الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 
 

      كل شيء مؤقت في الوطن الوليمة

  كي نفهم لغة الاحتلال، يتطلب الأمر معرفة واسعة ودقيقة وتفصيلية بالتنجيم والسحر والهلوسة وكافة عقاقير الذهول والشطح، كما أنه يتطلب عودة إلى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها بريطانيا في السيطرة على الشعوب ونوع الوعود القرمزية التي يعلنون عنها لدى احتلال الدول وتصرفاتهم على الأرض، وهذه العودة لا تحتاج  سوى تشغيل الذاكرة القريبة كي نعرف ماذا ترك هؤلاء خلفهم من شعوب وماذا تركوا من ويلات.

كل شيء في قاموس الاحتلال يأخذ معنى غير المعنى الحقيقي المعلن، كما لو أن كاتب خطابات المحتل يكتب رسائل غرام مغشوشة ملفقة للإيقاع بفريسة حائرة بين زمن دموي مضي وزمن لا يقل عنه دموية قائم اليوم.

وفي لغة وقاموس المحتل مثلا تسمى عمليات إرهاب الناس في بغداد لوحدها وإجراء تفجيرات منتصف الليل أو عند الفجر وأكثر من خمسة ملايين في حالة نوم تعس، تسمى تفجيرات متحكم فيها!

بهذا التعبير الشاعري القانوني العسكري البريء في الظاهر يجري تسويق هذا العمل الارهابي شبه اليومي وممارسة الرعب الدائم على شعب أعزل وتشويه الباقي من أطفال سوف تمتلئ ذاكرتهم مرة أخرى بهذا النوع من العنف الوحشي.

لكن هل يستطيع خبير الإرهاب ومسؤول سلطة الاحتلال في العراق وجنرالاته ان يقوموا بتفجيرات متحكم فيها في عاصمة أوروبية أو أمريكية وعلى هذا النحو المتواصل؟ بل هل يستطيع هؤلاء جميعا إزالة شجرة أو قتل ذئب في غابة محمية أو تجويع خيول برية أو اطفاء الضوء أو حتى طرق أبواب مستشفى آخر الليل دون ان يذهبوا إلى السجن؟!

إن تفجيرات بهذا الحجم المدوي والعاصف في عاصمة مزدحمة وجريحة وفوق رؤوس شعب لم يخرج بعد من دولة الموت والسحل، هو عملية مبرمجة لقتل روح الطمأنينة في نفوس الناس وجعلهم، إضافة إلى قتل ( المشتبه بهم!) يواصلون رحلة الهلاك ولكن هذه المرة على موسيقى أخرى.

وحكاية ( قتل المشتبه بهم) هي الأخرى واحدة من مفردات قاموس الخداع الكبير والحيلة والعصابة لأنه لا يوجد في العالم، بما في ذلك العالم الأمريكي، ولا حتى في أخلاقيات عصابات تكساس، قتل المشتبه بهم ، أي بالجملة، كأن موتنا ـ مثل حياتنا ـ بلا قيمة من وجهة نظر سلطة التحرير!

وإذا كان التفجير المتعمد هو دراسة ميدانية على الأرض لأسباب يقولون أنها عسكرية، وهذه هي كذلك من حيل القاموس، فإن قتل المشتبه بهم هي أيضا دراسة ميدانية تجريبية على أجساد الناس حتى لو ظهر أن هؤلاء المشتبه بهم أبرياء لأن القتل، وهذه مفردة شطارة أخرى في قاموس الارهاب التحرري، تم في ظرف مواجهة أو سوء تقدير أو تقاطع نيران مع مسلحين، كأن هذه النيران لا تتقاطع إلا على أجساد العراقيين التي صارت ميدان رمي !

ومن مفردات قاموس الخداع ـ التحرري ـمفردة تسليم السلطة للعراقيين قريبا، لكن، تصوروا، بعد الانسحاب من المدن كي لا نخدش مشاعر العراقيين، ونقيم قواعد عسكريةثابتة أشبه ما تكون بمدن سيولد فيهاجيلأمريكي قادم!

بهذه البساطة يسمى الاحتلال الطويل والدائم تسليم سلطة بعد انتخابات صورية بلا أدنى شك. أي ان الإعلان الدائم عن تسليم هذه السلطة( وسنرى لمن تسلم السلطة؟!) هو في الحقيقة وفي اللغة الدقيقة تحويل العراق إلى مستعمرة أمريكية مغلفة بقاموس مضحك لكنه خطير.

ليس ذلك وحده ونحن نحاول هنا فضح أهم مفردات هذا القاموس وهي كثيرة جدا،ومرنة جدا، وقذرة جدا، بل هناك تعبير آخر يبدو مقبولا في الظاهر لمن يحسن الظن، يقول أن الدستور العراقي الأخير هو دستور مؤقت. بمعنى أن محاولة جس نبض الناس وترك فسحة للتقدم أو التراجع، وتجريب كل أنواع المشاريع السياسية الخطيرة يمرر عبر كلمة: مؤقت.

وهذه الكلمة تتكرر كثيرا: سلطة مؤقتة، مجلس مؤقت، احتلال مؤقت، فقدان الأمن مؤقت، حكومة مؤقتة، مقاومة مؤقتة، أزمة اقتصادية وبطالة وتهميش قوى حية كله مؤقت، فلماذا لا تريدون حرية الموت التدريجي المؤقت؟!

حتى إهانات الحكم المدني( لا حظوا التسمية القانونية!) لسلطة الحكم المؤقتة وتهديدهم بالحل والطرد، والصراخ في وجوههم كما حدث قبل أيام ( أين قواعدكم على الأرض؟!)، حتى سطل الماء الآسن على رؤوس هؤلاء يتحول في هذه اللغة العجيبة إلى نصائح!

في القاموس الإجرامي هذا تتحول مداهمة بيوت العزل بدون شروط قانونية ولا إنسانية إلى بحث عن إرهابيين، كأن دخول منازل الناس عنوة وبصخب ليس إرهابا أو جريمة؟ وكلمة البحث عن إرهابيين هي الأخرى كلمة مزيفة: فمن يدعي اليوم، وقوانين العالم تؤكد،أن حق الشعوب في مقاومة الاحتلال بوسائل مسلحة هو إرهاب؟ إلا في قاموس الخداع الكبير.

وقاموس الكذب والتلفيق هذا ليس جديدا لا علينا ولا على الشعوب التي عانت من هذا المحتل: ولا يحضرني هنا الاسم الشاعري الذي أطلق على عملية إلقاء القنبلة الذرية على مدن اليابان وهو يشبه كلمة الشمس أو الحرية أو حقل الأزهار البنفسجي!

حتى خلال فترة الحصار الظالم الذي كان ولا يزال جريمة بحق البشرية ووصمة عار في تاريخ هذه الدولة المارقة، كانوا يسمون إطلاق نيران مقاومات أرضية عراقية على طيران يسرح ويمرح ويقتل، بحجة ظهر بلا شك أنها كاذبة، أي أسلحة الدمار الشامل، بالاعتداء على طيران الحظر الجوي!

أبعد من ذلك ذهب وزير الدفاع الأمريكي والشاعر الرقيق الذي نشر قصائده على أجساد العراقيين أمس واليوم حين وزع ولا يزال عليهم حلوى الموت من الطائرات والمدافع والقنابل التي لا أحد يعرف لغزها حتى اليوم، إلى القول، خلال أيام الحرب، بأن العراقيين خرقوا القوانين الدولية لأنهم يقاتلوننا بملابس مدنية!

لا أدري لماذا قاتلوه بثياب مدنية هو السائح الأنيق المعبأ بحاملات الطائرات والصواريخ العابرة للقارات والأخلاق وكل قيم الإنسان عبر العصور حتى الأسنان؟!

أما السرقات والاختلاسات المتواصلة وبيع مؤسسات الدولة نهارا جهارا، وعقد الصفقات بدون حسيب أو رقيب، فتسمى في عرف هذا القاموس الملفق تجاوزات!

وفي هذه المفردة الأخيرة يتساوى في القانون المؤقت طبعا من يتجاوز خط المرور في شارع، ومن يتجاوز معدل الإنتاج النفطي حتى ( تجاوز) معدلات قبل الحرب!

وتعبير تجاوزنا معدلات الإنتاج السابقة يبدو لأول وهلة تعبيرا مفرحا، مبهجا، لكن عند التدقيق في أسباب الحرب وعوامل باتت معروفة، وفي ظل غياب الدولة والرقابة، ومؤسسة حاكمة منتخبة، فإن المعنى الدقيق لهذا التعبير هو قطعا: مواصلة النهب بأسرع وقت ممكن!

وأحد التعبيرات المضللة الأخرى هو تعبير تغيير المناهج لكي تنسجم مع الحداثة: والمعنى الدقيق المختفي خلف هذه الجمل البراقة المزورة هو إلغاء الهوية الوطنية،كأن الرعب بالتفجيرات المتحكم فيها لا يكفي، وقتل المشتبه بهم، ومداهمة البيوت، وسرقة الثروة، ووضع الوطن تحت وصاية طويلة، محمية مجانية مشاعة، كل ذلك وغيره ليس كافيا في عرف هذا القاموس الذي أنتجه المحتل وحمّله على ظهور مخلوقات ممسوخة محلية هنا وهناك تحتاج إلى سنوات طويلة من حداثة حقيقية كي تصل إلى مرتبة الحمير!

 
                      العوده للصفحة الرئيسية