الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 

وليمة قتل الأعزل

 

الأستاذ  عبد الإله الصائغ

تحية حب

خبر سعيد هذا الصباح هو رسالتك المفتوحة التي وصلتني كما يصل طيف أخضر إلى قلب محتضر، أو كما يصل طائر إلى عشه القديم، بعد أسفار وبحار وضباب ومصائد، أو وصلت كما يصل جواد جريح إلى مكانه، أو كما تصل جنازات العشاق متأخرة عن موعد الدفن، أو كما يصل أمل، ولو في آخر اللحظات، إلى غرف المشنوقين في الفجر.

 

هل تعرف أحزان المشنوقين في الفجر أو المقتولين رميا بالرصاص؟ أنا رأيتهم أكثر من مرة. مرة في ميدان الكوت في أواخر كانون الأول 87، وقد تم توزعيهم على وجبتين( كانوا عشرين وردة!) ومرة في ميدان رمي أم قصر حين أعدموا الجندي محمد علي الجابري من أهالي "الحي" في موقع وحدتي العسكرية، وكان قد فرغ من صلاة الخوف توا، وهم يتشاجرون أمامه: الضابط مع جنوده لأنهم نسوا كيس الرأس. وكان يصلي ويسمع ويرفع يديه إلى سماء بلون الرصاص.

 

وكيف لا أستطيع أن لا أرد على تحيتك؟ من يقاوم إغراء الرد على تحية ضمير حي متجول، أو ضوء نجمة، أو دمعة غريب على رصيف منفى، أو عري نقي لشجرة عراقية مقتلعة من أرضها وقبل أن تتحول أشجار العراق اليوم إلى جواري؟.

 

وكنتُ طوال هذه الفترة الرمادية التي تساوى فيها الدمع والحبر، الكحول والماء، من يبكي ومن يضحك،الشامت بالخراب، والمتألم منه، أحاول أن أغوص عميقا في جذور هذه الأزمة( وهي قديمة لاشك قدم الخوف!) خاصة بعد أن أغلقت وتد المنزل وخيمة العائلة وحزام ظهري وزوجتي وحمال نعشي الوحيد في هذه الجزيرة النائية الهاتف وحذفت عناوين بعض مواقع مخصصة لنرجسية مريضة، أو لإثبات ذات متورمة فارغة، غير قادرة إلا على إشاعة الحقد والزور والرياء والضغينة، وملأت ثلاجة المنزل بكل ما يقود إلى الجحيم، تقليدا لسلوك دومنيك وتد منزل غابريل غارسيا ماركيز حين يعكف على عمل  روائي( أعمل على روايتين في وقت واحد وليس عندي  غير وقت قليل وقد أضطر للنزول إلى الشارع كما  يقول الروائي اليوناني كازنتزاكي كي استجدي الوقت!).

 

لكن صوتك أخرجني من هذه العزلة، كصوت مؤذن كوفي، هادئ وعميق، رصين حتى شعرت أني أمام قديس محاصر يحمه ملاك: هو العقيد العزيز رياض  بخبرته الأمنية، ومن حسن الحظ أنه معنا ذخرا للمستقبل لأن المعركة طويلة ونحن أمام نفس الحاكم/ نفس المعركة، وأنت تعرف أننا نسقط صرعى في أول فخ أو كمين أو شباك حين نعود إلى المنزل آخر الليل، سكارى وما هم بسكارى، نستنجد بالمارة كي يدلونا على باب الأهل!

 

ومرة حدث أني وجهت دعوة لصديقي العريق رزاق إبراهيم حسن الذي تعرفه جيدا (وقرأت ما كتبته عنه) مع الصديق الملعون زهير قاسم( شقيق رياض، وابن عم زهير الجزائري) لزيارة بيتي، وحين دخلنا الشارع نسيت منزلي، وكنا خارجين من الذهول، والصحو الأزرق، فطلب مني زهير أن أسأل عن بيتي. فقلت له: ولكن ماذا سأقول؟!

 

صوتك أخرجني من عزلتي، كما يخرج مرور حسناء راهب الدير من عزلته الجبلية، أو كما يخرج رمش اسود صوفي العزلة  من لحظة وجد، وتوحد، أو كما أخرجني مرة صوت صديق محذر من كبسة حين كان يقف على الباب في شارع هوى( كما وقف يوما لوركا حارسا لبابلو نيرودا على سطح عمارة وهو في لحظة خاصة مع معجبة!) أو كما يخرج سجين صوت وردة!

 

للوردة صوت كما أن لها عطرا، كما يحلو لصديقنا الشاعر الفرنسي رامبو أن "يشوش الحواس" فيجعل الشم يسمع، والأذن تشم، والأصابع ترى. أنا أيضا، دون الحاجة لتقليد هذا الشاعر المسكون بالقلق والحب والجمال والأمل والفرادة والدهشة والعزلة، أستطيع أن أرى بأصابعي، واشم الهواء بجلدي، وقد تعلمت ذلك من زيارات  الأضرحة، يوم ربطت على شباك قمر بني هاشم ليلة واحدة وأنا أردد في المنام " إن قدوم البرابرة هو نوع من الحل!" وبعد ذلك قالوا لي أن هذا  قول الشاعر اليوناني كافافيس.

 

هناك من يريد جرنا، قبل الحرب وبعد الحرب، قبل المذبحة وبعد المذبحة، قبل الحصار وبعد الحصار، في المرحلة الفاشية وبعدها، قبل الاحتلال وبعده( لاحظ تاريخنا القرمزي!)، قبل الحرب الأهلية القادمة" القائمة فعلا الآن ولا أدري كم يجب أن يقتل كي نشعر بخطر؟!" وبعدها، من يحاول جرنا إلى معارك في مثل قامته، وإلى مساحات صغيرة لا تصلح سوى للأقزام، ووطننا يحترق بالمعنى الحرفي، ولأن معارك الكبار، معارك الثقافة والسياسة والأدب والنقد والحوار والحداثة تحتاج إلى مؤهلات وكفاءات وتجارب وهي مع الأسف غير متوفرة إلا في نماذج قليلة تضيع في هذا الزحام والضجة والجعير والتناسخ والتشابه حتى تشابه علينا البقر، لأن المشهد موظف تماما لحفل الزور( أمس فقط نصحني صديق خبيث أن اقرأ ما كتبه احد هؤلاء عن نفسه ويا هول ما قرأت. كتب عن نفسه  ما يلي: عضو في إتحاد الأدباء في العراق/ وعضو في إتحاد الكتاب العرب/ وعضو في إتحاد أدباء النرويج/ وشاعر وناقد وروائي عنده تحت الطبع، وتحت السرير، وتحت اللحاف، وتحت الثلج، وتحت اللحد، وتحت أنف من يقبل أو لا يقبل، عنده رواية تحت الطبع  بعنوان" الحياة في القلعة الرومانية" لن ترى النور بعد عشر سنوات ضوئية لأنه بكل بساطة كذب وسخرية من الناس).

 

ولو لم أعش في النرويج وأعرف شروط الانتماء إلى اتحادهم الأدبي لكانت هناك حكاية مختلفة. فلماذا تستغرب مني حين أشق الزيج؟ وأكسر المجرشة، وأدخل المقهى ليلا وأنا أغني عن عزاوي والمدلل الزعلان؟!وهذه الأيام عرفت معنى الأغنية العراقية الرومانسية التي تنتمي إلى أغاني الغجر التي تقول: حمدة  زعلانة وما تلبسك يا لباس ياوللللللووووووو!

 

ومن يقرأ ما  كتب خلال هذه الفترة، قبل الحرب وبعدها، وأنا كما قلت لم أعد أقرأ إلا ما ندر بسبب حصار الناقة، والوتد، وحزام الظهر، وآخر دمعة على جثة الأعزل( موت ليل ودفن غبشة!) يتصور أننا  شعب من الملائكة والرهبان  ومؤسسة لا تخرّج إلا الأنبياء.

 

الجميع كانوا مناضلين في العراق وخارجه، في ساحات الوغى، أو في حانات الهوى،في مراقص منتصف الليل، أو على علب الكوكا.

 

ولا أدري إذا كان عندنا فعلا هذا العدد من الثوار والانقياء والأبرياء والمناضلين، والكحولكيين، والمثليين، والثوريين، كيف إذن استطاعت هذه السلطة الوحشية أن تعيش كل هذا الزمن الطويل، وأن تحولنا إلى قطيع هائم في البرية كقوم موسى؟!

 

 إذن، من الذي كان يشنق؟

من كان يجهز الحبال؟

من كان يسجن، ويجلد، ويحمل القتلى إلى المقابر، أو الصحارى، أو المزابل، أو مطاحن الثرم؟

 

من الذي كان يطارد الناس في الداخل والخارج؟ من كان يحرض عليهم" بدافع من ضميره" شرطة لندن لسجنهم حتى في المنافي، أو يتهمهم بجرائم قتل وهمية( أحد هؤلاء وهو دكتور موسكوف احمد النعمان ـ نعمان معناه الدم! ـ كتب عني في موقع " كتابات" أواخر تشرين أول وتشرين الثاني وكانون الأول مجموعة من المقالات محفوظة ومؤرشفة وصلت حد اتهامي بجريمة قتل امرأة في النرويج. ويقول حرفيا في واحدة من هذه التي تسمى في بعض مقاهي السذج مقالات: أنه يعجب كيف أن هذا القاتل لا يشعر بوجع ضمير؟!

لكنه وعد، في مقال آخر: إن البوليس الاسكندنافي سيقبض عليه، أي عليّ، لأن العدالة في هذا البلد، النرويج، متوفرة!

 

هل تلومني أيها العزيز الصائغ لأني أشق الزيج من الطول للطول، ورش التراب على الوجه، وأكشط التبليط بأظافري، كما يفعل معيدي في وداع موتاه؟!

 

وأنت تعرف " حزن المعيدي" . إنه حين يحزن لا يأكل ولا يشرب. وحزن المعدان مشهور، ومرة هنا في "أورستا" كنا على موعد مع السيدة كارينا في المساء، ناقتي وأنا، لأنها الوحيدة التي تتكلم الفرنسية مع زوجتي، لكنا انتظرنا فلم تصل. وكانت في تلك اللحظة بالذات تحتضر في تواليت كازينو بعد أن أكلت كمية كبيرة من الحلوى رغم تنبيه الأطباء، وفي المقبرة( كآبة الدفن تحت الثلج!) كان الجميع يتبادل التعازي همسا، أو بالملامسة على طريقة الرابوت، لكن المعيدي القديم الرابض تحت الجلد، وفي الدم، شق سكون المقبرة، وحاولتُ الدخول في القبر وسط ذهول أهل كارينا والأصدقاء والمعارف الذين نسوا الدفن وانشغلوا بهذه المصيبة التي حلت على رؤوسهم.

 

 وأتشرف أن أقول أنني أنا حمزة الحسن ولدت على كدس تبن، راعي الجاموس في براري الصويرة، الأعزل، اليتيم، الفقير، الذي ذهب إلى المدرسة لوحده، وعاش لوحده، وسيموت لوحده، كنت وسأظل وفيا لتقاليد المعدان، وكل تقاليد رعاة التاريخ، بما فيها من براءة وبساطة وعفوية وجمال وغضب.

 

هذا هو لغز غضب المعيدي: لأنه لا يعرف الحيلة، لأنه بسيط كشلال، لأنه مباشر كرصاصة، لأنه سلس كماء النبع، لأنه واضح كالبرية، لأنه ليس ماكرا. يغضب علنا. يفرح علنا. فكيف يجد مكانه في عالم عراقي يحتفل اليوم بكل ما هو دجال وعفطي ومشوه؟!

 

هناك من لا يريد أن يكون وحده في نسيج البشاعة، وخارجه برئ واحد. هناك من يريد دمج الجميع في نظام القبح العام لكي يكتمل المشهد. الأعزل والنظيف والوحيد وغير الشبيه هو قوة تهدد لنظام القبح والبشاعة والجريمة. لذلك حاولوا مرات لا حصر لها جري إلى نظام العاهة ودمجي فيها كي تكتمل وليمة قتل الأعزل. وفي كل مرة أقول: إن هذا هو آخر كلاب الأثر، فيظهر كلب جديد في منعطف ما، في موقع، في ماخور، في زمن، في حرب. كل الحروب تنتهي إلا حروب الأعزل. ومشكلة هؤلاء هي أنهم لا يعرفون أن الروائي غير السياسي. الأخير يسقط بعطسة أو نفخة أو حملة تشهير فورية تطبخ على عجل في نيوكاسل أو موسكو أو بغداد. لكن الروائي حالة أخرى مختلفة تماما. إنه يزدهر في الصراع. يغضب. لكنه كالغزال تزداد سرعته كلما كثر عدد الذين يطاردونه. أنا كتبت ونشرت أربع روايات في سنة واحدة لأني كنت تحت حملة بلطجية ومنحرفين ومخبرين. وحين جاء السكوت شعرت بموت وجفاف وعقم أحيته حملة أخرى.

 

هل يخطر ببالك، أيها العزيز الجميل، أن حمزة الحسن يضع نظارات سود، وفي يده مسدس، ويخبئ قفازات بيض استعدادا لجريمة قتل فعلية؟!

 

 نعم قتلت امرأة في روايتي" سنوات الحريق" وبكيت على هذه الجريمة. فهل ساجد نفسي، حسب هذا التقليد السوقي، مع شكسيبر  وألبرتو مورافيا وأجاثا كريستي وغيرهم في سجن واحد بتهمة قتل شخصيات روائية؟!

 

لكن الأدهى والأغرب : ان هذا الطرطور يطالبني "بوجع ضمير" عن جريمة وهمية خلقها الكحول والحقد ونزعة الانتقام والغيرة وسخرية الآخرين منه، وهي قادمة من تراث العيش في الإتحاد السوفيتي، ولا توجد إلا في خياله المريض( وهو يعرف ذلك تماما!) ونزعة سحق الآخر أو خلق صورة مشوهة عنه في نظر الناس وهو سلوك أكثر دناءة من سلوك أوسخ البعثيين، وقطعا ناتج عن عقدة الشعور بالدونية. ومع ذلك يقول أنه لا يكتب إلا" بدافع من ضميره!" ولا يحب شخصا" إلا في مثل صراحته!". ترى  ما سيحدث لو أنه كتب بلا ضمير؟!!

 

هل رأيت كيف يأخذ العوز والقصور والبلف والحيلة والتفاهة شكل الإبداع، ويتحول في خطابات السذج والأميين، إلى" مبدع، وقامة عراقية، شجاع، وجرئ" إلى آخره وهلم جرى؟! وهو لو نظرت إليه بكل أنواع المجاهر وحتى بمنظار رصد النجوم المنطفئة لما رأيت قامته أبدا!

 

ورغم كل هذه السنوات والبوليس هنا في النرويج لم يصل إليّ لأنه بوليس مغفل، وجاهل، أو أنهم يخافون من اعتقالي لأن النرويج مثل الصومال أو ليبريا أو ساحل العاج أو رواندة تستطيع أن تقتل العشرات أو المئات وتضع بندقية خلف نافذة بيتك ولن تصلك في هذه الحالة حتى قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة.

 

وللتذكير فإن مقتل عاهرة في الدول الاسكندنافية أو بطة أو خنفساء أو جرادة أو قطة أو صرصور سيؤدي إلى مظاهرات صاخبة من قبل مئات المنظمات والجمعيات العجيبة، من منظمة صراصير بلا حدود، إلى  الاتحاد القومي لعشاق أبو الجعل، أو منظمة عشاق الجحش، وحتى جمعية أصدقاء وأحباب الخروف الخ. الخ. الخ.

 

هناك مثل عراقي يقول" الحياء قطرة!" وقد وجدت الأساس العلمي والنفسي الدقيق لهذه المقولة القادمة من الخبرة الشعبية للناس البسطاء. توجد منطقة حيوية في نظام القيم داخل الدماغ ما أن تصاب بالعطب حتى يصبح كل شيء ممكنا: يصبح المريض مستعدا لقول أو فعل أي شيء. تتساوى في نظره كل الأفعال: التبول على نصب تذكاري لبطل قومي يصبح بطولة، والعته يصبح صراحة، والكتابة الإنشائية التافهة تصبح عبقرية "حين يقوم بها حلاق برؤوس المساكين" وتتحول الدعوة إلى تدمير حياة كائن بريء نوعا من الجرأة.

 

إذا وصلت الأمور هذا المستوى فأعرف أننا دخلنا عصر الانحطاط المروع والشامل: حين يهرب الشجاع من أمام الجبان، حين تصير الخسة بطولة، و حين يطالب الرذيل بأن نشعل شمعة بعد أن أطفأ حتى نجوم السماء( أن تظلم شخصا ظلمت الناس جميعا لأن العبرة في المبدأ لا في الكمية) حين تتحول النذالة إلى صراحة، وتتحول الخيانة إلى وجهة نظر في زمن عراقي هناك من "يموت من الضحك بسبب الاحتلال!" والناس تتساقط في الشوارع.

 

  أين نحن من صرخة الشاعر الشيلي بابلو نيرودا في ليلة الانقلاب  الفاشي وهو يصرخ:

 ـ تعالوا انظروا الدم في الشوارع.

 تعالوا أنظروا الدم في الشــ

تعالوا  … انظروا…..

 

لا شك أنك تعرف الكاتب والناقد والشاعر رزاق إبراهيم حسن وقد قرأت ما كتبته عنه يوما. عملت معه في مكان واحد فترة قصيرة من الزمن: عدة شهور سنة 73 أيام الجبهة الوطنية وعدة شهور عام 79، ثم سجنت مع جيلي في الهجمة على القوى الوطنية( أنا أدخل السجون وأخرج لحسابي الخاص بلا مراسيم ولا شارة نصر ولا بطولات !) وحين جاءت الحرب عام 80 ذهبت إلى الحرب .

 

وبنظرة عابرة ستلاحظ أن خط سير حياتي هو: من البرية، إلى السجن، ثم الحرب، ثم السجن، والهروب من الحرب، والسجن في دول آسيوية عديدة كأني مفتش سجون، ثم هذه المنافي . هذه كلها تشطب، عند بلطجي، شاذ، بجرة قلم، ويصنع لي تاريخا مشابها لحياته لا حياتي. هل تعرف أن هؤلاء هم من طارد وضرب السيّاب في بيروت وسرقوا حافظة نقوده ثم رثوه بعد موته ودبجوا القصائد في مدحه؟! هل رأيت كيف يسطون على الأحياء والموتى؟! هل رأيت كيف تتحول ذهنية وعقلية وأخلاقية الافتراس والكلبية والعقد التسلطية إلى موهبة و"قامة" وطاقة إبداعية نادرة؟!

 

حتى هذا التاريخ العلني كجرح مفتوح  هناك من حاول إنكاره وتشويهه وخلق صورة مغايرة لكي ندخل في نسيج البشاعة العام.

 

في تلك الحقبة "كدسنا" المرحوم عزيز السيد جاسم في مجلة واحدة في محاولة لخلق علاقات جديدة أو فتح صفحة جديدة وكان معنا في تلك الحقبة الشاعر عبد الوهاب البياتي وصفحاته المعروفة( أوراق رجل مسافر) والقاص محمود البياتي، والفنان الشيوعي جودت حسيب، وموسى الخميسي/ في إيطاليا اليوم ( الذي طلب منه عزيز السيد جاسم وهو رئيس تحرير أن يهرب من المجلة إلى الكنيسة المجاورة لأن هناك مفرزة أمن في الاستعلامات جاءت للقبض عليه وهو سلوك شجاع لا يقدم عليه رؤساء تحرير الصحف أو المقابر أو الزرائب أو المباغي الالكترونية هذه الأيام ولا قبلها) ومعنا الروائي جمعة اللامي، والنقابي الشهير صادق قدير الخباز، والانقلابي محمد حبيب أبو سلام القائد السياسي للانقلاب الشيوعي الوحيد في معسكر الرشيد سنة 64، حين كان حسن سريع هو القائد العسكري، كذلك السيد أبو زهير الجزائري الرائع الذي كنت أخبئ عنده وصاياي وأوراقي الشخصية عند الذهاب إلى الحرب لأني الوحيد الذي كنت بلا بيت في بغداد، وكنت قادما من البرية ذاهبا إلى السجن، قادما من الحرب، ذاهبا إلى المنفى !.

 

وفي مجلات وصحف أخرى كان فاضل العزاوي كسكرتير تحرير لمجلة ألف باء لمدة سبع سنوات أو أكثر، والشاعر المبدع سعدي يوسف سكرتير تحرير مجلة " التراث الشعبي" ومقرها وزارة الأعلام تسع سنوات تقريبا، وفي أماكن أخرى كان كل شعراء وكتاب العراق حتى أن جريدة" الجمهورية" غصت بأعضاء القيادة المركزية من بيتر يوسف وحتى نصير النهر. هؤلاء جميعا، وكانوا قد أسسوا أسرا، وكتبوا وتزوجوا وسافروا وامتلكوا، كلهم صاروا أبطالا، إلا راعي البرية القادم من حقول الشمس والمطر والضباب وبيوت الصفيح، الأعزل، الذي يدخل ويخرج من السجون الآسيوية، ويهرب عبر الألغام والحدود على الأقدام، ويطرد من بلد إلى بلد عبر الحدود، ويعيش في منفى وجزيرة تشبه جزيرة حي بن يقظان أو روبنسون كروزا، والذي ما تركوا له حتى فرصة العيش، على نحو مقرف، مجرد العيش المضجر، وكان آخر ما سرقوه له، بعد حبه، ووطنه، وذكرياته، هو موقعه !.

 

كان رزاق إبراهيم حسن دفانا نجفيا قدم إلى بغداد وعمل مثل كثيرين في الصحافة وكان يردد في نوبات القرف( هي الأخلاق تنبت كالنباتِ/ إذا سقيت بمني المومسات!): أنا كنت قادما من  المرعى، جمعة اللامي كان قادما من " اليشن" في الهور بعد طرده من الجيش، وجان دمو كان قادما مع فاضل العزاوي وسركون وغيرهم من كركوك، وحسب الشيخ جعفر كان قادما من اهوار العمارة، والشاعر عبد الأمير الحصيري قادما من النجف..الخ... سلالات القلق. كل هؤلاء كانوا مبهورين فرحين بنشوة دخول العاصمة والكتابة وأمل الحرية والرغبة في التفتح في مناخ سياسي ثقافي نظيف. لكننا صدمنا جميعا وكل واحد عاش مأزقه أو حله بطريقته الخاصة: بالهروب( جمعة اللامي والعزاوي وسركون مثلا) أو الانتحار البطيء( الحصيري والمخرج خليل عبد الواحد) أو الموت كمدا أو الخمر ( الشاعر الشعبي جبار الغزي) أو العيش في الوطن على نار كاوية. ومعرفتي برزاق انه كان من هذا الصنف الأخير لأسباب شخصية كثيرة لا تسمح لي علاقتي العميقة والخاصة معه أن أتحدث عنها. لكن "رزاق" لم يكن جزءا من المؤسسة الوحشية رغم كل  ما تعرفه وأعرفه،  بل كان ضحية مؤسفة لها. كان شهما، ونظيفا، وعذبا، رغم كل محاولات تمريغه في الوحل. ومن كان يجرؤ على الرفض في تلك الحقبة البربرية؟ كان ينزف دما ودمعا على مقربة مني. يكتب عن البصل فيتحول المقال على يد سكرتير التحرير إلى مقال عن القائد!. يكتب مقالة عن المقاهي الأدبية البغدادية، تتحول عند النشر إلى مقالة عن دور الحزب القائد في نشر الثقافة!. من كان يجرؤ على الاحتجاج كي يجد نفسه ضيفا على كلاب عدي أو أفاعيه أو سراديبه الرطبة والمعتمة؟. وطوال السنوات العشر الأخيرة كان  رزاق يكتب لي رسائل تملأ القلب بالحزن وكلها تكرر عبارة واحدة" لقد خسرت حياتي!". أذكر رزاق كمثال على تشوش الصورة واختلاط المشهد ولكي نكون أكثر رحمة بضحايا عاشوا الموت اليومي على مقربة من الوحش ومع ذلك حافظوا على ضمير نقي حقا، نظيف حقا، ولم يتحطم فيهم غير الجسد( كم كنت سعيدا حين علمت أن رزاق عاد اليوم للعمل في جريدة في بغداد مع الأمل أن لا تتكرر أخطاء سنوات الحريق!).

 

حين يصمت مثقف في الداخل، حين يجبر على الكلام أو الحرب، حين يموت أو يجن، فهو ضحية، لكن ماذا نقول لمثقف "خرج" من  العراق كجغرافية، ولم يخرج من العقلية؟!

 

حين يطاردك شرطي أمن في الداخل، تعرف أنه عدو، حين يشوه حياتك رجل مخابرات في الوطن بشكل مقصود، فهو عدو، لكن ماذا تفعل حين يطاردك " مثقف!" أو "سمل" مثقف أو شبح مثقف أو "نص ردن" مثقف أو وهم مثقف، فكيف تفسر ذلك؟.

 

الخروج من الوطن لا يعني الخروج من العقلية، وكون المرء ليس بعثيا  ليس صك براءة، هناك في الحزب الحاكم أفراد أجبروا على الانتماء وهم من أسر شريفة يستنكفون من سلوكيات يقوم بها أفراد يعرّفون أنفسهم على أنهم " مثقفون منفيون" مع أن الألقاب صارت تباع وتشترى كورق التواليت من السوبر ماركت.

 

   أخفى دكتور البردي رأسه كالعادة لكي يظهر في صورة من يريد أن "يشعل شمعة" وهي تقنية خبير زقاقي ولم يتكلم أحد من الذين  أعرفهم جيدا وعشت معهم أبدا ما عدا الأخ علاء اللامي والأخ محمود البياتي.

 

أما الآخرون الذين طُردت من الصحافة بحضورهم وفي رعايتهم وبوعي وإدراك ومرأى منهم وظلوا هم عشر سنوات تحت الفيء، بعيدا عن الحرب، بعيدا عن السجن، بعيدا عن الموت والشمس والصيف المهلك والنار والمطاردة، تظاهروا بأنهم لا يسمعون، ولا يعرفون، ولا يعقلون. يوم طردت من الصحافة إلى الخطوط الأمامية بكتاب من المخابرات والأمن والاستخبارات( لأنه سجين سياسي سابق!) كان عدنان الصائغ موجودا في الجريدة، وكان الصديق العزيز كمال سبتي موجودا أيضا، والرسام كفاح محمود، ومحمد الحياني، ووارد بدر السالم، وثامر معيوف، والشهيد ضرغام هاشم موجود، والشاعر المبدع رعد عبد القادر موجود مع عشرات الكتاب والشعراء . وكان مفهوما أن لا يتدخل أحد في الداخل، لكن لماذا يصمت عدنان الصائغ وأمثاله حين يتعلق الأمر بشهادة حق؟! لماذا يتظاهر الصائغ بأن حمزة الحسن لم يطرد أمامه علنا وبصورة مهينة من الجريدة التي استدعيت للعمل فيها بأوامر عسكرية وطردت منها بنفس الأوامر؟! الجواب واضح: لكي أدخل في نسيج البشاعة العام ويضيع الأبتر بين "البتران"!

 

 وبما أني قررت أن تكون هذه الرسالة هي "شهادة ثانية للأيام" ولكي يستفيد القارئ ويتمتع بتجربة جيل كامل مخفية ومعتم عليها، بل محرفة عن عمد، وشهادة روائية أيضا، يقتضي الإنصاف أن أذكر بالدور الشجاع الذي لعبته الصحفية ساهرة نايف بدفع وتحفيز من السيد أمير الحلو ( الذي كان سكرتيرا للتحرير)حيث ذهبت وقابلت هي مدير الاستخبارات العسكرية بدافع من قرابة أو معرفة عائلية، كي تسأله عن سبب الطرد إلى الخطوط الأمامية: "هل هو سياسي أم أخلاقي؟" والطريف هو ما  قالته لي الأخت ساهرة ونحن في الطريق: ستحل المشكلة إذا كان السبب أخلاقيا. لكن من المستحيل أن تحل إذا كان سياسيا!.

 

والترجمة الحرفية لكلام الأخت ساهرة على عفويته وصدقه ونظافته هو:  إن الجماعة لا مشكلة  عندهم مع السلوك الأخلاقي المتدني، لأنه أرحم من السبب السياسي. وكنت أعرف السبب وسكت. وخرجت ساهرة متجهمة. ولكي يخفف السيد أمير الحلو، وللأمانة ذكر ذلك، أعطاني جهاز راديو صغير كهدية أسمع به الأغاني العاطفية في الخطوط الأمامية وكي يخفف من الإهانة التي كانت تاجا، ووساما، وبراءة ذمة ذهبية من تلك السلطة.

 

 تلك البادرة، على بساطتها، عكست لي عن رفض مكبوت وعن قلق وعن عنف داخلي محبوس من السيد "الحلو"  مما يجري  وهو كل ما يستطيعه والذي لا يمكن فهم صورته، مع مئات من المثقفين، دون ذكر كل تاريخ السلطة الوحشية.

 

هناك مسرحية( أظن ليوجين يونسكو) أو أحد كتاب ما يعرف بمدرسة العبث ، تدور أحداثها داخل بيت عائلة يتشاجر فيه الزوج والزوجة ويتراشقون بأدوات المنزل، في حين يسمعون بلا مبالاة دوي المدفعية الذي يقترب منهم حتى تدخل عليهم الحرب في المنزل.

 

هذا العبث واللامبالاة وجدت شبيها لها بين كتاب الخارج اليوم أو أنصافهم أو أرباعهم. الوطن يحترق ويضيع ويتم تفكيكه حجرة  ومؤسسة وجسرا وبناية وتاريخا وهناك من يحاول جرنا في متاهات أخرى كي يتم الإجهاز على ما تبقى من هذا الوطن الذي صار وليمة.

 

في رسالة إلى صاحب "موقع" في كانون الأول العام الماضي، وفي ذروة المخاطر، قلت له حرفيا " ألجم كلبك النابح لأننا مقبلون على حريق!". وكلب صاحب الموقع، دكتور الردح، لو سمع بأن العالم على وشك الفناء بعد ساعات على إثر سقوط نيزك على الأرض وتدميره في جليد شتائي جديد، لما كف عن الحديث عن هموم وخصومات ذاتية تافهة.

 

حين يصير احد هؤلاء شيوعيا، فجيب أن نكون معه، وألا صرنا عملاء للدولة والسراب والغيب والمطر والضباب والأنقاض.

 

وحين يتحول إلى ليبرالي منتوف الريش، والليبرالية نظام اقتصادي قبل كل شيء وليست هوية أو طاقية تلبس، يريد منا أن نكون معه.

 

وحين يرفع مرة شعار الكفاح المسلح، يجب أن نكون معه.

وحين يصير اليوم أمريكيا، فيجب أن نكون معه.

وحين يطالب بهجر العروبة، لأن علي حسن المجيد منها، وهو اختزال صبياني للهويات القومية، يجب أن نكون معه. وكما يبدو من سير الأحداث أننا هذه المرة بعد أن تم تدمير حياتنا  تحت شعار القومية والماركسية واشتراكية الطريق الواحد والثورية والعنف الثوري والثورة الجنسية المثلية، فسيتم اليوم تخريب الوطن، أو شبحه أو ما تبقى منه من أسمال، تحت شعار" التكنوقراطية" بتعبير كاتب عراقي يعيش اليوم في الجحيم.

 

هذا المثقف الخردة، هذا الصرصور المضحك، صاحب الرسالات الكبرى، خبير العقم والجينات، مفسر الأحلام، وطبيب الزكام، ومغير التاريخ، ودليل الوطن إلى السراب، والجيوش إلى الوطن، وواشي السفن على جبال الجليد، الموسوعي، الفنان، العليم، العاشق، الهارب من قدر التاريخ إلى مدن الضباب، والناجي الوحيد من "شوطة الحرافيش"، هذا المنقذ والمخلّص، مسيح العصر العراقي، لا تدعوه يفلت منكم هذه المرة بعد كل ما فعل.

 

إذا انسحب الاحتلال من الوطن، والسفن من الجليد، والأجنة من الأرحام، والضوء من النجوم، والجبال تململت، والقبل من الشفاه، والأجساد من الأسرة، والمانع الجنسي من العضو، وعضو مجلس انتقالي من المجلس، وانسحب الضباب من الطرق، وحاول هذا السياسي ملك كل العصور، وكل العقائد، وكل المشاريع من مشاريع الثورة وحتى مشاريع الدواجن، حاول الهرب، أو أنه صُلب وحاول الصعود إلى السماء، فلا تدعوه يصعد.

أرجوكم لا تدعوا هذا" المخلّص" يصعد وينجو بريشه.

لا تدعوه يصعد

ولو بضربه بالأحذية!

  

 
                      العودة للصفحة الرئيسية