الرئيسية  |  سيرة ذاتية  |  مقالات  |   مؤلفات  |  مواقع اخرى  |  مراسلة

 

زوربا وبالقاسم وأنا والزمن

 

كان من عادة الروائي اليوناني كازنتزاكي حين ينهي أحد فصول كتبه، شعرا، رواية، سيرة، يعرضه على زوجته أيليني كطفل بذات التواضع الساذج والمرتب والمنظم والمتقن، بتعبيرها في سيرتها المشتركة مع نيكوس في كتابها" المنشق".

 

ـ لينوتشكا، اقرأي، أرجوك، اخبريني إذا كانت لها قيمة!

 

قال لها ذلك وهو يدخل غرفتها محمرا خجلا مثل تلميذ ومقدمة كتاب( تودا ـ رابا) في يده.

 

لكن الكتاب الذي تشعر أيليني بطعمه المر رغم مرور عشرات السنوات هو ( تقرير إلى غريكو) سيرته الذاتية التي ظل يكتبها فترة طويلة، وكان من عادته ألا يتناول الغداء كي لا ينقطع عن عمله:

( وكنا نخرج للجوار مرة في الأسبوع، وهو يحب كل مساء قراءة ما يكتبه في النهار).

 تقول أيليني، وتتابع:

ـ بعد مرور ثلاثين عاما ظل محافظا على القلق ذاته والشك ذاته. نحن الآن في أنتيب ونيكوس يكتب( تقرير إلى غريكو) بعصبية فائقة، مع التحضير لرحلتنا إلى الصين. فلم يكد ينتهي من كتابة المقدمة حتى قال لي بنبرة تأثر( اقرأي ياصغيرتي، أرجوك، اقرأي ما كتبت، لست أدري حقا، إذا كان ما كتبته ذا قيمة!).

 

وتقرير إلى غريكو هو وداع نيكوس لهذه الدنيا، وكانت أيليني تعرف هواجس هذا الجوال اليوناني، وتخشى من مشاعر الشعور بقرب دنو الغسق اليوناني المدهش نيكوس.

 

ـ اقرأي يا صغيرتي.. !

 

قالها بلهجة تأثر، وكان واضحا أنه خارج من شعور ما ثقيل، ومر، وأن حبال القلوس ( حبال السفينة) قد رفعت، وأن الرحلة وصلت غايتها، وأن الصقر اليوناني، صقر آخر الأساطير اليونانية، يتهيأ للطيران صوب اليوتوبيات الأخرى، الواقعة خلف الشمس.

 

ـ اقرأي يا صغيرتي...!

 

حين قرأت أيليني سطور الافتتاح الأولى أجهشت في البكاء. لقد رفع البحار حبال القلوس، وأن رائحة الموت تملأ هذه السطور:

 

( أجمع أدواتي: البصر، السمع، الذوق، الشم، اللمس، الروح.

حل المساء وانتهى يوم العمل، لست متعبا، غير أن الشمس تغيب....).

 

 توقفت عن القراءة وانفجرت باكية. تقول عن تلك اللحظة:

 

( هذه المرة غامت عيناي أنا، واختنق صوتي:" ما الذي يدفعه إلى الحديث عن الموت هذا اليوم؟" فكرت وأنا أحاول إتمام القراءة" لماذا يتقبل الموت لأول مرة، اليوم؟").

 

أما نيكوس فقد وضع يده على كتفها قائلا:

 

ـ اطمئني يا رفيقتي. سوف أعيش عشر سنوات أخرى!. لقد سبق لنا القول إننا لا نموت إذا كان لنا هدف نريد بلوغه!

 

وفي المساء، تقول، كتب إلى صديقه بريفيلاكي:

 

( أرسل إليك افتتاح " تقرير إلى غريكو" لم تتمكن أيليني من قراءته حتى النهاية، إذ انفجرت باكية. مع أنه من الأفضل أن تتعود على الأمر، وأتعود عليه أيضا...).

 

 من بعد يكتب نيكوس في رسالة مبتهجة:

 

ـ آه، يا لعذوبة الحياة! . كيف تغني لا مبالية ـ مثل الحسون ذي العنق الأحمر، منتشيا بأريج الأجاص البري وبالعش الدافئ الذي تلمع فيه بيضتان..." فلأغرد أولا، ثم أحضن البيض، فلأغرد أولا!" ولم يفهم أنه يقف على فخ قناص الطيور.

 

الهاجس مرة أخرى، حتى في البهجة.

 

كان يختنق بعشرات الكتب والروايات، وكانت ملحمة الأوديسة أوشكت أن تخنقه، وهو أدق تعبير لأيليني في وصف حالته، وكانت مخططات الأخوة الاعداء، والمسيح يصلب من جديد، وكتاب الزهد أو التصوف، وزوربا اليوناني وغيرها تلتف حول عنقه، كالوقت الضيق، كفخ قناص الطيور، ولم تغير جائزة نوبل التي جاءت فيما بعد من سلوكه شيئا، لأن حبال السفينة مرخاة والغسق المتوهج ينبجس من البحر وهو يراقبه من قلب عزلته، عزلة النبي، أو عزلة الوحش، بتعبير نيتشه.

 

يبقى زوربا اليوناني أغرب الشخصيات التي تعرف عليها نيكوس يوما في سنة 1917 في  منجم فحم جنوب" البيلوبوننيز" قرب خليج صغير ورائع، كما تقول. عاش هنا فترة من الوقت مع عامل المناجم زوربا الذي سيلعب دورا مهما في حياة هذا الروائي والفيلسوف العملاق.

 

 وحتى بعد شيوع اسطورتهما، الروائي وزوربا، في كل أنحاء العالم، فلا يزال المسنون في " ماني" يتذكرونهما في كوخ على الشاطئ. ويشيرون بفخر إلى المغارة أو" الجحر" المنعزل الذي كان يلجأ إليه نيكوس للقراءة والكتابة.

 

وعند انهيار المنجم، تركه زوربا وكازنتزاكي، أحدهما ارتحل قاصدا مناجم  خالسيدك، ثم صربيا، والثاني نيكوس إلى سويسرا.

 

( عزلة فوق مرتفعات أرزجيبيرج الثلجية، حيث تعلمت أشياء كثيرة جوهرية من بينها معنى كلمة عزلة. كان بحاجة إلى مجال واسع، وفضاء شاغر كي يجلس مثل ناسك آسيوي تحت شجرة، يقرب المزمار من شفيته، ويبدأ بالعزف، وبخلق أشباح سرعان ما تتحول إلى كائنات حية ومستقلة عنه). تعلق أيليني.

 

وتظل علاقة نيكوس برفيق دربه، والشخص الذي أثر به كثيرا، وبطل رائعته الشهيرة( زوربا اليوناني) عامل المناجم البسيط، من أكثر علاقات كبار الكتاب بشخصياتهم غموضا وجمالا وخصبا والتباسا.

 

لم يكن زوربا متعلما،إنما حكيم، تلك الحكمة التي تنساب كالنهر الرقراق  في ليلة قمرية دافئة. وكان شخصا مفعما بحيوية وقوة وحس متدفق، وشهما، وكان عمليا، أمام ما كان يسميه زوربا" قارضة الكتب" وهو لقب الغضب الذي كان يكني به نيكوس في ساعات الشدة.

 

في مشهد قتل الأرملة في رواية ( زوربا) يبقى الروائي متفرجا، حائرا، يائسا، في حين يندفع زوربا والسكين في يده محاولا إنقاذها، بدون جدوى. لكنه أدى ما عليه. ويغضب من قارضة الكتب الذي لا يفعل شيئا غير الكتابة.

 

وحين يعجز زوربا عن قول ما يريد لعامل روسي في بار لاختلاف اللغة يشرع في الرقص في مشهد يجسد ذروة اللغة الجسدية ويرقص من بعد الروسي ويتفاهمان حول كل شيء. وهذا المشهد المدهش برع الممثل اليوناني الأصل أنتوني كوين في تصويره ببراعة في الفيلم الشهير الذي يحمل الاسم نفسه ـ زوربا.

 

والحديث عن علاقة نيكوس بزوربا تتضمن كلاما كثيرا مثل:

ـ العلاقة بين الشخص الحقيقي والشخص الروائي. أين تنتهي حدود الأول، وأين يبدأ الثاني؟

 

ولا شك أن زوربا بطل الرواية ليس هو حرفيا زوربا الواقعي، لكنه صورته الأصلية. وهذا ما لا يعرفه كثير من النقاد والقراء العرب على السواء مع كل الأسف، فهم يعتقدون أن الروائي فوتوغرافي، ويخلطون بين الشخص الواقعي وبين الشخصية الروائية بذهنية المطابقة، ويدمجون الشخص الواقعي بالشخص الروائي.

 

ـ إن زوربا هو الاسم الحقيقي لعامل الفحم زوربا.والرواية في الوقت الذي تسجل فيه، لكنها تخلق. ليست استعادة نصية، بل إعادة صياغة من جديد. ليست المطابقة بل المشابهة لأن الأخيرة ليست نسخا كالأولى، إنما شبه.

 

 ولكي نتعرف جيدا على شخصية زوربا علينا مطالعة رسائله إلى نيكوس التي تحتفظ بها أيليني كجرح مشرّف يلمع عبر السنوات.

 

لقد غاب الرجلان عن هذه الأرض ورفعت حبال القلوس وصفرت الباخرة وحط الغسق على جبال اليونان وجزيرة كريت ( وغابت الشمس) وهذه المرأة المفجوعة تحتضن رسائل عامرة بالحكمة والصداقة والجمال.

 

يكتب زوربا من صربيا في 17 يوليو22:

 

( .. تلقيت رسالتك الأخيرة ووجدت أنك تفرط في مدحي، لا تسخر من فكرة امتلاكنا قيمة أخرى، وبحثنا عن شيء أفضل من الآخرين؟ من جهتي كل الذين عرفتهم يقتصرون على المال وحده. يتزوجون، يعيشون رتابة الحياة الزوجية. وأنا لا أصنفك ضمن هذا النوع. أنا فقط لم أتزوج إلا من باب المزاح. السيدة زوجتي توفيت، وحسنا فعلت. وما زلت أضحك على أصدقائي الذين أشفقوا على مصيري آنذاك.

 

أنا الآن لا أخشى الإله، لا أخشاه مطلقا،مطلقا. ربما يعود ذلك إلى أنني نفذت تعاليمه. لا أخاف الموت لأنه لا يساوي شيئاً. وكما أنني لا أساوي شيئا بدوري، فأنا لا أخشى أخطر عناصر الطبيعة، مهما فعلت، وحتى إذ جاء ذنب مذنب ليضربنا ويحولنا إلى سلاطة طماطم، فأنا أضحك.

 

سأسألك حول نقطة أخشاها وتتملك أحاسيسي بقوة. الشيخوخة تخيفني، ولا أجد شيئا لطرد هذا الخوف. كل هذا أجده في منتهى الضيق .. أنا الذي أذهب إلى كل مكان من دون خوف، إلى غابات جبل آتوس، وروسيا، كما كتبت تمدحني... أنا أصير حارسا لعدة أحفاد متوحشين؟.

 

أكتب إليك هذه الحماقات، محاولا التحرر، ولهذا السبب أجوب الجبال... أفضل أي نوع آخر من الموت، كأن تلتهمني الذئاب والدببة، ومهما كان نوع الحيوان القادم فأنا أقول له على الرحب والسعة!( يضع زوربا الفوارز والنقاط حسب المزاج!).

 

إذا لم ننجح في إيجاد مأوانا المنتظر حيث نعد حساءنا من بطاطا وخضار وما تصادفه أيدينا، فالشقاء حليفنا! .

       الوفي لكم

        ج. زوربا).

 

 

وهذه رسالة أخرى تلقي مزيدا من الضوء والعمق على حياة زوربا:

 

( عزيزي السيد كازنتزاكي( لم يخرج زوربا عن  أخلاقيات المراسلات مع الروائي رغم عمق الصداقة).

 

تلقيت رسالتك المؤرخة في 20/10/ 22

 

أنا بخير. أقوم بأشياء. لدي مشروع فائق الأهمية حتى بالنسبة إليكم. أي أنه يتوجب عليك أن تتبع حياتي كي تقتنع بأن الإنسان الذي يريد، يستطيع أن يفعل ما يريده، بعون الإله.

 

أنا أدركت ، منذ قليل من الوقت، أنني لم آت إلى العالم حصانا أو ثورا على سبيل المثال. وحدها الحيوانات تعيش لتأكل. ولكي أنجو من هذا النوع أعمل ليلا ونهارا، وأنا سعيد بذلك، وبالمعركة المريعة مع الحياة. ومع ذلك أتوصل إلى مواقف في منتهى التعقيد.

 

لنتحدث الآن عن وطننا اليونان. ليس لدينا سوى هدف واحد. اليونان هي دائما اليونان. حضرتك تعرف الكثير، الكثير من الأشياء الكبيرة، أكثر مني، أخبركم فقط بما توصلت إليه...

 

تصوروا إذن، يونانيا طبيبا، وهو شقيقي، يحب دابة... صورة رجل لا قيمة له( يقصد ملك اليونان!) فكيف تراني أنا الأمي البسيط، لا أمارس عبادة الشخصية؟ غير أن العالم من شأنه أن يكون سعيدا لو كان يشبهني مثلا.

 

يستحيل علي أن أحب أو أعبد إنسانا فانيا، أدنى مني، لأني أعتقد أن الإنسان الذي لا يسعى إلى فعل الخير... واكتشاف أشياء من دون إزعاج لجاره، ليس إنسانا.

 

إن الحزب في اليونان يعني المصلحة والملك هو أداة هذه المصلحة. وكل أداة سيئة ينبغي أن تتلف، الأسلحة، والمدافع، السكاكين المدببة... الخ..

 

تصور، يا سيد كازنتزاكي، أن طبيبا مقدونيا لا يفهم اللعبة الأوروبية، ولا يدرك أن اوروبا هذه، وجدت شعبا مضطهدا فشكلت نوعين من الشرطة داخل اليونان من دون دفع الرواتب؟( أظن أنه يشير إلى الاحتلال البلغاري لليونان).

 

فالشعب لم يفهم.. ولم يهتم بإيجاد وزير محب لليونان، وقادر على رؤية مصالح اليونان. ومعنى ذلك أن الشعب يبغي الوفاق كي ينجو من المجازر.

 

عندما نلتقي سوف نتحدث عن كل ذلك. أما الآن فأحاول ضمان وسائل عيشي.. والكتابة إليك كي تأتي إلى هنا وتدرك كم جميل أن نكون معا.

 

فعلى سطح الأرض توجد الحياة، توجد أزهار، وتوجد أشياء جميلة، بكميات كبيرة، لكنها لا تثير بهجتي لأنني أجد أنواع الشرور والآلام مختلطة على سطح الأرض، في كل مكان.

 

 المنجم. قرية غريبفتسا.في:18 ـ1 نوفمبر 1922 ).

 

في 27 مارس 1927/ يكتب نيكوس مبتهجا:

 

( لينوتشكا الحبيبة،

 لتكن هذه أن شاء الله آخر رسالة ابعث بها إليك من أثينا، حيث أقيم منذ بضعة أيام. حلم بلاد العرب انتهى ـ وبدأت اليقظة الآن، وهواء أثينا الخانق يضايقني من جديد( كان نيكوس يفاخر بأصله العربي).

 

أكتب مقالاتي عن مصر وبلاد العرب، لأسافر بعد ذلك مباشرة.. أشعر بفرح شديد لأنني سأراك، يا حبيبتي).

 

في حانة في شارع هنكاريا كروتة وفي الشقة 18 التي نزلت فيها لمدة شهرين في بودابست، تعرفت على مواطن مجري كهل في حانة صغيرة حاول التعرف عليّ بكل الوسائل وكان يظن أني هارب وبلا أوراق رغم أني كنت قادما من النرويج .

 

وكنت قد قضيت الرحلة في محطة قطار بودابست" كلتي، ونيوكتي" أي شرق وغرب بودابست مع المشردين العرب وهم خليط غريب من اساتذة وسياسيين وعساكر ولصوص وصعاليك فارين واقربهم الى القلب "بلقاسم" عضو جبهة الانقاذ الجزائرية كما اظن والذي عاش معي في المنزل فترة من الوقت بدون أوراق. لم اساله عن اسمه أبدا ولا أدري اذا كان هذا لقبا أم لا مع أنه عاش معي فترة نصف شهر أو اكثر وفي بعض الاحيان كنت اشحن الشقة الكبيرة بعدد كبير من المشردين واللصوص العرب الضحايا الشرفاء الذين كنت اضع نقودي أمانة عندهم فأجدها كما هي وهم جياع!

 

ومرة عُثر على أحدهم يسرق طعاما من محل فقبضوا عليه وكان يحمل نقودي فسجن لأن البوليس يتساهل مع لصوص الطعام شرط أن يكون مفلسا وعبثا حاول إقناعهم بأن هذه أمانة عنده!( أي مجنون يمكن أن يضع نقوده أمانة عند لص جائع؟!) فأنا لا ألتزم بالتصنيف العام للبشر وأعرف أن  القلب البشري منجم لعواطف انسانية عميقة.

 

 كنت اقرأ لـ"بلقاسم" حين يفرغ من صلاته وانتشي انا من السكر قصيدة سعدي يوسف" الاخضر بن يوسف ومشاغله":

( نبي يقاسمني شقتي

يسكن الغرفة المستطيلة

وكل صباح يشاركني قهوة والحليب وسر

الليالي الطويلة

.......

.....

وكانت ملابسنا في الخزانة واحدة:

كان يلبس يوما قميصي

والبس يوما قميصه).

 

وحين اصل الى هذا المقطع يجهش هذا الكبرياء الجزائري الرائع بالنشيج المر وتغيم عيناه كجبال الأوراس في الضباب:

 (  ولكنه حين يحتد

يرفض ان يرتدي غير برنسه

الصوف)

ـ كفى سي حمزة. كفى!

 

حتى تم تدبير هروبه الى النمسا ثم المانيا بجواز سفر مزور وودعته في محطة القطار وهو يلوح لنا من النافذة ويضحك. وحين سألته في الهاتف بعد خروجه من السجن النمساوي لماذا كنت تضحك رد علي بمزيد من تلك الضحكة العذبة" ياسي حمزة. عجبت من المودعين: انت هارب عراقي، ومعك احمد المغربي مشرد بدون أوراق، والثالث المهرب السنغالي. قلت مع نفسي أية رحلة مشؤومة هذه التي تودعك فيها هذه الجماعة الملعونة!".

 

وقبل ان يصعد الى القطار اشتريت له بطاقة فرنسية على شكل لوحة للفنان بيكاسو ووضعتها في جيبه مع كلمات باللغة النرويجية على اساس ان البطاقة قادمة اليه من النرويج لكي اعطيه مظهر مسافر حقيقي مع  أن كل ما فيه من القميص الممزق والحذاء والوجه والنظرات والشعر والجوارب والأهداب كان يوحي بأنه مطارد!( وقد سجلت هذه الاحداث في روايتي " سنوات الحريق").

 

كان الوقت شتاءً، والثلج بدأ يتساقط بشكل غير معهود في بودابست بعد منتصف كانون الأول سنة 96، والمارة يظهرون عبر واجهة الحانة الزجاجية يركضون تحت الثلج، والمساء كئيب لمنفي، في حانة صغيرة منزوية، وشموع أعياد الميلاد تضوي في بعض النوافذ، حين وقف، فجأة، الرجل المجري في تلك الحانة الصغيرة وشرع في الرقص وهو يردد:

ـ زوربا، زوربا!

 

تأثرت جدا.

وفي المساء نفسه قالت لي سيدة عجوز يونانية كانت تعاني من مرض قاتل ولا أعتقد أنها لا تزال حية اليوم، وهي يسارية يونانية سجنت وهي طفلة، وذكرتها في روايتي" سنوات الحريق" قالت:

 

ـ إن هذا الرجل الذي رقص رقصة زوربا في الحانة أسفل البناية هو أحد عمال مصانع بودابست الذين طحنتهم التحولات بلا ضمان اليوم ولا رواتب، وهو يعرف أنك قادم من النرويج وكان يريد أن يقول أنه لا يملك نقود حفل عيد الميلاد ولا هدايا لأطفاله.

 

خرجت مسرعا تحت الثلج وأنا أردد:

ـ كيف لم أفهم؟ أم أنه رقص بصورة سيئة؟!

  

 
                      العودة للصفحة الرئيسية