا الكتاب هو شهادة ووثيقة وسجل حار وصادق ونظيف لساعات من أدق
وأحرج ساعات الوطن.
كتاب عن مجزرة وقعت وأخرى قادمة. عن حرب وقعت وصيحة تحذير مبكرة
عن حرب أهلية قادمة. كتاب في السجال النظيف وفي الحزن. شهادة
على مجزرة مضت وصرخة مبكرة لطائر البطريق عن عواصف كثيرة في
الطريق.
علاء اللامي عاش هذه الحرب ثلاث مرات كطائر البطريق الذي يعيش
العاصفة 3 مرات: مرة قبل هبوبها حين يشعر بها في الدم فيصاب
بالتشنج، ومرة أخرى حين تهب، وثالثة بعد العاصفة.
أي أنه يحتضر ثلاث مرات: مرة قبل العاصفة وأخرى خلالها وبعدها.
وكم من كوابيس واحتضار وأحلام ورؤى في تلك الفاصلة من الوقت بين
العاصفة وبين الرماد؟
إن هذا الكتاب لا يغري بالقراءة فحسب، بل يغري بالموت: الموت
البطولي الجميل على حافة وطن كل شيء يباع فيه الآن حتى الأنقاض
وهذا بالضبط ما أراد هذا الكتاب الفجيعة أن يقوله قبل الحرب
بسنوات وشهور وايام وساعات ولحظات وبعدها.
حتى الهزيمة في هذا الكتاب هزيمة باسلة لأن الكاتب دخل في صراع
الوحش والمجزرة وقوى الدمار وهو مسلح بالأظافر.
إنه الفشل البطولي لسانتياغو بطل رواية( الشيخ والبحر) لأرنست
همنغواي الذي دخل في صراع مرير مع قوى البحر واستنفد كل طاقته
حتى وصل الشاطئ بتلك السمكة الهيكل العظمي التي قاتلت هي الأخرى
ببسالة حتى الموت والفناء.
وهزيمة البحار الباسل أمام الوحش، تشبه هزيمة خشب الصنوبر في
النار: أنه يتلاشى لكنه يضوي.
فهل كان قدوم البرابرة هو الحل؟
وهل ارتاح الآن مجلس الشيوخ؟
نعم
لقد أنقذتنا هذه الحرب من رتابة الساعات البطيئة.
كانت تسوية مفيدة من الضجر لبعض الأنواع من الكائنات.
وكانت ضحكا وفرحا لآخرين.
لكن غدا أو بعد غد ماذا سيحدث لو عاد البرابرة من حيث أتوا؟
بأي شيء نتسلى؟
هذا السؤال أجاب عنه الكتاب تلميحا أو ضمنا أو صراحة:
إن الحائط والرصاص والخونة والأيام
بيننا! |