|
إن القراءة النقدية لروايات صنع الله
ابراهيم ستحيلنا على سؤال مهم عن مدى التطابق بين الواقعي
والروائي، وبين الشخصية الواقعية والشخصية الروائية، وبين صورة
الشخص عن نفسه وبين صورته بعين روائي.
لقد تناول صنع الله ابراهيم في اغلب
رواياته وقائع حقيقية وتعرض الى
شخصيات حقيقية وسماها بالاسم بل اعلن
في مقدمة روايته القيمة" وردة":
(ان
بعض الاشخاص والوقائع في الصفحات
التالية هم من صميم الواقع والبعض الاخر
من نسج الخيال لذلك من المهم أن تقرأ على
انها.. رواية!).
وهذا التنويه ورد ايضا في روايته "
ذات" كما ان رواياته
الاخرى مثل ( بيروت، بيروت/
شرف/اللجنة/ تلك الرائحة/ وردة) كلها تتضمن وقائع وشخصيات من
صميم الواقع وبعضها بالاسماء الحقيقية
كما جاء في روايته القيمة وردة.
ان
رواية وردة تتعرض الى حقب
واجيال عديدة في
اكثر من مكان في العالم العربي ،
ومسرحها يمتد من القاهرة الى صنعاء
وبيروت وعدن ومسقط وظفار، وهي
تتناول مرحلة منسية، أو اريد لها
ان تكون منسية من تاريخ هذه
المنطقة، وهي الثورة العمانية في ظفار
التي تم اسقاطها من خلال اتفاق دولي
اقليمي كتب عنه الكثير
عام 75،
لكن الاجيال العربية الفتية نتيجة
التعتيم والتضليل الاعلامي لم تعد
تتذكر اي شيء عن هذه الثورة
المغدورة.
ورواية صنع الله ابراهيم تتابع مسار
هذه الثورة في شخوصها الاحياء
والاموت
وبالاسماء الحقيقية، وتتعرض الى
الامكنة والجبال والصخور والشيوخ
والخونة
والثوار والشهداء والمنحرفين والتجار والمقاولين وباعة
الاوطان والضمير وباعة الجسد والبلد
في عمل روائي مفتوح يعري ويفضح المسكوت
عنه والذي لا يقال الا همسا أو بوحا
أو لا يقال ابدا .
لكن هذه الرواية ـ كما في روايات صنع الله
الاخرى ـ تثير قضية نقدية وروائية هي قضية العلاقة بين
الروائي ومصادره، والعلاقة بين الروائي وشخوصه؟ من
اين يستمد الروائي مادته الروائية؟
وكيف يتعامل مع شخوصه؟.
ان
صنع الله كروائي مشغول بقضية الحرية والعدالة والحقيقة مثله مثل
بقية كتاب الرواية العرب أمثال حيدر حيدر
ومحمد شكري والطاهر بن جلون وغيرهم، ليس من واجبه جعل الواقع
المشوه جميلا، ولا وضع مسحة كنهوتية
على نماذج بشعة
او تجميل
وجوها
شائهة.على العكس انه يعري ويفضح
ويكشف ويرفع النقاب عن الوقائع الخفية والنماذج المختبئة خلف حجب
واستار ووضعها تحت ضوء النهار لكي
يراها الناس كما يجب أن ترى، على حقيقتها، لا كما تحب هذه
النماذج ان تظهر
من خلال واجهة مزيفة صنعت بمهارة.
وهذا ماقام به الروائي الشهير
غابريل ماركيز
في روايته الاخيرة( خبر اختطاف)
التي تحدثت وبالاسماء عن قتلة وكتاب
وصحفيين وسماسرة وسياسيين وخاطفين واذاعيين
وزعماء احزاب،
كما ان الروائي
الايطالي
امبرتو ايكو تعرض في روايته
الشهيرة( اسم الوردة) الى
ظاهرة حساسة تمس جوهر الوجدان الديني المسيحي وهو مؤسسة
الفاتيكان ودور رجال الدين فيها والشذوذ الجنسي
للبابوات عبر التاريخ.
ان
مثل هذا السجل الوعر لا يمكن، بل لم يجرؤ على فتحه
اي مؤرخ، ماعدا هذا الروائي الكبير
ايكو وهو ايضا
مفكر ولساني وناقد على درجة كبيرة من
الاهمية في الحياة الثقافية
الاوروبية.
اذا كان الروائي
الايطالي
امبرتو يتعرض الى ظاهرة
الشذوذ الجنسي عند البابوات، فماذا
يمنع الروائي العراقي أو العربي من الحديث عن ظاهرة الشذوذ
الجنسي
والسياسي والديني عند نماذج لا تصل الى
مستوى حساسية مرجعية دينية كالبابوات؟
ان
الروائي غير معني بالتصنيفات الاخرى
السياسية والاجتماعية والاخلاقية
التي تلجأ الى التخفي
والتستر
والتواري وحجب الحقائق والاشياء
والاسرار، لأن هذا يتعارض مع صميم
العمل الروائي الذي يقوم في مجمله على كشف كل ما هو مخبوء ومنسي
ومختبيء
خلف واجهات واصباغ
واعلانات ومساحيق.
ومن تجربة حقيقية تعرضت في رواياتي
( عزلة اورستا
وسنوات الحريق والأعزل)
الى بعض النماذج التي تحب أن تصنع
لنفسها واجهات ملونة براقة وتتخفى خلفها وتمارس عبر ستار
كل ما هو مناقض للواجهة الخارجية.
ان
الرواية هي فن رفع الاقنعة. لكن
لماذا لا يخجل هؤلاء من ممارسة الفضيحة ويخجلون من
اسلوب التعبير عنها؟
هناك نمط من الناس ترسخت في داخله
شخصيتان أو أكثر نتيجة ظروف القمع أو التربية المزدوجة: واحدة
علنية للتعامل مع المجتمع والدولة وهي واجهة يحرص هذا الصنف على
ان تكون مقبولة ومتفقة ومتطابقة مع
الاوضاع، والشخصية الثانية هي شخصية
سرية باطنية تعيش في نفق داخلي وتبني عالمها السري بطريقة
العنكبوت وتمارس اخس
الافعال من خلف نوافذ مغلقة وفي
أماكن تحرص هذه الشخصية على ان تكون
محاطة بالكتمان والغموض والسرية.
أي اننا هنا إزاء واجهتين: واحدة
خارجية ملفقة، وأخرى داخلية مموهة ومخفية بعناية.مع
من يتعامل الروائي؟مع واجهة خارجية ملفقة متطابقة مع القيم
السائدة؟أم مع الشخصية الحقيقيةالتي
تتظاهر في نسختها الخارجية بالاخلاق
والورع؟
هنا يكمن جوهر الفن الروائي خاصة وكل فن عامة.ان
الرواية
الجديدة
هي فن الفضيحة.وعلى الذين يخجلون من الفضيحة أن يكفوا عن
ممارستها، لا أن يخجلوا من كشفها.
إن
الرواية الجديدة هي النص العاري
المفتوح والمُؤسّس على كشف المخبوء والمستور
والمسكوت عنه
لا فن تجميل القبح وجعله يبدو جذابا
كما أنها فن رؤية الضوء في قلب العتمة الرائبة، أي سماع دبيب
الأزمنة في الظلام! |